من مفكرة شاهد عيان
سلسلة مقالات كتبها أسامة فوزي وعقد فيها مقارنات بين حياة الناس
 في العالم العربي وحياة الناس في أمريكا وتغطي المقالات جميع جوانب
 الحياة بدءا بالتعليم والصحة والمواصلات والسكن وانتهاء بخدمات القمامة والزبالة في كلا العالمين.

( الحلقة الاولى )
لهذا السبب هاجرت الى أمريكا؟
Sunday June 21, 2015

 


* طلب مني احد الاصدقاء ان اعقد له مقارنة بين الحياة في امريكا والحياة في العا
لم العربي بخاصة واني عشت 25 سنة في الاردن و 10 سنوات في الامارات واقيم في امريكا منذ عام 1984 هذا عدا عن زياراتي السابقة الخاطفة لمعظم الدول العربية عدا عن اوروبا ... وبالتالي - وفقا للصديق - لا بد وان اكون قد خرجت بخبرة خاصة عن طبيعة الحياة والعمل في هذين المجتمعين المختلفين تماما في كل شيء  بعيداً عما ينشر في الصحف والمجلات من موضوعات عن هذا الموضوع تكون في الغالب مكتوبة كردود فعل لمواقف سياسية او كمحصلة لصراع ديني وحضاري بين الشرق والغرب.

ولان المثل الشعبي العربي يقول :" الحكي مش زي الشوف " فاني اعترف ان معلوماتنا عن المجتمع الامريكي كانت مستقاة مما تنشره الصحف العربية ومن الافلام السينمائية الامريكية فضلا عن بعض الكتب المترجمة الى اللغة العربية ... وأقر ايضا ان الانظمة العربية واجهزة اعلامها نجحت في توظيف علاقة الشرق بالغرب لصالحها عندما لعبت على الحبلين وعزفت على الوترين .... واخر مثال هو ما نشرته جريدة "الاتحاد" التي تصدر عن وزارة الاعلام في الامارات ضد السياسة الامريكية في المنطقة وضد بوش شخصيا مع ان شيوخ ابو ظبي ومن خلال جهاز المخابرات الاماراتي لعبوا دورا في التوغل الامريكي العسكري في المنطقة .... كما ان اولاد الشيخ زايد يحجون بشكل دوري الى البيت الابيض لتقديم ايات الولاء والطاعة ولا يمنحهم الرئيس الامريكي في احسن الاحوال اكثر من خمس دقائق من وقته تكون كافية لالتقاط الصور التذكارية ... مما يعني ان ما تنشره اجهزة اعلام المشيخة عن امريكا وضدها هو فقط للاستهلاك المحلي وممارسة الضحك على اللحى واستهبال المواطنين في مشيخات يعامل فيها المواطنون كما تعامل الحمير في اسطبلات الشيخ محمد بن راشد المكتوم مع ان البرنامج الوثائقي الاخير عن اسطبلات الشيخ والذي عرض في امريكا يبين ان معاملة الشيخ لحميرة وبغاله افضل بمليار مرة من معاملته لبني البشر وهذا ينسحب على مواطني الدول العربية الاخرى مع تفاوت بسيط في بعض الحالات واتفاق تام بين الحكام العرب على ان البيت الابيض هو الكعبة التي يتم الحج اليها حفاظا على كرسي الحكم .


* لأبدأ اذن حكايتي من عام 1984 وتحديداً منذ الشهر الاخير الذي قضيته في الامارات قبل ان اطير الى امريكا مهاجراً وسأعود لاحقاً الى الاعوام التي سبقت عام 1975 اي الى فترة اقامتي ودراستي وعملي في الاردن.


* ولأعترف اولاً ان صديقاً سوريا عمل معي في الامارات هو الذي نصحني بالهجرة الى امريكا خاصة وان الرجل كان قد انهى دراسته في امريكا واولاده يحملون جنسيتها وقد ن
صحني بذلك بعد ان تابع معركتي الصحفية مع وزارة التربية والتعليم في الامارات وبالتحديد مع العناصر التي كانت تسيطر على تأليف الكتب والمناهج المدرسية وهي عناصر اخوانية معروفة ومنها قيادات من تنظيم الاخوان المسلمين الدولي .


* كنت في ايامي الاخيرة في الامارات اعمل مسئولاً عن قسم الاعلام في ادارة المناهج والكتب المدرسية وكنت بالتالي مطلعاً على مؤامرة تنفذها جماعات "اصولية" مرتبطة بالتنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين ولها مراكز عليا في وزارة التربية مثل عبد الله راشد طه وكيل الوزارة وسعيد سلمان وزير التربية وعدد من ابرز الموجهين التربويين في الوزارة حيث كانت هذه الجهات قد بدأت بوضع مناهج وكتب مدرسية جديدة تكرس مفاهيم التنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين وكان يشارك في المؤامرة اسحق الفرحان احد قادة الاخوان في الاردن وقد نجح التنظيم في وضع مراهق اماراتي من ابناء شيوخ راس الخيمة على رأس دائرة المناهج المدرسية وهو الشيخ سلطان بن كايد القاسمي ... وقطعت المؤامرة مسافة بعيدة في نسف المناهج والكتب المدرسية الموجودة والتي وضعتها لجان كويتية مصرية مشتركة في عهد عبد الناصر ووضع كتب ومناهج جديدة تدعو الى السخرية.


* يومها ... فتحت النار على المناهج والكتب المدرسية في سلسلة مقالات ساخرة ولكنها موثقة زادت عن الثلاثين نشرتها في جريدة الخليج الاماراتية الواسعة الانتشار والتي تصدر في الشارقة وادت مقالاتي الى ضجة كبرى في الامارات خاصة واني حرصت على اعتماد اسلوب السخرية في تناول الكتب المدرسية الجديدة مع نقدها والاشارة الى "المساخر فيها" بموضوعية ورد القراء الى اسم الكتاب ورقم الصفحة التي تضمنت تلك " المساخر " وبانتهاء نشر المقالات الثلاثين تحولت وزارة التربية والقائمين عليها وكتبها الى نكتة يتندر عليها الناس في مجالسهم وزاد الطين بلة انضمام عدد من الكتاب والصحفيين الى المعركة لدعم موقفي كان منهم احمد القطان واحمد الجمال وشمس الدين الضعيفي ... بل وتبنت جريدة " الوطن " الكويتية الهجمة من خلال محررها وليد ابو بكر الذي اشار الى الفضيحة بخاصة وان المناهج والكتب المدرسية التي تعرضت للمجزرة كويتية المصدر .

 * وانتقلت الفضيحة الى شاشة التلفزيون من خلال سلسة برامج شاركت في بعضها قبل ان يتنبه الشيوخ الى خطورتها فتم ايقافها... الامر الذي ادى الى احراج وزارة التربية والقائمين عليها بخاصة وان اساطين الوزارة من الموجهين ومؤلفي الكتب الجديدة لم يتمكنوا من الرد على مقالاتي او حواراتي عبر التلفزيون ... وبعض ما نشر لهم من ردود لم يكن مقنعاً للقراء الامر الذي عزز موقفي وتحولت وجهة نظري الى رأي عام شعبي سانده طلبة المدارس انفسهم الذين اكدوا الكثير مما ورد في مقالاتي لانهم ببساطة الجهة الوحيدة التي تجبر على قراءة هذه الكتب و "بصمها" و" الامتحان " بها.


* وبعد ان غلب حمار الوزير  (فرج المزروعي) الذي كان زميلاً لي في الجامعة الاردنية وطرد منها بعد رسوبه في السنة الاولى في جميع المواد اصدر الوزير قراراً بتحويلي الى لجنة تحقيق بصفتي احد موظفي وزارته من باب ان نشري لمقالات ضد الوزارة التي اعمل فيها يخالف قانون الوزارة وقد ادى هذا القرار الغبي خاصة بعد ان نشرته الصحف الاماراتية الى ردة فعل عكسية من باب ان كاتب المقالات الذي نبه الى الاخطاء والمساخر في الكتب المدرسية يجب ان يكافئ على جهده لا ان يحول الى التحقيق وان الذين وضعوا هذه الكتب وزوّروا فيها وقبضوا ملايين الدراهم نظير جريمتهم هذه هم اولى بالاحالة الى التحقيق ... وقام الوزير فعلاً بالغاء اللجنة .... واكتفى باصدار قرار بنقلي من وظيفتي كرئيس لقسم الاعلام في دائرة المناهج الى مدرسة ابتدائية نائية في دبي ... كان من الواضح ان الوزارة اعلنت عليّ الحرب وانها تجهز نفسها لتنجير خوازيق لي مع نهاية العام الدراسي قبل ان يدخل على الخط صديقي الدكتور محمد نوري شفيق وزير التربية السابق في الاردن ومدير جامعة الامارات الذي وبمجرد الاعلان عن انهاء خدماتي في وزارة التربية اصدر امراً بتعييني مستشاراً اعلامياً له في الجامعة.


* كان معروفاً عن الدكتور نوري شفيق انه اقوى مدير تولى ادارة جامعة الامارات التي كانت يومها الجامعة الوحيدة في الدولة لانه وصل الى منصبه عن طريق الانتداب ... فبعد تورط الجامعة في فضائح مالية وادارية بسبب مديرها السابق الدكتور عز الدين ابراهيم احد مطارزية الشيخ زايد قام الشيخ زايد بزيارة الاردن وطلب من الملك حسين ان يرشح له مديراً اردنياً للجامعة يضبط التسيب العلمي والمالي والاداري فيها فبعث الملك اليه بمحمد نوري شفيق الذي وافق على العمل بعد ان اشترط صلاحيات كاملة .


* جميع قرارات الدكتور محمد نوري شفيق كانت تنفذ دون نقاش لان هذا كان اهم شروطه التي وضعها قبل الموافقة على العرض الاماراتي على خلاف سابقيه من مسئولين ومدراء ممن كانوا يقدمون طلبات توظيف ويتم التعامل معهم كموظفين وكان - في تلك الحقبة - اصغر موظف "مواطن" في الجامعة قادراً على الغاء او وقف او تعطيل اي قرار يمكن ان يتخذه مدير الجامعة ... او عميد احدى الكليات من العرب الوافدين حتى لو كان " بروفيسورا في علم الذمرة ".


* الحكاية مع الدكتور محمد نوري شفيق اختلفت وكان اكبر رأس في الجامعة من المواطنين - مثل الامين العام للجامعة- لا يجرؤ على الدخول الى مكتب الدكتور نوري شفيق الا باستئذان مسبق.


* قرار الدكتور محمد نوري شفيق بتعييني مستشاراً صحفياً في الجامعة كان هو القرار الوحيد الذي رفض له بل وكان سبباً في طرده من الجامعة بعد اشهر قليلة من مغادرتي الامارات الى امريكا .... فقد قام رئيس الجامعة الشيخ نهيان بن مبارك ابن عم الشيخ زايد وبطلب من وزير التربية فرج المزروعي الذي اعتبر قرار مدير الجامعة تحدياً لوزارة التربية بنقل المشكلة الى الشيخ زايد رئيس الدولة شخصياً من باب ان اسامة فوزي ليس مواطناً وان مقالاتي تضمنت سخرية من مؤسسات الدولة ومن شيوخها خاصة واني كنت يومها اكتب اربع زوايا يومية في اربع صحف ... واستجاب الشيخ زايد فعلاً لهذه الضغوط وتم الغاء قرار الدكتور شفيق وبدأ العد التنازل للانتقام مني على اعلى المستويات .


* التقيت يومها في احد شوارع دبي بصديقي السوري بعد سنوات من الفرقة وكان الصديق متابعاً لمعركتي مع المناهج والكتب المدرسية ومع الوزارة والوزير وكان يعلم بقرارات التحقيق والطرد الى ... الخ وفاجأني بسؤال ونصيحة.


سألني : لماذا لا تهاجر الى امريكا؟


قلت له: وما علاقة هذا بمعركتي مع العصابة التي تدير الوزارة وتؤلف كتبها؟


قال: لانك لو كنت مدرساً او موظفا في مدرسة امريكية واثرت مثل هذه القضايا التي تتعلق بالمناهج والكتب المدرسية وبهذه الدقة والموضوعية والشمولية لتحولت الى بطل قومي ولشكلت لجان تحقيق من قبل الكونجرس نفسه ولتحولت الى "ستار" على شاشات المحطات التلفزيونية وعلى صفحات الجرائد ... وليس - كما حدث لك هنا- من قبل هؤلاء "الاعراب" الذين لا يريدون ان يسمعوا غير كلمات النفاق والدجل.


واضاف ... انت بصراحة خسارة في هذه الدولة ... هاجر الى امريكا ولن تندم.


* وهاجرت الى امريكا ... وبعد اسبوع واحد فقط من وصولي الى ولاية تكساس في شتاء عام 1984 وقعت لي حادثة جعلتني اشعر بأول فرق بين الانسان الذي يعيش ويعمل في الدول العربية .... ونفس الانسان عندما ينتقل الى العيش والعمل في امريكا ... سأرويها لكم في الحلقة الثانية.

لقراءة باقي الحلقات انقر هنا