خواطر حول رياض الأطفال فى دولة الإمارات العربية
المحاكاة مهارة يجب تشجيعها
مدخلات التعلم فى مدرسة الحارة
بقلم : أسامة فوزى
نشر في جريدة البيان - دبي عام 1984

 
لم تعد رياض الأطفال مؤسسات تكميلية فى النظام التربوى العالمى ، ولم تعد مجرد معتقلات تربوية وترفيهية لأبناء الأزواج العاملين ، فقد أثبتت الدراسات النفسية والتربوية الحديثة أن مرحلة الطفولة المبكرة ـ مرحلة ما قبل المدرسة ـ هى التى تحدد مراحل النمو عند الطفل ، لأنه يكون فى هذه المرحلة محباً لنفسه ومعجباً بها وقادراً على المحاكاة ـ كما يقول جان جاك روسو ـ وكانت هذه النظرية هى القاعدة التى أنطلق منها العالم التربوى " فرويل " الذى يعتبر بحق المؤسس الأول لرياض الأطفال ، فى عام 1782 لأنه ترجم الأفكار النظرية حول مراحل نمو الطفل فى سنواته الأولى إلى عمل ميدانى عندما أفتتح روضة خاصة للأطفال فيما بعد.
مؤسسة بديلة
ومع أن فكرة رياض الأطفال جديدة على النظام التربوى فى العالم العربى ، الا أنها فى الدول المتقدمة معروفة ومتطورة بما يناسب تطور مجتمعاتها وتقدمها العلمى ، حيث أدى خروج المرأة إلى العمل فى الحياة العامة إلى حاجة المجتمع لمؤسسة بديلة للأم ، ومن هنا فإننا نرى ـ مثلاً ـ أن رياض الأطفال فى الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتى وبريطانيا والمانيا موجودة بكثرة منذ ثلاثينات هذا القرن ، ولأكثرها برامج تربوية وتعليمية محددة فضلاً عن معاهد خاصة وحكومية لتخريج المربيات أو المعلمات المختصات بالرياض.
بدايات
وقد بدأ الإهتمام برياض الأطفال فى دولة الإمارات العربية منذ مطلع السبعينات ، وتطور هذا الإهتمام فى مطلع الثمانيات وقد توفرت لى فرصة متابعة العمل بمناهج رياض الأطفال بحكم عملى السابق فى الإدارة العامة للمناهج ، وقد قمت بإعداد كراسة عن المحاضرات والإجتماعات الخاصة بالرياض ، تم طبعها بالتعاون مع إدارة الإعلام التربوى ، حيث أعتمدت بشكل رئيسى على التسجيلات الصوتية التى كنت أقوم بها لهذه الإجتماعات بصفتى كاتب محاضرها ، وقد لاحظت أن مفردات مناهج الرياض قد خضعت لإجتهادات كثيرة وتم تعديلها أكثر من مرة بمعرفة المنسق التنفيذى لمكتب تطوير التربية وخبيرة الرياض وقد طرحت فى تلك الإجتماعات عدة مقتراحات أهمها الإستعانة بوحدات الخبرة فى المنهج الجديد ، التى تعتمد على نشاط الطفل وتواصله للمعارف بجهده وربط الطفل ببيئته والتركيز على الطرائف والإهتمام بأدب الطفل.
مدرسة الحارة
لقد ركز الخبراء فى إجتماعاتهم الأولى التى حضرتها إعداد لا بأس بها من مدرسات الرياض على مدخلات التعلم قبل الروضة فيما يمكن أن نسميه الآن بمدرسة الحارة ، حيث يتلقى الطفل معلوماته الأولى عن طريق اللعب مع أترابه ، وغالباً ما يكتشف الطفل بنفسه الكثير من قوانين الحياة والطبيعة ، فضلاً عن المهارات اليدوية وعمليات الإبتكار والخلق ثم نراه يتعلم عن طريق الحوار ، حيث يكتسب مهارة اللغة فى شكلها البدائى ، وتساعده هذه على إكتشاف الكثير مما يقبع خلفها ، ومن خلال التخاطب مع أترابه ، ثم من خلال الإستماع إلى الكبار ومتابعتهم وفهمهم.
والتعلم ـ قبل الروضة ـ لا يقتصر على اللعب والحوار بل يتعداه إلى المشاهدة ، فكل ما يراه الطفل فى بيئته يضيف إلى رصيده المعرفى شيئاً جديداً ومن ثم يساعد فى نمو مدركاته.
منهج مقترح
فى إحدى الدورات المعقودة لمدرسات الرياض فى صيف عام 1980 وزعت الإدارة العامة للمناهج المنهج المقترح للرياض ويتكون من ثلاث ملازم الأولى هى المنهج وسمبت بملزمة " منهج وحدات الخبرة " ، والوحدة هنا ـ كما ورد فى محضر ذلك الإجتماع ـ هى قطاع من الوحدات التى يعيشها الطفل فى بيته ، قربت إليه حتى أدخلت بين جدران الروضة لتدريبه على التعامل معها كوحدة متكاملة والملزمة الثانية سميت بمنهج الخبرات أما الملزمة الثالثة فكانت لدليل المعلم. لكن لوحظ أثناء المناقشات أن مدرسات الرياض لا يستوعبن الخطة كلها ، الأمر الذى يعنى أن نجاح المشروع يتوقف على قدرة الإدارة فى تنظيم دورات علمية مكثفة للمدرسات وقد لوحظ أثناء الحوار أن لكل مدرسة رؤية خاصة جداً فى عملية التربية والتعليم داخل الروضة ، وبعض هذه الرؤى يتعارض مع أبسط نظريات التربية وأوسعها إنتشاراً.
مربية أم معلمة !!
وقد لوحظ أيضاً أن هناك خلافاً جوهرياً حول دور المربية أو المعلمة فى مرحلة الرياض ، وحول طبيعة عملها بل وحول مسماها الوظيفى ، فبعض المحاضرين أكدوا أن وظيفة العاملات فى الرياض هى بدرجة أساسية رعاية الأطفال ومن ثم فإن العاملات يقمن بدور الأمهات المربيات ، أكثر من قيامهن بدور المدرسات ، خاصة أن العمل فى الرياض له طابع تربوى عملى أكثر مما هو علمى وأكاديمى والمنهج المقترح ـ آنذاك ـ لم يحسم هذه المسألة وأن كان يسعى إلى تكليف العاملات فى الرياض بمهام تعليمية بالدرجة الأولى ، بدليل إصراره على وضع دليل المعلم من باب أن الرياض هى مرحلة أرقى وأعلى من مرحلة الحضانة ، وبهذا تكون مرحلة ما قبل التعليم الإلزامى ـ الإبتدائى والإعدادى ـ ذات تفريعين ، الحضانة ويتم قبول الأطفال فيها إبتداء من الشهر الثالث وحتى السنة الثالثة وحتى السنة السادسة ولأن وزارة التربية تشرف فقط على التفريع الثانى لمرحلة ما قبل التعليم الإلزامى وأعنى به مرحلة الروضة ـ لأن الحضانات تقع ضمن إختصاص وزارة الشؤون الإجتماعية ـ فإن بعض الخبراء أجازوا الطابع العلمى الأكاديمى الذى يكاد يغلب على المنهج المقترح ، وهذا بدوره يحتاج إلى تنظيم اليوم المدرسى فى الرياض وفق برنامج ثابت ومحدد يرتبط بمنهج ومن ذلك ـ مثلاً ـ تحديد الزمن المخصص لكل حصة على أن لا يتجاوز 35 دقيقة لأن طفل هذه المرحلة يمل الإستمرار بعمل من الأعمال لفترة طويلة أو الجلوس فى مكان واحد. وفى ضوء هذا التصور ، يجب الإهتمام بأبنية الرياض كأن تكون الروضة مقامة فى منطقة خلاء على مشارف المزارع والبساتين وأن تكون مقاعدها ذات أحجام خاصة وجميلة وخفيفة وصحية تناسب الأعمار المختلفة مع الإهتمام بالملاعب والساحات والحرص على تزيين كل ذلك بما هو مفيد ومبهج ومفرح ويكون من الأفضل طبعاً أن يشترك الأطفال فى إنتاج تلك الملصق.
يمكن توظيف التلفزيون التربوى بشكل واسع وفعال ومؤثر فى مرحلة رياض الأطفال وذلك لأن حساسة الرؤية " الإبصار " والسمع عنده تكون شديدة ومرهفة كما أن التلفزيون يوفر للطفل فرصة معايشة الطبيعة والتعرف على بيئات قد لا يجدها فى محيطه.
الطفل التلفزيونى
وقد لاحظ علماء التربية أن الطفل يبدأ بمشاهدة التلفزيون مشاهدة واعية إعتباراً من سن الثانية ، حيث يبدأ ذوقه التلفزيونى ـ بعد ذلك ـ بالتشكل ، سرعان ما يبدأ وهو فى الرابعة بطلب برنامجه المفضل وربما الدخول فى مشاحنات مع الآخرين للفوز بمحطة دون أخرى ولأن الطفل يعيش مع التلفزيون بكل حواسه فإنك تدهش أحياناً عندما ترى بعضهم وقد حفظوا مسرحية بأكملها أو أعادوا تمثيل مشاهد كانت قد أستحوذت على إهتمامهم ، ولو أحسن توظيف هذه الوسيلة المهمة فى مرحلة الرياض لأمكن الإستغناء عن الكثير من الممارسات والأساليب القديمة ولأن التلفزيون لم يدخل العالم العربى الا متأخراً فإنه من الطبيعى جداً أن تندر الدراسات التربوية التى تتناول تأثير التلفزيون على الطفل العربى ، حيث نجد أن معظم الدراسات مترجمة وأن عيناتها من أطفال دول تختلف بيئاتها وظروفها الموضوعية إختلافاً جذرياً عنا.
التلفزيون أبن البيئة
طبعاً لا نستطيع ـ كما يقول الدكتور عارف دليلة ـ أن ندين الجهاز بحد ذاته لأنه أبن البيئة الإجتماعية الحضارية القائمة وتطوره محكوم بشروط تطور هذه البيئة وبالأخص فى إتجاهيها السياسى والإقتصادى00 وهذا يعنى أن سيطرتنا على هذا الجهاز كفيلة بتحويله إلى وسيلة عظيمة الفائدة فى كل المجالات ومنها المجال التربوى أما فشلنا فى السيطرة عليه فسيجعلنا عرضة للإستيلاب الفكرى والثقافى بخاصة فى عصر الأقمار الصناعية التى تضع العالم كله بين يديك من خلال الشاشة.
التلفزيون والروضة
لقد تنبهت معظم دول العالم إلى أهمية التلفزيون فى مرحلة الرياض على وجه الخصوص وفى العملية التعليمية ككل ، حيث دخل هذا الجهاز إلى كل فصل مدرسى فى اليابان وأصبح بالإمكان إختصار سنوات الدراسة من خلال تكثيف المعلومات تلفزيونياً لأن تلك أعلق فى الذهن وأكثر قرباً من الواقع ونظراً لأن التلفزيون دخل كل بيت فى مشرق العالم العربى ومغربه فإنه من اللازم والضرورى العمل على إدخاله فى وسائلنا وأنظمتنا التربوية بخاصة فى مرحلة الرياض.
شروط فنية
لكل توظيف التلفزيون فى العملية التربوية بخاصة فى مرحلة الرياض ـ ما قبل التعليم الإلزامى ـ يجب أن يخضع لشروط فنية ونفسية وتربوية كثيرة أهمها ربط المنهج المدرسى بالمادة التلفزيونية وجعل الواقع البيئى على تماس يومى بما يراه الطفل على الشاشة وتقنين البرامج التى تصلنا من الخارج بالقدر الذى يسمح للطفل بمشاهدة ما نريده نحن منها وليس ما يريده منتجها خاصة عندما تكون البرامج مخصصة لمخاطبة الطفل فى بيئات غريبة عنا.
الرعب والطفولة
وفى مرحلة الرياض على وجه التحديد لا يجوز إطلاقاً عرض البرامج والأفلام المرعبة أو المفرطة فى الخيال كما يحدث فى معظم الرياض ، واذا كنا لا نستطيع أن نتحكم بما يعرضه التلفزيون منها ـ الا بإلغاء الجهاز كله ـ فإننا داخل الحرم المدرسى نملك أن نقوم بدور الرقيب ومن ثم يكون من حقنا الحيلولة دون مشاهدة الأطفال لبرامج مثل غراندايزر.
غراندايزر
فى هذا المسلسل على سبيل المثال تطابق بين واقع  والبيئة التى ينمو فيها الطفل هناك ، أما بالنسبة لنا فإنى أتفق مع الدكتور عارف دليلة الذى يرى أن هذا المسلسل يشوه الوعى إلى أقصى درجات التطرف فهو يضخم حيز الخيال والوهم عند الطفل منذ بداية تفتح وعيه على الحياة وهو رغم مظهره العلمى التكنولوجى ليس الا نوعاً جدبداً من حكايات السحرة والجن والقوى الشريرة والخبرة التى تصطرع فيها وراء هذا العالم.

وظائف
من شروط برامج التلفزيون التربوى لمرحلة ما قبل التعليم الإلزامى أن تخدم هذه البرامج النواحى الجغرافية والتاريخية والخيالية فى إطار صحى ونفسى لا يولد مشكلات مستعصية على الفهم ولا يثير تساؤلات مستحيلة الإجابة عنها.
نعنى بالناحية الجغرافية أن تقدم البرامج نماذج من الطبيعة الجملية بأشجارها وأنهارها وسهولها وطيورها بحيث يظل الطفل على ألفة دائمة بمثل هذه المظاهر حتى لو لم تكن موجودة فى بيئته ، ويستحسن طبعاً أن تقدم هذه البرامج فى إطار مسل مثل حكايات والت ديزنى عن الحيوان ، لأن الطفل ـ فى هذه السن لن يستوعب ريبورتاجاً تلفزيونياً مباشراً عن مظاهر الطبيعة إذا لم يكن هذا الريبورتاج فى إطار " حدوتة " مسلية أيضاً.
ونعنى بالناحية التاريخية ، توظيف الأفلام والمسلسلات والبرامج لتعريف الطفل بالماضى ، من خلال تجسيد شخصيات تاريخية شهيرة أو إعادة تمثيل بعض الحكايات والنوادر والحكم التى يزخر بها تاريخنا مع وضع الطفل فى صورة المرحلة الزمنية لمثل هذه الأحداث كأن يعتنى بالديكور والملابس والماكياج وغير ذلك مما يساعد فى خلق دورة عكسية للتاريخ يراها الطفل مجسدة أمامه بعد أن يسمع عنها بالتواتر وغنى عن الذكر أن الطفل فى هذه السن لن يستوعب الصفحات المظلمة أو المعقدة من التاريخ عدا عن أن مثل هذه الصفحات لو قدمت له تلفزيونياً لأورثته تشاؤماً بالماضى قد ينعكس على رؤيته الغضة للحاضر والمستقبل ومن هذا المنطلق يحتاج إختيارنا للصفحات التلفزيونية التاريخية إلى رؤية تربوية واضحة تأخذ بعين الإعتبار مراحل النمو والناحية النفسية لأطفالنا فضلاً عن ظروفهم الخاصة مع مراعاة الفروق الفردية بينهم.
أما الناحية الخيالية فهى مشابهة لما كان يروى لنا أجدادنا من حكايات وخرافات وأساطير عن البطولة والشهامة والفداء والتضحية إلى آخر ما هنالك من قيم عربية أصيلة تهدف العملية التربوية أساساً إلى غرسها وتكريسها فى نفوس الأطفال وكل ما هو مطلوب هنا أن يقوم التلفزيون مقام الجد فيقدم الحكاية الخيالية فى إطار مفيد ومسل ومقنع ، يساعد الطفل على إختيار وتحريك ملكة الخيال أو التخيل عنده دون أن يصاب بالخوف أو يتملكه شعور بعدم الرضا أو إحساس بعدم الأمان.
نشاطات أخرى
ولا مانع " طبعاً " من توظيف التلفزيون لخدمة نشاطات أخرى أو التعرف بها بشكل فنى أقرب إلى عقل الطفل ، مثل مسرح العرائس والحكواتى ، بخاصة وأن هذه تعتمد فى تجسيدها للأحداث والحكايات على مخلوقات خيالية يراها الطفل أمامه وهى تتحرك وتضحك وتمارس حياة إنسانية عادية ويمكن أيضاً تلقين الطفل الأغانى والأناشيد من خلال جهاز التلفزيون وذلك بإستغلال مهارة المحاكاة التى تنمو مع الطفل فى هذه السن لأداء أفضل من التلقين السماعى السائد فى الرياض هذه الأيام.
كل هذه الأفكار والخطط تحتاج إلى منهج تربوى ونفسى متكامل يتم العمل به فى الرياض بدقة حتى لا يكون المردود عكسياً ، ويدخل فى إطار هذه الخطط تحديد الفترة الزمنية المناسبة للبث وربط البرنامج المعروض بظاهرة موجودة كأن يرى الطفل الأمطار على الشاشة فى فصل الشتاء ، حيث يكتشف بنفسه هذه الظاهرة ومن ثم تعلق أكثر فى ذهنه وهكذا