من طرق التدريس فى الإمارات
 (2)
الطريقة الحوارية تقوم على مبدأ التعليم بالمحاورة
الطريقة الجمعية ، مزاوجة بين الإستقراء والقياس
بقلم : أسامة فوزى
نشر في جريدة البيان - دبي عام 1983


توقفنا فى المقالة السابقة عند أشهر طرق التدريس المتبعة فى الإمارات ، وقلنا أن الطريقة الإلقائية تكاد تكون الغالبة على بقية الطرق ، لسهولتها ولأن الأكثرية المطلقة من المدرسين هم من غير المؤهلين تربوياً بخاصة فى المراحل الإبتدائية الدنيا ومن ثم لا يحيطون بطرق التدريس الأخرى التى تتطلب قدراً من الوعى والإطلاع والخبرة والتجريب.
أما فى حلقة اليوم فنتناول من طرق التدريس ، أكثر تعقيداً من سابقاتها ـ القياسية والإستقرائية والإستنباطية ـ ولكن أنفذ إلى عقول التلاميذ لأنها من النوع التركيبى الذى يفيد من عناصر الطرق الثلاثة المذكورة ويضيف إليها عناصر جديدة جداً أيضاً.
الطريقة الحوارية
أولى هذه الطرق تعرف عند التربويين بالطريقة الحوارية ومن تسميتها ندرك أنها تقوم على مبدأ التعليم بالحوار وهى بهذا طريقة تركيبية تجمع بين الإستقراء والقياس والإستنباط والمحادثة وتترك للتلاميذ فرصة المشاركة الفعالة فى الحصة من خلال الإجابة عن الأسئلة الإختيارية الشفوية التى يطرحها المعلم كمدخل للموضوع ، وكلما كان المعلم ناجحاً فى إختيار الأسئلة وأسلوب طرحها إزداد تشوق الدارسين للموضوع ، بخاصة عندما يشتركون فى الإجابة عن بعض الأسئلة من واقع معلوماتهم العامة ، وهذا يمنح الدارس ثقة كبيرة بنفسه ويدعوه بالتالى إلى التجويد والإنتباه مما يؤدى إلى حركة تنافسية فى الحصة يعود مردودها العام على مستوى الإستيعاب عند الجميع.
مهارات مطلوبة
وهذه الطريقة تتطلب مهارة خاصة عند المدرس ، سواء فى إدارة دفة الحوار أو فى تثوير دافعية التعلم عند تلامذته وتحفيز حب المعرفة لديهم ، شريطة أن يتم كل ذلك فى إطار الموضوع الرئيسى للدرس ، حتى لا ينصرف إنتباه التلاميذ إلى موضوعات فرعية ، وحتى لا تغيب الأهداف الخاصة للدرس.
ويرى الخبراء أن طريقة التدريس بالحوار تتسم بالبساطة رغم أنها طريقة تركيبية ، ومن ثم يعول عليها كثيراً فى معاهد التعليم الإبتدائى والمتوسط لأنها تفى بالغرض التربوى وتلبى الحاجات النفسية لدى الدارسين ، وعلى ضوء ذلك يفضل خبراء التربية الدنيا ، لأن الطفل فى هذه المرحلة يكتسب من الحوار عادات كثيرة ، ليس أقلها التعلم والجرأة والشجاعة والثقة بالنفس.
الطريقة الجمعية
أما الطريقة الثانية فى هذه الحلقة ـ والخامسة فى الدراسة كلها ـ فهى التى تعرف بالطريقة الجمعية فى التدريس ، وهى أيضاً طريقة تركيبية فيها تمازج بين القياس والإستقراء من خلال الإنتقال بين الخاص والعام ، الكل والجزء ، وفق ما يتطلبه الموضوع ويراه المدرس إستناداً إلى الخبرات والمعارف السابقة عند تلاميذه ، وتفضل هذه الطريقة على غيرها فى دروس النحو العربى والبلاغة حيث تكثر القواعد وتتعدد الشواهد والأمثلة ويكون المدرس حراً فى إنتقاله بين القاعدة والتطبيق ، ففى هذا الموقع يستنبط القاعدة من الشاهد وفى ذاك يرى أن الأفضل أن يبدأ بتعريف القاعدة ثم يضرب أمثلة عليها ، مما يعنى أن المدرس الذى يتبع الطريقة الجمعية أو الثنائية ـ القياسية الإستقرائية ـ مكلف بإمتلاك حاسة خاصة مكتسبة تساعده على الإنتقال بين الإستقراء والقياس حسب حاجة الموقف التعليمى وبالقدر الذى يمكن أن يستوعبه التلاميذ ومثل هذه الحاسة المكتسبة لا تتوفر لدى المدرس الا بالدراسة فى المعاهد المختصة والتجربة الميدانية والممارسة التطبيقية والإلمام بالمادة العلمية إلماماً واسعاً يؤهله التجول فى مضامنها المختلفة.
طرق تعليم القراءة
طرق التدريس التى أشرت إليها عامة ، تصلح لكل المواد الدراسية لكن هناك إتفاقاً حول خصوصية تعليم القراءة العربية للأطفال ، وبسبب هذه الخصوصية ، أتفق علماء التربية على طريقتين رئيسيتين لتدريس القراءة ، لا تنضويان تحت أية طريقة للتدريس سابقة ، من تلك التى عرجنا عليها ، وإن كانت توظف بعض عناصرها فى بعض الجوانب ، بخاصة فيما يتعلق بالإستيعاب وإستنباط القاعدة.
الطريقة الأولى الأكثر شهرة فى تعليم القراءة العربية للأطفال تعرف باسم " الطريقة التركيبية " ، وهى ليست قصراً على اللغة العربية وإنما يستعان بها فى تعليم القراءة والنطق لجميع الأمم وفلسفة هذه الطريقة تقوم على تعليم الحرف ثم الكلمة ثم الجملة ، صوتاً ورسماً 00 بينما تبدأ الطريقة الثانية المسماة بالطريقة التحليلية بتعليم الكلمات قبل الحروف 00 وبهذا تنهج الطريقتان نهج الإستقراء والقياس ، ولكن مجالهما يقتصر على اللغة ومفرداتها وأصواتها ، ويمكن بطبيعة الحال المزج بين الطريقتين الكلية والتحليلية كما فعل المؤلفون فى كتاب القراءة العربية للصف الأول الإبتدائى وإن كان عملهم قد خرج فى شكله النهائى بصورة مشوهة ، فيها الكثير من الشطط وسوء الإختيار والتنفيذ فضلاً عن سوء التقدير بالنسبة لحجم الكتاب وصوره وحروفه ونوع ورقه وطباعته.
ولأهمية هذه الطريقة وتلك ، ولأنهما بوابة التعليم ونافذة المستقبل لأطفالنا ، سوف أتوقف فى حلقة مقبلة عند مواصفات كل طريقة على حدة من واقع تجربة خاصة وعامة ، هما زادنا فيما نحتكم اليه دائماً من قضايا التربية ومشاكلها.

طرق التدريس متعددة محورها المدرس والمنهج !!
الطريقة " التوليفية " بين النظرية والتطبيق فى كتاب اللغة العربية للصف الأول الإبتدائى!!
أشرت اعلاه إلى أشهر طرق التدريس المتبعة فى الإمارات وبينت أن هذه الطرق فى تنويعها وتعددها لا تخضع لمعايير ثابتة ولا ينص عليها فى الأنظمة التربوية وإنما يجتهد بها وفقاً لمؤهلات كل مدرس على حدة ، أو تبعاً لما يراه الموجهون على إختلاف مشاربهم وخبراتهم ، وقد قصرنا حديثنا على طرق التدريس العامة لكل المواد ووعدنا أن نعود إلى طريقتين خاصتين بتعليم القراءة للأطفال فى المدارس الإبتدائية ، هما الطريقة التركيبية والطريقة التحليلية.
كتاب لغتنا العربية
قبل أن نخوض فى هاتين الطريقتين علينا أن نشير إلى كتاب لغتنا العربية ـ القراءة العربية ـ المؤلف محلياً بإشراف الدكتور فتحى على يونس قد تبنى طريقة توليفية تجمع بين الطريقتين السابقتين فهى ـ كما ورد فى المقدمة ـ " تبدأ بإدراك التلميذ الجمل والتراكيب بطريقة كليلة ، إدراكاً يقوم على الربط بين صورها المكتوبة وأصواتها المسموعة ، ثم ينتقل إلى إدراك مكونات الجمل من الكلمات ، وتأتى الخطوة التالية وهى خطوة التحليل والتجريد ، وفيها تفرد الكلمة المراد تجريد حرف من أحرفها وتقرأ مفردة بعد قراءتها فى سياقها تعزيزاً للإدراك ثم يجرد الحرف منها وتأتى خطوة التركيب بعد أن يكون التلميذ قد أدرك مجموعة من الحروف ، فتركب كلمات وتراكيب جديدة من الحروف التى سبق تجريدها ".
نظرياً لا غبار على هذه الطريقة ، شريطة أن يوظف المدرس العناصر الإيجابية فى كل واحدة منها لخلق طريقة ثالثة يمكن له ـ فى إطارها ـ أن يتحرك بفاعلية وفقاً للفروق الفردية بين الطلاب ، وطبيعة المناهج والأنظمة التربوية السائدة ، لكن الذين ترجموا الطريقة التوليفية إلى مفردات فى الكتاب المتداول بين طلبة الأول الإبتدائى إبتعدوا كثيراً بالكتاب ليس فقط عن الطريقة التوليفية المذكورة وإنما ـ أيضاً ـ على الأهداف العامة والخاصة لتدريس القراءة العربية فى هذه المرحلة وقد عرجنا فى مقالة سابقة على هذه المسألة ففصلناها بنقاط محددة ورددنا كل مأخذ أو غلط أو تجاوز غير تربوى إلى صفحته فى الكتاب الضخم الذى يحافظ للسنة الثالثة على التوالى على ضخامته !!
الطريقة الأولى
تعرف هذه الطريقة باسم الطريقة الجزئية أو التركيبية ، وهى فى جوهرها تنطلق من قاعدة فلسفية فى المعرفة تقول : أن المعلم ـ أياً كان ـ يستوعب ـ أكثر عندما ينتقل من الجزء إلى الكل ، وفى القراءة العربية يكون الجزء هو الحرف والكل هو الكلمة ثم الجملة ثم العبارة وبهذا تشترط هذه الطريقة على المعلم أن يبدأ بتدريس الحروف الأبجدية للتلاميذ ، وتترك له حرية أن يعلمهم هذه الحروف بأسمائها المعروفة فى الأبجدية ، أو أن يعلمهم أياها بأصواتها المنطوقة وليس بأسمائها 00 ويتدرج التلميذ فى الحالتين من الحرف إلى مجموعة الحروف التى تشكل كلمة إلى مجموعة الكلمات التى تشكل جملة وبسبب هذا البناءالهرمى للكلام يقال : أن الطريقة تركيبية.
والطريقة الجزئية هذه ليست ـ كما قلنا ـ قصراً على اللغة العربية ، وإنما هى من طرق التعليم المعروفة فى كل بقاع الأرض ولكل اللغات ذات الأبجدية التى تقوم على الحروف المفردة ـ وليس على الصور أو الرسومات كما هو الحال بالنسبة للغة الصينية ـ وما زالت هذه الطريقة تطغى على المدرسة العربية التقليدية ، لأنها لا تتطلب خبرة واسعة ، غير ما عرفه المدرس فى أثناء دراسته الثانوية ، بخاصة لمن يلجأ إلى تدريس الحروف بأسمائها وليس بأصواتها ـ وهو ما تلقناه فى مدارسنا ـ ونكمن الخطورة فى أن المدرس غير الخبير أو غير المؤهل تربوياً قد يقع فى محذور التكرار الممل ، المزعج ، المنفر للأطفال ، الذين ـ فى خطواتهم الأولى ـ لا يدركون معانى هذه الحروف أو دلالاتها وإنما يتلقونها كطلاسم وأشكال يتوجب عليهم حفظها ، ورسمها ونطقها عن ظهر قلب.
الطريقة الثانية
لعل هذه المحاذير هى التى دفعت بخبراء التعليم فى الوطن العربى ـ وهم بالمناسبة قلة ـ إلى محاولة إدراج الطريقة الكلية فى التعليم الأساسى ، بخاصة فى مجال تعليم القراءة والكتابة ، وهذه الطريقة تقوم على " تحليل " الكل إلى أجزاء ، حيث يبدأ الطفل بتعرف الكلمات ثم ينتقل إلى الحروف بأسمائها أو أصواتها وتتطلب هذه الطريقة تعاوناً فعالاً بين المدرسة والبيت والحارة لأنها تقوم أساساً على معجم الطفل اللغوى الذى يتكون ويتشكل قبل سن السادسة ، وعلى ضوء ذلك يقوم المدرس بتنمية هذا المعجم من خلال مفرداته وتحليلها.
طرق أخرى
لا نريد أن نختم الحديث عن طرق التدريس العامة ـ وطرق تدريس القراءة العربية للأطفال ـ دون أن نشير إلى أن الطرق الخمسة التى أشرنا إليها فى المقالين السابقين ليست هى الوحيدة ، وأن كانت الأكثر تداولاً فى مدارس الإمارات ، ولأن التعليم علم وفن فإن طرق التدريس تتجدد وتتعدد بإضطراد ، وبعض هذه الطرق تحمل أسماء فلاسفة ورجال تربية ، أكتشفوها أو تبنوها أو " أنضجوها " ومن ثم قرنت بهم ، إكراماً لهم أو تمييزاً لها عن غيرها00 ونذكر منها ـ على سبيل المثال ـ طريقة " المشروع " أى الخروج بالطفل من الفصل والمدرسة إلى الحارة والمجتمع ، وهى طريقة أرتبطت باسم جون ديوى أول من رفع شعار التعليم بالعمل.
طريقة الوحدات
هذه طريقة أخرى فى التدريس لم نتوقف عندها من قبل رغم أن الكثير من الكتب المدرسية المؤلفة محلياً تقوم على أساس منهج الوحدات ، أى المواضيع الكلية التى تندرج تحتها مواضيع متفرعة منها وقد أرتبطت هذه الطريقة باسم العالم موريسن ، وهى طريقة معقدة ، تحتاج إلى مناهج خاصة ، ومدرسين بكفاءات تربوية وعلمية عالية ، خاصة أن شخصية المدرس هى المحور الذى تقوم عليه الطريقة ، فضلاً عن الكتاب المدرسى المتقن.
جون ديوى والمشكلة !!
يعود الفضل لجون ديوى فى الكثير من النظريات التربوية المطروحة الآن فى الساحة ، ومن بينها طريقة مبتكرة فى التدريس سماها ديوى بطريقة " إثارة المشكلة " ، وهى طريقة تقوم على أساس تشويق المتلقين لموضوع الدرس بإثارة مشكلة ما أو لغز معقد يرتبط بالبيئة المحيطة ، الطبيعية والإجتماعية ، ثم تتدرج الحصة تلقائياً ووفق منهج علمى مدروس ومحدد إلى الذروة ، بتعاون ومشاركة فعالة من التلاميذ ، الساعين إلى حل المشكلة إعتماداً على تراكم الخبرات والمعلومات السابقة عندهم ، ويتطلب الحل جهداً ذهنياً ليس بالقليل ، مثل وضع الفروض والقياس والمشاهدة أو الملاحظة والبرهنة إلى ما هناك من تسلسل منطقى يجعل النهاية مقنعة وذات حيثيات علمية ، وهذه الطريقة تناسب طلبة المرحلة الإعدادية والثانوية ، وتحبذ فى موضوعات العلوم العامة القائمة على المعادلات والإختبارات والتجريب.
بقى أن نشير إلى أن هذه الطرق مجتمعة تفقد فعاليتها اذا لم تقم على أسس علمية وتربوية مدروسة واذا لم ترفد بعناصر أساسية لا غنى عنها فى عملية التعليم مثل وسائل الإيضاح وطرق الإعداد وتدريب المعلمين فضلاً عن المناهج والكتب المدرسية ويظل المدرس هو الأساس ، وهو المحور ، وهو أداة التوصيل الوحيدة الناجحة ، بغض النظر عن الطريقة ، أو الخطة أو النظرية المعتمدة فى التعليم والتربية.