الأسس الإدارية والتنظيمية لبرامج التدريب
إعداد المعلمين قبل وأثتاء الخدمة
بقلم أسامة فوزى
نشر في جريدة البيان عام 1984


تضمن مشروع السياسة التربوية عناصر رئيسية لإستراتيجية تربوية بعيدة المدى ، تنبع من الأهداف العامة والخاصة لعملية التعليم والتربية فى الإمارات ، وجاء البند الخاص بإعداد المعلمين وتدريبهم أثناء الخدمة ليكون فى رأس الإهتمامات التى عددها المشروع.
ولكن مشروع السياسة التربوية الذى لم يقدم حتى الأن لمجلس الوزراء لإقراره لم يحدد أو يفصل المقصود بعملية " إعداد المعلمين أثناء الخدمة " مما يعنى أن هذا البند سيظل خاضعاً للإجتهاد ، بخاصة وأن الدراسات التربوية فى العالم العربى عموماً تعانى من نقص واضح فى المراجع والدراسات والمؤلفات التى تهتم بمثل هذا الجانب ، ولعل هذا الإجتهاد يظهر حالياً كأوضح ما يكون فى برامج التدريب والتأهيل التربوى.
دراسة ونتائج
من هنا توقفت مطولاً عند دراسة للدكتور نبيل صبيح ، نشرها فى الكتاب السنوى للتربية وعلم النفس ، حيث تناول الأسس الإدارية والتنظيمية لبرامج التدريب مع التطبيق على تدريب المعلمين فى الدول العربية ، وتعتبر هذه الدراسة وثيقة عمل يمكن لإدارات التدريب فى العالم العربى إعتماداً مع الأخذ بعين الإعتبار خصوصية كل مجتمع على حدة.
وتنطلق عملية التدريب أساساً من إعتقاد جازم بأن التدريب يشكل مدخلاً أساسياً للتنمية الإقتصادية والإجتماعية ، بل وإعتباره نوعاً من الإستثمار ، يحقق على المدى البعيد عائداً إقتصادياً كبيراً ، وقد جعل الدكتور محمد الهادى عفيفى هذا المفهوم محوراً لدراسة أعدها عن المعلم فى مجتمع عصرى أسس إعداده ونموه المهنى ، وقدمها لمؤتمر التعليم فى الدول العصرية ، ونشرت عام 1971 عن مركز التوثيق التربوى فى القاهرة.
لقد أتفق الباحثون التربويون على أن التدريب بمفهومه الحديث يستهدف تحقيق أغراض أساسية من أهمها رفع مستوى أداء الفرد عن طريق إكتسابه المهارات المعرفية وزيادة قدرته على التفكير الناقد وتنمية الإتجاهات السليمة عنده.
من الواقع
لقد عملت فى مدارس الإمارات عشر سنوات ومع ذلك لم أشترك فى أية دورات تدريبية رغم أن تدريب المعلمين أثناء الخدمة يشكل عنصراً مهماً فى عملية التنمية بقصد رفع مستوى أداء القوى البشرية عن طريق الإعداد والتوجيه والتدريب لضمان إستمرار التنمية على نحو متكامل. فالتدريب أثناء الخدمة هو السبيل للنمو المهنى والحصول على مزيد من الخبرات الثقافية والإجتماعية وكل ما من شأنه رفع مستوى المعلم وبالتالى رفع إنتاجية التعليم الذى هو ركيزة الجوانب الأخرى للتنمية.
لقد حدد الدكتور نبيل صبيح المطالب الحديثة لنجاح سياسة وتدريب المعلمين فى الدول العربية، وأظن أن واضعى مشروع السياسة التربوية فى الإمارات ليسوا بغنى عن تعرف هذه المطالب والأهداف ، طالما أنهم نصوا على ضرورة تدريب المعلمين فى المشروع ، وتركوا هذا البند دون تفصيل.
مطالب
وأول هذه المطالب أن يكون التدريب قائماً على برنامج منظم ومخطط وليس عفوياً وهذا يستدعى أن يسبق تصميم أى برنامج تدريبى دراسات وبحوث شاملة للمجتمع الذى نتوجه إليه وللبيئة أيضاً لمعرفة ظروف ومستوى كل معلم. كما يرى الدكتور أن يستهدف البرنامج النمو المهنى للمعلمين وذلك بحصولهم على مزيد من الخبرات الثقافية والمهنية وهذا يستدعى تحديد إحتياجات المعلمين وفى ضوء الإحتياجات يمكن تصميم برنامج التدريب.
كذلك يجب أن يستهدف التدريب رفع مستوى عملية التعليم ويزيد من طاقات المعلمين الإنتاجية وهذا الأمر يستدعى بالضرورة التركيز على الحقائق العلمية المتصلة بعمليتى التعلم والتعليم بالدرجة الأولى إلا أن تكون مجرد معلومات عامة وهذا يستدعى إجراء البحوث فى مجال التدريب والتى تهدف إلى تطوير أساليب جديدة للتدريب تتصل بتحسين وسائل التعليم والتعلم وتدريب المعلمين عليها.

تدريب جماعى
وتنص خطة التدريب على ضرورة أن يكون هذا التدريب فى إطار جماعى تعاونى أى أنه رغم وجود بعض المعلمين الذين ينمون أنفسهم مهنياً بطرق ذاتية إلا أن هذا النمو مهما كان منظماً ومنهجياً فإنه لا يصل إلى مرتبة التدريب الذى يخطط له ضمن برنامج جماعى تعاونى يتيح مجال الأخذ والعطاء والمشاركة فى الخبرات الجماعية.
ولا تغفل الخطة الفلسفة التى ينطوى عليها البرنامج ، لأن تحديد الفلسفة ، والأهداف هى التى توجه كذلك مسار أى برنامج وهى المحكات التى يمكن فى ضوئها تحليل البرنامج وتقويمه لذلك تقول الخطة ـ ينبغى أن يبنى البرنامج على فلسفة وأهداف واضحة المعالم وتكون إنعكاساً للفلسفة التربوية والأهداف التربوية التى توجه النظام التربوى وإستراتيجيات التربية بكاملها. من هنا تحدد الخطة آنفة الذكر الأهداف العامة للتدريب أثناء الخدمة للمعلمين فى الدول العربية على ضوء المطالب الحديثة وفى إطار الفلسفة التربوية السائدة بما يلى :
أهداف التدريب
أولاً : رفع مستوى أداء المعلمين فى المادة والطريقة وتحسين إتجاهاتهم وتطوير مهاراتهم التعليمية ومعارفهم وزيادة مقدرتهم على الإبداع والتجديد.
ثانياً : زيادة إلمام المعلمين بالطرق والإساليب الحديثة فى التعليم وتعزيز خبراتهم فى مجالات التخصص العلمية.
ثالثاً : أن تدريب المعلمين من شأنه أن يبصر المعلم بمشكلات النظام التعليمى القائم ووسائل حلها وتعريفهم بدورهم ومسؤوليتهم فى ذلك.
رابعاً : تشجيع المعلمين على تقدير المثل الإنسانية والقيم الإجتماعية ، فالتدريب يساعد المعلمين على الإحساس بالنواحى الإنسانية وفهم فلسفة الأمة وأهدافها التربوية.
خامساً : تعميق وعى المعلمين السياسى والقومى لإستيعاب التغييرات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية التى يتعرض لها المجتمع ثم محاولة ترجمتها عند تلاميذهم إلى أنماط سلوكية عملية.

ممارسات وردود الفعل
لقد ظهرت حاجتنا إلى خطط واضحة للتدريب فى مدارس الإمارات كأوضح ما يكون فى العام الماضى ، بعد ممارسات تربوية أثارت الكثير من ردود الفعل فى الوسط التربوى مثل مشكلة معلم الفصل ، حيث تم إتخاذ قرار الموافقة على هذا النظام دون تدريب الكوادر المعنية لجهل المخططين بأنواع التدريب المختلفة وأهدافها وهو ما نجده مجملاً فى نظرية الدكتور نبيل صبيح حيث تنص النظرية ـ وهى خطة ترقى فعلاً إلى مستوى النظرية ـ على التدريب لإعداد المتدرب لأعمال جديدة حيث تقتضى عمليات النقل أو الترقية نقل المعلم من موقع إلى آخر وهذا يجب الا يتم قبل إعداده وتدريبه على المهارات التى يقتضيها العمل الجديد فلا يصلح نقل المعلم إلى وظيفة إدارية ـ كما حدث فى العام الماضى بمدارس عجمان ـ ما لم يتدرب المعلم على المهام الجديدة وفهم أبعادها والقوانين التى تنظمها وطبيعة علاقته الأفقية والرأسية برؤسائه ومرؤسيه ، وكل ذلك يجب أن يتم التدريب عليه ليكتسب المتدرب مهاراته حتى يحسن القيام بها بعد تسلم العمل الجديد. وهناك نوع آخر من التدريب يهدف إلى تغيير السلوك والإتجاهات والقيم والذى يركز بصورة مباشرة على تحسين العلاقات الإنسانية أو تنمية القدرة على الإبتكار أو تقبل مهنة التعليم إلى آخر ما هناك من إتجاهات يمكن غرسها خلال التدريب.
التدريب للنمو المهنى
أما التدريب للنمو المهنى فهو ـ وفقاً للخطة المذكورة ـ يأتى على رأس أنواع التدريب حيث يستهدف إنماء المعلم مهنياً نتيجة التغير المستمر الذى يطرأ على المناهج وأساليب التعليم والوسائل التعليمية ، ويلحظ المتتبع للعملية التربوية فى الإمارات قصوراً كبيراً فى هذا النوع من التدريب رغم أن ثلاثة أرباع الكتب المدرسية ومناهجها جديدة ، ليس فى طرقها وأهدافها ووسائلها فحسب وإنما ـ أيضاً فى معلوماتها.
بقى النوع الرابع الذى يسميه الدكتور نبيل صبيح بتدريب التأهيل التربوى ، وهذا النوع من التدريب يهدف إلى رفع الكفاءة للحد الأدنى اللازم لممارسة المهنة ويكون ـ فى الغالب ـ بتدريب المعلمين الذين لا يحملون مؤهلات علمية أو تربوية لرفع كفاءتهم إلى الحد الذى يمكنهم من ممارسة المهنة بنجاح.
أما أقتصار التدريب على إصدار ما يسمى بكتاب المعلم ، فهو أسلوب قاصر ، ضرره أكثر من نفعه ، ويظل يكرس التوجهات النظرية فى التدريب ، المسؤولة أولاً وأخيراً عن تردى الكفاءة المهنية فى الميدان. فكتاب المعلم قد يكون أداة مساعدة ولكنه قطعاً ليس بديلاً للتدريب الميدانى.