آراء وقضايا
إضاءة لمشروعات السياسة
التربوية فى دبى
بقلم : أسامة فوزى
الحلقة الأولى
نشرت في جريدة البيان - دبي عام 1983


لا يمكن لأى نظام تربوى فى العالم أن يقوم على أسس علمية ثابتة دون أن يحتكم إلى سياسة تربوية واضحة مدروسة تضعها قطاعات مختلفة من المجتمع ويوكل أمر تنفيذها إلى المؤسسات التربوية الخاصة والعامة.
ولأن السياسة التعليمية فى الإمارات كانت إلى وقت قريب تستمد من الكويت الشقيق ، منهاجاً وكتاباً وأسلوباً حتى على صعيد العناصر البشرية التى كانت تعمل فى إطار البعثات التعليمية الكويتية فى المنطقة ، فإن دولة الإمارات لم تبلور لنفسها فلسفة تربوية خاصة مستمدة من ظروفها المجتمعية الخاصة ، والتى وأن كانت فى حدودها العامة مرتبطة بجذور واحدة مع الكويت والأقطار العربية المجاورة الا أنها على الصعيد الخاص ، ذات ملامح متميزة تاريخياً وجغرافياً وبشرياًً.
من هنا أحسنت وزارة التربية صنعاً عندما دعت قبل ست سنوات تقريباً إلى مؤتمر موسع فى مدينة العين بالتعاون مع جامعة الإمارات وبعض الفعاليات التربوية العربية وبيوت الخبرة ، الأجنبية لوضع سياسة تربوية للدولة ، وقد خرج المؤتمر بمشروع مطول ، وبملخص للمشروع ـ لكن المدهش أن المشروع ما زال فى الأدراج ، لم يعرض على مجلس الوزراء أو المجلس الوطنى أو الفعاليات الأخرى فى المجتمع لتدارسه وإبداء الرأى فيه بخاصة قبل المشروع بتأليف الكتب المدرسية التى وضعت أو توضع الآن فى غيبة سياسية تربوية معلتة ومتفق عليها.

مشروع قبل الدراسة
ومشروع السياسة التربوية الذى تم وضعه دون إعتماده من الجهات العليا والقطاعات المختلفة من المجتمع مشروع جدير بالإهتمام فعلاً لأنه يتضمن الكثير من العناصر الإيجابية سواء على صعيد المبادىء والأهداف المرجوة أو على صعيد الحلول المقترحة والبرامج الموضوعة.
العروبة والإسلام
لفد إنطلقت السياسة التربوية المقترحة فى محورين هما العروبة والإسلام ، بصفتهما من مكونات المجتمع العربى فى دولة الإمارات وقد نصت السياسة التربوية على ضرورة مراعاة " عروبة " مجتمع الإمارات لأنه " مجتمع تؤلف أرضه جزءاً من الوطن العربى الكبير ويكون المواطنون فبه جزءاً من الأمة العربية " كما نصت السياسة التربوية على ضرورة مرعاة إسلامية مجتمع الإمارات لأنه " مجتمع مسلم أهتدى بالإسلام منذ صدر الدعوة وظل متمسكاً بمعتقداته وعباداته وفى أساليب حياته".
وترجمة لهذين المحورين ، العروبة والإسلام ، إستشف المشرع عدة مبادىء أساسية ينطوى عليها المشروع المؤقت للسياسة التربوية على النحو التالى :
الأصالة
اولا : الأصالة المستندة إلى الإسلام 00 حيث يتطلع مجتمع دولة الإمارات ـ ومن ثم مؤسساته التربوية ـ إلى إستعادة الأصالة كاملة صافية نقية ـ وقد عرف المشرع مفهوم أو مصطلح " الأصالة " بقوله " هى التمسك بخير ما فى الماضى والإعتزاز به والإسناد إليه فى تطوير أساليب الحياة وتجديدها ".
التماسك الإجتماعى
ثانيا : التماسك الإجتماعى والوحدة الوطنية وقد وضع المشرع فى مسودة دواعى الدعوة إلى التماسك الإجتماعى بقوله أن مجتمع الإمارات يتعرض الآن إلى نقلة حضارية خطيرة مما يستدعى الدعوة إلى التماسك للمحافظة على منجزات المجتمع السياسية والإقتصادية فى إطار دولة حديثة وعصرية.

العروبة
ثالثا : الإنتماء العربى وصولاً إلى وحدة الهدف والعمل والمصير وهذا المبدأ يتمحور حول " عروبة " مجتمع الإمارات حيث يجب على المؤسسات التربوية ومناهجها وطرقها وأساليبها تكريس الإنتماء للأمة العربية و " لأئها لها " من منطلق التكامل والإمتداد 00 تكامل المصالح والأهداف والغايات وإمتداد الإمارات جغرافياً على جسر الوطن العربى00 فضلاً عن توفر عناصر الوحدة العربية ، مثل وحدة العقيدة ووحدة اللغة ووحدة الثقافة ووحدة التاريخ ووحدة المصالح والمصير.
ويرى واضع المشروع أن هذا التصور العام لعروبة دولة الإمارات وإرتباطها بالوطن العربى الكبير لا يتعارض مع حقيقة أن الإمارات تؤلف مع الأقطار المجاورة الواقعة على الخليج العربى " وحدة صغرى " تلتقى على كثير من الخصائص الثقافية وأساليب الحياة إلى آماد بعيدة فى التاريخ تؤكدها أنماط النشاط الإقتصادى الحديث وترتفع إلى الوحدة الكبرى للأمة العربية ورابطة الشعوب الإسلامية.
التنمية
رابعا : التنمية الشاملة وهى محور العملية التربوية أساساً ، حيث أن تنمية " الإنسان " فى مجالاته السياسية والإقتصادية والثقافية هى المحصلة التى تهدف إليها عملية التعليم ؟ لأنها تمثل تنمية المجتمع نفسه وقد وضح المشرع فهمه " لمبدأ التنمية الشاملة " بخمسة أسس علمية تقوم عليها مثل هذه العملية فى العصر الحديث ، وعلى رأسها الإنتاجية والتعاون والمشاركة الواسعة فى الجهود المبذولة مجتمعنا وحسن أستثمار الموارد الطبيعية وصيانتها والحرص على الكرامة الإنسانية ونوعية الحياة الكريمة والحرص على أساليب التخطيط والتنظيم وفق أصول علمية حديثة.
وقد حذر المشرع من سوء أستثمار المداخيل العالية للمجتمع أو للفرد ، ومن ثم خطورة تحول المجتمع إلى مستهلك بما يحمله هذا من كسل وإسترخاء وتهرب من العمل والنكوص عن مواجهة الإستلاب الثقافى.

الحريات
خامسا : العدل والمساواة والحرية والشورى وهى محاور يجب تكريسها فى المناهج المدرسية وفى الممارسات التربوية والإدارية وإشترط المشرع توصيف هذه المحاور وتحديد مصادرها بالدين ، ثم بعادات وتقاليد مجتمع الإمارات.
الأمن
سادسا : الأمن من حيث أن المحافظة على الوطن شرط أساسى لعملية النهوض بالمجتمع والمحافظة على موارده وتأمين حرية أفراده وأستقلالهم بخاصة فى ظل التحديات التى تواجهها الأمة العربية بشكل عام ومنطقة الخليج العربى بشكل عام ومنطقة الخليج العربى بشكل خاص وقد ربط المشرع هذا المبدأ بالأمر القرآنى ، " وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة ".
التبادل الحضارى
سابعا : التبادل الحضارى ، وهذا المبدأ الذى يضعه المشرع يأخذ بعين الإعتبار طبيعة المجتمع العربى المتفتح تاريخياً على الحضارات الأخرى ومجتمع الإمارات يواجه دواعى متعددة لمثل هذا الإنفتاح والتبادل على رأسها الحاجة إلى التعاون مع الشعوب الإسلامية وجمع شتاتها وتنمية ملكات الإبداع فى الإنتاج بمختلف نواحيه.
لقد جعل مشروع السياسة التربوية المقترح الأهداف والمبادىء المذكورة مظلة تسترشد بها العملية التربوية بكل حيثياتها وإجراءتها وتطبيقهاتها وتحتكم إليها مؤسسات التربية والتعليم الخاصة والعامة فى كل إجتهاد يطرأ أو نظام يقترح أو فكرة تبحث عن شرعية وهذا ما حاول المشرع أن يفصله أو يجمله فى الجزء المكمل للسياسة التربوية المقترحة ومع هذا الجزء ستكون لنا وقفة بإذن الله.
تربويات
إضاءة لمشروع السياسة التربوية فى الدولة
بقلم أسامة فوزى
الحلقة الثانية
فى إطار الأهداف والمبادىء التى أرساها مشروع السياسة التربوية ؟ والتى عرجنا عليها فى الحلقة الماضية ، حدد المشرعون أبرز العناصر الأساسية التى يجب أن تقوم عليها إستراتيجية التربية والتعليم فى دولة الإمارات ، والتى يتحتم تظافر كل الجهود لخدمتها ورفعها وإنجاحها.
وأول هذه العناصر الدعوة إلى إلزامية التعليم وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص لجميع أبناء المجتمع على إعتبار أن التعليم حق أصيل من حقوق الإنسان يضمنه الدستور ويدعو إليه الدين الإسلامى وتتطلبه إحتياجات الأمة وينص المشروع على شمولية هذا الأتجاه بحيث لا يقتصر على الصغار وإنما يمتد ليشمل الكبار أيضاً ، ممن حرموا من هذه النعمة فى السابق ، لظروف موضوعية معروفة للجميع وهذا يستدعى فرض إتقان مهارات التعليم الأساسية بتكييف التعليم لأحوال المتعلمين وحاجاتهم00 ولوحظ أن المشرع يعطى للوافدين هذا الحق أيضاً " تمكيناً لحق أنسانى أصيل وسبيلاً لنشر الثقافة الإسلامية والعربية عامة ".
ويرى المشرع أن إلزامية التعليم تساعد فى تكوين المواطن الصالح العارف بحقوقه وواجباته00 وقد أقترح خطة لتنفيذ هذا المشروع فى خمس مراحل : الأولى إلزام الصغار ذكوراً وإناثاً للتعليم الأساسى حتى نهاية المرحلة الإبتدائية. والثانية إلزام الكبار بين 12ـ 30 سنة من العمر00 والثالثة إلزام الصغار ذكوراً وإناثاً حتى نهاية مرحلة الدراسة الإعدادية 00 والرابعة 00 التوسع فى إلزام الكبار ذكوراً وإناثاً حتى سن 45 سنة أما المرحلة الخامسة فتعميم إلزامية التعليم على الوافدين.
ثم نأتى إلى العنصر الثانى فنرى أنه يدعو إلى تعريب التربية ولعل هذا الهدف العام ، هو الوحيد الذى لا يفصل فى مشروع السياسة التربوية حبث نجد أنه قد ذكر عرضاً دزنما توضيح كاف ، حيث ورد فى مسودة المشروع إشارة إلى تأصيل التربية ، وفقاً للإنتماء العربى لمجتمعها وإقامتها على جذورها فى الثقافة العربية ". وهذا هدف عام وفضفاض أرى ضرورة تفصيله حتى يتضح المراد من " التعريب " وذلك يكون بعقد مؤتمر خاص وموسع لدراسة وسائل التعريب ومجالاته وأهدافه وهو موضوع قد نجد بعض التجارب فيه لدى أقطار عربية شقيقة مثل سوريا والجزائر والأردن لكن تجربة الإمارات يجب أن تخضع لظروف البيئة ومتطلباتها مع الأخذ بعين الإعتبار وجهات النظر العربية ، التى أدلى بها باحثون فى هذا المضمار وأذكر منهم الدكتور محمود ابراهيم عضو مجمع اللغة العربية الأردنى الذى يرى أن اللغة العربية التى تدرس بها بعض العلوم التى يظن أنها معربة إنما هى خليط من عامية ومفردات أجنبية وهى بالتالى ليست اللغة العربية السليمة الموحدة التى يفهمها أبناء العرب على إختلاف مواطنهم. ويضيف الدكتور محمود ابراهيم فى بحث قيم حول تعريب العلوم الإنسانية نشره فى مجلة مجمع اللغة العربية الأردنى قبل ست سنوات أن المصطلحات التى تستعمل فى التدريس ليست مصطلحات عربية موحدة ذات دلالات واحدة ، فهى تختلف من بلد إلى آخر بل من جامعة إلى أخرى وكثيراً ما تقدم بألفاظها الأجنبية حسب لغة البلد الأجنبى كما أنه لم تجر محاولات لربط المصطلح الجديد بمصطلح عربى مقابل سبق أن استعمله أسلافنا وإكتسب من خلال استعماله عبر القرون دلالات وإيحاءات تاريخية وفكرية ووجدانية لا يمكن أن تتوافر فى مفردة جديدة على الأذن العربية ويشير الدكتور محمود ابراهيم إلى قضية مهمة تطرح نفسها دائماً كلما طرحت مشكلة التعريب على بساط البحث وهى أن الناقل قد يقوم بإجراء عملية النقل من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية فى العلوم الإنسانية دون أن يدرك الخلفية الحضارية والإجتماعية للمادة المنقولة عن مصدر أوروبى أو أميركى ولا لمدى تواؤم هذه المادة مع المجتمع العربى بأوضاعه التاريخية والحضارية والإجتماعية الخاصة به فى حين أن الذى يتصدى لنقل مثل هذه المواد ينبغى أن يكون على علم بأوضاع كلا المجتمعين المعنيين : المجتمع المنقول عنه والمجتمع المنقول إليه حتى تقدم المادة إلى الطلبة وهم على بصيرة بخلفيتها عن الآخرين وبمدى تواؤمها مع مجتمعهم.
قد تكون هذه الهموم واضحة أكثر فى نعريب العلوم الإنسانية فى مراحل الدراسة الجامعية ، وقد تكون هذه المرحلة التى وضعها الدكتور محمود ابراهيم ـ وغيره من الخبراء الباحثين فى هذا الميدان ـ بعين الإعتبار ، لكن هذا لا يعنى أنها لا تنطبق على المراحل الدراسية الدنيا ، ففى مناهجنا المدرسية العربية ، بخاصة فى العلوم الإنسانية والطبيعية ما زال إعتمادنا على المصطلح الأجنبى كبيراً ، بل وما زلنا نعتمد فى طرائقنا التربوية على أنظمة وضعت لتناسب بيئات غير عربية ، وهذا نلحظه بوضوح فى الأساليب الجديدة المتبعة فى تدريس اللغة العربية لصفوف المرحلة الإعدادية . ولعل هذا ما رمت إليه السياسة التربوية المقترحة فى دعوتها إلى تأصيل الإنتماء للعروبة والإسلام من خلال الحرص على اللغة العربية ومواد التربية الإسلامية والعلوم الإجتماعية.
إن تعريب التربية ، يتطلب برنامجاًَ مدروساً للنهوض بالمدرس ـ حجر الزاوية فى العملية التربوية ـ والمصطلح والمنهاج والطالب أيضاًُ ، وقد رسم الدكتور رشدى فكار فى بحثه المقدم إلى مؤتمر تعريب التعليم فى الوطن العربى الذى إنعقد فى بغداد فى آذار مارس عام 1978 خطة من فكرتين لمعالجة هذا الموضوع ، تتعلق الأولى بالدعوة إلى القيام بعمل جماعى متكامل يرصد مراحل تطور أمتنا دون أهواء أو تذوقات شخصية لكل مفكر على حدة والثانية تتعلق بتقديم النظريات العامة لحضارة اليوم الغربية وقدراتها المنهجية وعدم ترك الساحة الفكرية للترجمات التجارية والمبيتة والموجهة بهدف سلب شبابنا ذاتيته وتعريته وتشكيكه فى أرضيته.
إلى جانب التعريب ، أكدت السياسة التربوية المقترحة على قيمة العمل فى العملية التربوية ، وأن كانت قد إختزلت وأجملت هذا العنصر فى أسطر قليلة تحتاج هى الأخرى إلى دراسات ووقفات مطولة لإستبانة الوسائل التى يمكن معها إدراج العمل ضمن المناهج وجعل تنمية المهارات المتنوعة وإعداد الكفايات المتخصصة هدفاً ووسيلة فى إطار عملية التنمية الشاملة للمجتمع.