المهارات القرائية لدى الطلبة فى الإمارات
بقلم : أسامة فوزى
نشر في جريدة البيان عام 1984


أصبح من المسلم به أن الكثير من مدرسى اللغة العربية فى مدارس الإمارات لم يزود بالخبرات الكافية فى ما يتعلق بالممارسات الصفية الخاصة بتدريس المهارات القرائية ، رغم أن القراءة تلعب دوراً أساسياً فى إنماء الطالب فضلاً عن كونها أداة أتصال وتفاعل تساعد على نمو مدارك الطالب العقلية وإرتقاء ذوقه الأدبى والفنى.
وقد لاحظ خبراء التربية أن تعليم اللغة العربية ـ واللغات عموماً ـ دون الأهتمام بالممارسات القرائية التى ينبغى القيام بها من جانب المعلم ، يفقد عملية التعلم جوهرها ويصادر نتائجها المتوخاة ، ذلك أن اللغة ليست قاعدة ومفردة وإنما هى قبل كل شىء ممارسة وعادة يجب تعاطيها يومياً والتدرب عليها ما أمكن.
مشكلة وحل
ولحل هذه المشكلة المتفشية فى مدارسنا ، والتى يلاحظها المرء فى طلبة المرحلة الثانوية كما يلاحظها فى طلبة المرحلة الإبتدائية ، أرى أن تتبع خطة بعيدة المدى على النحو التالى :
أولاً : أن توفر للطلبة ـ فى كتبهم المدرسية المختلفة ـ مادة قرائية كافية تشوقهم وتسد حاجات نموهم ، ذلك أن معظم النصوص الشعرية والقطع النثرية المختارة أو المنتخبة لكتب القراءة والنصوص تبدو جافة ، غير شائقة ، بعيدة عن الواقع فى كثير من نواحيها ، مغرقة فى الصعوبة اللفظية والإبهام غير مرتبطة بالنمو الفكرى والوجدانى للطلبة 00 وهذا ينسحب أيضاً على كتب الموضوع الواحد ، التى يفترض أن تحقق للطلبة متعة وفائدة خاصة وأنها تقرأ فى المنازل.
غنى عن الذكر أن الطالب الذى لا يجد متعة فى قراءة ما تتضمنه كتب القراءة من منتخبات شعرية ونثرية سينفر من القراءة فى الكتب غير المقررة ، لأن القراءة عادة وسلوك ، إذا لم يكتسبها الطالب من مدرسته لا يمكن أن يكتسبها خارج حرم المدرسة ـ إلا ما ندرـ.
ثانياً : ولو أفترضنا أن الموضوعات المنتخبة فى الكتب المقررة جيدة ، الا أن الطالب لا يحسن قراءتها لضعف فى قدراته ، فإن الواجب أن تهيأ له مواد قرائية أخرى أقل صعوبة بحيث يتدرج الطالب فى مهارة القراءة من السهل إلى الصعب ومن الصعب إلى الأصعب وهنا يشترط توفر عناصر الإمتاع فى المواد القرائية الجديدة ، لأنها الضمان الأوحد فى أن يلتزم الطالب بالتدريب البيتى أو المنزلى على سلوك القراءة ، حيث يشعر حينئذ أن المواد القرائية تلبى له حاجة نفسية وفكرية وليست واجباً مدرسياً مفروضاً عليه.
أنواع القراءة
ثالثاً : أن يراعى فى حصص القراءة تدريب الطلبة على أنواع القراءة المختلفة ، الصامتة والجهرية والسمعية ،00 لأن هذه الأنواع تلازم الطالب فى حياته اليومية فيما بعد ، ولكل نوع متعته ، فالقراءة الصامتة ـ أو القراءة بالعيون ـ سلوك حضارى يحتاجه الطالب فى حياته الخاصة ، فى المنزل والمكتب والشارع ، وهى ألصق أنواع القراءة بالإنسان المتحضر ـ أما القراءة بالجهرية ، فتساعد على النطق السليم وإكتساب الشجاعة الأدبية على المواجهة ومخاطبة الآخرين دون خوف أو تردد بل والتأثير بهم أيضاً ، ولعلنا مازلنا نذكر أن المواجهة بين أنطونيو وبروتس فى رائعة شكسبير يوليوس قيصر كانت فى مفصلها النهائى الذى غير الأحداث مواجهة خطابية ، أنتصر فيها الأبلغ والأفصح وليس الأصوب بأى حال00 وتأتى القراءة السمعية فى المرتبة الثالثة لتنمية عادة التذوق والإستماع الجيد والفهم.
نشاطات لا صفية
رابعاً : أن يراعى الربط بين القراءة وألوان النشاط اللغوى المختلفة كالإذاعة المدرسية والصحافة والتمثيل واللجان الأدبية والدينية فى المدرسة ، وهو ما أصطلح على تسميته بالنشاطات اللاصفية أو اللامنهجية.
هذه النشاطات يجب أن تخرج عن شكلها المظهرى والإستعراضى فى مدارسنا لتصب فى خدمة المنهج ، وتكرس سلوكيات القراءة وآدابها00 فالإذاعة المدرسية نشاط قرائى فى جوهره يعود التلاميذ على القراءة السليمة والنطق الصحيح الجهرى الذى يكون خاضعاً لمراقبة الآخرين00 ومن ثم يجب أن يعتنى بالإذاعة المدرسية وموادها الأخبارية بما يتناسب ومستويات التلاميذ حيث تتحقق الفائدة منها ، أما النشاط الصحافى فى المدرسة فيكرس مهارة القراءة الصامتة ، حيث يعتاد التلاميذ على القراءة بالعيون لكل ما يصدر عن جماعة الصحافة فى المدرسة ، سواء كان العمل الصحافى فى صورة مطبوعة دورية أو لوحة جدارية ـ صحيفة الحائط ـ وهذا يوجب على القائمين على جماعة الصحافة أن يختاروا موضوعات جيدة ومعبرة وأن يكتبوها بخطوط واضحة ومضبوطة بالشكل حتى يتحقق عنصر القراءة الصحيحة00 ونأتى إلى لجان المسرح وغيرها من نشاطات جماعية لا صافية فنقول : أنه من الواجب ربطها بالمنهج بحيث يصار إلى توظيف ما فى كتب القراءة من مقطوعات ومشاهد تمثيلية لخدمة النشاط التمثيلى من جهة ، وتعويد التلاميذ على القراءة والإلقاء الصحيح ، الجهرى من جهة ثانية.
خامساً : أن يدرب الطلبة على تطويع طريقة القراءة للهدف منها ولطبيعة المادة المقروءة00 فقراءة الشعر ـ على سبيل المثال ـ تختلف عن قراءة النثر بأصنافه ، فللقصة القصيرة طريقة فى القراءة تختلف عن الخطبة ، أو المقالة ، أو المثل00 وهكذا00
فى مدارسنا ، يدرب التلاميذ على القراءة ولكنهم لا يدربون على أساليب القراءة ، ولا يدربون على الكيفية التى يتم معها تطويع مهارة القراءة لخدمة الهدف منها0 هذا يتطلب ـ من الجهات التربوية المختصة ـ إعداد دورات تدريبية للمدرسين بحيث يتم التمييز بين الأساليب والأهداف من دروس القراءة00 فالقراءة الجهرية للشعر ـ مثلاً ـ لا يقصد منها فقط النطق الصحيح ، وإنما ـ أيضاً ـ التعبير الصوتى عن المعانى التى تتضمنها الأبيات الشعرية ، للتأثير بالسامع ولا بأس من تدريب التلاميذ على إسناد القراءة بالإشارات والحركات اليدوية والتعبيرية المناسبة أيضاً00 وللقراءة الصامتة أيضاً أهدافها وطبيعتها ومنها السرعة.
سادساً : أن توجه العناية فى المدارس إلى النهوض بجميع المهارات القرائية وفق خطة واضحة ، ومرتبطة بالمنهج ، لا أن يقتصر الإهتمام على بعض المهارات دون غيرها00 فقد لوحظ أن العناية بالتدريب على القراءة السريعة تكاد تكون مفقودة. وبعض التلاميذ يقرأون ولكنهم لا يستوعبون المعانى أو يفهمونها ، والبعض الأخر يقرأ ولكن لا يحسن إستخدام المعجم أو العودة إلى المراجع للتحقق من بعض ما يعترضه من صعوبات ، وقد نتج عن هذا عجز بعض الطلبة عن تلخيص معنى ما يقرأون وعن الإنطلاق والإسترسال فى القراءة وضعف الإقبال على القراءة ، الحرة .
أن إقتصار القراءة الحرة على المكتبة المدرسية ، دون أن تكون لحصة المكتبة خطة واضحة مرتبطة بالمنهج ، يفقد التردد على المكتبة من الجدوى والفائدة التربوية المنتظرة.
أن الأمر يتطلب جدولة الممارسات التى ينتظر أن تكون مجدية فى إكساب الطلبة المهارات القرائية المتوخاة من منهاج اللغة العربية ، تمهيداً لإعداد دراسات ميدانية حول هذا الموضوع وهو ما يفتقر اليه الميدان فى الإمارات رغم وجود جهات مختصة قادرة على إنجاز هذا العمل بالتعاون مع الخبراء فى كلية التربية ، ومثل هذه الدراسات ـ الإحصائية ـ لازمة وواجبة قبل وضع المناهج الجديدة.