قراءة فى أول دراسة تربوية من نوعها فى العالم
كتب المطالعة فى المدارس الإبتدائية
العينة من السودان
والنتائج لجميع التربويين
تعليق : أسامة فوزي
نشر هذا المقال في جريدة البيان - دبي عام 1983


المناهج المدرسية فى القطر السودانى الشقيق ـ كما هو الحال فى معظم البلدان النامية ـ مناهج موحدة يتفرغ لها كل مواطن يدخل المدرسة ويتعرض لتأثيرها ، فهى إذن عامل هام فى تكوين الوحدة الفكرية فى الوطن العربى وعلى هذا الأساس تخطط وضع وتوضع ـ أو هكذا يفترض ـ !!.

والدراسات التى تتناول هذه المناهج بالتحليل والإستقصاء قليلة ، وما يصلنا منها يكاد لا يذكر ، ولولا شعبة أبحاث السودان فى جامعة الخرطوم لانعدمت حركة نشر مثل هذه الأبحاث التربوية تماماً ، ولعل مشكلة النشر فى السودان تتفاقم يوماً بعد يوم فيما يتعلق بالأعمال الإبداعية والدراسات الأكاديمية لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن.
فى هذه العجالة اردت أن أتوقف عند بحث جيد قام به الدكتوران موفق الحمدانى وعون الشريف قاسم وتم نشره قبل سنوات فى الخرطوم وهو يتعلق بنقد وتحليل كتب المطالعة فى المدارس الأولية فى السودان وقد أخترت هذا الكتاب بالذات لسببين الأول : أن النتائج التى خلص إليها الباحثان من دراسة وتحليل كتب المطالعة فى السودان تكاد تكون مشابهة للنتائج التى خلصت إليها من تحليل كتب المطالعة فى الإمارات مما يعنى أن المشكلة التربوية المتعلقة بالمنهج المدرسى ومفرداته المتمثلة فى الكتاب ليست قصراً على الإمارات وإنما هى مشكلة عربية ويحتاج علاجها إلى فلسفة عربية تربوية واحدة.
والسبب الثانى الذى حدا بى إلى إختيار هذا الكتاب لعرضه هو أننا نكاد لا نعرف شيئاً عن السودان ، أدباً وتربية وسياسة وفناً ، ومن المفيد أن يتعرف القارىء فى الإمارات جانباً من الأزمة الحضارية فى السودان بعد أن وفرت له وسائل الإعلام ـ وبالتحديد الصحافة ـ فرصة تعرف بعض هذه المشاكل فى الأقطار العربية المجاورة ، المشابهة للإمارات فى أنظمتها الإجتماعية والتربوية والإقتصادية والسياسية.
دراسة طريفة
ومما يكسب هذه الدراسة الطرافة ويضفى عليها بعض الأهمية ـ إلى جانب ما ذكرت ـ أنها أول دراسة من نوعها فى هذا الحقل فى البلاد العربية ففيما عدا دراسة عن تعداد الكلمات فى كتب المطالعة السورية لفاطمة علية الخربوطلى ودراسة عن الإتجاه القيمى للمناهج العراقية للدكتور موفق الحمدانى ـ وهى أطروحة لنيل الدكتوراه من جامعة انديانا عام 1961 ـ ليس هناك ما يذكر فى هذا المجال.
لفد حدد الباحثان فى مستهل الدراسة أغراض هذا البحث ولخصاها فى ثلاثة أمور هى :


أولاً : إيجاد عدد مفردات الكلمات فى كل كتاب وكل سنة مدرسية وتواتر كل كلمة فى كل سنة
ثانياً : دراسة القيم الخلقية التى تثبتها هذه الكتب وإستخلاص النظام القيمى الذى تعتمده أن كان هناك تخطيط واضح وكشف القصور فى حالة عدمه وإيجاد الإختلافات بين مرحلة وأخرى أو بين كتاب وآخر.
ثالثاً : دراسة الظواهر الخارجية للكتاب والسمات العامة له كطبيعة الرسوم والصور التوضيحية وأحجام الكلمات وما إلى ذلك.
وقد برر الباحثان إختيارهما لكتب المطالعة على وجه التحديد بالقول : إن كتاب المطالعة هو المدخل لتعليم القراءة ولكنهما يستدركان بالقول : " أننا لا نعنى أن ما يدرج فى هذه الكتب من المفردات يجب أن لا يتعدى الحد الأدنى بل نقول إن الكتب المدرسية يجب أن تشمل على الأقل ما يكفى الطالب من المفردات لكى يقرأ بسهولة المطبوعات ذات الصعوبة المتوسطة وأن تكون لديه ذا خبرة من الكلمات تكفى لأن يكتب ما يشاء وفى الحدود المعقولة "
ويضيف الباحثان أن الإختيار قد وقع على الكتب المذكورة لأنها ـ أى كتب المطالعة ـ عامة فى مواضيعها وغير متخصصة ككتب الرياضيات مثلاً فلذلك تكون مفرداتها شاملة عامة وليست مقتصرة على الإصطلاحات العلمية فحسب000 إلى جانب أن كتب المطالعة تتعرض للقيم الإخلاقية والإجتماعية أما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بشكل قصصى الأمر الذى لا يبدو بكل وضوح فى الكتب الأخرى التى تحمل قيماً حتماً ولكنها مغلفة وغير صريحة لذلك يصعب تحليلها00 كما أن كتب المطالعة هى النوافذ التى يتطلع منها الطفل إلى عالم الكتب الرحب وهى التى تشوقه وتؤهله لمثل هذه المطالعات فى المستقبل.
لفد قام الباحثان بدراسة الإتجاه القيمى للكتب بطريقة تحليل المحتوى ، وهى طريقة إحصائية يمكن بها حساب تكرار القيم الإجتماعية المعروفة00 كما قام الباحثان بقياس مساحة الصور التوضيحية فى كل كتاب لمعرفة تناسب الصور مع الأحرف المكتوبة كما درسا حجوم الحروف التى أستعملت فى كتاب الكتب ( خطها ) أو طباعتها كما هو الحال وقد لاحظ الباحثان أن القسوة والعنف هما القاسم المشترك فى صور كتب المطالعة السودانية 000 ففى كتب السنة الأولى على سبيل المثال نجدها مليئة بالضرب والعقاب حتى الحيوانات غاضبة ، ولعل أبشع المناظر فى هذه الكتب صور الذبح والسلخ فهناك صورة مثلاً ترينا خروفاً يذبح إنساناً 000 وحينما تشذ الصور عن العنف ترينا صوراً عجيبة كالصورة فى صفحة 49 من الجزء الثالث من كتاب المطالعة الملحقة حيث تعرض صورة لشاب يختلس النظر إلى ثلاث فتيات عاريات000 وعلى العموم إكتشف الباحثان أنه يندر فى صور الكتب السودانية أن تخدم الغرض التربوى المطلوب وهى لا تعكس صورة حقيقية عن البيئة ، فكل الصور تعبر عن مجتمع رعوى زراعى لذلك يندر أن تجد فى هذه الكتب صوراً لمعامل أو آلات حديثة.
وتكثر ـ فى مضامين الكتب ـ قصص السحر والجن والعفاريت وشخوص قصص كتب المطالعة بشكل عام يعيشون فى مجتمع قلق يعوزه الإستقرار والأمن.
ولاحظ الباحثان أن كل كتاب من كتب المطالعة السودانية يؤكد على عدد من المواضيع المعينة دون سبب معروف فالجزء الأول من كتب السنة الثالثة يعطى الطيور إهنماماً خاصاً !
وأفرد الباحثان عدة صفحات لعرض أحصائيات بالقيم وتكرارها فى هذه الكتب وقد لاحظا أن هذه القيم متناقضة ، فهى تدعوا الطالب إلى أن يثق بالآخرين كما تدعوه إلى عدم الثقة بهه00 وقد خلص الباحثان إلى أن مؤلفى هذه الكتب لم يأخذوا مستقبل السودان بعين الإعتبار بل تركوا العنان لقيمهم الذاتية لتنطلق دون تخطيط وهم بذلك يعكسون قيم الشعب العامة ولا يحاولون أن يستغلوا الكتب المدرسية كأداة للتطور أو تطوير المجتمع وتحويله إلى أى أتجاه كان من خلال أجهزة التربية والتعليم المسؤولة عن هذا التحويل.
ومن الملحوظات المهمة التى خرج بها الباحثان ـ والتى نجدها فى ضيع المؤلفين فى الإمارات أيضاً ـ بروز ظاهرة عدم التناسق التى تتمثل فى أكثر من مظهر ولعل مرد ذلك إلى إختلاف واضعى هذه الكتب وتعددهم بحيث يصبح كل كتاب أو مجموعة من الكتب ممثلاً لضرب بعينه من التأليف وقد إنعكس هذا فى عدم إطراد بعض الظواهر التى تظهر فى بعض الكتب وتختفى فى البعض الآخر لغير سبب واضح.
الجزء الأهم من هذا الكتاب القيم هو الذى يبدأ من صفحة 50 إلى آخر الكتاب الذى تبلغ صفحاته 194 صفحة ، وهو الجزء الخاص بالإحصائيات والجداول التى إستنتجها الباحثان ميدانياً وتكمن أهمية هذه الصفحات فى أنها تفسح المجال أمام باحثين آخرين لتحليلها ودراستها والنظر فيها من جوانب مختلفة وعدم التقيد بالنتائج والتحليلات التى خرج بها الباحثان.
إن هذه النظرية الرائدة فى تحليل محتوى كتب المطالعة فى السودان لتدعونا إلى الإهتمام بإجراء مسح شامل مماثل لمحتوى كتب المطالعة المؤلفة محلياً فى الإمارات ، فمثل هذا الإسلوب العلمى فى التحليل وهو حده الذى يمكن الركون إليه فى الحكم على كتبنا ، بخاصة تلك التى تمثل نافذة أطفالنا على الحياة.
إن تأليف الكتاب المدرسى فى مرحلة التعليم الأولى من الصعوبة بمكان كبير ويحتاج الأمر فيه إلى ضرورة القيام بأبحاث مضنية قبل وضع الكتاب بشكله النهائى وإقراره للتدريس فى الفصول والسنين المدرسية المختلفة للتأكد من فعاليته التعليمية وخدمته لأهداف التربية والتعليم فى القطر وللتأكد من أنه أفضل سبيل للوصول إلى هذه الأهداف.