ورقة مقدمة إلى مهرجان الطفولة
الدائرة الثقافية ـ الشارقة
فبراير 1984
صحافة الأطفال بين الواقع والطموح
بقلم
أسامة فوزى
نشرت هذه الورقة فى جريدة البيان على ثلاث حلقات.
الأثنين 23 /9 / 1984
الثلاثاء 24 / 9 / 1984
الأربعاء 26 / 9 / 1984


تحتل كتب الأطفال ومجلاتهم مكاناً بارزاً من أرفف المكتبات فى الإمارات العربية المتحدة ، وتتميز هذه الكتب بطباعتها الفاخرة ورخص أسعارها بالقياس إلى كتب الكبار ، وتضمنها كل القيم الغربية التى يراها الطفل فى التليفزيون000 فمسلسل " غراندايزر " تحول إلى مجلدات مطبوعة ومصورة يباع الواحد منها بخمسة عشر درهماً فقط رغم أن سعره الرسمى يزيد عن خمسين ، وكذلك الحال بالنسبة لبساط الريح والرجل والعنكبوت.
مسلسلات
حتى مسلسل ستيف أوستن " الرجل الأكترونى " تحول هو الآخر إلى مجلدات مصورة للأطفال تباع بسعر زهيد بعد ما ترجم فى بيروت ، ومن خلال نظرية العرض والطلب تحقق هذه المجلدات ربحاً كبيراً لأصحاب دور النشر والترجمة ، خاصة أن كتب الأطفال لا تراقب ، ومن ثم فإن المجازفة بالنشر الفاخر مضمونة الأرباح والنتائج بالنسبة للناشرين ، وبالنسبة لأصحاب المكتبات أيضاً ، حتى لو بيعت المجلدات الفاخرة بدراهم معدودة.
على سبيل المثال يقع المجلد الواحد من الرجل الإلكترونى فى أربعمائة صفحة مجلدة بغلاف كرتونى فاخر وملون ويباع المجلد الواحد بخمسة عشر درهماً فقط مع أن كتاباً بهذه المواصفات لا يباع ـ فى الغالب ـ بأقل من أربعين درهماً.
من المعروف أن قيم الأنسان مكتسبة ، من المدرسة والبيت والبيئة ووسائل الإعلام المختلفة ، وفى ظل المكتبات النامية يتضاعف دور وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية فى غرس القيم وتنميتها وتوجهيها عند الأطفال.
ولا يقتصر دور تلك الصحف والمجلات على مد الطفل بالقيم فى مرحلة تعلمه القراءة ، بل قد يكون سابقاً لهذه المرحلة فتمتد داخل بيوت كثير من الناس كبعد آخر إلى جانب التربية المنزلية والوسائل الأخرى لتسهم بطريقة واعية ومدروسة كما يفترض لها التأثير على سلوك الطفل ".
أخطر من التليفزيون
واذا كان التلفزيون من أخطر المؤثرات المعاصرة على الطفل ، فإن الكتاب ـ والمجلة على وجه التحديد ـ لا تقل خطورة عن التلفزيون لما تمتاز به من لقاء متكرر ومتجدد بالطفل القارىء ، قد يساعد على خلق كثير من الروابط بينه وبينها من خلال أبوابها المتنوعة التى غالباً ما تربطه بمجتمعه وتتيح له فرص الحصول على الخبرات00 كما أنها من الممكن أن تكون فى متناول الطفل باستمرار مما يسمح له بتكرار قراءتها متى رغب فى ذلك وهذا يزيد من أحتمال رسوخ أفكارها وتبنى قيمها من قبل قرائها بصورة أقوى مما لو كانت تسمع أو تقرأ مرة واحدة كما يحصل بالنسبة لبعض برامج الأطفال المسموعة أو المرئية.
ورغم اهمية وخطورة كتب الأطفال ومجلاتهم على بناء المجتمع العربى ـ من باب أطفالنا هم مستقبل هذا المجتمع ـ الا أن الأبحاث والدراسات العلمية التربوية لهذه المشكلة وخطورتها ، ومن بين هذه الدراسات اللافتة للنظر تلك التى وضعها خلف نصار محيسن عن القيم السائدة فى صحافة الأطفال والتى تنطلق من المنظور المشار إليه سابقاً.
لست الأن فى معرض عرض هذا الكتاب القيم والنادر ولكنى اردتها زقفة مع تجربة باحث ميدانى فى إطار حديث ـ يغطى ثلاث حلقات ـ عن صحافة الطفل فى العالم العربى ، ولأن خلف نصار محيسن الهيثمى عرض للقيم السائدة فى صحيفتى " المزمار " و " مجلتى " للأطفال فإن التوقف عند النتائج التى توصل إليها يمكن أن يكون مدخلاً لهذه السلسلة رغم أن المجلتين المذكورتين ( الأولى جريدة والثانية مجلة ) تمثلان نموذجاً مشرفاً من نماذج صحافة الأطفال بالقياس إلى الكم الكبير من المجلات والمطبوعات التى تصدر فى بيروت.
إستئصال القيم الضارة
وقد أشار الباحث إلى هدف عام يجب أن تسعى صحافة الأطفال إلى تحقيقه وهو إستئصال القيم الضارة والمتخلفة ونشر القيم النضالية والقومية ، ومثل هذا الهدف يحتاج إلى إثارة مشكلة القيم وتعريفاتها وبحثها فى كل مجال يحتمل أن يسهم فى إيصالها إلى أفراد المجتمع وعلى الأخص الأطفال منهم ، لأنهم ـ كما يقول ـ أكثر أرتباطاً بعمليات التغيير الشامل والعنصر الأكثر تقبلاً للتطور والأكثر تواصلاً وإمتداداً فى عمليات البناء الحضارى الجديدة.
أن تحليل القيم فى صحافة الأطفال يساعدنا كشف واقع الصحافة التى تتوجه إليهم ، ومن ثم يكون بإمكان القيمين على العمل التربوى والصحافى ضبط هذه القيم ووسائل توجهها وتكثيف ما يجدونه مساعداً فى بناء الأنسان ، روحياً وجسدياً بناء ينسجم مع مجمل المتغيرات المرجوة والمطلوبة للمجتمع00 ولتحقيق هذا الهدف حلل خلف نصار محيسن عينة من صحافة الأطفال مقدارها 809 صفحات ، أختارها بطريقة عشوائية من بين الصفحات الصالحة للتحليل ـ بمعنى أنه أستثنى المحتوى غير الصالح للتحليل كالذى يعتمد على الصورة فقط والكاريكاتير والموضوعات الفكاهية والشعر.
القيم المتداولة
لقد أظهرت نتائج التحليل الذى قام به الباحث على الصفحات المذكورة أن قيم : المعرفة حب الناس ، الجمال ، الخبرات الجديدة ، حرية الوطن ، العمل ، الوحدة العربية ، الإندماج بالجامعة ، الذكاء ، التصميم ، الوطنية ، النشاط ، التعبير الذاتى ، الحرص والإنتباه ، الصحة ، هى القيم الأكثر تكراراً وقد أعتبرها القيم السائدة فى صحافة الأطفال التى أخضعها للبحث . كما أوضحت نتائج عرض ومناقشة القيم التى قام بها أن مجموعة القيم القومية الوطنية هى المجموعة الوحيدة التى كانت جميع قيمها ضمن القيم السائدة فيما مثلت بقية المجموعات بقيمتين أو ثلاث من قيمتها ضمن القيم السائدة تلك. إن ميزة هذه الدراسة أنها تفتح الآفاق أمام الباحثين والتربويين العرب للنظر فيما يقدم إلى أطفالنا من قيم مطبوعة فى مجلات أنيقة ، وفق أسس علمية ونظريات أثبتت فعاليتها فى مجتمعات أكثر تعقيداً من مجتماعتنا وأكثر تعرضاً لعوامل الإغراء والإستلاب الثقافى ومع أن هذه الدراسة أقتصرت على عينة محدودة وفى قطر عربى واحد الا أننا على ثقة بأن وطننا العربى الكبير يمتلك خصائص نمو واحدة ، ومن ثم يمكن المجازفة بتعميم هذه النتائج وتعميم الوسائل الناجعة لحلها.
الحديث عن صحافة الأطفال وكتبهم يقودنا إلى التنويه بمناسبتين كان الطفل فى الإمارات محورهما ، الأولى : محاضرة الأديب السورى المعروف زكريا تامر عن تجربته فى صحافة الطفل عندما كان رئيساً لتحرير مجلة " أسامة " للأطفال ، التى صدرت فى دمشق00 والثانية : مهرجان الطفل الذى عقد فى الشارقة وما تبعه من ندوات ، وامسيات ، ومحاضرات ، تناولت جوانب متعددة من حياة الطفل ، من ضمنها طبعاً أثر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية فى بناء كيانه العقلى والإجتماعى وهى الندوة التى تشرفت بإدارتها.
تحليل المحتوى
وفى الحقيقة أن الأهتمام بصحافة الأطفال العرب ودراسة هذه الصحافة دراسة علمية تقوم على تحليل المحتوى ، وتنظيم ندوات ومؤتمرات بهذا الخصوص ما زال مطلباً ملحاً لا يجد من يتبناه على صعيد قومى رغم أهميته ، بإستثناء ندوة صحافة الأطفال العرب التى نظمها المركز العربى للدراسات الإعلامية للسكان والتنمية والتعمير فى بغداد من 21ـ 27 كانون الأول / ديسمبر 1977 فإننا لا نجد ما يستحق الذكر بعد ذلك.
وحتى هذه الندوة ، لم يشترك فيها الا ممثلو سبع دول عربية فقط ، وظلت توصياتها حبيسة أدراج الأمانة العامة للمركز ، رغم وجاهتها وأهميتها وترجمتها للشعار الذى رفعه المنتدون آنذاك وهو " من أجل تأكيد الخصائص الوطنية والقومية فى صحافة الأطفال فى الوطن العربى ". ولأهمية هذه التوصيات ومساهمة منا فى بعثها من جديد والتعليق عليها من واقع طفل الإمارات ـ خاصة وأن الدولة لم تكن ممثلة فى هذه الندوة ـ فقد رأيت أن أتوقف عند خطوطها العريضة التى تركها المنتدون مجملة دون تفصيل ، بعد أن أستعرضوا واقع صحافة الأطفال ومطبوعاتهم ونظروا فى مدى ملاءمة ذلك الواقع لإحتياجات الأطفال على أمتداد الوطن العربى.
منظفات أساسية
من المسلم به أن صحافة الأطفال ـ بصفتها من وسائل التربية والتعليم غير مباشرة ـ يجب أن تحتكم ، بل وتلتزم بمنطقات أساسية تؤطر العمل التربوى بشكل عام ، وقد أشارت الندوة آنفة الذكر إلى بعضها ، كمسلمات يجب الأخذ بها فى أى تحرك يهدف إلى مخاطبة الطفل من خلال الصحيفة أو المجلة.
أول هذه المنطلقات التأكيد على الخصائص القومية والإنتماء إلى أمة واحدة ومبدأ المصير المشترك لأبناء الوطن العربى00 وهذا مبدأ عام لا يشمل صحافة الطفل فقط وإنما يمتد ليشمل كل وسائل التربية والإعلام بما فى ذلك المناهج والكتب المدرسية التى يجب أن تلتزم بها أكثر من غيرها.
ثم يلى ذلك التركيز على قضية الشعب العربى الفلسطينى وتعميق العزم الجاد على تحرير كامل الأرض العربية المحتلة والتصدى للإتجاهات الداعية إلى طمس لحق العربى وتمييع القضية الفلسطينية ومع أن الندوة آنفة الذكر لم تفصل وسائل وأساليب ترجمة هذا الهدف العام إلى سلوك ، الا أن أطقم الصحف العاملة فى ميدان الطفل لا تعدم وسيلة لكتابة قصص مصورة مستوحاة من واقعنا أو تاريخنا تتضمن القيم والمبادىء المذكورة ، وهذا يستلزم الإستعانة بالكتاب المختصين بأدب الطفل ، العارفين بمراحل النمو وخصائص كل مرحلة ، المؤمنين بأهمية هذا المبدأ فى تنمية الوعى والحس القومى لدى الأطفال.
ويتبع ذلك التأكيد على الخصائص الوطنية وتكريس مبدأ حب الوطن والتعلق به من خلال حكايات مبسطة عن قيم الشهادة والتضحية وحب الوطن ثم الإمتداد بهذه القيم لتشمل المبادىء الإنسانية والمثل العليا التى يتوجب مراعاتها والعمل على تنميتها والمحافظة عليها فى سلوكنا ، ثم تعزيز ثقة الطفل بأمته العربية وشعبه عن طريق إبراز الجوانب الإيجابية من تراثنا والمنجزات البارزة فى حياتنا المعاصرة والمساهمة فى التربية الإجنماعية للطفل بطرح نماذج سلوكية سليمة وتوسيع مدارك الطفل بإيصال ما يناسبه من تطورات علمية وخبرته توجد فى جميع أنحاء العالم.
والمدهش أن صحافة الطفل التى ظهرت فى السنوات العشر الأخيرة عملت على تكريس نقيض المنطلقات الأساسية المذكورة التى دعت إليها ندوة بغداد ، فمجلات مثل غراندايزر ، الرجل الأكنرونى ، كونغ فو ، بساط الريح ، الرجل العنكبوت وغيرها تنقل إلى أطفالنا نماذج وأنماطاً بشرية سوبرمانية مشوهة لا تعبر عن واقع طفلنا ولا تحمل أية قيمة عصرية يعيشها الطفل العربى أو يراها فى بيئته00 فضلاً عن النماذج المريضة ، غير المنطقية لسلوك أبطال هذه القصص والروايات.
وحتى مجلات الأطفال العربية فى فكرتها وشخصياتها مثل ، أسامة ، ماجد ، مجلتى ، المزمار وغيرها لا تمس ولا نكرس الخصائص القومية ومبدأ المصير المشترك بل تغرق فى تكريس المحلية بشكل واضح ، فضلاً عن بعض القيم السلوكية غير السوية التى تقدم من خلال شخصيات بوليسية لا تكون منطقية فى مسلكها.
كما أن إكثار هذه المجلات من الموضوعات الفكاهية والكاريكاتير والطرائف التى لا تتضمن أية قيمة تربوية أو مجتمعية خرج بها عن كونها إحدى وسائل التربية والتثقيف ليجعلها واحدة من أدوات اللهو ، وإذا كنا لا ننكر هذا الجانب قى صحافة الطفل الا أن الأكثار منه على حساب القيم الأخرى سيؤدى إلى خلل فى المفاهيم والقيم والمسلكيات المكتسبة عند الأطفال ، الذين سيظنون أن العالم من حولهم ظريف وفكه يقوم على المقالب والمطاردات البوليسية !!
كما يلاحظ ـ على وجه العموم ـ خلو مجلات الأطفال العربية ـ بل وكتبهم المدرسية أيضاً ـ من قيمة حب الأسرة والولاء لها أو الأهتمام بها ورعايتها 000 وقد لاحظ أحد الباحثين العرب أن ضعف تأكيد صحافة الأطفال على قيمة حب الأسرة يكاد يكون عاماً فى أقطار العالم العربى " ففى دراسة ليمخائيل وديع سليمان أجراها على كتب المطالعة المصرية لم تكن قيمة حب الأسرة من ضمن القيم العشرة الأولى التى أعتبرتها الدراسة أهم القيم أما دراسة موفق الحمدانى لكتب المطالعة العراقية فقد كشفت عن وقوع العلاقات الأسرية فى آخر ما تتضمنه قيم علاقة الأنسان بالإنسان وفى دراسة مليكيان وبروثرو التى قام بها على طلبة الجامعة الأميريكية من العرب قل التأكيد على ذكر الأسرة فى إجابات الطلبة كقيمة مفضلة لديهم ". فى ندوة الطفل وأجهزة الإعلام التى نظمتها الإدارة الثقافية فى الشارقة على هامش مهرجان الطفل أتفق المحاضرون على غياب إستراتيجية واضحة وعلمية ومحددة لمخاطبة الطفل فى الأجهزة المسموعة والمقروءة والمرئية ـ وقد أفتى أحد العاملين فى مجلة للأطفال ، التى لا تحتاج ـ فى تصوره ـ إلا لقدر من " الفهلوة " ولشىء من خفة الدم ـ والمرح والدعاية !!
وفى الحقيقة أن إيجاد صحافة عربية متميزة للأطفال بات مطلباً ملحاً وقومياً ، بخاصة بعد الغزو الفكرى الأجنبى الناجم عن طوفان المطبوعات الأجنبية التجارية ومثيلاتها التى تصدر فى بعض أجزاء الوطن العربى والتى تروج المفاهيم اللاانسانية والعنصرية والصهيونية وقد أشارت توصيات الندوة المذكورة إلى ذلك فى أول بند لها ، واردفته بتوصية ثانية تدعو المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة إلى تشكيل لجنة عربية لمتابعة الوافد من مطبوعات الأطفال الأجنبية والمنشور منها محلياً وإصدار التوجيهات الخاصة بشأنها.
وتشكل هذه المطبوعات ، التى تترجم ويعاد نشرها وتوزيعها فى مجلدات أنيقة وأسعار متهاودة خطراً حقيقياً على أطفالنا ليس لمخالفتها كل القيم العربية التى نسعى إلى غرسها فى نفوس أطفالنا فحسب وإنما ـ وأيضاً ـ لأنها تأتى مكملة لمسلسلات تلفزيونية يراها الطفل على الشاشة فى كثير من الأقطار العربية ( مثل مسلسل غراندايزر الذى تحول إلى مجلة أسبوعية تصدر كل خميس عن مؤسسة ميوزيك فى بيروت وهى نفسها المؤسسة التى تصدر مجلة الرجل الألكترونى المقتبسة عن مسلسل بنفس الأسم لستيف أوستن )
والذى يدعو إلى الغرابة أن هذه المجلات تدعى نقيض ما تتضمن ، ففى أفتتاحية مجلة " الرجل الألكترونى " نقرأ كلمة لدار النشر تقول : " أن المغامرات تستهوى الصغار والكبار على السواء لأنها أعمال البطولة والأقدام والشجاعة 00 قد يجد القارىء العربى فى هذه المجلة عن التسلية البريئة المسلسلات التليفزيونية محمولة إلى قصص مصورة تتجلى فيها الرجولة ، وقد حرص واضعو هذه البرامج فى الغرب على الإبتعاد عن مظاهر العنف لمجرد العنف00 أن هذه المجلة تسد فراغاً كانت تفتقر له مكتبة الأحداث فى العالم العربى ، أن هذه القصص المصورة كتبت أصلاً كحلقات تلفزيونية قام بإعدادها كبار المربين العالميين والمتخصصين فى دراسة علم النفس النشء الطالع بحيث تبرز الخصال الحميدة لأبطال هذه القصص مثل الأقدام والشجاعة والتضحية وحفظ النظام والتقيد بالقانون وما إلى ذلك من خصال حميدة نسعى نحن جاهدين إلى زرعها فى نفوس أطفالنا رجال المستقبل.
هكذا أذن ـ وفى ظل غيبة الرقابة ـ تتحول مجلة مثل الرجل الألكترونى إلى مجلة " تربية " يشرف على أعدادها " كبار المربين العالميين والمتخصصين فى دراسة علم النفس " ـ كما تزعم الدار الناشرة !!
نعود إلى توصيات الندوة فنجد أنها حذرت من هذا الأخطبوط الخارجى الذى يستهدف أطفالنا تحت ستار العلم وقصص البطولة وتوصى ـ بالمقابل ـ دور النشر العربية الخاصة ـ وأكثرها فى بيروت ـ بضرورة تبنى المفاهيم العربية القومية وأعتماد قصص التراث والأشعار والمواد الثقافية والمواضيع ذات التوجه الإنسانى من خلال التعاون بين فنانى الأقطار العربية وكتابها من أجل إخراج مطبوع نظيف وهادف ، وهذا مطلب ملح لأن الجودة الفنية فى المطبوعات الأجنبية تفوق مثيلاتها فى المنطقة العربية ومن ثم تكون أكثر قرباً لهوى الأطفال.
لكن مثل هذه الإستعددات ـ فى الرسم والكتابة والإخراج ـ يحتاج إلى تأهيل من نوع خاص ، لذا رأت الندوة ضرورة المطالبة بإدراج مادة صحافة الأطفال ضمن مواد التدريس الصحافية للمعاهد العليا والكليات بالوطن العربى فضلاً عن تنظيم دورات تدريسية مكثفة لتأهيل العاملين فى صحافة الأطفال وهذه مهمة تقع على عاتق وزارات الثقافة والإعلام ، ولكن هذا لا يمنع ـ كما يقول المنتدون ـ من الإستعانة بالخبرة الأجنبية فى مجال التدريب وخصوصاً فى المجالات التقنية مع التشديد على مبدأ الإختيار لمصادر تلك الخبرة.
وتدعو الندوة مؤسسات ثقافة الأطفال الأكثر إقتداراً إلى تقديم العون الفنى والتحريرى لتلك المؤسسات التى تعانى من بعض الصعوبات أو التى ما زالت فى أول الطريق ، بمعنى الدعوة إلى تبادل الخبرات بين مؤسسات صحافة الأطفال فى الوطن العربى وقيام المؤهل من تلك المؤسسات بتخصيص زمالات " منح " تدريبية للرسامين الناشئين وغيرهم من أصحاب الإختصاصات ذات العلاقة مع حث الجهات المعنية والمسؤولة عن معاملة الإختصاصات المتعلقة بصحافة الأطفال كإختصاصات نادرة من حيث التشجيع المادى والمعنوى بما فى ذلك النظر فى موضوع الأجور المدفوعة لهم.
وفى إطار حماية الملكية الأدبية والفنية أوصى المنتدون الجهات المعنية بضرورة الإلتزام بمبدأ حقوق إعادة النشر بالنسبة للجهات المساهمة فى حالة بيع البرنامج المسموع أو المرئى أو أهدائه إلى جهة أخرى غير التى أنتج لها أصلاً00 وهذا يلقى مسؤولية مضاعفة على عاتق أتحاد الأدباء العرب ورابطة الفنانين التشكليين العرب ، الذين يتوجب عليهم إبداء الدعم والإهتمام اللازمين بصحافة الأطفال والتنسيق برابطة العاملين فى صحافة الأطفال.
من بين التوصيات التى توقفت عندها مطولاً ، وتكرر ذكرها فى كل ندوة أو محاضرة أو لقاء جعل من صحافة الطفل موضوعاً للبحث ، ضرورة الإنعتاق من الشخصيات القصصية الأجنبية المتداولة فى مطبوعاتنا ودورياتنا مثل ميكى ماوس ، والسعى إلى خلق شخصيات قصصية أو مرسومة من وحى تاريخنا وعلمائنا وتقاليدنا بخاصة وأن تراثنا غنى جداً بمثل هذه الشخصيات مع ضرورة إستعمال الفصحى دون سواها لتعزيز الملكات اللغوية عند الأطفال وللمساهمة مع إستفتاء الأطفال وإستطلاع رغباتهم دورياً لتحديد المواضيع والأبواب والمطبوعات التى يفضلونها مع محاولة تقصى الأسباب الكامنة وراء ذلك.
لقد بدأت الصحف والمجلات الصادرة فى الإمارات تهتم بالأطفال من خلال تخصيص ركن لهم ، ينشر أخبارهم ويستعرض نشاطاتهم ويسليهم بقصص وحكايات مسلسلة ، منقولة عن مطبوعات أجنبية ، ورغم أن هذه بادرة طيبة الا أنه يلاحظ وقوعها فى مجمل الأخطاء التى أشرنا إليها ، فالذين يقومون على هذه الصفحات أعمار الأطفال الذين تتوجه إليهم ومن ثم يختلط الحابل بالنابل وتفقد الصفحة هدفها.
نحن لسنا بحاجة إلى ندوة حول صحافة الطفل ، تضيع توصياتها فى زحمة الندوات ، وإنما نحتاج إلى مؤسسات علمية تربوية ممولة جيداً لترعى هذا الجانب الهام من حياة أطفالنا فهل سيتحقق لنا ذلك !!
هوامش
(1) ـ من الأدباء العرب القلائل الذين يكتبون للطفل / كان رئيساً لتحرير مجلة أسامة للأطفال.
(2) ـ هى تونس ، الجزائر ، المغرب ، مصر ، العراق ، الكويت ولبنان.
(3) ـ وهو السيد خلف نصار محيسن وقد نشر ذلك فى كتابه " القيم السائدة فى صحافة الأطفال " الصادر عن دار الرشيد عام 1978م.
(4) ـ الدكتور صالح أبو أصبع ، خليل حداد ، رأفت السوبركى وقد أدرها كاتب هذه السطور.
(5) ـ تشرف عليها السيدة سهام محاسب وتتولى توزيعها فى الوطن العربى مؤسسة النحاس للنشر والتوزيع ، وستيف أوستن هو الأسم الذى يطلق على الممثل لى ميجرز بطل المسلسل المرئى والمقروء.
(6) أنظر أفتتاحية العدد الأول من المجلد الأول.
(7) تمخضت الندوة عن أتفاق بين الوفود ينص على إصدار مجلة عربية مركزية تعتمد المشاركة العربية الواسعة وتتوجه للأطفال العرب فى كل مكان ورغم أن الوفود أقروا مشروع المجلة الا أنها لم تظهر إلى الوجود حتى الأن !!