* كتب : أسامة فوزي


* تابعت على مضض برنامجاً فضائياً حوارياً ساخناً شارك فيه " محلل اقتصادي وسياسي" عربي كان يتحدث عن  قرب انهيار الامبراطورية الامريكية اقتصادياً .... واخذ " المحلل " يورد ارقاماً عن ال "دفست" وعن الديون والتضخم وتراجع الاقتصاد الامريكي وانهيار الدولار حتى اصابني المحلل بالرعب لاني - بلا فخر- مواطن امريكي والمحلل العربي يتحدث عن الدولة التي اعيش فيها واحمل جنسيتها.

 * ولاني مهدد بالجوع والعطش والتشرد وفقاً لتحليلات " الخبير الاقتصادي العربي" باعتباري اعيش في امريكا فقد سارعت الى السؤال عن جنسية " الخبير الاقتصادي العربي" فقالوا لي انه "سوري" من " حمص " .... وانه يحلل الوضع الاقتصادي في امريكا من " دمشق " حيث يعمل " محللا " في الجامعة .


* دفعني الفضول الى معرفة المزيد عن " المحلل الاقتصادي العربي " فسارعت الى الاتصال باستاذ في جامعة دمشق ومنه علمت ان المحلل المذكور "عايف طيزه" وان مرتبه لا يزيد عن 250 دولاراً وانه يعيش في شقة سكنية متواضعة في مجمع سكني تابع للجامعة اشتراها المحلل على اقساط سيظل يدفعها لاكثر من اربعين سنة ... وعلمت ايضاً ان "المحلل" يتنقل من والى الجامعة بالباصات وكثيراً ما يشاهد وهو " يتعربش " في احداها لان مرتبه لا يسمح له بركوب سيارات الاجرة ... وعندما " يطبشها " يطلب من جاره الحلاق ان يوصله الى الجامعة بسيارة " نصف نقل " من نوع " سوزوكي " ... وقيل لي ان "المحلل" قدم طلباً للحصول على تأشيرة هجرة الى امريكا ولم يوفق في الحصول عليها ... ولكني لم اتمكن من معرفة السر في ان " المحلل " يريد الهجرة الى دولة يقول هو ان شعبها سيموت من الجوع بين لحظة واخرى بسبب ال " دفست ".


* مشكلة " المحللين " العرب الذين تقدمهم لنا الفضائيات العربية كحبراء  انهم يقيسون الاوضاع الاقتصادية في دولة عظمى مثل امريكا بمسطرة تستعمل لقياس الحالة الاقتصادية في بلدانهم ويخلصون بالتالي الى ذات النتائج والتوقعات دون ان يدركوا حجم الاختلاف بين دولة عظمى مثل امريكا يأكل شعبها يوميا "بطاطا"ً بمئات الملايين من الدولارات على سبيل التسلية .... وبين الشعب السوري الذي حرم هذا العام من اكل البندورة لان احد السدود قد انهار بسبب "همالة" المهندس الذي صممه وبناه!!


* الارقام الفلكية للاقتصاد الامريكي يبدو انها تقع خارج نطاق المحللين الاقتصاديين العرب الذين تستضيفهم الفضائيات العربية والذين لا يريدون ان يفهموا ان ميزانية شركة امريكية واحدة - مثل ميكروسوفت- قادرة على الانفاق على قارة افريقيا بالكامل وان دولة مثل امريكا لا يمكن ان تنهار لان موسم البطيخ قد ضرب في " حمص ".


* انا لست خبيراً في الاقتصاد ولكني اعيش في هذه البلاد منذ ثلاثين سنة وقد عاصرت مرحلة الانهيار النفطي في تكساس وانتفعت منها لاني اشتريت منزلي بسدس ثمنه الاصلي ثم عاصرت مرحلة الفوران الاقتصادي في المدينة التي تضم خمسة ملايين انسان والتي امتدت اقتصاداً وعمراناً خلال اقل من عشر سنوات خمسة اضعاف حجمها السابق ولاحظت - مثل غيري- ان اسعار الكثير من المواد الغذائية في تكساس لا زالت ارخص من اسعارها في سوق الحميدية بدمشق رغم الفارق الهائل في الدخل بين المواطن السوري والمواطن الامريكي.


* منذ خمسين سنة ونحن نقرأ في الصحف العربية عن قرب انهيار امريكا اقتصاديا ومنذ خمسين سنة والشعوب العربية كلها تأكل (رزاً) امريكياً يقدم لها مجاناً وتنتجه مزارع خاصة في كاليفورنيا اصحابها فلاحون امريكيون لا يعملون بالعقلية ذاتها التي يعمل بها الفلاح العربي ولا يستشيرون محللين وخبراء من طراز "اخونا" محلل الفضائية العربية المذكورة!!


* كثيرون لا يعلمون ان "النفط" المخزّن في ولاية الاسكا وحدها يكفي لسد حاجة الكرة الارضية كلها لسنوات طويلة ولكن الذكاء الاقتصادي للمحللين الامريكيين جعلهم يخزنون هذا النفط ويوفرونه للاجيال القادمة طالما ان بامكانهم شراء النفط العربي "الداشر" بسعر البلاش.


* الاخ "المحلل" الاقتصادي الذي يتقاضى مرتباً شهرياً ادفعه هنا ثمناً لوجبة من السمك لاربعة انفار يعلم او لعله لا يعلم ان تحليلاته تصب شاء ام ابى في مصلحة الانظمة العربية الحاكمة التي تسعى الى تزييف الحقائق على شعوبها حتى يظن المواطن العربي انه احسن حالاً - من الناحية الاقتصادية- من المواطن الامريكي وبالتالي فان عليه ان يبوس القدم ويعلن الندم لانه يتذمر من حكامهّّ .


* لا يعني هذا انه لا توجد مشكلات اقتصادية في امريكا وان الدولار لا يتعرض الى هزات وان بعض الشركات قد تفلس فهذا هو دين وديدن اقتصاد السوق "الحر" المفتوح على مصراعيه والذي لا يخضع لوزارات اقتصاد "عربية" يسهل برطلة خبرائها بشوال من البطيخ الحمصي الفاخر.


* المشكلة موجودة ... ولكن الخبراء والمحللين الامركيين الذين يتصدون لها والرقابة الصارمة للكونغرس الامريكي والمتابعة التي لا ترحم والتي تقوم بها الاجهزة الفيدرالية تحمي المواطن الامريكي من الجوع والتشرد وخراب الديار وتعفيه من فضيلة "الشحادة" التي يمارسها المواطن العربي في بلده ليل نهار حتى يحصل على ابسط حقوقه الانسانية والبشرية عداك عن الغذائية!!


* ايتها الفضائيات العربية ... ارحمونا من هكذا "محللين" ففاقد الشيء لا يعطيه والمفطوم على "بطيخة" لا يستطيع ان يتحدث عن مذاق الكافيار لانه لا يراه الا في الافلام السينمائية التي تعرض في دور السينما المتهالكة في دمشق ... وضواحيها.


* فليطمئن "المحلل" العربي لان اوضاع البشر في امريكا "عال العال" وقطط وكلاب هذه البلاد تأكل معلبات لا يحلم بأكل مثلها المحلل نفسه وتحظى - القطط والكلاب - برعاية صحية لا تقدمها مشافي دمشق حتى لاساتذة الجامعات عداك عن حقوقها "الحيوانية" فالكلب هنا يتمتع بحقوق " انسانية " لا يتمتع بها المواطن العربي في بلده وقد علمت يوم امس ان جاري قضى شهراً في السجن لانه ترك قطته دون طعام لمدة ثلاثة ايام فقام الجيران بتبلغ السلطات المختصة التي اعتقلت "المجرم" وصادرت منه القطة واودعتها مؤسسة للحيوانات "الضالة" يقوم على ادارتها اطباء مختصون وكأني بالقانون الامريكي يستمد اداب التعامل مع الحيوانات من الشريعة الاسلامية السمحاء التي نبهتنا قبل 1400 سنة الى ان امرأة عذبت قطتها ... لن تدخل الجنة!!! في حين يعذب البشر في بلادنا العربية ومع ذلك يزعم حكامنا انهم "احفاد الرسول".

*  نرجو من " المحلل الاقتصادي " ان يترك المشكلات في امريكا لاصحابها وان ينصرف الى " تحليل " المشكلات الاقتصادية في بلده لانها اولى به ... فدخل المواطن السوري يعتبر من ادنى المداخيل في العالم و " البيضة " اصبحت في اسواق دمشق اندر من الكبريت الاحمر رغم ان تربية الدجاج لا تحتاج الى خبرة ... وكبار المسئولين يسرقون مؤسسات الدولة " القطاع العام " عيني عينك .... وسيارات الاجرة في بعض المدن السورية تعود تواريخ صناعتها الى عام 1930 وتوضع هنا - في امريكا - في المتاحف بينما يزيد ثمن دراجة " سوزوكي " في سوريا عن ثمن سيارة مرسيدس شبح في هيوستون .... فعن اي " دفست " يتحدث هذا " المحلل " الذي يبدو في كلامه انه لا يعرف الفرق بين " تحليل " الاقتصاد .... وتحليل " البول " !!