دراسات تربوية
مواد النشاط اللاصفى
بقلم أسامة فوزى
نشرت في جريدة البيان - دبي عام 1983


كل النظريات التربوية المعاصرة فى شتى المواد التعليمية الصفية واللاصفية تحاول أن توظف الميول الفطرية عند الطفل وصقلها لخدمة الأهداف العامة والخاصة لهذه المادة أو تلك ، والتربية الموسيقية لا تشذ عن هذه القاعدة بل قد تكون بطبيعتها أكثر التصاقاً بهذا النهج ، فالطفل يميل إلى الصراخ والتقليد وهو مغرم بإصدار الأصوات العشوائية كيفما كان ، وكل ذلك يمكن أن يهذب وينظم ويصقل لخلق اذن موسيقية عند الطفل تساعده فى فهم الحياة والإستمتاع بها أيضاً فضلاً عن تهذيب الحواس والإرتقاء بالعواطف والوجدان.
تفريد التعليم
انطلاقاً من هذه المسلمات أفردت وثيقة منهج التربية الموسيقية بنداً خاصاً لما أسمته ب" تفريد التعليم فى مادة التربية الموسيقية " والتفريد ـ كما هو معلوم ـ يقوم على أعتبار كل تلميذ كياناً مستقلاً بقدراته واستعداداته الخاصة التى قد لا تتطابق مع غيره من أترابه فى الفصل الدراسى الواحد ، إذ أن معاملة التلاميذ على أساس أنهم متساوون فى كل شىء يترتب عليه حرمانهم من الرعاية الكافية للنمو الطبيعى وعدم تحقيق تكافؤ الفرص بين التلاميذ ولعل هذه الأخيرة من أهم ما تدعو إليه التربية الحديثة فى تخطيط المناهج والبرامج التعليمية.
وتشير الوثيقة إلى أن مثل هذا التفريد يقتضى تنويع مستويات التلاميذ ودراسة حالاتهم الصحية والنفسية والتعاونية دراسة فاحصة ، خاصة فى المرحلة الإبتدائية وبحيث تواجه المشكلات الناتجة عن التفاوت فى القدرات أو عن الأمراض أو العلل جسمية كانت أو نفسية أو إجتماعية أو غيرها من الأسباب.

مرونة المنهج
وقد نص واضعو الوثيقة المقترحة على أن هذه الحالات تواجه بالدراسة والأهتمام من قبل المعلم ولو أقتضى هذا إضفاء شىء من المرونة على المنهج بحيث يسمح للمعلم باقتراح بعض الأنشطة وصولاً إلى تحقيق أقصى قدر من النمو للتلاميذ فى جو مريح بعيد عن الإرهاق والتعقيد.
ولكن قد يتطلب الأمر مساهمة علاجية من قبل الطبيب أو الأخصائى الإجتماعى أو البيت للوصول إلى حل كثير من المشكلات التى يعانى منها التلاميذ والتى يؤدى تجاهلها أو إهمالها وعدم تداركها فى هذه المرحلة إلى صعوبات تعترض مسار العملية التعليمية على مدى عمر التلميذ.
كذلك فإن هناك نسبة من التلاميذ المتفوقين أو المميزين من حيث القدرات والمواهب المختلفة والواجب على المعلم ألا يهملهم وأن يستحثهم دائماً على التقدم بإمكاناتهم وذلك بأن يسند لهم الأعمال التى تتناسب وإمكاناتهم وقدراتهم ، فذلك النشاط بالنسبة لهؤلاء التلاميذ كفيل يبعث الهمم وإيقاظ الثقة فى نفوسهم ودفعهم نحو الإستزادة والتقدم.
امكانات
لكن منهجاً للتربية الموسيقية بمثل هذه الرؤية المتقدمة يحتاج إلى مستلزمات وامكانات وأدوات خاصة لتنقيذه حتى لا يظل مشروعاً نظرياً ، فضلاً عن تحديد علمى دقيق لوسيلة التقويم00 وقد خصص المشروع البندين الخامس والسادس لهذا الجانب وأن كانا فى صورة مختصرة جداً يبدو أن ترجمتها إلى مفردات عملية سيقوم بها المؤلفون ـ هذا إن أعتمدت الوثيقة ووضعت قيد التنفيذ بشكلها الحالى ـ.
وأهم وسيلة تعليمية يحتاجها منهج التربية الموسيقية توفير حجرة خاصة ذات طبيعة ومواصفات خاصة معروفة لدى المتخصصين فضلاً عن آلات وأدوات موسيقية غنية بعناصر التشويق والبساطة والإثارة وزهد التكاليف وسهولة الإصلاح ومصنعة من مواد أولية يستحسن أن تكون متوفرة فى البيئة المحلية أو العربية وتلائم المراحل السنية للتلاميذ إلى جانب وسائل ثابتة ومتحركة و " سبورات " ممغنطة ذات مواصفات خاصة وأفلام تعليمية وأجهزة سمعية إلى غير ذلك من مستلزمات المنهج الحديث.
ومنهج بهذه الخصوصية والتشعب يحتاج بالتأكيد إلى عملية تقويم للوقوف على مدى تحقق الأهداف التربوية والتعليمية ومدى فاعلية المنهج ونجاحه وعملية التقويم هذه يجب أن تكون مناسبة للمجالات والمهارات التى أشرنا إليها فيما سبق 00 وقد تضمنت الوثيقة الأولى تصورين أو وسيلتين من وسائل التقويم الأولى " إختبار الإستعدادات " والثانية إختبارات خاصة بالمجالات المختلفة للمادة.
أنواع الإختبارات
أما إختبار الإسنعدادات فيقتصر على قياس القدرات الموسيقية الأساسية مثل إختبار كل تلميذ على حدة فى قدرته على تمييز الأصوات وتذكر الإيقاعات وشدة الصوت وإختبار قدرته على أن يحدد ويميز بين طول أو وزن تغمتين فضلاً عن نوعية الصوت وقدرته على تذكر الألحان.
أما الإختبارات الخاصة بالمجالات المختلفة للمادة فتكون مستمرة وشاملة لجميع الجوانب المهارية والمعرفية والوجدانية والملاحظة لسلوك التلميذ الإجتماعى.
وقد أشترطت الوثيقة المقترحة لمنهج التربية الموسيقية ترابط فروع المادة مع المواد الأخرى من حيث مراعاة المنهج لظروف وطبيعة وخصائص الآطفال فى مجتمع الإمارات ، والعمل على تربية الأطفال فى المرحلة الإبتدائية تربية موسيقية وتربية الإدراك السمعى فى الصفوف الأولى والذى يمهد للتذوق الموسيقى فى الصفوف المتقدمة.
ويراعى المنهج المقترح ـ بل ويحث ـ على أن لا يقصر درس التربية الموسيقية على فرع واحد مما حواه المنهج فى الصف بل ينبغى أن يكون درس التربية الموسيقية وحده لا تتجزأ ينتقل فيها المعلم بين فروع المادة فيستخدم أغنية مدرسية أو قصة حركية مثلاً للإنشاد واللعب والتدريب على العزف على الآلات المناسبة وأيضاً للتعرف على الأشكال والرموز التى يدرسها الأطفال والتى تتناسب وموضوع الوحدة وهكذا.
وظائف تربوية
كما يهدف منهج التربية الموسيقية فى المرحلة الإبتدائية إلى تحقيق وظائف تربوية هامة فالطفل الذى تتاح له دراسة الموسيقى بصفة جادة ومنظمة يكون مستواه الدراسى أعلى من مثيله الذى لم يكن له حظ دراسة الموسيقى ويرجع ذلك إلى أن الطفل الذى تعلم الموسيقى ، أتقن إلى جانب ذلك كتابة الأشكال والعلامات الموسيقية بطريقة عملية ويؤدى هذا بطبيعة الحال إلى الإستعانة بالخطوط الأفقية والعمودية مما يساعد التلميذ على سهولة الكتابة اللغوية عندما تقابلهم صعوبة تكوين أشكال الحروف الهجائية وطريقة إتصالها ببعضها هذا إلى جانب تعلمه إستعمال أدوات الكتابة بالطريقة الصحيحة وكيفية الكتابة المنمقة وبما أن القراءة الموسيقية ـ أيضاً ـ تحدث من خلال العقل والتفكير فإن الأطفال يغنون العبارات الموسيقية وليس النوتات المفردة00 كما يتقدم الأطفال بسرعة كبيرة فى إلقاء وتكوين الجمل ، فالكلمات الجميلة الهادفة والتى تتسم بالبساطة اللغوية لأغانى الأطفال والأغانى الشعبية تعلمهم الأسلوب البسيط المهذب للتعبير كما أن كثيراً من الأغانى الشعبية مرتبط بالتراث أو الحوادث المؤثرة فى تاريخ الوطن والعروبة والإسلام وهكذا يتمكن الأطفال من معرفة الكثير عن التاريخ والأوضاع الإجتماعية التى كانت سائدة فى الماضى.
تعمبق الجانب الثقافى
وتربية الأذن تربية موسيقية ( والصولينج ) تزيد من طلاقة الحديث فى لغة التلاميذ العربية الأصلية أو اللغات الأجنبية كما أن الإحساس بالزمن والإيقاع وتقسيم العبارات الموسيقية يؤثر فى إيقاع الحديث ويساعد الأطفال على تعلم حسن النطق وجودة الإلقاء.
كما تساعد التربية الموسيقية بصورة جدية على تعميق الأهتمام والفهم للجانب الثقافى للحياة فالعزف ينمى البراعة اليدوية ، ترتيب العقلية الموسيقية يساعد على التذوق والتحليل على أساس من التفكير المنطقى كما يؤثر تطور إحساس التلاميذ الجمالى على نظافتهم الشخصية ويحثهم على الأهتمام والمحافظة على كل ما يحيط بهم كما أن درس الغناء يروح عن نفس التلميذ فيشعر بالراحة والإنتعاش مما يمكنه من الإقبال على أداء الأعمال بروح أعلى وبذا يكون تحصيله أكبر وأفضل وسلوكه أكثر نظاماً وإلتزاماً.