كتب القراءة العربية للصفوف الابتدائية
مقال نشر في عام 1982 في جريدة البيان - دبي
بقلم : أسامة فوزي
 

 
تعتبر كتب القراءة للصف الأول الإبتدائى من أهم الكتب المدرسية لأنها وسيلة للطفل الوحيدة نحو تعرف العالم المحيط من خلال اللغة ، أداة تفاهم ووسيلة الأتصال التى ستلازمه حتى النهاية ويقول الكثيرون عن السنة الأولى فى حياة الطفل المدرسية ، وبالتحديد على كتاب القراءة ، من باب أن أستجابة الطفل فى هذه السنة لما يعطى له من مبادىء أساسية ، سلباً أو إيجاباً سينعكس بالتالى على مستقبله التعليمى ، ومن هنا رأينا أن النظريات التربوية الحديثة كلها ـ فى الغرب ـ تلزم المؤسسة التربوية الإهتمام بالسنة الأولى ، منهاجاً وكتاباً ومدرساً ، وبات من المسلم به أن يتولى خبراء على قدر كبير من التأهيل العلمى والتربوى هذه المهمة ـ فى دول أوروبا وأميريكا ـ بينما نحن على النقيض تماماً ، إذ لا توكل مهمة تدريس الأطفال الا لحملة الشهادات المتدنية ولا يكلف بوضع كتبهم إلا مدرسون أو موجهون بينهم وبين مرحلة الطفولة ـ فيما يبدو ـ ثارات قديمة !!
طريقة جديدة
إن أهم ما يميز الكتاب المدرسى فى هذه المرحلة هو الطريقة التى يختارها لتعليم اللغة وأسسها وأصواتها ضمن مفاهيم عربية إسلامية مدروسة تربط الطفل ببيئته وعقيدته ومجتمعه ، ومن تصفحى لعدد كبير من كتب القراءة فى العالم العربى ، توقفت أمام سلسلة طرحتها دار الكتاب اللبنانى فى الأسواق منذ عام 1982 وتعتبر بحق سلسلة رائدة فى نهجها التربوى ومضمونها العربى وطريقتها السهلة المبتكرة ، وقد وضعت هذه السلسلة المسماة بالقراءة العربية النموذجية بإشراف الدكتور ريمون طحان ، وهو دكتور فى الآداب من جامعة باريس وأستاذ فى كلية التربية بالجامعة اللبنانية ، وقد وضعت السلسلة حسب الطريقة التحليلية التركيبية وفق المبادىء العربية الأساسية.
محاور الكتاب
وقد أنطلق هذا الكتاب من هدف عام لتعليم القراءة فى السنة الأولى الإبتدائية وهو تقويم لفظ التلميذ وتعريفه بعدد محدود من المفردات والجمل وأكتشاف الأصوات بالسماع تمهيداً للتعرف بالحروف من خلال جمل قصيرة سهلة الكلمات وتستنتج هذه الجمل من قصص صغيرة مشوقة أبرز فيها الصوت المطلوب بوضوح ، وفقاً لما اثبته الكتاب المذكور فى قدمة فإن المواضيع المقررة قد أخذت بيئة الطفل وتدور حول ما يثير إهتمامهم وفق المحاور التالية :
* المدرسة ( الصف ، الملعب ،
* الألعاب ( العاب الصبيان
* البيت ( الأم ، الأب ، الأخوة ،
* المدينة ( الشارع ، الناس ، السيارات ، المخازن ).
* القرية ( الحقل ، الغابة ، الحيوانات الداجنة ، الطيور ، الأزهار ، الأثمار ).
وفى حقل الإستظهار ، يحرص هذا الكتاب على تمرين ذاكرة التلميذ ومده بالجراءة على الألقاء من خلال أختبار مقاطع شعرية قصيرة واضحة الألفاظ بسيطة المعانى عذبة النغم مفرحة مشوقة ، سهلة الحفظ وسهلة الأداء ، تستمد موضوعاتها من بيئة الأطفال وتسهم فى تربيتهم الخلقية والروحية.
وفى حقل الإملاء اقتبس المؤلف مفرداته من دروس القراءة نفسها بهدف تركيز صورة الحروف والكلمات فى ذهن التلميذ بعد ما يكون قد رآها فى درس القراءة ثم يأتى الإهتمام بدروس الخط ، من خلال البدء بالكتابة بالطباشير والمعجون ثم ، الإنتقال إلى الكتابة بقلم الرصاص.
ستة مبادىء
لقد سارت عملية تأليف هذا الكتاب السهل والبسيط والمتواضع فى عدد صفحاته ـ 115 ـ صفحة وهو ربع الكتاب المؤلف بالإمارات ـ وفق ستة مبادىء أساسية هى :
اولا : حسن توزيع الدروس على جميع مراكز الإهتمام المنصوص عليها فى المنهج ، إذ أفرد المؤلفون لكل حرف من الحروف الهجائية وملحقاتها درساً خاصاً به واتبعوه بخمسة عشر نصاً صغيراً ركبت عباراتها من المفردات التى تعلمها التلميذ فى معرض اكتشافه الحروف ودارت فى معانيها وأفكارها حول موضوعات مستقاة من إهتمامات المتعلم ومن وثيق إتصاله ببيئته ومحيطه دون أن ينصرف المؤلفون عن أحكام التوازن فى تنمية ملكات الطفل العقلية والخيالية والعاطفية فى آن واحد.
ثانيا : إستقاء مادة الكتاب فى لفظه ومعناه من بيئة التلميذ ، اذ قام المؤلفون بدراسة إستقصائية لغربلة المفردات الأساسية وفق معايير شدوداً فيها على فصاحة الحروف وبساطة التركيب ووضوح الدلالة ولصوق المعنى بالواقع المحسوس البعيد عن التجريد الذى يتخطى مدارك الطفل وتصوراته.
ثالثا : وضع صورة كبرى فى أول كل درس ، تتلوها أسئلة تمهيدية موجهة تضع الأطفال فى جو كل درس جديد.
رابعا : إعتماد الطريقة التحليلية التركيبية فى سير الدرس وقد أنطلق المؤلفون فى ذلك من أحدوثة شيقة قصيرة مستوحاة من عالم الطفل وتصوراته وعلاقاته الحميمة بعائلته ومدرسته وبالحيوانات الأليفة التى شد ما تسترعى إنتباهه ، وقد توخوا نسخ ديباجة الأحدوثة بكلمات يتكرر فيها صوت الحرف المنوى عزله ، حتى اذا ما أنتهت الأحدوثة أثبتوا حولها أسئلة موجهة تهدف إلى معاودة التلميذ التلفظ العفوى بالحرف فإلى عزله فى جملة نموذجية تحتويه فى شكله السالم مع بعض التغيرات التى تطرأ عليه فى بداية الكلمة ووسطها ونهايتها.
وهذا يقول المؤلفون ـ أبعدنا الدرس عن جو التلقين وافسحنا فى المجال أمام المعلم والتلميذ للقيام بعملية استقرائية مترابطة الحلقات تنطلق من النص إلى العبارة إلى الحرف حتى اذا ما ترسخت صورة الحرف وصوته فى ذاكرة التلميذ عمدنا إلى إجراء مراجعة تركيبية مدروسة تركب من الحرف الجديد والحروف التى سبق تعلمها كلمات وجملاً مفيدة ذات معنى تتحدى ذكاء التلميذ وتشوقه وتثير فى نفسه لذة الإكتشاف ومرونة التعرف إلى الحرف فى تعدد اوضاعه.
خامسا : إيلاء قيافة الكتاب واخراجه أهمية وظيفية فى عملية التعليم ، وقد أستعان المؤلفون ـ كما ذكروا ـ بالمبادىء الفسيولوجية والنفسية المتعلقة بسلامة البصر وبمنبهات الذاكرة وما يرتبط بها من لون ورق وحجم حرف وتركيب لون وحجم صورة وتداع عفوى فى عميق الوجدان بين الفكرة والصورة والحرف فمن حجم الكتاب متناسب مع قدرة الولد الجسدية إلى غلاف جذاب يستهوى ذوقه الفنى إلى ورق أبيض مريح للعين إلى طباعة أنيقة مدروسة أحجام الحروف إلى رسوم واقعية مستقاة من بيئة التلميذ ومحيطه مرتبطة بمعارفه وبقاموسه المعنوى واللفظى .
سادسا : مراعاة الألتزام الخلقى الوطنى فى صوغ نصوص الكتاب اذ أخضعت معانيه وأفكاره لعملية إنتقائية تهدف إلى إبعاد الطفل عن أجواء الحسد والحقد والخوف والأنانية والميوعة الوطنية لجعله فى جو من الأطمئنان النفسى والإتزان المسلكى النابعين من ثقته بنفسه ومن نظرته السليمة إلى الكائنات المحيطة به والمجتمع الذى يعيش فيه.
تدريب المعلمين
وتتطلب الطريقة التحليلية التركيبية فى تعليم القراءة العربية للأطفال أسلوباً خاصاً فى التعليم وطريقة مميزة فى تقديم المعلومات وهذا يتطلب بدوره تدريب المعلمين فى هذه المرحلة على هذه الطريقة وإعدادهم بشكل جيد حتى لا تنقلب الأمور وتتحول الحصة إلى ركام من الرموز والأصوات والألفاظ غير المفهومة لدى الصغار وقد تنبهت لجنة تأليف هذه السلسلة إلى ذلك فمهدت للكتب بتوجيهات حول خطوات الدرس ليس للتمسك بحرفيتها وإنما لتوضيح التسلسل المنطقى العلمى والتربوى لسير الدرس.
وتستهل هذه الخطوات بتعليق صورة كبيرة على السبورة تصور مضمون الأقصوصة الموضوعة لأكتشاف الحرف ويثبت إلى جانبها نموذج مبكر للحرف الجديد المنوى أكتشافه ، بإيجاد العلاقة بين عناصر المشهد وبعد هذه المحادثة الإستقرائية الإستنتاجية التى يسعى المعلم أن يجعلها موجهة يبدأ بقراءة الأقصوصة المثبتة مركزاً فى قراءته على مخرج الحرف الجديد ليتميز سماعياً وعفوياً فى ذاكرة الأطفال.
وتلى ذلك الخطوة ترسيخ الصوت الجديد من خلال تكرار لفظه كأن يقرأ المعلم الأقصوصة وكلما وصل إلى الحرف الجديد أعلى نبرته وبعد قراءتها ثلاث مرات يطلب إلى التلاميذ الدلالة على الحرف الذى يرفع نبرته لدى التلفظ من مخرجه وكلما أهتدى الأطفال إلى الحرف لونه بلون الحرف الكبير المثبت على السبورة.
ثم يطلب المعلم إعادة التنلفظ بالحرف الجديد فى إطار الجملة ويتوسع فى عملية الإستنتاج فيسأل التلاميذ قراءة الحرف الكبير المرسوم على السبورة فإذا إكتشفوا التشابه بينه وبين أشكاله المتعددة فى مفردات الجملة ركز عليه وكرر لفظه وطلب إلى التلامذة محاكاة شكله بتحريك أصابعهم فى الهواء ثم يسأل المعلم التلامذة أن يعطوا أسماء رفاقهم الموجودين معهم فى الغرفة والذين تتضمن أسماؤهم صوت الحرف المكتشف وكلما أعطوه أسماً كتبه على اللوح الأسود وطلب إلى واحد منهم أن يدل على الحرف ويلونه بلون الحرف الكبير ثم يعمد المعلم بعد ذلك إلى جمل المراجعة فيقرأها ويكتبها جملة جملة ويعمل بمساعدة التلاميذ على تلوين ما ورد فيها من أشكال للحروف ثم ينتقل إلى الرسوم المثبتة على هامش كل درس فيطلب إليهم تسميتها حتى اذا ما تلفظوا بأسمائها سألهم رسم الحرف الذى يتلفظون بصوته ولا يشاهدونه فى الكلمة الموجودة تحت الرسوم.
وفى نهاية الدرس وبعد التأكد من رسوخ صورته وصوته فى ذاكرة الأطفال يطلب إليهم كتابة التمارين الخطبة الموضوعة لنحقيق القراءة والكتابة فى وقت واحد.
لقد حرصت فيما سبق أن أعرض لكم أهداف الكتاب وخطبته ومنهاجه لتأكيد حقيقة أن لدينا فى وطننا العربى إمكانيات تربوية وخبراء على قدر من الفهم والإبداع بدليل هذا الكتاب البسيط المبسط لتعليم اللغة العربية للأطفال وفق منهج سهل ومحبب يقع كله بمفرداته وتمريناته فى 115 صفحة فقط وما احرانا فى مدارسنا أن نأخذ به بدلاً من الكتاب المؤلف محلياً والذى يزيد فى حجمه وسمكه عن دليل الهاتف ويقدم للأطفال معلومات وألفاظاً وقواعد نحوية لا يعرفها المدرسون أنفسهم.