من طرق التدريس فى الإمارات
• الإلقاء والإستقراء والقياس والإستنباط
• مدارس فى طرق التدريس وتيارات يغلب عليها الإرتجال
(1)
بقلم : اسامة فوزي
نشر في جريدة البيان - دبي عام 1983


تعتبر مهنة التدريس أو التعليم فى العالم العربى مهنة لا مهنة له ، وغالباً ما يتوجه ألاف الأشخاص لممارسة هذه المهنة بعد تخرجهم من المدارس الثانوية أو الجامعات دون أن يكون لديهم الإستعداد الكافى لممارسة هذه المهنة وفى أكثر الأحيان يتخذ هؤلاء مهنة التدريس وسيلة لتحقيق مصالح شخصية سريعة بسبب توفر العمل فيها فضلاً عن دخلها الشهرى الثابت الذى يقع وسطاً بين " دخول " قطاعات الموظفين وغالباً ما يترك المدرس مهنة إلى مهنة أخرى أكثر إستقراراً وأكثر إيراداً وبهذا تكون المهنة بالنسبة للكثيرين محطة مؤقتة يغادرها الواحد منهم فى أول قطار جديد يحملهم إلى عالم المستقبل.
مهنة وتخصص
بسبب هذه النظرة المتخلفة لمهنة التدريس أو التعليم وبسبب قصور أجهزة التعليم والتربية فى الوطن العربى وعجزها عن الرقى بالمهنة إجتماعياً وفنياً ، ظل المدرس أو المعلم بعيداً عن نظريات التعليم التى تشكل أساساً ومحوراً لهذه المهنة فى الدول المتحضرة ، وقلة قليلة تطلع عليها بحكم الدراسات فى معاهد المعلمين أو بحكم بعض الدورات التدريبية السريعة التى غالباً ما تكون نظرية فى طروحاتها وتطبيقاتها ونسخيته فى مسافاتها وتعييناتها.
طرق التدريس
التدريس مهنة وفن ، ولطرق التدريس مدارس وتيارات ونظريات يحيط بها المدرس فى الدول المتقدمة قبل أن يسمح له بالنزول إلى الميدان , وهى طرق كثيرة قد نجد بعضها لدى مدرسى الإمارات ، لكن هذا الإستثناء يظل محدوداً وقاصراً على نوعية معينة ومؤهلة تربوياً وعلمياً بينما يجهل الكثيرون طرق التدريس ويمارسون المهنة بعفوية مطلقة تتداخل فيها الطرق وتتلاطم وتتقولب وفقاً لأهواء الموجهين أو النظار أو اللوائح
الطريقة الإلقائية
وعلى العموم فإن الطريقة الإلقائية هى الغالبة فى الوسط التعليمى ويكاد المدرسون لا يعرفون غيرها وهى تقوم على أسلوب المحاضرة حيث يلزم التلاميذ الصمت طوال الحصة بينما يطغى صوت المدرس على أصوات الجميع ، محللاً وعارضاً ومناقشاً ومفسراً بتلقائية وبصوت عال يهدف إلى إجتذاب الإنتباه وربما إدخال الروع فى القلوب.
والطريقة الإلقائية فى التعليم تحتاج إلى مواصفات خاصة يجب أن تتوفر فى المدرس ، ومنها طلاقة اللسان والصوت الواضح الجذاب وملكة الخطابة بما تشترطه من حركات بالأيدى والرأس تشكل فى مجموعها أداة التوصيل والتأثير على التلميذ المتلقى ، وغنى عن الذكر أن هذه الطريقة تشترط أيضاً الإلمام بالمادة ولكن هذا الشرط ليس رئيساً لأن الكثيرين يتغلبون على ضعفهم العلمى بالصوت الجمهورى وطلاقة اللسان والقدرة على جذب الإنتباه وقتل الوقت فى الحركات المسرحية والنكات والمداعبات التى تجد قبولاً عند التلاميذ. وعندما تسود هذه الطريقة فى المدارس والفصول تصاب معايير تقييم المدرسين بالخلل ، لأن المدرس القوى فى مادته الضعيف فى صوته لا ينال بالضرورة درجة متقدمة كتلك التى ينالها صاحب الصوت المجلجل والحركات المثيرة المحببة للأطفال.
لكن للطريقة الإلقائية من جانب آخر فوائدها فيما لو أحسن إستغلالها ونوظيفها فى الفصل بخاصة عند الأطفال الذين لا يحسنون القراءة ومن ثم ليس أمامهم إلا الإستماع أو المشاهدة. وكلما كان المحاضر متبسطاً ومثيراً لأحاسيسهم كان المردود التربوى والعلمى متقدماً وثرياً.
شريطة أن ينوع المحاضر أو المدرس فى أساليب الإلقاء وفى نبرات الصوت فلا يقصر الحصة كلها على خطبة مملة وإنما يوظف القصة أو الحكاية الطريفة فى البناء الدرامى للحصة والتعليم بالحكابات أو القصص فن يحتاج إلى مهارات متعددة تشمل القدرة على الإلقاء الجميل والوصف الساحر والتبسيط فى الأداء وتلوين الصوت وتوظيف معلومات التلاميذ التى اكتسبوها من قبل فى توصيل معلومات جديدة اليهم ، فضلاً عن القدرة على إستحضار الحكايات المناسبة لخدمة الموقف التعليمى ، وهذا يتطلب بالتأكيد تحضيراً مسبقاً للحصة أو الدرس مع رسم خطة للإستهلال والذروة والختام وهى ـ كلها ـ مهارات تؤكد أن الطريقة الإلقائية فى التدريس ليست سهلة كما يظن الكثيرون وليست قصراً على أسلوب المحاضرة الذى يكاد الأسلوب الطاغى على أساليب التدريس فى الإمارات.
الطريقة القياسية
قلة قليلة من المدرسين فى الإمارات تعتمد " الطريقة القياسية " فى التدريس ، وهى طريقة صعبة وتتطلب من المدرس إلماماً واسعاً فى المادة العلمية ثم إحاطة بإمكانيات تلاميذه ومحفوظاتهم ومعارفهم السابقة ، لأن الطريقة تعتمد أساساً على تراكمات المادة عند التلاميذ التى توظف وتنمى وتزاد من خلال القياس على القوانين العامة التى درسوها من قبل أو المعارف التى جندوها فى دروس سابقة 00 ويلجأ مدرسو اللغة العربية إلى هذه الطريقة فى موضوعات النحو العربى لأنهم ينطلقون فى الغالب من قاعدة أخذها التلاميذ من قبل وعلى ضوء معطياتها يبنى المدرسون حقائق جديدة تنمو بشكل هرمى ، وهذه الطريقة الصعبة فى مداخيلها أو مدخلاتها تتسم بالسهولة فى تعاطيها شربطة أن يدرك المدرس أسسها ويحسن الربط بين المعلومة القديمة والمعلومات الجديدة التى يراد إدخالها فى عقول التلاميذ ، ومن ثم تعتبر " الطريقة القياسية " أخف عبئاً على المدرس من الطريقة الإلقائية لأنها لا تحتاج إلى جهد أضافى فى الحديث والصراخ والوصف طوال الحصة وإنما تعتمد على المشاركة العقلية والوجدانية بين التلاميذ ومدرسهم ، وهى بهذا لا تتطلب مجهوداً جسدياً أو عقلياً عظيماً من المدرس لأن الجهد التعليمى يتوزع على الجميع والقسط الذى يناله المدرس لا يزيد كثيراً عما يناله تلامذته بخاصة إذا نجح المدرس فى إشراك التلاميذ إشراكاً فعلياً فى الدرس إعداداً وتقديماً وتطبيقاً ولا يحبذ ـ فى هذه الطريقة ـ أن يترك التلميذ وحده لإستنباط القاعدة أو المعلومة دون مراجعة أو رقابة أو متابعة من المدرس لأن هذا يحتمل الوقوع فى الخطأ والقياس عليه وهو من عيوب هذه الطريقة فى التدريس والتى تسمى ب" الطريقة الإستنباطية " وهى تقوم فى بدايتها على الأسس ذاتها التى تقوم عليها الطريقة القياسية لكنها تختلف فى " مخرجات التعلم " لأنها تترك التلميذ يتعامل مع القاعدة أو المعلومة المحورية المعطاة له ، ليستنبط منها القواعد الجديدة دون أن تخضع عملية الإستنباط للإشراف المباشر من قبل الدرس.
لماذا الخلط
بقى أن نشير فى هذا المجال إلى أن الكثيرون يخلطون بين الطريقة القياسية والطريقة الإستقرائية فى التعليم ، رغم ما بينهما من تعارض ، ففى الطريقة القياسية كما ذكرنا ينتقل المدرس من المعلومة العامة إلى الخاصة ، من الكل إلى الجزء ، من القاعدة إلى الفرع ، من القانون إلى الحيثية أما فى الطريقة الإستقرائية يكون الإنتقال من المعلومة الخاصة إلى العامة ، من الجزء إلى الكل ، من الفرع إلى القاعدة ، من الحيثيات إلى القانون ، وبكلمة أخرى نبسط فى الطريقة القياسية القاعدة ثم نشرح الأمثلة .
أما فى الإستقرائية فيكون الشرح للأمثلة سابقاً لأستخلاص القانون.
هذه بعض أشهر طرق التدريس فى العالم ، إستعرضنا الأكثر تعاطياً فى مدارس الإمارات ، على أمل أن نتوقف فى الحلقة المقبلة عند طريقتين فى التدريس أكثر تعقيداً هما الطريقة الجمعية والطريقة الحوارية.