بارونات الاعلام السعودي في الخارج
واللعب على الصراع بين الامراء ... عثمان العمير نموذجا
اعتذار متأخر للمفكر الكبير الدكتور مصطفى عزيز
قراءة معدلة كتبها : أسامة فوزي
 


* اغلاطي كثيرة  ومن يمارس مهنة الكتابة والنقد يتعرض للوقوع في الخطأ الناجم  في اغلب الاحيان عن سؤ التقدير او شح في المعلومات المتوفرة او حتى عن الهوى ... وفي الحديث الصحيح: ( كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) لكني تربيت على شجاعة الاعتذار عن الخطأ ولا ارى غيظا فيه .... وفي السنوات الثلاثين الاخيرة اعتذرت للكثيرين حتى عن اخطاء ارتكبها غيري من الكتاب والقراء على صفحات عرب تايمز ولا اكشف سرا ان عشرات ممن اخطأنا بحقهم واعتذرنا لهم اصبحوا من اعز اصدقائي واخص بالذكر من يعمل في الشأن العام ويدرك ان عمله قد يعرضه للكثير من النقد الذي قد يجانب بعضه الحقيقة او الصواب ... المهم ان لا يكون النقد مكتوبا في الاصل بقصد الاساءة ... هنا فقط تخرج هذه المعادلة عن السياق وتصبح جريمة اخلاقية ومهنية بكل المعايير ... ومن هنا ايضا فاني لا احقد على كاتب نقدني او شتمني انسجاما مع قناعاته ومع رؤاه بل احترمه اكثر ... لكني
اكاد اصاب بالغثيان عندما اقرأ كلاما فبركه كاتب من وحي خياله لنقد او تجريح شخص اخر او لاصطناع بطولة ووطنية زائفة على اكتاف الاخرين ... هذا خصم لا احترمه ... والامثلة كثيرة  ساعود الى بعضها في مقالات لاحقة

 * من ابرز اخطائي  وضعي المليونير السعودي المدعو عثمان العمير في احد مقالاتي عن ( بارونات الصحافة السعودية ) على خط مواز مع صديقي الدكتور العلامة والمثقف السعودي الكبير مصطفى عزيز ... ومع اني اكتشفت الخطأ بعد ثلاثة ايام فقط من ارتكابه - والفضل يعود لاحد كتاب وقراء عرب تايمز - الا ان عدم المبادرة فورا الى تصويبه بنفسي  زاد من احساسي بالذنب ... فقد قدمت هذا المليونير السعودي الجاهل ( الامي ) عثمان العمير الى القراء في صورة ساهمت في تزييف الوعي العام واساءت الى صديقي العلامة الدكتور مصطفى عزيز ... لان من عرف الاثنين عن كثب يعلم ان هناك فرقا هائلا  بينهما ... في كل شيء ... في الاخلاق ومستوى التعليم والثقافة وصولا الى فضيلة التواضع التي يتميز بها الدكتور مصطفى عزيز

* الحكاية بدأت عندما كنت عائدا الى هيوستون من معرض الكتاب الدولي في فرانكفورت حيث توقفت كالعادة ( ترانزيت ) في لندن ... وكالعادة ايضا بادرت الى مهاتفة صديقي الصحفي الاردني اللامع نصر المجالي المقيم في لندن والذي اعرفه منذ عام 1972 حين كان يعمل في جريدة الراي الاردنية وشقيقه ابراهيم كان مدرسا لي في الاعدادية وهو ينتمي الى عائلة اردنية كريمة اعرف الكثير من افرادها وقد تزاملنا ايضا خلال اقامة نصر في الامارات حين عمل في جريدة الخليج في الشارقة في اواخر السبعينات

*  نصر المجالي اخبرني يومها انه يساهم في تحرير موقع على الانترنيت يبث من لندن يملكه الصحفي السعودي عثمان العمير ... تذكرت على الفور ان العمير طرد من عمله في جريدة الشرق الاوسط او ( اقيل ) ... وانه استقر في لندن ... ولسبب اجهله ربطت بين هذا وبين وجود المعارضة السعودية في بريطانيا ... وراق لي ان يؤسس سعودي موقعا اخباريا على الانترنيت في بريطانيا معتقدا ان العمير - مثلي - وظف القروش القليلة  التي بحوزته لخدمة الاعلام العربي الحر ... واعتقدت ايضا ان موقعه مثل موقعنا ( هوم ميد ) وانه بالتالي يتمتع بما يتمتع به موقعنا من قدرة على المناورة والكر والفر لاننا لا نرتبط ماليا باية جهلة تمويلية ... ولان ميزانية موقع عرب تايمز السنوية لا تزيد عن خمسة الاف دولار ومع ذلك يدخل موقعنا  يوميا عشرة اضعاف الذين يدخلون مواقع وزارات الاعلام العربية مجتمعة ... ولان جميع الكتاب والمحررين يساهمون في الموقع ( مجانا ) ... واكراما لصديقي نصر دخلت الى موقع العمير وبعثت اليه بايميل من سطرين على سبيل التشجيع وهو ما افعله في العادة كلما وقع نظري على موقع  اخباري جديد يمتلكه شخص وليس مؤسسة او حكومة ... وجاء رد العمير مفاجئا ... فقد اتصل بي هاتفيا من باريس ليشكرني وليخبرني انه سيزورني في هيوستون  قريبا ... وانفض السامر

* ولاني كنت انذاك في معرض الكتابة عن ( بارونات الاعلام السعودي ) فقد رايت من الواجب - وعلى سبيل التشجيع ايضا - ان انوه بالعمير وموقعه معتقدا ان الرجل وبدلا من ان يستثمر امواله في مطعم او مقهى او سبورماركت كما يفعل عرب بريطانيا استثمرها في موقع اعلامي حر ومستقل ... ونشرت المقال الذي وازيت فيه بين العمير والدكتور مصطفى عزيز كنماذج اعلامية سعودية بارزة وهنا كان الغلط

فبعد ثلاثة ايام فقط من نشر المقال بعث كاتب من كتاب عرب تايمز من التابعية السعودية برسالة الى عرب تايمز احتج فيها على الفقرة الخاصة بالعمير وارفق رسالته بعدة روابط على الانترتيت وطلب مني الدخول اليها لانها تنفي ما ورد في مقالي ... واستاذن ان يكتب مقالا منفصلا عن العمير يكشف فيه حقيقة هذا الكاتب المزيف ... بل وذكرني اني ساندم على فعلتي وان العمير سيستثمر ما كتبته عنه وانه سينقلب علينا في اول محطة ... واضاف ان عرب تايمز معروفة  بعدم المحاباة او المجاملة وهي لا تمدح احدا  وان مدحها للعمير سيثير تساؤلات كثيرة لن ينتفع منها على المدى البعيد الا العمير ... ويبدو ان ما افترضه الزميل كان صحيحا .. فبعد مقالي عن العمير تلقى العمير دعوات لزيارة عدة دول عربية التقى خلالها بحكام ورؤساء وملوك ارادوا فيما يبدو ان يروا هذا العمير الذي شذ عن القاعدة

روابط الزميل  التي تشير الى العمير شاب لها رأسي ... فأحد الروابط قادني الى قائمة من 45 شخصا يعملون كموظفين متفرغين في موقع العمير وبعملية جمع وطرح بسيطة وجدت ان العمير يدفع على الاقل نصف مليون دولار كمرتبات شهرية لهؤلاء ... ولاني لم اجد في موقع العمير اعلانا واحدا فقد كان من المنطقي ان اسأل نفسي : من يمول هذا الموقع اذن ولماذا ؟

رابط اخر قادني الى موقع ( يوتوب ) حيث العمير يتحدث بلهجة ( مكسرة ) وبأسلوب فج يدل على مستوى تعليمي وفكري هابط لا يزيد في احسن الاحوال عن مستوى اهمل طلابي في الصف السادس الابتدائي يوم كنت مدرسا في احدى مدارس الغويرية في مدينة الزرقاء الاردنية في عام 1972 ... وقادني رابط ثالث الى  مقال في موقع العمير نفسه يصف العمير بأمير الصحافة العربية فانفزرت من الضحك ... رجل جاهل وشبه امي يمنح نفسه وفي موقعه لقب امارة الصحافة والاعلام في مضارب العرب اجمعين ... رابط اخر قادني الى خبر منشور في جريدة الشرق الاوسط عن صدور حكم على العمير بالسجن في دبي بتهمة نشر الاكاذيب و التشهير ... وقبلها حكم العمير بالسجن في مصر بالتهمة نفسها ... ورابط اخر فهمت منه ان العمير اعتذر رسميا لمفكر تونسي نشر العمير عنه اكاذيب وتلفيقات اساءت اليه وقام المفكر التونسي بمقاضاة العمير امام المحاكم الانجليزية ... وخرج باعتذار خطي منشور في موقع العمير وبكمشة من الجنيهات الاسترلينية لم يذكر العمير مقدارها

وبقليل من التحليل والمتابعة فهمت سر العمير ... فهور رجل دخل الى المهنة من باب ( الفطبول ) ووصل الى بريطانيا من خلال ( امير ) ومنها نط الى قصر ملك المغرب .... وفي محطاته كلها لعب العمير على كل الحبال ... ودخل مؤخرا لعبة  اللعب على الامراء السعوديين مستغلا الخلافات بينهم ... واتضح ذلك بعد فشل محاولة تنظيم القاعدة اغتيال وكيل وزارة الداخلية السعودي الامير محمد بن نايف حيث سارع العمير الى نشر مقال لواحد من اهم موظفيه ( وهو لبناني ) ابدى فيه صراحة اسفه لان المحاولة لم تنجح .... وكان المقال فجا الى درجة ان مواقع سعودية يملكها امراء ايضا ردوا على العمير وموقعه والطريف ان موظف العمير بعث الينا - انذاك -  بالمقال لنشره في عرب تايمز ( من تحت لتحت ) فرفضنا  ... وبدأ العمير مؤخرا يعزف على وتر الصراع على الحكم في السعودية محاولا اللعب على الاميرين سلطان ونايف وسمعت قبل قليل ان السلطات السعودية حجبت موقعه

واصبح الحديث عن مصادر تمويل ودعم موقع العمير مثيرا للجدل في اوساط الصحفيين العرب ... فمنهم من يتهم الامير عبد العزيز بن فهد ومنهم من غمز من طرف الامير الوليد بن طلال مع ان صديقا مطلعا برأ الاثنين ... فعبد العزيز لا يمكن ان يدعم موقعا يضرب الامير سلطان تحت الحزام .... والامير الوليد اذكى من ان يتورط بدعم موقع مشبوه لرجل شبه امي اقصى ما فعله نشر كتاب عن ملك المغرب بقصد التكسب

الا ان اكثر ما اقلقني هو ان يظل مقالي ( عن بارونات الصحافة السعودية ) منشورا دون تعديل او تصويب  بخاصة واني اكتشفت الغلط بعد ايام قليلة من الوقوع فيه ... واشفقت على نفسي وعلى صديقي الدكتور العلامة مصطفى عزيز ان يظل اسمه مقرونا بواحد مثل عثمان العمير في مقال يحمل اسمي ... فقررت سحب المقال  وتعديله وكتابة هذه المقدمة معترفا بغلطي اولا ... ثم معتذرا على رؤوس الاشهاد لصديقي الباحث والمفكر والعلامة الدكتور مصطفى عزيز

من هو مصطفى عزيز؟

التقيت بالدكتور عزيز في مطلع التسعينات ... اولا عبر الهاتف ثم في احد فنادق نيويورك .... وكنا نتواصل يوميا  لساعات ولمدة زادت عن سنة كاملة ادهشني فيها الرجل بسعة علمه وسعة ثقافته ثم اسلوبه الراقي والمميز في الكتابة باللغة العربية ... وزاد في اعجابي ان الرجل كان يتقن اللغتين الانجليزية والفرنسية قراءة وكتابة ... ومع انه سعودي الجنسية الا ان ثقافته كانت عروبية موسوعية ... فقد كان ملما بالوضع السياسي والاقتصادي والثقافي وحتى الفني في عدة اقطار عربية منها مصر والعراق والاردن والمغرب وتونس ... وكان قارئا نهما للكتب ... وكان يدهشني بتحليلاته للوضع العربي والدولي ... وعرفت لاحقا انه نشأ في قصر الملك فيصل لان والده كان من العاملين في القصر ومن المقربين من الملك ... وشدني بتواضعه الجم وبساطته حتى كاد يلغي الصورة النمطية التي في ذهني - وفي اذهان غيري - عن المواطنين السعوديين ... كان الدكتور عزيز قادرا على ارتجال المقال والخبر ولديه قدرة عجيبة وجلد لا تجده الا عند القلائل في تحرير جريدة كاملة خلال يوم واحد ... منفردا ... وبلغة عربية سليمة تستند الى معلومات دقيقة وحديثة جدا ... وهي مواصفات لا تجدها في اوساط الكتاب والصحفيين العرب الا لماما

كان اكتشافي للدكتور مصطفى عزيز الذي كان يقيم ويعمل في شركته الخاصة في نيويورك مدهشا ... لناحية ما كنت اقرأه عن الصحفيين والاعلاميين السعوديين ممن توكل اليهم مهمات قيادية في مؤسسات صحفية كبيرة مثل الراشد والعمير والحميد وغيرهم من اشباه وانصاف المتعلمين واضطرار اصحاب هذه المؤسسات الى الاستعانة بخبرات لبنانية وسورية ومصرية في مجال الصحافة لتغطية الضعف الواضح في اداء الموظفين السعوديين ... بالرغم من وجود عناصر سعودية متمكنة ومتميزة ومبدعة من طراز الدكتور عزيز الذي يمكنه ان يدير اكبر مؤسسة اعلامية عربية ( ولا اقول سعودية ) بحرفية عالية ودون ان يضطر الى الاستقواء بالاخرين والتستر خلف ظهورهم والعيش على فتاتهم كما الفطر ... بخاصة وان الحديث في كواليس لندن الصحفية يكثر عن صحفيين عرب يعملون في مؤسسات اعلامية سعودية كبديل  ( دوبلير ) فهم يكتبون ... ومقالاتهم تنشر موقعة باسماء مسئولين سعوديين في تلك المؤسسات

   قد تكون مجلة (تايم) الامريكية هي اول من استخدم مصطلح "بارونات الصحافة السعودية" وذلك في ملف مطول نشرته المجلة في عدد حزيران يونيو عام 1992 تناولت فيه المجلة ما اسمته بالسيطرة السعودية على الاعلام العربي في الخارج وتحديداً في بريطانيا.


* كان ظهور " جريدة الشرق الاوسط " في لندن كبديل لجريدة (المدينة) المملوكة لاولاد حافظ مؤشراً على محاولة سعودية لاختراق الاعلام العربي في الخارج و "سعودته" بعد ان تبين ان صدام حسين كان - يومها- اللاعب الوحيد في هذا الميدان وكانت جميع الصحف والمجلات التي تصدر في اوروبا ممولة بشكل او باخر من قبل صدام حسين  ولعلي اضيف اليوم ان الفرق بين الغزوتين العراقية والسعودية للاعلام العربي في الخارج - واللتين اعتمدتا اساساً على  الصحفيين اللبنانيين- هو ان الغزوة العراقية نجحت في تدجين الكتاب والصحفيين اللبنانيين وتحويلهم الى ارقام في ملفات المخابرات وموظفين صغارا في اجهزة حزب البعث الاعلامية ... اما الغزوة السعودية فكانت على العكس تماماً حيث دجن الصحفيون اللبنانيون المؤسسات الاعلامية السعودية التي عملوها فيها لمصالحهم الخاصة - ولا زالوا - وبالتالي ضاع الهدف من " الغزوة " ولم تظهر بصمات الكتاب والصحفيين السعوديين في المؤسسات الاعلامية العملاقة التي اطلقت في الخارج وذلك لأن اصحاب هذه المؤسسات فرضوا على رؤساء التحرير كتاباً وصحفيين لبنانيين كانوا - في الواقع- اكثر اهمية ونفوذاً من رؤساء التحرير (السعوديين) انفسهم وهذا ينطبق على محطات "الام بي سي" واخواتها وعلى مطبوعات الشركة السعودية للابحاث ... وعلى جريدة" الحياة " واخواتها وهو الامر الذي شجع صحفياً فلسطينياً كان يعمل في جريدة الشرق الاوسط - واعني به عبد الباري عطوان- الى الاستقلال بمشروعه الخاص وبتمويل اسرائيلي مباشر لاصدار جريدة تعتبر بحق اهم مركز ومنبر اعلامي لاسرائيل في العالم العربي


* كان الهدف من "الغزوة السعودية" للاعلام الخارجي العربي اعطاء ادوات جديدة للصحافة السعودية في الخارج لا يمكن توفيرها للصحافة السعودية الصادرة في الداخل لانها تتعارض مع القوانين والقيم والعادات والتقاليد الخاصة بالمجتمع السعودي المحافظ وكان " جميل الحجيلان " - صاحب هذا المشروع - يظن ان الصحافة السعودية في لندن سوف تستعمل الادوات ذاتها التي تستخدمها الصحافة البريطانية التي تتمتع بسقف عالٍ جداً من الحرية وهذا ما كنا نحن نعتقده ايضاً لكن التجربة اثبتت ان صحافة الداخل " السعودية " كانت ولا تزال اكثر جرأة واكثر تعبيراً عن نبض رجل الشارع في السعودية واكثر نقاء من صحافة لندن واعلامها على الاقل لان صحافة الداخل لم تتلوث بأجندات وطموحات الصحفيين اللبنانيين الذين حولوا المؤسسات الاعلامية السعودية في الخارج الى " مطية " حققوا من على ظهرها مصالحهم الخاصة ونشروا من على صفحاتها اخوانياتهم التي تغازل الحكام العرب واكثر هذه الاخوانيات كان يتعارض مع المصلحة السعودية العامة (  مثلا ... جريدة الشرق الاوسط ومطبوعاتها اصدرت ملفات في مدح القذافي اكثر من جريدة الزحف الاخضر نفسها )  ولم ينتبه السعوديون الى هزالة أداء مؤسساتهم الاعلامية في الخارج رغم الامكانات المالية الهائلة المتاحة لها الا بعد ظهور الاعلام الاسرائيلي المضاد الذي وضع "عقالاً " عربياً تمثل بجريدة القدس التي اصدرها عبد الباري عطوان 

* أقول ... بدأ الاعلام الاسرائيلي الذي تستر بعباءة عربية ممثلة بجريدة القدس  يدك بمدافعه الثقيلة النظام السياسي والاجتماعي في السعودية بشكل خاص ومصر وسوريا والسلطة الفلسطينية بشكل عام .... تارة تحت شعار"  الرأي والرأي المضاد " ومرات كثيرة تحت شعار " من حق المواطن ان يعرف " موفرا للكتاب الاسرائيليين  منابراعلامية عربية لم يحلموا بها من قبل كسروا من خلالها وبواسطتها الحاجز النفسي مع العرب وطبعوا مع رجل الشارع العربي رغم انفه واصبح ظهور مسئول اسرائيلي على شاشة فضائية عربية امراً  عاديا بخاصة عندما يتحدث الاسرائيلي باللغة العربية ... واصبح تخصيص صفحة يومية كاملة في جريدة عبد الباري عطوان لا يثير اية شبهة ( اقصد الصفحة رقم 9 ) وهي صفحة تحرر في تل ابيب وتفكس جاهزة الى عبد الباري .

* كثيرون يتحدثون هذه الايام عن امبراطورية الاعلام السعودي في اوروبا ممثلة بجرائد الحياة والشرق الاوسط وما يلحق بها عداك عن المحطات الفضائية التي تمطر علينا كل يوم وكان آخرها محطة (العربية) التي يمتلكها اولاد البراهيم ... لكن الكثيرين نسوا او تناسوا ان العراق كان السباق في بناء امبراطوريات اعلامية في الخارج لعبت دورا بارزا واساسيا في اخفاء جرائم صدام.... والتكتم على مقابره الجماعية.

* لعل الكثيرين يذكرون مجلة (الدستور) اللندنية الاسبوعية التي اصدرها " علي بلوط " في باريس عام 1977 قبل ان ينقلها الى لندن وبلوط هذا لبناني يتولى ابنه هذه الايام منصب الناطق الرسمي باسم محطة العربية وقد شغل من قبل المنصب نفسه في محطة الجزيرة

* مجلة الدستور كانت تحرر من مبنى المخابرات العراقية في بغداد وتمرر المقالات الى مكتبها في لندن عبر الملحق الصحافي العراقي انذاك ناجي صبري الحديثي الذي سلم المجلة لبعثي سوداني اسمه (شوقي الملاسي) حتى يخفي علاقة العراقيين بها ... ولصحافي لبناني اسمه (يوسف شويري) بينما تولى القيادة الشكلية للمجلة الناقد السوري خلدون الشمعة ... وفي هذه المرحلة افرزت المجلة عددا من اسفل الصحفيين العرب في بريطانيا على رأسهم غسان زكريا الذي تعلم العهر الصحافي على يد البعث العراقي قبل ان ينفصل عن المجلة ليصدر (سوراقيا).... فيمارس الدعارة الصحافية والابتزاز لحسابه الخاص بعد ان مارسهما لصالح المخابرات العراقية .

* كانت مجلة الدستور العراقية هي البذرة التي فرخت فيما بعد الصحافة العربية المهاجرة الى اوروبا والتي تدار باموال النفط العراقي ومن بعده السعودي والكويتي والاماراتي والليبي ... فسليم اللوزي صاحب مجلة "الحوادث" الذي اسس لصحافة (اشتم واقبض) نقل مجلته الى لندن لتكون بديلا للدستور ومع ان اللوزي الذي (قعد) يومها في حضن صدام وقبض منه حتى انسطل وانتهى مقتولا بالاسيد في بيروت على يد المخابرات السورية لم يترك مطلبا عراقيا الا ولباه ...الا انه لم يتمكن من هز عرش مجلة الدستور لان المجلة لم تكن مجرد مشروع صحافي بقدر ما هي (حزب) تم تكليفه بمهام التصدي للبعث السوري عربيا ومد نفوذ الحزب الى خارج العراق ... واعتمد صدام لتنفيذ هذا الهدف على بعثيين غير عراقيين كانوا من اعمدة القيادة القومية لحزب البعث العراقي منهم السوداني (بدر الدين مدثر) والسعودي (علي غنام) والفلسطيني (ناصيف عواد).


* اذا جاز لنا ان نرقم او نرتب الصحف والمجلات العراقية في اوروبا من حيث الاهمية فان مجلة (الوطن العربي) التي اصدرها وليد ابو ظهر في باريس تأتي في المرتبة الثانية بعد الدستور وابو ظهر وكيل شركة (باتا) في لبنان لم يكن في يوم من الايام صحافيا لكنه انتفع من شراكته لاخيه هشام ابوظهر صاحب جريدة المحرر اللبنانية ... فبعد موت هشام طار وليد ابو ظهر الى باريس واصدر (الوطن العربي) باموال عراقية وكان وليد ابو ظهر يومها الصحافي العربي الوحيد الذي يسمح له باجراء لقاءات مطولة مع صدام حسين وقيل يومها ان هذه (الحظوة) اكتسبها وليد ابو ظهر ليس لحرفيته كصحافي وانما لخفة دمه ولاعتماده اسلوب التهريج والتنكيت مما يجعل (قعدته) مسليه بخاصة لرجل مثل صدام.

* مجلة الدستور انهارت بعد الاسبوع الاول من حرب الخليج الثانية ومجلة (الوطن العربي) باعها وليد ابو ظهر  للسعوديين وتحولت الى منبر معاد للعراق ولسوريا قبل ان تفرخ جريدة في باريس اصدرها تابع لوليد ابو ظهر اسمه نبيل المغربي

* باقي الصحف والمجلات العربية في اوروبا كانت علاقتها بالمخابرات العراقية بين مد وجزر بخاصة وان هذه المجلات  تأتي في المرتبة الثالثة من حيث الاهمية بعد الدستور والوطن العربي وبالتالي كانت علاقات اصحابها مع النظام العراقي تتم عبر موظفين في جهاز المخابرات وليس عبر اتصال مباشر مع صدام.

* ففي باريس اصدر الصحافي اللبناني ياسر هواري مجلة (كل العرب) ... وفي لندن اصدر الصحافي اللبناني فؤاد مطر مجلة (التضامن). وفؤاد مطر - لمن لا يعلم - هو واضع السيرة الذاتية والحزبية لصدام حسين والتي اصدرها في مجلد فاخر يقع في 372 صفحة باللغة الفرنسية اولا ثم اصدر الطبعة العربية عام 1980

* ياسر هواري تعلم القوادة الاعلامية على اصولها في مجلة (الاسبوع العربي) اللبنانية قبل ان ينتقل الى (الديار) و (الحوادث) ويكتسب صفة (خبير) وهي الصفة التي دخل بها الى دبي ليؤسس جريدة (البيان) بعد ان وطد علاقته بحشر المكتوم .... ياسر هواري (الخبير) عاد الى باريس ليصدر مجلة باللغة الفرنسية وفؤاد مطر صاحب (التضامن) مر ايضا عبر الامارات ولكن كمدير تحرير لمجلة (الظفرة) وهي مجلة اسبوعية هزيلة تصدر عن جريدة الوحدة التي يمتلكها رجل امي في الامارات اسمه راشد بن عويضة ... و (الظفرة) هذه تولى تحريرها عشرات الاشخاص كان من بينهم عمال صيانة وشوفيرية باصات .... جنبا الى جنب مع اسماء معروفة مثل طلال حيدر وفؤاد مطر ومحمد محفوظ وغيرهم ... والطريف اني توليت ادارة تحريرها ايضا عام 1975 لمدة ثلاثة اشهر وتحت قيادة الصحفي المصري الكبير المرحوم محمود السعدني .

* علاقة فؤاد مطر بالمخابرات العراقية ليست سرا اذ يكفي ان تعرف ان اول واكبر واهم كتاب يروي سيرة صدام حسين كتبه فؤاد مطر وهو الكتاب الذي عمدت المخابرات العراقية الى طبعه عشرات المرات طباعة فاخرة ومجلدة ... ووزعته مجانا على 25 مليون مواطن عراقي!!!... نجاح فؤاد مطر في وضع سيرة حياة صدام حسين في كتاب لم ينعكس بالضرورة على مجلة التضامن التي ماتت بالسكتة القلبية بعد الاسبوع الاول من حرب الخليج الثانية وماتت معها ملاحق كانت تصدر عنها مثل ملحق (الرشاقة) وهي مجلة نسائية ومجلة (المعارض) وغيرها.


* اذا تصفحت اسماء الصحفيين العرب الذين قبضوا من صدام ستجد انهم بالمئات ... وتكاد لا تجد مجلة او صحيفة عربية واحدة آنذاك لم يقبض صاحبها من مخابرات صدام...فمجلة (فنون عربية) التي اصدرها الشاعر العراقي بلند الحيدري في لندن صددرت باموال المخابرات العراقية  قبل ان يتوقف الدعم عنها فيتحول الحيدري الى (معارض) تستكتبه مجلة المجلة السعودية.... والعجيب انه مات مناضلا !!

* في نفس هذه لفترة التي نشطت فيها المخابرات العراقية في اوروبا كانت عناصرها تعمل على تأسيس امبراطوريات اعلامية لها في دول عربية لعل اهمها الاردن ولبنان والكويت.

* في لبنان تم تكليف الصحافي اللبناني ( طلال سلمان) باصدار جريدة يومية تكون الناطق الاعلامي باسم العراق في بحر متلاطم من الصحف البيروتية المملوكة لعدة اجهزة مخابرات عربية ودولية. .... كان طلال سلمان يعمل في مجلة (الصياد) التي ارادت ان تحصل على جزء من الكعكة العراقية التي رأت انها توزع على خصومها ومنافسيها في الحوادث والمحرر والاسبوع العربي فلم تجد افضل من الصحافي اليساري الثورجي طلال سلمان لتبعث به الى بغداد فيفوز بلقاء صحافي مثير مع صدام حسين يعود على اثره من بغداد بمشروع عراقي لاصدار صحيفة يومية في بيروت ....ووفقا لما يقوله الصحفيون اللبنانيون فان اعضاء حزب البعث العراقي في لبنان اقنعوا صدام حسين بتحويل المنحة الى (رياض طه) لانه اقرب اليهم كما انه اكثر شهرة ونفوذا وكان يومها نقيبا للصحفيين اللبنانيين وهذا ما كان.... حيث قام رياض طه باصدار جريدته (الكفاح) بأموال عراقية وانتهى كما هو معروف قتلا على ايدي المخابرات السورية ... وكترضية لطلال سلمان سلمه رياض طه رئاسة التحرير لكن سلمان لم تعجبه اللعبة فطار الى طرابلس وهو يحمل مشروع جريدة يومية ليبية الهوى هذه المرة ونجح في اقناع معمر القذافي بالمشروع بخاصة وان لقاء طلال سلمان بصدام حسين اثار في حينه غيرة معمر القذافي الذي اغدق الملايين على الصحافة والصحفيين لعلهم يصنعوا منه (جمال عبد الناصر) طبعة ليبية منقحة.

* عاد طلال سلمان الى بيروت بميزانية كبيرة اصدر بها جريدة (السفير) التي لا زالت تصدر الى اليوم وتمثل موقف العقيد وجماهيريته العظمى اكثر مما تمثلها جرائد ومجلات العقيد الصادرة في طرابلس .

* في الاردن كان صدام يلعب على المكشوف ولا زالت سيارات المرسيدس التي اهداها الى رؤساء تحرير الصحف الاردنية من محمد العمد الى محمود الكايد الى نبيل الشريف انتهاء بسليمان عرار حديث رجل الشارع في الاردن ولا زال الصحفيون الاردنيون يدينون لصدام حسين بتمويل بناء ضاحية الصحفيين في عمان وظل شهر العسل بين صدام واقطاب الصحافة في الاردن معلنا الى ان وقع اول تصادم عراقي مع الحكومة الاردنية تولت بعدها المخابرات العراقية مهمة التنسيق مع الصحف واصحابها للعمل تحت الارض وقام بالجهد الرئيسي في عملية التنسيق الصحافي الفلسطيني الاصل الاردني الجنسية (خيري منصور) الذي كان يعمل موظفا في وزارة الاعلام العراقية بوظيفة جاسوس على العراقيين قبل ان ينتدب للقيام بالدور نفسه ولكن في عمان وقد عاد خيري منصور الى عمان في مهمة عمل ونجح في دخول دائرة الثقافة والفنون كموظف  لينطلق منها الى فضاء الصحافة في الاردن فيصبح كاتب (افتتاحيات) لعدة صحف ... ومنظرا سياسيا خطيرا يشار له بالحذاء ... ولعب الدور نفسه الدكتور علي جعفر العلاق الذي كان برتبة عقيد في المخابرات العراقية وسهل لهم المهمة خليل السواحري الذي اسست له المخابرات العراقية في عمان دار نشر!!!

* في الكويت ... كانت الصورة اكثر وضوحا فالصحفي الكويتي احمد الجارالله صاحب جريدة السياسة لم يكن يفارق بغداد ... وصدام حسين كان دوما مانشيتا في صدر الصفحات الاولى للجرائد الكويتية وتوجت بطولاته بقصيدة عصماء في مدح صدام كتبتها الشيخة سعاد الصباح والقتها في مهرجان المربد ... وكان مطلعها انا امرأة من جنوب العراق.

* يمكن القول ان المجلة الوحيدة التي ظهرت في لندن في تلك الفترة وكانت بعيدة عن المال العراقي رغم علاقة مؤسسها بصدام حسين هي مجلة (23 يوليو) ... فهذه المجلة التي اسسها محمود السعدني بالتعاون مع محمود نور الدين كانت مصرية خالصة وكان هدفها هو محاربة انور السادات وكنت انا وسميرة الخطيب  الوحيدين - من غير المصريين - اللذين يكتبان فيها ... هذه المجلة صدرت بجهود مصرية وبمنحة (سرية) مقدارها نصف مليون جنيه قدمها الشيخ سلطان القاسمي شيخ الشارقة المحسوب على (الناصريين ) والذي كانت تربطه علاقة صداقة مع صلاح السعدني لان الاثنين درسا في كلية واحدة ... وفي جامعة واحدة .

* خلال حرب الخليج الثانية وبعدها انهارت امبراطورية صدام حسين الصحافية وخرجت مجلات الدستور والتضامن وكل العرب من الساحة وتحولت ولاءات الوطن العربي والحوادث وغيرها الى خصوم صدام ليس لان " ابو ظهر " على قناعة بهم وانما لانهم دفعوا له اكثر  ..... ولا زالوا يدفعون


في المقال القادم
لماذا اصدرت اسرائيل جريدة القدس في لندن؟
وما حكاية الوثائق التي احتفظ بها حول هذا الموضوع
ولماذا اعتذرت عن تناول طعام العشاء مع عبد الباري
 في فرانكفورت الاسبوع الماضي
 ومع ذلك اتصلت به هاتفيا لما وصلت الى لندن؟