دراسات تربوية
مواد النشاط اللاصفي والمناهجى
بقلم : أسامة فوزى
نشرت في جريدة البيان - دبي عام 1983

 
تؤمن جميع النظريات التربوية المعاصرة بضرورة وأهمية مواد النشاط ، المتمثلة بالتربية الفنية والتربية البدنية والتربية الموسيقية والتربية الأسرية " والتدبير المنزلى " ، وقد قطعت الدول المتقدمة شوطاً كبيراً فى إدخال مواد النشاط إلى صلب المنهج المدرسى ، وإحتساب درجات له أيضاً.
 

على نهج هذه النظرية التربوية المتقدمة لمواد النشاط ، وضع عدد من خبراء التربية بتكلييف من الإدارة العامة للمناهج فى دولة الإمارات وثائق تحدد منطلقات منهج كل مادة من مواد النشاط المذكورة ، والأهداف العامة لها فضلاً عن الأهداف الخاصة التى سيسترشد بها فى عملية التأليف كتب خاصة لهذه المواد ورغم أهمية هذه الوثائق ، الموضوعة منذ ست سنوات على أقل تقدير ـ الا أن التطبيق العملى لها لم يأخذ مجراه ، بل كان الإحساس العام يتعاطف مع فكرة إلغاء مواد النشاط أو تقليصها وقد أنعكس ذلك بشكل واضح على الميدان ، فى صورة إستهتار الإدارات المدرسية والمدرسين بالنشاط وحصصه ، وباتت حصة التربية الفنية على سبيل المثال فرصة للتسرب ، أو لقضاء الوقت دون عمل أو ـ فى أحسن الأحوال ـ لأخذ دروس التقوية فى المواد الأخرى.
وغنى عن الذكر أن مشروع السياسة التربوية قد أشار إلى أهمية مواد النشاط وإن لم يفصلها كما يجب ، وقد أهتدت الوثائق الموضوعية المشار إليها بالمشروع المذكور لوضع الأهداف التعليمية لكل مادة على حدة ، وسأحاول إعطاء فكرة ملخصة فى هذه المقالة وما يتبعها عن مضمون تلك الوثائق المهمة التى تمثل رؤية حضارية لمواد النشاط وتعبر عن عصارة تجارب الأمم فى هذا الميدان.

التربية الجمالية
ولنبدأ بالتربية الموسيقية ، التى تحتل ـ فى الدول المتحضرة ـ حيزاً مهما فى خطط وبرامج التنمية بصفتها من الفنون الراقية وقد أشارت الوثيقة الموضوعة إلى ذلك فى مقدمتها ، حين نص البند الأول صراحة على أن التربية الموسيقية مجال من مجالات التربية الجمالية والفنية وهى وسيلة من وسائل التعبير عن إنفعالات الإنسان وعواطفه وخبراته ، والفنون ـ بشتى ألوانها ـ تتغلغل فى صميم حياتنا ، ذلك لأن الحياة بغير جمال أو تصور للجمال فيها أو تفكير فى تنظيمها تصبح مقفرة خاوية المضمون  وقد أكدت الوثيقة مسألة تربوية مهمة تغيب عن الكثيرين من العاملين فى المرحلة الإبتدائية وهى أنها ـ التربية الموسيقية ـ ليست ـ فى هذه المرحلة مجال لهو ومرح وإنطلاق وإنما هى مجال لتجديد الطاقة وشحذ المهمة وإكتشاف النفس ، فللطفل فى الغناء والحركة غذاء لروحه.
لقد بات معروفاً أن النشاط الموسيقى التربوى فى الحياة المدرسية وسيلة لإبعاد الطفل عن الإتجاه إلى نزعة التحدى والعبث بالنظام والسلوك غير السوى  وقد حدد الأستاذ على سليم رئيس شعبة التربية الموسيقية فى لقاء أجرته معه إحدى المجلات المحلية قبل أربع سنوات فوائد أخرى للنشاط الموسيقى التربوى فى الحياة المدرسية ، فهو يسمو بروحه وبجذبه إلى عالم الجمال المسموع ، يبعث فيه طاقة
من القوة الدافعة فيقبل على تعلمه وممارسته ويندمج مع زملائه وهو يؤديه ويشعر بانتمائه إلى هذا المجتمع الذى يتمثل فى المدرسة فيعمل جهده لرفع شأنها بين مدارس الحى والدولة ، كما أن التربية الموسيقية تنمى روح الفريق من خلال إشتراك التلميذ ومساهمته فى فرق النشاط الموسيقى وتعتمد التربية الموسيقية على موضوعات وثيقة الصلة بحياة التلاميذ وما يحيط بهم من محسوسات بيئتهم ثم تتدرج مع نمو قدراتهم العقلية والعاطفية إلى المعنويات عندما يتهيأ التلاميذ لذلك.
 

وقد نبه واضع الوثيقة إلى أهمية أن تعكس التربية الموسيقية الطابع الوطنى لدولة الإمارات العربية ، بما تضمنه من مجالات فنية وثقافية حتى يتعرف التلاميذ أنماط الحياة فى المجتمع وما طرأ عليها من تغيير وتطوير فى ظل الإتحاد 00 ويرى على سليم رئيس الشعبة والمشرف على وضع الوثيقة المذكورة أن هذا الهدف يمكن أن يتحقق عن طريق معالجة موسيقية تربوية لمظاهر البيئة الطبيعية المحيطة من بحر وصحراء ونخيل وحيوانات00 كما يرى المنهج المقترح لهذه المادة أن بالإمكان ترسيخ الروح الإسلامية فى نفوس التلاميذ من خلال الأناشيد والقصص الحركية والتمثيليات التى تعالج جوانب إسلامية تشد إنتباه التلاميذ وتشتثير أنتباههم وتنمى فيهم جوانب الإعزاز والتقدير لتاريخ الإسلام وحضارته.
طبيعة الدارس واحتياجاته
لقد أتفق علماء التربية على أن مواد النشاط اللاصفى ـ وعلى رأسها التربية الموسيقية ـ يجب أن تراعى حاجات الأطفال وظروفهم البيئية والإجتماعية وإمكاناتهم الفردية وتتمشى مع مراحل نموهم وتطورهم  وقد ألتفت واضع الوثيقة المذكورة إلى هذا الجانب المهم فاشترط فى وثيقته ضرورة مراعاة المنهج لخصائص النمو للتلاميذ ـ فى المرحلة الإبتدائية ـ ، فالتلميذ فى هذه المرحلة ميال إلى الأستطلاع
ويستخدم لهذا الغرض كل حواسه بما فى ذلك الحاسة السمعية ، وهو يحب القصص بخاصة تلك التى يمتزج فيها الواقع بالخيال  وهو كثير الحركة قليل الإنتباه والتركيز ومن هنا يتوجب تفصيل مفردات المنهج فى المرحلة الإبتدائية بما يتوافق مع هذه الخصائص وتتدرج مفردات المنهج بتدرج خصائص النمو ، فالتلميذ فى المرحلة الإعدادية يكون قد نضج أكثر فى وعيه ومدركاته وحواسه ، ومن ثم تزداد ميوله القيادية ويتعلق أكثر تركيزاً مع ملكة خاصة فى التمييز بين الأشياء وهكذا.
وتميز الوثيقة بين أسلوبى الإلقاء والممارسة وتنضج المربين إعتماد الأسلوب الثانى ـ الممارسة ـ من باب أن هناك خبرات أساسية فى التربية الموسيقية والواجب أن يمر التلاميذ بهذه الخبرات كل حسب ميوله وإستعداداته حتى تشبع التربية الموسيقية حاجات كل تلميذ وتعمل على تأمين نموه المستمر وترى الوثيقة أنه أفضل الطرق لتعلم الحقائق والمهارات فى التربية الموسيقية إستعمالها فى تجارب لها معنى فتصبح هذه الحقائق كأنها منبثقة عن خبرة التلميذ ويوجه المنهج للتعرف على خبرات موسيقية من خلال الفرص العديدة المتوفرة فى مجالاته المختلفة.
ولوحظ أن الوثيقة المقترحة تتبنى هذا الإتجاه فى التعليم ـ التعلم بالممارسة ـ لذا فهى تشترط أن يبحث التلاميذ بأنفسهم عن معانى العلامات والأشكال والرموز الموسيقية ومدلولاتها لا أن تلقن لهم ، مع ضرور تشجيع الآخرين عن التدرب على التمارين الغنائية والموسيقية وتقديمها إلى زملائهم من خلال الأنشطة المدرسية.
ويتبع ذلك زيارات ورحلات إلى دور الإعلام والإذاعة والتلفزيون لتعرف هذه الأنشطة عن قرب فضلاً عن زيارة المكتبات المدرسية والعامة ـ بالنسبة للمرحلة الثانوية ـ بقصد إجراء بحوث تتعلق بالتطور الموسيقى عبر العصور المختلفة بخاصة فيما يتعلق بالموسيقى العربية وعلمائها مع زيادة الصلة بالنوادى الخاصة بالفنون الشعبية ومن ثم تعرف أصل الآلات الشعبية والتطور الذى حدث فى صناعتها.