إضاءة لمشروع السياسة التربوية فى الدولة
بقلم أسامة فوزى
الحلقة الثانية
نشر في جريدة البيان - دبي عام 1983


فى إطار الأهداف والمبادىء التى أرساها مشروع السياسة التربوية ؟ والتى عرجنا عليها فى الحلقة الماضية ، حدد المشرعون أبرز العناصر الأساسية التى يجب أن تقوم عليها إستراتيجية التربية والتعليم فى دولة الإمارات ، والتى يتحتم تظافر كل الجهود لخدمتها ورفعها وإنجاحها.
وأول هذه العناصر الدعوة إلى إلزامية التعليم وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص لجميع أبناء المجتمع على إعتبار أن التعليم حق أصيل من حقوق الإنسان يضمنه الدستور ويدعو إليه الدين الإسلامى وتتطلبه إحتياجات الأمة وينص المشروع على شمولية هذا الأتجاه بحيث لا يقتصر على الصغار وإنما يمتد ليشمل الكبار أيضاً ، ممن حرموا من هذه النعمة فى السابق ، لظروف موضوعية معروفة للجميع وهذا يستدعى فرض إتقان مهارات التعليم الأساسية بتكييف التعليم لأحوال المتعلمين وحاجاتهم ولوحظ أن المشرع يعطى للوافدين هذا الحق أيضاً " تمكيناً لحق أنسانى أصيل وسبيلاً لنشر الثقافة الإسلامية والعربية عامة ".
ويرى المشرع أن إلزامية التعليم تساعد فى تكوين المواطن الصالح العارف بحقوقه وواجباته وقد أقترح خطة لتنفيذ هذا المشروع فى خمس مراحل : الأولى إلزام الصغار ذكوراً وإناثاً للتعليم الأساسى حتى نهاية المرحلة الإبتدائية. والثانية إلزام الكبار بين 12ـ 30 سنة من العمر والثالثة إلزام الصغار ذكوراً وإناثاً حتى نهاية مرحلة الدراسة الإعدادية  والرابعة  التوسع فى إلزام الكبار ذكوراً وإناثاً حتى سن 45 سنة أما المرحلة الخامسة فتعميم إلزامية التعليم على الوافدين.
ثم نأتى إلى العنصر الثانى فنرى أنه يدعو إلى تعريب التربية ولعل هذا الهدف العام ، هو الوحيد الذى لا يفصل فى مشروع السياسة التربوية حبث نجد أنه قد ذكر عرضاً دزنما توضيح كاف ، حيث ورد فى مسودة المشروع إشارة إلى تأصيل التربية ، وفقاً للإنتماء العربى لمجتمعها وإقامتها على جذورها فى الثقافة العربية ". وهذا هدف عام وفضفاض أرى ضرورة تفصيله حتى يتضح المراد من " التعريب " وذلك يكون بعقد مؤتمر خاص وموسع لدراسة وسائل التعريب ومجالاته وأهدافه وهو موضوع قد نجد بعض التجارب فيه لدى أقطار عربية شقيقة مثل سوريا والجزائر والأردن لكن تجربة الإمارات يجب أن تخضع لظروف البيئة ومتطلباتها مع الأخذ بعين الإعتبار وجهات النظر العربية ، التى أدلى بها باحثون فى هذا المضمار وأذكر منهم الدكتور محمود ابراهيم عضو مجمع اللغة العربية الأردنى الذى يرى أن اللغة العربية التى تدرس بها بعض العلوم التى يظن أنها معربة إنما هى خليط من عامية ومفردات أجنبية وهى بالتالى ليست اللغة العربية السليمة الموحدة التى يفهمها أبناء العرب على إختلاف مواطنهم. ويضيف الدكتور محمود ابراهيم فى بحث قيم حول تعريب العلوم الإنسانية نشره فى مجلة مجمع اللغة العربية الأردنى قبل ست سنوات أن المصطلحات التى تستعمل فى التدريس ليست مصطلحات عربية موحدة ذات دلالات واحدة ، فهى تختلف من بلد إلى آخر بل من جامعة إلى أخرى وكثيراً ما تقدم بألفاظها الأجنبية حسب لغة البلد الأجنبى كما أنه لم تجر محاولات لربط المصطلح الجديد بمصطلح عربى مقابل سبق أن استعمله أسلافنا وإكتسب من خلال استعماله عبر القرون دلالات وإيحاءات تاريخية وفكرية ووجدانية لا يمكن أن تتوافر فى مفردة جديدة على الأذن العربية ويشير الدكتور محمود ابراهيم إلى قضية مهمة تطرح نفسها دائماً كلما طرحت مشكلة التعريب على بساط البحث وهى أن الناقل قد يقوم بإجراء عملية النقل من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية فى العلوم الإنسانية دون أن يدرك الخلفية الحضارية والإجتماعية للمادة المنقولة عن مصدر أوروبى أو أميركى ولا لمدى تواؤم هذه المادة مع المجتمع العربى بأوضاعه التاريخية والحضارية والإجتماعية الخاصة به فى حين أن الذى يتصدى لنقل مثل هذه المواد ينبغى أن يكون على علم بأوضاع كلا المجتمعين المعنيين : المجتمع المنقول عنه والمجتمع المنقول إليه حتى تقدم المادة إلى الطلبة وهم على بصيرة بخلفيتها عن الآخرين وبمدى تواؤمها مع مجتمعهم.
قد تكون هذه الهموم واضحة أكثر فى نعريب العلوم الإنسانية فى مراحل الدراسة الجامعية ، وقد تكون هذه المرحلة التى وضعها الدكتور محمود ابراهيم ـ وغيره من الخبراء الباحثين فى هذا الميدان ـ بعين الإعتبار ، لكن هذا لا يعنى أنها لا تنطبق على المراحل الدراسية الدنيا ، ففى مناهجنا المدرسية العربية ، بخاصة فى العلوم الإنسانية والطبيعية ما زال إعتمادنا على المصطلح الأجنبى كبيراً ، بل وما زلنا نعتمد فى طرائقنا التربوية على أنظمة وضعت لتناسب بيئات غير عربية ، وهذا نلحظه بوضوح فى الأساليب الجديدة المتبعة فى تدريس اللغة العربية لصفوف المرحلة الإعدادية . ولعل هذا ما رمت إليه السياسة التربوية المقترحة فى دعوتها إلى تأصيل الإنتماء للعروبة والإسلام من خلال الحرص على اللغة العربية ومواد التربية الإسلامية والعلوم الإجتماعية.
إن تعريب التربية ، يتطلب برنامجاًَ مدروساً للنهوض بالمدرس ـ حجر الزاوية فى العملية التربوية ـ والمصطلح والمنهاج والطالب أيضاًُ ، وقد رسم الدكتور رشدى فكار فى بحثه المقدم إلى مؤتمر تعريب التعليم فى الوطن العربى الذى إنعقد فى بغداد فى آذار مارس عام 1978 خطة من فكرتين لمعالجة هذا الموضوع ، تتعلق الأولى بالدعوة إلى القيام بعمل جماعى متكامل يرصد مراحل تطور أمتنا دون أهواء أو تذوقات شخصية لكل مفكر على حدة والثانية تتعلق بتقديم النظريات العامة لحضارة اليوم الغربية وقدراتها المنهجية وعدم ترك الساحة الفكرية للترجمات التجارية والمبيتة والموجهة بهدف سلب شبابنا ذاتيته وتعريته وتشكيكه فى أرضيته.
إلى جانب التعريب ، أكدت السياسة التربوية المقترحة على قيمة العمل فى العملية التربوية ، وأن كانت قد إختزلت وأجملت هذا العنصر فى أسطر قليلة تحتاج هى الأخرى إلى دراسات ووقفات مطولة لإستبانة الوسائل التى يمكن معها إدراج العمل ضمن المناهج وجعل تنمية المهارات المتنوعة وإعداد الكفايات المتخصصة هدفاً ووسيلة فى إطار عملية التنمية الشاملة للمجتمع.