من مفكرة شاهد عيان
سلسلة مقالات كتبها أسامة فوزي وعقد فيها مقارنات بين حياة الناس
 في العالم العربي وحياة الناس في أمريكا وتغطي المقالات جميع جوانب الحياة
 بدءا بالتعليم والصحة والمواصلات والسكن وانتهاء بخدمات القمامة والزبالة في كلا العالمين.

( الحلقة العاشرة )
الخلاص الفلسطيني


* بعث الي صديق ثورجي برسالة يقول في بعض فقراتها :" اخي اسامة ... من يقرأ مقالاتك الاخيرة عن امريكا وحلاوة امريكا وعدالة امريكا وعظمة امريكا يظن انك وقعت في هوى امريكا ... وقد
يذهب ممن لم يعرفك مثلي الى ابعد من هذا فيظن انك اصبحت عميلاً لامريكا حاشاك اخي فمن عرفك - مثلي- صعلوكاً متمرداً شديد المراس في التمرد مقاتلاً جريئاً شديد المراس في القتال لا يمكن ان يصدق هذه التحولات في لغة الخطاب التي عرفناها عنك ... فما هي الحكاية ادامك الله وهل صحيح انك - في احدى مقالاتك وكما اخبرني صديقنا المشترك ابو عوني- دعوت الفلسطينيين الى القعود في احضان امريكا".


* وابدأ ردي على صديقي بالقول نعم ... اني ادعوهم الى ذلك واظن من الخبل في فهم الامور ان ادعوهم الى غير ذلك واذا لم تكن امريكا هي الحضن الذي يجب ان نقعد فيه فهل نقعد في حضن مشيخة زايد ... ام مشيخة قطر ... ام في حضن الملك عبد الله ... ام لعلك لا زلت تأمل في حضن بوتين الذي هو - هو نفسه- باع العرب وقضاياهم بفرنكين وقعد في حضن امريكا حتى يأكل الروس همبرجر امريكي !!


* نعم يا عزيزي ... لقد كتبت من قبل - كما اخبرك ابو عوني- ادعو الفلسطينيين الى القعود في الحضن الامريكي حتى لا يداسوا بالاقدام وتضيع فلسطين ويتحول الفلسطينيون في دول الشتات العربي - واصر على العربي- الى هنود وباتان وهو حالهم اليوم في دول الخليج لا بل ان صديقاً قضى في ابوظبي اربعين سنة من عمره قال لي يوم امس وهو يبكي على الهاتف ان الهنود والباتان والكوريين يتمتعون - في الامارات- بحقوق لا يتمتع بها الفلسطيني الذي قضى في الامارات - مثله- اربعين سنة والذي يمكن ان يطرد منها لو ارتكب مخالفة مرور!!


* نعم يا عزيزي ... انا ادعو الفلسطينيين الى السعي حثيثاً للقعود في الحضن الامريكي تماماً كما فعل عدوهم الصهيوني الذي يبذل الغالي والرخيص من اجل ابعاد الفلسطينيين عن الحضن الامريكي لانه يعلم ان امريكا - بخاصة الان- اصبحت القطب الوحيد والاوحد في العالم ومن يسعى الى نطاحها حمار!!


* انت تعلم يا عزيزي ان امريكا - وليست عبد الناصر- هي التي اجهضت العدوان الثلاثي على مصر حين وجه رئيسها انذاراً لفرنسا وبريطانيا واسرائيل بالانسحاب من منطقة القنال وسيناء ... يومها لم يكن لاسرائيل (لوبي) في واشنطن ... ويومها لم تقم دويلة اسرائيل باعلان الحرب على امريكا وانما قامت بوضع مخططات ذكية لترك الحضن الانجليزي الهرم الذي اوجد لها كيانها في فلسطين الى الحضن الامريكي بعد ان اكتشف فطاحل الحركة الصهيونية ان امريكا هي القطب الاعظم ونفذ الصهاينة مخططهم منذ عام 1956 في حين قعد عبد الناصر في حضن السوفييت فاكلنا - معهم- خرا!!


* واليوم وبعد مرور 48 سنة فقط على العدوان الثلاثي على مصر اصبح عشاق اسرائيل في امريكا اكثر من عشاق نانسي عجرم بين الحكام العرب في حين لم تجد اسرائيل في امريكا وتحديداً في الكونغرس الامريكي عام 1956 عاشقاً واحداً!!


* وكانت اسرائيل هي الفائزة من هذا العشق ... فقد شفطت ملايين المليارات من امريكا عداً ونقداً واسلحة واصبحت تمتلك جيشاً ترهب به العالم واسلحة نووية واصبح فيها نظام سياسي ديمقراطي يصل رئيسه الى الحكم عن طريق الانتخاب وليس على ظهر دبابة كما هو الحال في دولنا العربية ... واصبح دخل المواطن الاسرائيلي يعادل دخل 55 مواطن سوري رغم ان الاثنين في حالة حرب معلنة ... اصبحت اسرائيل بالنسبة للحكام العرب هي بابا وماما وهي انور وجدي ... اصبح الملوك والحكام العرب الراغبين بالتقرب الى امريكا والتزلف اليها - مثل القذافي مثلاً- يسعون الى كسب رضى الاسرائيليين اولاً في حين ان الفرصة كانت بعد 1956 متاحة لان يصل العرب الى الحضن الامريكي مباشرة ودون وسيط.


* نعم يا عزيزي ... لقد قلت للشعب الفلسطيني ان لا مصلحة له وهو شعب صغير ثلاثة ارباعه مشرد في الشتات العربي ويعمل سخرة ويعامل في دول الخليج كما العبيد ... لا مصلحة له في قتال امريكا وخصامها لان هذا يصب في صالح اسرائيل اولا وفي صالح الانظمة العربية التي تاجرت بقضيتنا وباعتنا وركبت على ظهورنا ولا تزال .... لا بل ان اسرائيل تسعى اليه لذا ترى - مثلاً- ان اسرائيل وبعد اوسلو سمحت لجميع المنظرين الفلسطينيين اليساريين الداعين الى الثورة على الامبريالية بالعودة الى الضفة الغربية ومواصلة دعاويهم في المدن والمخيمات لانه كلما زاد عداء وكره الشعب الفلسطيني لامريكا كلما زادت مداخيل اسرائيل منها وليس مصادفة - يا عزيزي- ان طائرات الاباتشي الاسرائيلية التي تقصف كل يوم بالصواريخ منازل مدنيين وفقراء في المخيمات لم توجه حتى يومنا هذا صاروخاً واحداً لمنزل مفكر او منظر ثورجي يساري من جماعة ماركس ولينين وحرب التحرير الشعبية!!


* لقد ركبت الانظمة العربية على اكتاف الفلسطينيين حتى قبل حرب 1948 وتاجروا بنا وبقضيتنا وسرقوا اراضينا واموالنا وجهودنا ..... ما معنى ان يتنكر (الخلايجة) لجهود مليون عامل وموظف فلسطيني بنوا دول الخليج طوبة طوبة ... وما معنى تنكر النظام الهاشمي في الاردن للفلسطينيين الذين بنوا عمان حجراً حجراً بعد ان كانت - قبل عام 1948 ووصول الفلسطينيين اليها - مجرد قرية تقع على "سيل" تشخ فيه دواب الرعيان!!


* الذين بنوا المدارس والمعاهد والجامعات في دول الخليج واداروها هم في اغلبيتهم من الفلسطينيين الذين تم طردهم بالجملة والقطاعي بعد غزو صدام للكويت وكأن الفلسطينيين هم الذين غزوا الكويت!!


* الملك عبدالله الاول لم يكتف بالتآمر مع اليهود على فلسطين فيسلم اليها اللد والرملة دون قتال كما ذكر المقدم عبدالله التل قائد الجيش الاردني في القدس في مذكراته بل سرق ما تبقى من الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وضمها الى الامارة اللقيطة التي انشأها له الانجليز وغير اسمها - من اسم فلسطين- لتصبح المملكة الاردنية الهاشمية بل وسعي جاهداً الى تغيير هوية الشعب الفلسطيني بفرض (البازبور) عليه فيصبح ابن عكا او يافا او نابلس (اردنياً)!!


* ايهما اولى ان اقول اني - اسامة فوزي- فلسطيني من ترشيحا احدى اجمل مدن الجليل الفلسطيني ام اردني من مواليد "مشخة" للاتراك اسمها "الزرقاء" ليس فيها من المعالم الحضارية التي اهلتها لان تصبح مدينة الا محطة لسكة حديد اقامها الاتراك ثم اقاموا بجانبها معسكراً للجيش سرعان ما احتله الانجليز وحولوه الى (مدينة)!!


* والدي وجدي كانا يتغنيان بطفولتهما التي قضياها في ربوع ترشيحا على كف الجليل الاخضر بين البساتين والبيارات وانا - لاني ولدت في مشخة الزرقاء- لا اجد ما اتغنى به لانه ليس في الزرقاء هذه الا معسكر للجيش وسكة حديد وسيل جففه الملك بالنفايات التي تكبها مصانع فوسفات هاملة لم تدخل الى ميزانية البلد حتى اليوم ديناراً واحداً!!


* عبد الله لم يكتف بسرقة الارض الفلسطينية وضمها الى امارته الهاملة واعادة تسمية الكيان الهجين باسم (المملكة الاردنية الهاشمية) قبل ان ينصب نفسه ملكاً عليها بل سرق جهود مليوني فلسطيني فتح لهم مخيمات ظلت تعيش في ظل حكمه غير الرشيد تحت حزام الفقر لولا مساعدات الامم المتحدة ومنظمة غوث اللاجئين فيها و (مص) عبدالله واحفاده دماء الفلسطينيين ليبني بها قصوراً مع انه لم يجد - عندما جاء الى عمان هارباً من السعودية- بيتاً يسكن فيه مع عشيقته الزنجية (ناهد) فنصب لها معسكراً من الخيام في ماركا.


* صحيح ان عبد الله مص ايضاً دماء ابناء شرق الاردن وعشائرها وسلب اراضيها واجر بعضها للوكالة اليهودية وحول الشعب الاردني الى شعب (شحاد) لا زال الى هذا اليوم يعيش على المساعدات والمنح النفطية والمالية التي تعطى له بعد الف مليون منّية من شيوخ الخليج ... الا ان وقع المأساة على الفلسطيني المقيم في المخيمات كان اكبر واشد لان الاردني - ابن شرق الاردن- كان يناضل من اجل لقمة العيش على ارضه وفي قريته التي عاش فيها اجداده قبل ان يلد الملك عبدالله في احد قصور الباب العالي في اسطمبول بينما ضيّع الفلسطيني جهده وماله في مخيمات لا زالت الى اليوم وبعد مرور 56 سنة على النكبة بدون مجاري ... وبدون مياه!!


* الكويتيون سرقوا الجهد الفلسطيني وتنكروا له والخليجيون عموماً فعلوا ذلك ... وفلسطينيو سوريا هم مواطنون درجة ثانية او ثالثة ويعيشون في مخيمات لا تعيش فيها الجرذان ... وحدهم فلسطينيو الشتات (الاجنبي) - مثل امريكا وغيرها- هم الذين اصبحوا مواطنين درجة اولى لهم هنا - في امريكا- الحقوق ذاتها التي لجورج بوش وعليهم الواجبات نفسها التي لجورج بوش ... هم - هنا- ليسوا مواطنين (بموجب المادة الثالثة) كما كان ممهوراً على جوازات سفرهم الاردنية ... المواطن الفلسطيني الامريكي لا تقوم الدنيا ولا تقعد لانه رشح نفسه لوظيفة في وزارة هامة في امريكا كما حدث مؤخراً في الاردن عندما اراد وزير الداخلية ان يعين في وزارته مستشاراً اعلامياً اردنياً (من اصل فلسطيني)!!


* نعم يا عزيزي ... كنت ولا ازال اقول: ما لنا - نحن الفلسطينيين- ولهذا (الخرا) العربي ولماذا نجلد انفسنا يومياً باسم العرب والعروبة ... لماذا يموت اطفال فلسطين دفاعاً عن الاقصى في اليوم نفسه الذي يدفع فيه الشيخ محمد بن راشد المكتوم ثلاثة ملايين دولار لشراء (جحشة) في مزاد امريكي وينفق الملك عبدالله الملايين في صالة للقمار في لاس فيغاس مع ان جده مسئول عن تسليم الاقصى لليهود والملك يحملنا يوميا " جميلة " بدعوى انه حفيد الرسول ... طيب يا " حفيد الرسول " .. لماذا لا تحرر الاقصى ؟ لماذا يكون الدفاع عن الاقصى مقصورا على اولاد القدس وعواجيزها؟


* لماذا لا يقوم الشيخ محمد بن راشد المكتوم بالدفاع عن الاقصى خاصة بعد ان تزوج حفيدة الرسول (الاميرة هيا)..... لماذا لا يدافع عن الاقصى الملك عبد الله؟ ... اليس هو الملك الذي يتبجح بمناسبة وبدون مناسبة انه حفيد الرسول ... تفضل يا حفيد الرسول وحرر الاقصى ان لم يكن بوازع عائلي باعتبارك حفيد الرسول - كما تزعم- فعلى الاقل لان والدك هو الذي سلم الاقصى لليهود!!


اما سؤالك عن اعجابي بامريكا فامره عجيب.


*
اذا كنت لا اعجب بدولة عظمى مثل امريكا فهل تريدني ان اعجب اذن بام القيوين ... ام مشيخة راس الخيمة التي لا زالت الى اليوم لا تعرف (مواسير الماء) رغم ان حاكم الدولة يدفع لشرموطة مقابل ليلة واحدة ما يكفي لبناء محطة تحلية مياه للامارة وسكانها.


* امريكا التي اعجب بها - يا عزيزي- ليست جورج بوش لان هذا لم يبق له في الحكم اكثر من شهر وحتى لو فاز برئاسة ثانية فمدتها لا تزيد عن اربع سنوات وليس اربعين سنة مثل القذافي.


* امريكا التي تعجبني - يا عزيزي-  هي الجامعات العملاقة والمستشفيات التي لا مثيل لها في العالم والكمبيوتر الذي تستخدمه الان لتشتم امريكا والانترنت الذي - لولا شاب امريكي اسمه بيل غيتس- لما عرفناه ... امريكا هي الطائرة التي نطير فيها والصاروخ الذي حمل اول حملة بشرية للمريخ والاجهزة الطبية الموجودة في مستشفياتنا ورغيف الخبز الذي يأكله العرب والذي يقدم لهم كمنح مجانية امريكية من القمح ...


* امريكا هي حرية الكلمة وحرية العبادة وحرية العمل ولا مجال - على الاطلاق- للمقارنة بينها وبين انظمة العهر والتخلف في العالم العربي.


* لقد قال لي زكريا تامر في شتاء قارس من شتاءات لندن في مطلع الثمانينات انه اوصى اولاده ان يدفنوه في الدولة التي منحته جنسيتها وآمنته من الخوف ووفرت له سبل الحياة الكريمة وانا - مثله- اوصيت اولادي ان يدفنونني هنا في امريكا حتى ولو كان في مزبلة لان هذا اشرف لي من ان ادفن في دول يحكمها رعاع وتعامل شعوبها كالابقار.


* هذا لا علاقة له ببوش وما فعله ويفعله بالعراق وفلسطين لان القاعدة الشرعية عندنا تقول :" كما تكونوا يول عليكم" والذين اوصلوكم الى اسفل سافلين هم الحكام العرب الذين وظفوا علاقاتهم بامريكا لخدمة عائلاتهم وزيادة عدد قصورهم وغلمانهم ونسوانهم وليس لخدمة شعوبهم ولا اظن ان امريكا ستكون ملكية اكثر من الملك ولا اظن ان جورج بوش سيشفق على مواطن اردني لا يجد ثمن رغيف الخبز ومع ذلك يدبك - في حفل طهور ابنه- على نشيد (هاشمي هاشمي)!!


* لا تصدق هيكل يا عزيزي في اطروحاته الاخيرة عبر محطة الجزيرة فهيكل هذا كان جزءاً من النظام الذي قعد في حضن السوفييت فأكل خازوقاً وفي عهد هيكل كان رئيس المخابرات صلاح نصر يغتصب بنات الجامعات ويصورهن في افلام يتم بيعها في بيروت من اجل العملة الصعبة كما ورد في ملفات التحقيق مع صلاح نصر قبل موته.


* والذين ظهروا مع هيكل في الحلقة الاخيرة للتنظير ضد امريكا لا يقلون عنه في جرمهم ... فعدنان ابو عودة - ضابط المخابرات السابق- كان احد ثلاثة اداروا من قصر بسمان مجازر ايلول بحق الفلسطينيين في الاردن وقد اعترف بل وتباهى بذلك رغم انه فلسطيني من نابلس ... والمدعو سعيد حارب لم يصل الى منصبه في الامارات الا بعد ان تزوج وزير التربية (الاخونجي) سعيد سلمان من اخته فصال سعيد حارب في الجامعة - التي اصبح اميناً عاماً لها- وجال حتى خرب ما كان صالحاً فيها وافرز لنا بمناهج زوج اخته ارهابيين من طرز مروان الشحي ... وغازي العريضي الذي كان ينظر من بيروت ... اليس هو الوزير الذي اغلق محطة تلفزيونية لبنانية العام الماضي!!


* اخي ... لنترك التنظير لمن هم من طراز هيكل الذي لا يحب شرب القهوة الا في مقاهي لندن ولنتحدث عن تجاربنا كبشر وهذا ما فعلته في الشهر الماضي حين تفرغت للكتابة عن تجاربي في المنطقة العربية التي عشت فيها 35 سنة وما يقابلها من تجارب التي اعيش فيها منذ 19 سنة.
لم الجأ في هذه ( المقارنات) الى التفلسف والتماحك وتحميل الامور اكثر مما تحتمل كما فعل هيكل عبر محطة الشيخ حمد وانما سردت - من واقع تجربتي- انماط الحياة هنا وهناك ... كيف يعاملك الشرطي هنا وكيف يعاملك هناك ... حقوقك على الزبالين هنا وحقوق الزبالين عليك هناك ... صحافة هنا وصحافة هناك ... نسوان هنا ونسوان هناك ... مساجد هنا ومساجد هناك .... فالى ان تظهر مقالاتي مطبوعة  هنا - لانها لن تنشر هناك- اليك مني الف تحية.

لقراءة باقي الحلقات انقر هنا