كيف تقاس كفاية المعلم بطريقة موضوعية
مقال منشور في جريدة البيان - صفحة الابحاث - دبي عام 1982
بقلم : أسامة فوزي


مازالت نظريات التربية المعمول بها فى البلاد العربية بشكل عام ودولة الإمارات بشكل خاص قاصرة عن إيجاد الوسائل الناجعة لقياس كفاية المعلم بطريقة موضوعية خلال عمله فى الميدان ، وتنصرف معظم هذه النظريات وما يتبعها من ممارسات التوجيه الفنى إلى الأهتمام بالشكليات والإحتكام إليها فى قياس كفاية المعلم ومن ثم فى وضع تقريره الفنى.

فالمعلم الفاشل ، أى الذى يفتقر إلى الموهبة والأستعداد الفطرى والعلمى لممارسة المهنة ، يمكن وفقاً لخطط التوجيه الفنى فى المتابعة والتقييم أن ينجح بامتياز وذلك بتزويق كراسة التحضير وإعداد الخطة السنوية أو نسخها عن الآخرين والإشتراك فى النشاطات المظهرية فى المدرسة وإقامة علاقات شخصية وطيدة مع الموجه أو الناظر أو المسؤول فى الوزارة ثم التمتع بصوت مرتفع يعطيه حضوراً كاذباً فى كل إجتماع أو ندوة أو لقاء.


وفى الحقيقة أن مشكلة وضع معيار ثابت لقياس كفاية المعلم بطريقة موضوعية ، ليس قصراً على الإمارات أو الوطن العربى وإنما هى مشكلة عامة تعانى منها أوساط التربية والتعليم فى العالم كله ، لكننا هنا توقفنا عن محاولة البحث عن هذا المعيار وجعلنا المعايير الخاطئة الحالية والمتوارثة عن أجيال التخلف قانوناً لا يمكن تجاوزه أو تعديله بينما نجد لدى الآخرين محاولات مستمرة لوضع هذا المعيار والأحتكام اليه.

ففى عام 1983 نشر الدكتور ابراهيم عصمت مطاوع بحثاً عن التنمية البشرية بالتعليم ، ورد فيه ما يفيد أن خبراء التربية نجحوا فى وضع تدريج مئوى يشابه " الترمومتر " يمكن به قياس سمات المعلم الناجح ولم يذكر الباحث تفصيلات حول هؤلاء الخبراء أو الجهة التى وضعت هذا المعيار أو المصدر الذى ورد فيه ، لكنه ذكر أن هذا المعيار المتدرج يتكون من مئة درجة تتناول الصفات الشخصية والصفات المهنية والصفات المتعلقة بالديمقراطية للمعلم الصالح على إفتراض أن كل صفة تتساوى فى درجتها مع أى صفة أخرى.

لم يفصل خبراء التربية الذين وضعوا المعيار المذكور الصفات الشخصية التى يجب أن تتوفر فى المعلم ولم أجد فى بحث الدكتور ابراهيم عصمت شرحاً لهذه الصفات أو توصيفاً لها يمكن الإحتكام اليه فى وضع الدرجة. فهو يذكر على سبيل المثال صفة " البشاشة " دون أن يحدد معياراً لقياسها ، مما يعنى أن درجة هذه الصفة ستظل نسبية تختلف من معلم لأخر ومن ثم سيختلف الموجهون فى تقديرها ، فقد يرى أحدهم أن المعلم البشوش هو الذى يضحك بوجهه ، أو يتصنع الضحكة فى الفصل ، أو يتلقى الضيوف المقبلين عليه بعبارات الترحيب الزائد عن الحد ، وبعض الموجهين يطربون لهذا بل يطلبونه بينما قد يرى آخرون أن البشاشة ليست مظهراً وإنما هى سلوك فى داخل الفصل .


وما قلناه عن البشاشة يمكن أن نقوله عن صفة " النظافة " والمظهر الحسن " و" القامة المعتدلة" ـ ما ذنب المدرس القصير ـ و" صحة البدن " وغيرها.
هناك صفات شخصية أخرى مطلوبة فى المعلم وفقاً للنظرية السابقة لا تقل طرافة عن سابقاتها مثل :
1ـ أن يكون صاحب صوت جذاب.
2ـ أن يكون واثقاً من نفسه.
3ـ أن يكون موضع اعتماد الغير.
4ـ أن يكون ذا حيوية ونشاط.
5ـ أن يكون متزن الإنفعالات.
6ـ أن يكون قادراً على ضبط نفسه.
7ـ أن يكون قادراً على التكيف.
8ـ أن يكون إجتماعياً.
9 ـ أن يكون واقعياً.
10ـ أن يكون متعاوناً.
11ـ أن يكون منظماً.
12ـ أن يكون رياضياً.
13ـ أن يكون رقيقاً دون ما حازماً دون قسوة.
14ـ أن يكون صبوراً ، صريحاً ، موضوعياً.
15ـ أن يكون لا يؤمن بالتطير.
16ـ أن يكون جريئاً فى الحق ملتزماً بالقانون العام.
17ـ أن يكون محباً للفن وللطبيعة.


غنى عن الذكر أن بعض هذه الصفات المشروطة لا تصمد أمام أى نقاش منطقى ، فمدرس التربية الإسلامية ـ على سبيل المثال ـ قد يكون ضريراً فكيف نطلب منه أن يكون رياضياً !! ثم أن الصوت الجذاب أو الجميل قد يكون مطلوباً للمطرب وقد نتجاوز قليلاً فنقبل أن يكون من شروط مدرس اللغة العربية أما أن يكون شرطاً مطلقاً ، نطلبه ـ على سبيل المثال ـ من مدرس الفيزياء فذلك فيه من المغالاة الشىء الكثير.

صفة الديمقراطية قد تكون أكثر وجاهة من سابقتها ، ونظن أنها اولى بالإهتمام والرعاية والمتابعة لأنها تمس الجانب الروحى والمعنوى فى شخصية المعلم أو المدرس ، وغالباً ما تنعكس على طلابه ، الذين يقتدون بها ، ويحاولون أكتسابها أو تقليدها . ومن هذه الصفات أن يكون المعلم ذا نظرة شاملة للأمور لا يقصر رؤيته على مجال تخصصه ، وأن يكون متطوراً ، متجدداً متفتحاً للحياة وللظواهر العلمية والإقتصادية والثقافية الطارئة ، وأظن أن الإنغلاق مهما كانت أسبابه وداوعيه ليس من صفات المعلم الناجح ثم على المعلم أن يتقبل الآراء العارضة لرأيه بخاصة آراء الطلاب ، ولا يجوز بأى حال من الأحوال أن يقمع المعلم رأياً مخالفاً حتى لو كان الرأى خاطئاً من ناحية علمية والصواب أن يأخذ المعلم بيد الطالب المخالف مقنعاً وناصحاً ومرشداً وموضحاً جوانب الخطأ بأسلوب موضوعى ثم يشترط بالمعلم أن ينتقل من الكلام إلى العمل ، لا أن يقصر حديثه على النظرى فقط بخاصة فى مجال السلوك والآداب العامة ، وهذا يتطلب أو يستلزم منه تقبل حكم الأغلبية من الزملاء المعلمين أو الطلاب بخاصة فى مجال النشاط العام مكرساً بذلك مبدأ المساواة والأخاء والتواضع ولا يجوز بأى حال أن يحتقر العمل اليدوى الذى يقوم به بعض الطلبة فى الفصول أو ساحة المدرسة فضلاً عن المهن اليدوية السائدة فى المجتمع ، وهو ـ للأسف ـ ما درج عليه العرف فى العمل التربوى العربى حتى أن بعض الكتب المدرسية العربية تعمل على تصنيف المهن أو ترتيبها على أسس أخلاقية ، تضع العمل اليدوى فى سلم المهن السائدة.
أما الصفات المهنية فى المعيار الجديد الذى أشار إليه الدكتور ابراهيم عصمت ، والتى تصلح لقياس كفاية المدرس ، فتكاد تكون معروفة للجميع ، ومتداولة فى عمل التوجيه الفنى بشكل أو بآخر دون أن تعطى حقها من الأهتمام باعتبارها الأساس العلمى للمعلم اذ لا يكفى أن يتمتع المعلم بصفات الشخصية والديمقراطية فى حين يجهل أبجديات المادة التى يتكفل بتدريسها.
والصفات المهنية كثيرة ، على رأسها التمكن من مادة الدراسة والأحاطة بها علمياً ونظرياً بما فى ذلك الأطلاع على أحدث ما توصل إليه العلم فيها ، ثم تأتى بالدرجة الثانية القدرة على توصيل معلوماته وخبراته لطلابه والا فقد عنصراً مهماً وأساسياً فى شخصيته كمعلم ، وهذه مشكلة عامة يعانى منها الكثيرون من المعلمين المتمكنين جداً من موادهم ، ولكنهم يعجزون عن توصيل معلوماتهم ومهاراتهم بشكل مفهوم ولائق.
هذان محوران أساسيان فى هذا الجانب من الصفات المهنية ويمكن أن نضيف إليها صفات أخرى ، مكملة ، وضرورية ولازمة فى ظل الظروف الموضوعية المحيطة بنا كعرب مثلاً
• الالمام بالظروف الموضوعية المحيطة بالبيئة والمجتمع حتى لو لم تكن فى مجال تخصصه ، بمعنى أنه لا عذر لمدرس الفيزياء أن كان يجهل أبجديات اللغة العربية أو حقائق بارزة فى تاريخنا المعاصر.
• الالمام بالأهداف العامة من التدريس وليس فقط الأهداف العامة لمادته.
• الالمام بمراحل النمو النفسى والجسدى لطلابه فى المراحل المختلفة مع القدرة على تعرف الفروق الفردية بينهم.
• الالمام بالوسائل التعليمية وطرق إعدادها وتوظيفاتها لخدمة الدرس فى إطار جماعى.
• القدرة على الملاءمة بين موضوع الدرس والزمن المخصص للحصة أو للوحدة.
• الالمام بطرق ووسائل التعليم ، اذ لا يمكن أن تغفر لمدرس اللغة العربية جهله بطرق ووسائل تعليم القراءة العربية للأطفال ، بخاصة عندما يكون عضواً فى الهيئة التدريسية العاملة فى المرحلة الإبتدائية ، ومن هذه الطرق :
1ـ الطريقة التركيبية " الأبجدية أو الصوتية "
2ـ الطريقة التحليلية.
وسيكون لنا مع الطريقتين المذكورتين وقفة أطول فى مقالة مقبلة.