كتاب تربوى جديد يدق ناقوس الخطر :
التربية العربية لا تزال بالإصلاحات الترقيعية
بقلم :أسامة فوزي
نشر في جريدة البيان - دبي عام 1983


تعانى المكتبة العربية من أزمة حقيقية فى الكتاب التربوى الذى ينطلق من واقعنا العربى ، السياسى والإجتماعى والإقتصادى ويشكو طلبة الجامعات من ندرة هذه الكتب ومن قحط فى المراجع والدراسات والتحليلات الميدانية لواقعنا التربوى حيث تطغى الكتب التربوية المترجمة ، أو المؤلفة بأسلوب إنشائى أو خطابى على مجمل المراجع والمصادر المقررة لهؤلاء الطلبة ، بخاصة فى أقسام التربية وعلوم النفس والإجتماع.
إنتاج تربوى
من هنا لا يستطيع المرء المعنى بقضايا التربية وهمومها الا أن يتحمس لأى إنتاج جديد فى ميدان التربية ، بخاصة عندما يشمل هذا الإنتاج قطاعات عريضة من مجتمعنا العربى متجاوزاً مشكلات هذا القطر أو ذاك ، ولأن الإنتاج الإبداعى والأدبى من أشعار وقصص ومقالات نقدية وغيرها هو الذى يغلب على سوق الكتاب العربى ومن ثم يحظى بإهتمام الصحف والمجالات ، فإن الإنتاج التربوى الضئيل ، مهما كان متميزاً ، لا يأخذ فرصته نحو القارىء ومن ثم نحو رجال التربية والتعليم الذين يحتاجون لجهود الأكاديميين فضلاً عن كتبهم.
التربية والعمل
من هنا رأيت أن أقف عند بعض الكتب والإصدارات التربوية والنفسية الجديدة أو الصادرة فى الثمانيات ، للتعريف بها من ناحية ولتأكيد أهمية البحث الميدانى والتأليف من واقع ما تعيشه أحوال التربية والتعليم فى أقطارنا العربية وليس من واقع ما نترجمه عن مشاكل غيرنا.
والكتاب الذى نتوقف عنده اليوم بعنوان " التربية والعمل " وقد صدر قبل عدة أشهر فى 164 صفحة من القطع الكبير لتربوى معروف هو حكمة عبدالله البزاز ، وتكمن أهمية هذا الكتاب فى أنه الأول من نوعه ، الذى يعالج مشكلة مهمة تعانى منها بنية التربية العربية وتنعكس آثارها على خطط التنمية القومية ومستقبل الطاقة البشرية ومستوى العمالة القومية وهى مشكلة إدخال العمل ضمن إطار التربية وهى كما يرى الباحث يمكن أن تسهم فى توضيح جوانب مهمة من جوانب تطوير العملية التربوية قلما تطرق إليها الباحثون.
محاوار الدراسة
وتتحدد الدراسة ـ محور هذا الكتاب ـ فى اهمية إدخال العمل اليدوى بمختلف أشكاله ومستوياته فى إطار العملية التربوية فى التعليم العام ومن جوانبه النظرية والعملية وأثره فى تطوير شخصية الطالب والقاء الضوء على بعض التجارب العالمية فى هذا المجال مع القاء نظرة على إدخال العمل فى العملية التربوية لدى بعض الأقطار العربية وموقف التراث العربى الإسلامى من العمل.
أزمة التعليم
فى التمهيد الذى أستهل به المؤلف كتابه ، أضواء على أزمة التربية والتعليم فى الوطن العربى ، والتى تعانى " من مشاكل خطيرة وهى فى واقعها الراهن لا تمثل الا نموذجاً مشوهاً لما يمكن أن ترثه الأمة من عهود التخلف والنشاط ".
فالتربية ـ فى رأى المؤلف ـ لا تزال تكتفى بالإصلاحات الترقيعية المؤقتة ، ونظامنا التربوى العربى لا يزال نظاماً تقليدياً مقتبساً فى أغلبه من مخلفات الماضى وعهود السيطرة الإستعمارية.
أمراض
وقد شخص المؤلف ما تشكو منه التربية العربية فى فقدان أرتباطها بخطط التنمية القومية نتيجة عوامل متعددة فى مقدمتها ضعف التخطيط والإدارة والمتابعة والإلتزام بالخطط الموضوعة وتوفير عوامل نجاحها ، كما يعانى التعليم من ضعف ديمقراطيته وخاصة فى ميدان توفير فرص التعليم المتكافئة وملاءمته للأجيال الصاعدة حيث التمييز بين الكبار والصغار اذ يجرى التعليم لصالح الصغار أكثر من الكبار كما يجرى لصالح البنين أكثر من البنات ولصالح المدينة على حساب الريف وهو يسير لصالح التعليم النظرى أكثر من التعليم المهنى والعملى ويعانى من الإهدار فى الإنفاق فى كثير من الأحيان وعدم وظيفية البناء المدرسىوخلوه تقريباً من مجالات ممارسة النشاطات الإجتماعية والتطبيقات العملية والممارسات اليدوية وضعف عنايته بالموهبين والمعوقين وتركيزه على النشاط المدرسى وإهمال النشاط اللامدرسى تقريباً كما يعانى من ضعف كفايته الداخلية المتمثلة بشكل أساسى فى النسب العالية للإهدار والتى تتضح جلياً فى إرتفاع نسب الرسوب والتسرب والإنقطاع عن المدرسة فضلاً عن ضعف كفايته الخارجية وضعف الإرشاد التربوى والتوجيه المهنى أضافة إلى تخلف المناهج !