الدروس الخصوصية فى الإمارات
مرض تربوى يسمى
قانون العرض والطلب
بقلم : أسامة فوزي
نشر في البيان - دبي عام 1983


تعتبر الدروس الخصوصية من سلبيات العمل التربوى فى الإمارات ، ومن الظواهر الخطيرة التى لا يمكن علاجها بقرار أو الحد منها بالمراقبة ، وقد أصبحت لدى الكثيرين ـ من المدرسين والطلبة ـ حالة إدمان تمارس تحت الأرض فيما يشبه " التعليم السرى " الذى يتم تعاطيه بعيداً عن العيون.
قرار ونتيجة
وقد تنبهت وزارة التربية منذ زمن إلى خطورة تفشى هذه الظاهرة فأصدرت قراراً منعت بموجبه المدرسين العاملين فيها من تعاطى الدروس الخصوصية الا بأذن مسبق ، وحاولت بعض المناطق التعليمية فى الدولة ـ دبى والعين ـ أن تلتف حول هذه الظاهرة وتصادرها بالتعاون مع مجالس الآباء والمعلمين فنظمت حلقات مسائية للتدريس ، لكن ذلك لم يؤثر فى حجم إنتشار الظاهرة وتفشيها بخاصة عندما أمتنعت هذه الجهات عن دفع أجور للمدرسين العاملين فى هذه الحلقات ، وعندما التزمت الدروس الخصوصية هذه بالروتين اليومى للعملية التربوية ، ومن ثم لم يشعر الطلبة بإختلاف فى العطاء العلمى أو المناخ النفسى للدرس ، وظهرت الدروس الخصوصية الرسمية وكأنها إمتداد للجدول المدرسى الصباحى ومن ثم كانت عبثاً إضافياً على الطالب والمدرس والإدارة المدرسية.
اشارات ودلالات
وغنى عن الذكر أن أنتشار ظاهرة الدروس الخصوصية فى مجتمع ما تتولى فيه الدولة مهمة التعليم يحمل فى طياته إشارات ودلالات على أن خللاً قد أصاب العمل التربوى الحكومى ، ومن ثم فإن تشخيص هذا الخلل يتطلب دراسة للنظام التربوى ككل ، وتقصياً لحالة التعليم السرى التى بدأت تتفشى فى داخله وملاحقة لعوامل نزول التربية إلى الأرض ـ على غرار العمل السرى ـ.
وبادىء ذى بدء نقول : أن الطالب المجتهد ، الذى يجد فى الدرس الصباحى إشباعاً كاملاً لرغباته وحاجاته ، ويلمس أهتماماً متزايداً من قبل المدرس ، والإدارة ، لا يمكن أن يبحث عن بديل فى مكان آخر ، ولا أظنه يسعى إلى تلقى العلم بشكل سرى ومنفرد فى حجرة مغلقة فى بيته وعلى يدى مدرس يتعايش معه فى الفصل صباح كل يوم.
وفى ضوء ذلك يمكن الجزم بأن توجه الطلبة وأولياء الأمور نحو المدرسين الخصوصين ، هو ـ فى المرتبة الأولى ـ محصلة لعجز العمل التربوى الرسمى الصباحى عن إشباع حاجات المتعلم ومن ثم محاولة لإيجاد توازن بين حقيقة ما يقدم للتلميذ فى الصباح وما يجب أن يقدم إليه وفقاً للمنهاج المدرسى.
عوارض المرض
ولا جدال فى أن تبلور مثل هذه القناعة لدى الطالب وولى الأمر ، ثم ظهور الدروس الخصوصية كبثور على سطح نظامنا التعليمى يمكن إدراجه ضمن عوارض مرض بدأ ينخر فى سياستنا التعليمية ، وفى تجهيزاتها من مدرسة وكتاب ومدرس ومنهاج ومن ثم تحمل هذه البثور إدانة للمدرسة ، وتهمش دورها بشكل واضح ، لا يدفع فقط الا إنتشار ظاهرة الدروس الخصوصية بشكل خاص وإنما تمتد الظاهرة وتتشكل فى إطار نظام تربوى وتعليمى متكامل يعرف باسم " التعليم الخاص "!
أن أنتشار ظاهرة الدروس الخصوصية فى الإمارات ، تعكس حالات من عدم الأستقرار فى التعليم الحكومى ، يؤدى إلى إنشغال القائمين على العمل التربوى بمحاولة إعادة الثقة للمدرسة بدلاً من القيام بعملية التدريس نفسها ، فضلاً عما تتركه هذه الظاهرة من ذيول ، أهمها :
ذيول الظاهرة
اولا : إنصراف المدرسين عن الأداء الفعلى الجيد فى الصباح توفيراً للجهد والعطاء أو كنزاً وتخزيناً له حتى يمكن بيعه فى المساء للطلبة أنفسهم مقابل أجر معلوم ، وهذا يظهر فى التفاوت بأداء المدرس نفسه ، والتفاوت فى إستيعاب الطلبة ، الذين يشعرون ـ فى إطار الدروس الخصوصية ـ أنهم يمتلكون ـ بأموالهم ـ ما عجزوا عن إمتلاكه فى الصباح ، وأنهم يحصلون على هذا الناتج وفقاً لشروطهم ومناخاتهم النفسية بعيداً عن جو الضبط والربط الذى يميز العملية التعليمية فى الفصل.
ثانيا : وهذا يؤدى بالتالى إلى أهمال الطلبة والمدرسين على حد سواء ، فالطالب الذى يشعر أن بإمكانه الحصول على المادة العلمية وعلى المعلومة النظرية خارج جدران المدرسة وبالشروط التى يحددها لا يجد دافعاً كافياً لأضاعة وقته فى يوم مدرسى كامل ، ولعل هذا يفسر إرتفاع نسبة التسرب أو الغياب فى المدرسة الحكومية.
وبالمقابل فإن المدرس نفسه الذى يشعر بأن درسه سيلقى على التلاميذ أنفسهم أو بعضهم ، سيعاد فى المساء ، وبشروط مادية ونفسية أفضل ، بعيداً عن الروتين والرقابة ، سيحاول الإقتصاد قدر الإمكان فيما يقدمه صباحاً حتى يظل عنده جديد يمكن تقديمه وبيعه دون أن يشعر " الزبون " بالغبن والتكرار.
ثالثا : ظهور نوع من التفرقة فى " حق المعلم " بين الطلبة انفسهم ، ومن ثم غياب مبدأ تكافؤ الفرص الذى يحكم العمل التربوى والتعليمى فى المدرسة ، والذى يشكل قاعدة للتسابق والتنافس بين طلبة المدرسة الواحدة000 فالدروس الخصوصية المأجورة ترجع دائماً كفة الطالب الميسور الذى يدفع أكثر فيحصل على فرصة أكبر فى تجاوز الآخرين.
رابعا : وهذا بدوره يفرز نوعاً من التباين المجتمعى والطبقى بين الطلبة الميسورين من تاحية والفقراء من ناحية أخرى ، ويضفى بالتالى على قدسية العمل التربوى هالة إقتصادية تحتكم لقانون العرض والطلب ، وكل ما نخشاه أن تتكرس هذه الظاهرة التى بدأت كحاجة مطلوبة لمعالجة قصور ما فى التعليم الرسمى فتصبح نظاماً إجتماعياً طبقياً يميز طبقة عن غيرها بما لديها من إمكانات مادية قد لا تتوفر عند آخرين.
خامسا : وتمتد المشكلة لتؤثر على الجوهر الفنى لعملية التعليم ، ففى داخل الفصل المدرسى ، يمكن للمدرس أن يوظف وسائل تعليمية مختلفة ، ويمكن له أن يتوصل إلى المعلومة من خلال الحوار مع الطلبة أو من خلال الحوافز وروح التنافس التى يغرسها فى النفوس ، ولكن هذه الشروط تلغى تماماً فى العمل التربوى السرى الذى يدور فى غرف مغلقة ، ومن ثم يتم تكريس طريقة واحدة فى التدريس وهى طريقة الإلقاء ، وحتى هذه الطريقة لا تكتمل عناصرها العلمية والنفسية ، لأن القاء الدرس على عشرين طالباً يختلف بالتأكيد غير القاء الدرس نفسه على طالب واحد.
سادسا : ثم أن إنتشار ظاهرة الدروس الخصوصية ، وإقبال الطلبة عليها يفقد العمل التربوى جوهره ، السلوكى والمهارى ، لأن العمل التربوى التعليمى يحقق ـ فى إطار المدرسة ـ هدفاً معرفياً ـ معلوماتها ـ هدفاً سلوكياً وهدفاً مهارياً فضلاً عما ينتظم المدرسة من قانون ، فى طابور الصباح ، والدروس ، والأنشطة المصاحبة ، ـ مع الكتاب المدرسى ـ المنهاج التربوى ، لكل الدروس الخصوصية تفرغ كل ذلك من جوهره ونجعل الهدف المعرفى أو المعلوماتى فقط محورها ، لعدم إمكانية تحقيق الهدفين الآخرين ، السلوكى والمهارى ، فى غرف مغلقة وضمن شروط تجارية بحتة لا تحتكم إلى الأحترام المتبادل بين المدرس والطالب بقدر ما تحتكم إلى قانون العرض والطلب.
سابعا : وقد نضيف إلى ذيول إنتشار هذه الظاهرة مرضاً جديداً هو إستنزاف الدخل الشهرى للأسرة ، ففى ظل إنتشار الظاهرة يخشى أن تكتسب صفة العادة أو العرف ، بحيث تصبح الأسرة ملزمة ـ إجتماعياً ـ بإعتماد مدرس خصوصى لأولادها ، ورغم ضيق ذات اليد ، وهذا يؤثر فى المحصلة على البناء الإقتصادى للأسرة محدودة الدخل ويستقطع جانباً من ميزانيتها لإستكمال الشكل المظهرى.
ولا ننسى ـ أخيراً ـ أن الدروس الخصوصية تؤثر على صورة المدرس الانموذج أو القدوة لأنها تحوله ـ أمام طلبته ـ إلى تاجر ومن ثم تفقده فاعلية التأثير فى بناء سلوك مواز له.