ظاهرة التسرب مشكلة إجتماعية وتربوية وأمنية
بقلم : اسامة فوزي
نشرت في جريدة البيان عام 1983 - دبي


أرتفعت الأصوات فى الآونة الأخيرة محذرة من إنتشار ظاهرة التسرب فى مدارس الإمارات ، وقدم قسم الإحصاء فى وزارة التربية عدة أرقام مخيفة لهذه الظاهرة التى تشكل خطراً على نظامنا التعليمى ، لا تتحمل مسؤولية علاجه المدرسة وحدها ، وإنما ـ بشكل أكبر ـ تتحمله الأسرة . والتسرب يعنى تغيب التلاميذ عن المدرسة لفترات طويلة ثم إنقطاعهم نهائياً عنها ويتم رصد هذه الظاهرة بملاحظة جداول وأرقام الملتحقين بالمدرسة فى مطلع العام ، ومقارنتها بما يتبقى منهم فى آخر العام ، أو بتتبع الخط البيانى لحضورهم وعدد أيام الغياب خلال العام الدراسى.
وظاهرة التسرب ما زالت تحتاج إلى دراسة نفسية وإجتماعية يقوم بها خبراء فى علم النفس والتربية بالتعاون مع جهاز الخدمة الإجتماعية فى الوزارة لتوصيف الظاهرة ورصد عواملها وإقتراح حلول لها.
ومن خلال خبرة وتجربة ذاتية زادت عن عشر سنوات فى العمل التربوى بالإمارات أستطيع أن ألخص المشكلة وأسبابها ـ نظرياً ـ وتظل الإحصاءات والإرقام من مسؤولية جهات قادرة على التحرك بفاعلية فى الميدان.
الدروس الخصوصية
وأرى ـ بادىء ذى بدء ـ أن إنتشار الدروس الخصوصية من العوامل الطاردة للتلاميذ ذلك أن التلميذ الذى يجد إمكانية فى التواصل مع المادة الدراسية فى الفترة المسائية وبشروط يضعها مع أسرته فى الغالب ، يفقد قابلية الإستمرار فى الدوام المدرسى ويرى أن العملية كلها ليست الا مضيعة للوقت وغالباً ما يكثر التسرب ـ لهذا السبب ـ فى الصفوف الإعدادية والثانوية التى نزاد بين طلبتها ظاهرة الدروس الخصوصية.
الملل
ومن العوامل الأخرى ، الملل الذى يتسرب إلى نفوس الطلاب بسبب طول اليوم المدرسى ، والذى يصل فى المدارس الحكومية إلى ست ساعات كاملة ، ومتواصلة ، بإستثناء فسحة لا تكاد تذكر فى إطار التتابع المتسارع للحصص فى الجدول المدرسى ، فمثل هذا الملل ، يولد إحساساً بالإرهاق والروتين ، بخاصة فى المدارس التى تفتقد الحد الأدنى من الشروط الترويحية والنشاطات غير الصفية ، الرياضية والفنية ، أو تلك التى تعانى من نقص فى التجهيزات ، ويلاحظ على العموم أن هذه الظاهرة تنتشر فى المدارس النائية أو الريفية ، وتظهر أيضاً فى مدارس المدن الرئيسية ، التى تقع بمقربة من مراكز اللهو والتسلية الجاذبة للتلاميذ والتى لا تخضع فى كثير من الأحيان لمراقبة البلديات ، التى يفترض فيها التعاون مع التربية وأجهزة الأمن فى تحديد أوقات عمل هذه المراكز وتقييدها حتى لا تكون محور جذب لطلبة المدارس ومن ثم عاملاً من عوامل التشجيع على التسرب.
إغراءات العمل
ويدخل فى هذا الإطار سبب ثالث ، يمس البيئة الإجتماعية العامة والخاصة للطالب ، وأقصد به إغراءات العمل الكثيرة المعروضة والمتاحة ، والتى تمثل عنصر جذب وطرد فى آن واحد. ففى ظل المجتمع الإستهلاكى والسعى نحو الكسب وتسارع إيقاع الحياة اليومية ، وتغييب قيمة التعليم فى المجتمع وإرتداد هذه القيمة إلى الصفوف الخلفية فى مواجهة تقدم قيم الكسب والتجارة ، يكتشف الأهل أن بإمكان أولادهم إختصار المسافة وإختزالها نحو التقدم مادياً وإجتماعياً بالعمل المبكر فى الميدان التجارى دون الأضطرار إلى البقاء لمدة أثنتى عشرة سنة فى المدرسة ، بخاصة أن المتعلمين لا يحظون يشكل عام بوضع مادى أو إجتماعى مميز ، بعكس العاملين فى المجال التجارى ـ ولعلنا نضيف أن أرتفاع مستوى المعيشة ، يدفع بعض أولياء الأمور من محدودى الدخل إلى محاولة إستثمار أولادهم فى العمل الحر لتأمين دخل إضافى يمكن أن يغطى جانباً من متطلبات الحياة اليومية للأسرة من ناحية ، ويسد حاجة الأبناء أنفسهم ، بعد أن كانوا عبئاً على ولى الأمر.
عوامل أخرى
ونستطيع أن نضيف ـ إلى ما سبق ـ عوامل تمس الحياة اليومية للطالب فى مدرسته ، منها إزدحام الفصول والإحساس بالضيق وتوتر علاقة الطالب بالمدرس أو الإدارة أو بقية الطلاب فى الفصل وكثرة الواجبات المدرسية المفروضة عليه ، وتعطل أجهزة التكييف فى الفصول ـ بخاصة فى الصيف ـ أو عدم صيانتها وإحساس الطالب بالضيق والإختناق من الطقس وعدم مناسبة المقاعد الخشبية لأعمار الطلاب فضلاً عن الإرهاق الذى يحس به الطالب من جراء الجلوس عليها لمدة تزيد عن خمس ساعات يومياً ، وعدم توافر نوادى خاصة داخل المدرسة للإسترخاء وتناول المرطبات وتغيير الإيقاع الرتيب لليوم المدرسى.
وقد نضيف إلى ذلك إزدحام الكتب المدرسية بالمعلومات وفى إطار غير مشوق لا تصحبه وسائل إيضاح ترغب الطالب فى المتابعة والإنتباه مثل الفيديو والسينما وقاعات التجارب والمختبرات مما يجعل الحصة الواحدة عبئاً على النفس لا يطاق ويزيد الطين بلة المدرس الذى يسعى إلى إنهاء المقرر وفق الجدول أو الخطة السنوية التى يضعها التوجيه الفنى ، بغض النظر عن إمكانات طلابه وقدراتهم على الإستيعاب ، وعدم قدرة المدرس نفسه على التدريس فى إطار عرض مشوق بسبب إزدحام جدوله أو ضعفه فى مادته أو إحساسه بالإرهاق النفسى لكثرة ما يكلف به من واجبات أخرى غير التدريس.
وتأتى قضية خلو الخطة السنوية للمدرسة من الزيارات اللامنهجية أو النشاط الترفيهى الخارجى ، أو قلة هذه النشاطات والزيارات وعدم إشباعها لحاجات الطالب ورغباته وميوله ، فى مقدمة أسباب التسرب وعوامله ، فالطالب الذى يحرم من رحلة مدرسية إلى أحد المعالم السياحية أو الترفهية فى الدولة سيسعى إلى إشباع رغبته بقرار إنفرادى أو جماعى بمشاركة زملاء آخرين له ، وقد تكون الزيارات موجودة على خريطة النشاط اللاصفى ، الا أنها غير ملبية لإحتياجات الطلاب ، أو غير مشوقة ، أو مدرجة فى أوقات غير مناسبة ، أو مكلفة ـ وكل هذه عوامل طاردة للطلاب ، ومنفردة أيضاً. ونستطيع القول أن الأبنية المدرسية نفسها من عوامل الطرد أو الجذب ، وفقاً لتجهيزاتها ومواقعها ، فالمدرسة التى تتمتع بمساحات خضراء وملاعب أكثر جذباً للطالب وحرصاً عليه من المدرسة التى تترك ساحاتها وملاعبها جرداء ، والمدرسة التى تهتم بالنظافة وتأمين مياه الشرب الباردة وتقوم بتجويد خدمات المقاصف المدرسية وإشراك الطلبة بها هى بالتأكيد أفضل من تلك التى لا يجد فيها الطالب شربة ماء أو لقمة طعام أو مقعداً مريحاً يجلس عليه فى الفسحة أو شجرة خضراء يتمدد فى ظلها. أن خطورة ظاهرة التسرب تكمن فى كونها تستشرى بين طلبة المرحلة الإبتدائية الدنيا مما يعنى أن الطالب سيخرج إلى المجتمع أمياً وفاقداً لأهلية العمل وإستيعاب المتغيرات من حوله ، خالياً من القيم الروحية الأساسية التى يتوجب التسلح بها والتى غالباً ما تهدف المدرسة الإبتدائية إلى غرسها فى النفوس ، وهذا يعنى ببساطة أن المتسربين يشكلون خطراً على المجتمع ، ولعلنا نلاحظ أن معظم جرائم الأحداث ترتكب من قبل طلبة متسربين.
حلول
لقد حاولت أنظمة التعليم المعاصرة أن تضع حداً لظاهرة التسرب بإستحداث أنظمة مدرسية جديدة ، مثل المدرسة الحديثة ، المدرسة المفتوحة ، اليوم المدرسى الكامل00 الخ ، لكن هذه الأنظمة عجزت عن تعميم التجربة ووضعها فى إطار علمى معقول يأخذ بعين الإعتبار ميزانية العملية التربوية كلها فى إطار ميزانية المجتمع وإمكاناته الإقتصادية ، ولأن الدخل القومى ، والفردى فى الإمارات من أعلى الدخول فى العالم فإن إنتشار ظاهرة التسرب يبدو أمراً شاذاً ، يحتاج إلى حل عاجل وفعال ويبدأ من تشخيص الظاهرة000 قبل إقتراح حلولها