من مفكرة شاهد عيان
سلسلة مقالات كتبها أسامة فوزي وعقد فيها مقارنات بين حياة الناس
 في العالم العربي وحياة الناس في أمريكا وتغطي المقالات جميع جوانب الحياة
 بدءا بالتعليم والصحة والمواصلات والسكن وانتهاء بخدمات القمامة والزبالة في كلا العالمين.

( الحلقة الثانية )
عندما أقسمت أن " أشخ " على صورة الشيخ زايد في مطار ابو ظبي


* عملت بنصيحة صديقي السوري الذي يعمل في الامارات ويحمل الجنسية الامريكية وبدأت باتمام اجراءات الهجرة الى امريكا.


* كان قد تبقى لانتهاء السنة الدراسية اربعة اشهر لذا رتبت اموري للسفر بعد انتهاء السنة الدراسية
حتى لا احرم اولادي سنة دراسية كاملة قبل ان اسمع بقانون حلمنتيشي كان الشيخ زايد قد اصدره وملخصه ان من ينتهي عقده في العمل مع مؤسسات الحكومة عليه ان يغادر الدولة فوراً وان بقاءه فيها حتى انتهاء السنة الدراسية ممكن في حالة واحدة فقط وهي ان يدفع غرامة يومية قيمتها مائة درهم عن كل نفر في العائلة.


* ولان عائلتي مكونة من اربعة انفار فان هذا يعني ان ادفع يومياً 400 درهماً ولمدة اربعة اشهر كاملة ... اي ان مجموع الغرامة التي يجب ان ادفعها حتى ينهي اولادي مدرستهم ستصل الى 48 الف درهم وهو مبلغ لم اكن امتلك آنذاك ربعه لاني لم اكن اعمل في الامارات بوظيفة لص ... وانما كنت مجرد موظف بسيط يعلم ابناء الدولة ويربيهم ويساهم في جميع فعالياتها الاعلامية والثقافية وكانت جميع المهام الثقافية والادارية والتنظيمية التي قمت بها بتكليف من الدائرة الثقافية في الشارقة تتم مجانا - على حسابي - وهو ما دفع صديقي الشيخ المرحوم احمد القاسمي رئيس الدائرة الى منحي ثلاث شهادات تقدير باسم الدائرة سلمت الي في احتفال عام .


* كنت بين خيارين ... بعد عشر سنوات من الخدمة في الامارات ... فاما ان احرم اولادي سنة دراسية كاملة ... واما ان ادفع 48 الف درهم ... واخترت الخيار "الاول" لاني لم اكن املك مبلغ الغرامة من ناحية ولان دولة حقيرة تطلب مني "فدية" مالية في مقابل ان ينهي اولادي سنتهم الدراسية وبعد ان خدمتهم عشر سنوات كاملة لا تستحق ان ابقي فيها ثانية واحدة..... لذا قررت السفر فوراً واقسمت ان " اشخ " على صورة الشيخ زايد في قاعة الترانزيت في مطار ابو ظبي ولم اتمكن من الوفاء بقسمي لان صورة الشيخ كانت معلقة على السقف" وبربيشي" لم يصل اليها .

* الطريف ان مروري عبر نقطة الجوازات كان في الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً مما يعني انه بقي لي نصف ساعة للدخول الى يوم جديد تبدأ فيه عقارب الساعة بحساب مبلغ الغرامة " الفدية " ... ولما اشار موظف الجوازات الى ذلك قلت له:  عجل اذن بختم جوازي لاني اكثر منكم شغفاً بمغادرة جنة عدن ... وكانت المفارقة عندما اكتشفت ان الضابط المسئول عن مكتب الجوازات  كان احد طلابي ! ولما اخذ الشاب يعتذر وهو يضغط على يدي خجلا قلت له : هون عليك ... فأنا اعلم انكم مسلوبو الارادة ولا حول لكم ولا قوة في وطنكم الذي يدار كما تدار اسطبلات الخيول في مزارع الشيوخ .


*  بعد طيران دام 12 ساعة متواصلة وصلت الى مدينة هيوستن في ولاية تكساس ... كانت نقلة كبيرة جداً بين مجتمع عربي بدوي متخلف في كل شيء ومجتمع يسير بدقة عقارب الساعة ... مجتمع يعرف فيه المواطن الامريكي والمقيم الاجنبي " الوافد " او " الاينبي " - بالمصطلح الاماراتي - ما له وما عليه .

* تم انهاء معاملتي بسرعة وقال لي موظف الجوازات في مطار هيوستون الدولي " ويلكم هووم" ... كانت تلك العبارة التي سمعتها لاول مرة في حياتي دافعا لان  اعود بالذاكرة الى استرجاع مواقف مماثلة في جميع مطارات الدول العربية التي زرتها بما فيها مطار عمان التابع للدولة التي كنت احمل جنستها ... وآخرها كان في مطار صنعاء عندما دفعت اكثر من ثلاثين رشوة حتى اتمكن من تأكيد الحجز على تذكرة السفر رغم اني كنت يومها - في صنعاء- مدعواً لحضور مؤتمر ادبي!!


* موظف الجوازات في مطار هيوستن لم يسألني اكثر مما هو مذكور في بطاقة الدخول... لم يكن وقحا وجافا وسافلا كما هو الحال مع جميع موظفي الجوازات في المطارات العربية  ... لم يكن يجلس في غرفة زجاجها اسود لا تراه عبرها كما هو الحال في المطارات العربية ... لم يتحدث معي بلغة فيها نبرة ابتزاز واحتقار ... لم يسألني "شو دينك" و "اين كنت" و "وين رايح" ... ولم يسالني "شو جايبلنا معك خيو" - كما حدث معي في مطار دمشق- ... ولم يطلب مني رشوة ... لم يغمز العتال حتى يحمل لي الشنطة مقابل عشرة دولار لانه لا يوجد اصلاً " عتالون " في المطار ... كانت القاعة مزودة بعربات مجانية مريحة لنقل الامتعة .


* خلال اسبوع واحد من وصولي الى مدينة هيوستن تمكنت من استئجار بيت مريح واستصدار رخصة قيادة وتوصيل الكهرباء والماء ... وفتح حساب في البنك وشراء سيارة .... كل هذه الامور تمت عبر الهاتف .... لم اضطر الى مراجعة دوائر حكومية والاصطفاف في الطوابير امام مكاتب شركات الكهرباء او الماء ..... واستصداري لرخصة القيادة استغرق اقل من نصف ساعة في حين احتجت - في الامارات- الى خمس سنوات كاملة لاستصدارها ... ولما اراد الدكتور عيد دحيات استصدار رخصة قيادة في مدينة العين الاماراتية - وكنت شاهداً على الواقعة- حولوه الى موظف ليختبره ... كان الموظف لا يحسن كتابة اسمه ... في حين كان الدكتور دحيات منتدباً لجامعة الامارات وقد علمت ان هذا الموقف الذي تعرض له هو الذي دفعه الى الغاء عقده مع الجامعة والعودة الى الاردن حيث علمت فيما بعد انه اصبح وزيراً.


* اما اكثر ما اعجبني خلال هذا الاسبوع في مدينة هيوستون هو قدرتي على تركيب خط هاتفي خلال خمس دقائق فقط في حين كان صديقاً لي في دمشق قد قدم طلباً لتركيب هاتف في منزله منذ عام 1969 ... ولم يحصل عليه بعد.


* وتفرغت لموضوع اطفالي الذين حرموا من مدرستهم في الامارات وبدأت ابحث عن عنوان المنطقة التعليمية الاقرب الى مكان سكني والمدارس التابعة لها حتى اقوم باتمام اجراءات تسجيل اولادي في العام القادم واعتبرت ان حرمانهم من سنة دراسية كاملة بسبب عجزي عن دفع " الفدية " للشيخ زايد يستحق الثمن الذي دفعته  وهو اتخاذي قرارا نهائيا بتطليق العالم العربي طلاقا كاثوليكيا بائنا بينونة كبرى .


* اتصلت هاتفياً بالمنطقة التعليمية ... ولا يمكن ان انسى الحوار الذي دار بيني وبين الموظفة المختصة التي ردت علي وهو حوار يبين حجم الهوة بين مجتمع "الاعراب" و "ناكري الجميل" الذي انتقلت منه الى مجتمع الناس الذين تصورهم صحفنا وتلفزيوناتنا العربية على انهم "وحوش" و " كفار " .


* وفيما يلي نص الحوار الذي لا زلت اذكر كل كلمة فيه وكأنه حدث يوم امس:
-الو
-الو
-انا اسمي اسامة فوزي اسكن في منطقة (...) ما هي اقرب مدرسة ابتدائية لكم في هذه المنطقة؟
- مدرسة الكسندر
- متى يبدأ التسجيل فيها للعام القادم؟
- في شهر آب القادم
- ما هو مطلوب مني لتسجيل اولادي فيها
- كم ولد عندك؟
- اثنان
- واين هما الان؟
- في البيت
- ما هو عنوان بيتك؟
- عنواني هو ....
- ما هو رقم هاتفك؟
- رقم الهاتف هو ....
- اسمع يا سيد اسامة ... لا يحق لك الابقاء على الولدين في المنزل.... التعليم للاطفال اجباري والاولاد يجب ان يلتحقوا فوراً بالمدرسة ... ساعطيك مهلة 24 ساعة لاحضار الاولاد الى المدرسة والا ساضطر الى الاتصال بالشرطة.
- ولكني وصلت الى هيوستن قبل اسبوع واحد فقط وليس معي اية وثيقة تخص الولدين وقد فهمت منك انه بقي للسنة الدراسية شهر واحد فقط فكيف سيقبل الاولاد في المدرسة؟
- حتى لو بقي يوم واحد في السنة الدراسية ... الاولاد يجب احضارهم فوراً الى المدرسة ... والاوراق التي تشير اليها يمكنك تأمينها لاحقا... احنا مش مستعجلين  .... كل ما هو مطلوب منك ان تقوم بتطعيم الولدين قبل احضارهما الى المدرسة.
- واين تتم عملية التطعيم؟
- في المكان الفلاني والتطعيم مجاني
- ومن سيعيد الاولاد الى المنزل من المدرسة؟
- عندما تسلم الاولاد للمدرسة ستقوم الناظرة باخبارك عن رقم الباص الذي سيقل اولادك الى المدرسة وسيعيدهم ومواعيد مرور واماكن وقوفه في حارتكم
- كم احضر معي من رسوم للمدرسة وللباص
- من الواضح يا سيد اسامة انك جديد في امريكا ... المدارس مجانية ... وخدمات الباص مجانية
- شكراً
- شكراً ... ولا تنسى ما قلته لك ... معك 24 ساعة فقط وسوف تجد ناظرة المدرسة في انتظارك

* وكانت الناظرة السيدة جيسن بانتظاري فعلاً.... فقد تلقت اشعاراً بالحالة من المنطقة التعليمية ولم تستغرق عملية تسجيل الاولاد في المدرسة اكثر من عشر دقائق ... وانفض السامر.


* في الامارات - التي عملت فيها مربيا ومدرسا - لم اتمكن من تسجيل اولادي في المدارس الحكومية رغم اني كنت اعمل في وزارة التربية... فالمدارس الحكومية فقط على الاماراتيين وعلى الوافدين "العرب" امثالي ان يدخلوا اولادهم الى المدارس الخاصة المملوكة للشيوخ ولكبار المسئولين في وزارة التربية واسعار هذه المدارس تزيد عن ضعفي اسعار اية جامعة امريكية في حين انها لا تحتوي الا على غرف سيئة التجهيز ومقاعد خشبية صممت لكسر ظهور الاولاد وهيئة تدريسية يتم اختيارها من مدرسي الصنف الثاني او الثالث ممن لم يقبلوا في المدارس الحكومية.


* حتى عام 1979 كانت المدارس الحكومية في الامارات متاحة للجميع قبل ان يكتشف الشيوخ اهمية بزنس المدارس الخاصة لرفد ارصدتهم في البنوك لذا اصدروا قرارات تمنع اولا الكلب "الوافدين" وخاصة من العرب من الدخول الى المدارس الحكومية ولم يتأثر بهذه القرارات الوافدون الهنود او الكوريون او السيخ او البلوش او الانجليز او اي من الجنسيات الاجنبية الستين التي تعمل في الامارات لان لهؤلاء اصلاً مدارسهم ومعابدهم وكنائسهم الخاصة.


* وكيل وزارة التربية الايراني الاصل الامرد راشد عبدالله طه الذي كان يلاط به في مكتبه كان اول من اسس مدرسة خاصة في الشارقة شاركه فيها نائبه عبد اللطيف الصالح - وهو فلسطيني الاصل للاسف- واصبحت كل قرارات وزارة التربية المتعلقة بالتعليم الخاص تفصل لخدمة وكيل الوزارة ومدرسته الخاصة ودخل "البزنس" وكيل وزارة الاعلام الايراني الاصل ايضاً عبد الله النويس حيث انشأ هو الآخر مدارس خاصة شاركه فيها معاونة ابراهيم العابد - وهو ايضاً فلسطيني- وظلت الشركة قائمة الى ان فسخها النويس بعد طلاقه من زوجته عبلة هريدي .... واتهامه لمعاونه ابراهيم العابد بالسرقة والاحتيال!!


* كان المواطن العربي الوافد الى الامارات يدفع ربع مرتبه للمدارس الخاصة والربع الآخر للسكن - واصحاب العمارات كلهم من الشيوخ والحكام- وما تبقى بالكاد يكفي للاكل - وظلت الحالة قائمة على هذا النحو الى ان تفتقت عبقرية الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم وزير المالية عن خطة لشد الحزام بعد ان عانت الدولة من ازمة في السيولة سببها سرقة الشيوخ لعوائد النفط وتهريبها الى البنوك الاجنبية في الخارج او استثمارها في مشروعات سياحية او في اسطبلات الخيول كما فعل الشيخ نفسه مع اخيه محمد بن راشد المكتوم .

*  كانت خطة "شد الحزام" التي وضعها الشيخ وزير المالية تتلخص في خفض مرتبات العرب الوافدين العاملين في مؤسسات الدولة الى النصف ومن لا يوافق يتم ترحيله من الدولة واستبداله بمن يقبل بهذا العرض.... لقد كنت شاهدا على عشرات الماسي التي نجمت عن قرار الشيخ والتي فرقت اسرا عربية من سوريا ومصر والسودان وفلسطين وغيرها ... والطريف ان الشيخ الذي اصدر هذه القرارات " لشد الحزام " طار بعد اسبوع واحد من اصدارها الى بريطانيا ليشترك في مزاد اشترى خلاله عشرات البغال الاصيلة بمبالغ كانت تكفي لحل ازمة السيولة في المشيخة.


* في كل دول العالم "المحترم" هناك حدود ادنى للمرتبات لا يجوز مسها تحت طائلة القانون كما هو الحال في امريكا ... فهنا تجبر المؤسسات والشركات العامة والخاصة على تعليق" بوستر" يذكر العاملين بحقوقهم على رب العمل ومنها ان لا يقل اجر العامل في الساعة عن سبعة دولارات وكلما امضى العامل- مهما كانت مؤهلاته- سنوات اطول في عمله زادت اجوره وتضاعفت مكافآته وتحسنت امتيازاته من التأمين الصحي الى حقه في الحصول على اسهم في الشركات التي يعمل فيها .... وليس سراً ان معظم الموظفين العاملين في الشركات العملاقة - مثل ميكروسوفت- يملكون اسهماً فيها وبالتالي يحرصون على نجاح شركتهم وتطورها.


* في الامارات وقبلها في الاردن لم اسمع يوماً ان موظفاً في الحكومة قد ربطته مع الجهة التي وظفته عقوداً وانا كنت واحدا من هؤلاء الموظفين ورغم اني عملت ثلاث سنوات في وزارة اردنية وعشر سنوات في وزارات وشركات ومؤسسات اماراتية - بما فيها جامعة الامارات وتلفزيون دبي- الا اني لم اوقع يوماً عقداً مع هذه الجهات .... كانت العلاقة معها من طرف واحد فقط هو طرف الجهة التي اعمل فيها .... هي التي تقرر مرتبي وهي التي تقرر مكان عملي وهي التي تقرر اليوم والساعة والدقيقة التي تطردني فيها من الوظيفة دون ابداء الاسباب ولما قررت عام 1974 الاستقالة من وزارة التربية في الاردن لم تكتفي الوزارة برفض طلبي وانما وزعت اسمي على مراكز الحدود والمطارات لمنعي من السفر والقاء القبض علي بتهمة "الانقطاع عن العمل" ولكني انقطعت عن العمل رغم انف الوزير .... وهربت من الاردن رغم انف ضباط المخابرات في المطار بل وعدت بعد عام الى الاردن رغم وجود اسمي على الحدود ولم تكلفني الحكاية يومها - حتى يتجاهل الموظف وجود اسمي في ملفات المطلوبين "لانقطاعهم عن العلم" - الا رشوة مقدارها خمسة دنانير .... وبطانية!!!


* اما تفاصيل هذه الحكاية ... فسأرويها لكم في الحلقة القادمة.

لقراءة باقي الحلقات انقر هنا