التطاول  على النقد الادبي
بقلم : أسامة فوزي
نشر هذا المقال عام 1983


لا يتطاول هواة الادب هذه الايام علي الشعر والقصة فحسب وانما امتد تطاولهم الي النقد الادبي ، ليس من خلال ممارستهم له ، فهم اعجز من ان يكونوا نقادا ، ولكن من خلال هجومهم عليه وتقسيمهم له ووضعهم لشروط ومواصفات يعتقدون بمنتهي السذاجة والسطحية انها ( صالحة ) للاستعمال ، ومن هنا تكمن الخطورة ، فعندما يصبح هواة الادب وانصاف المتعلمين واشباه المثقفين ، عندما يصبح هؤلاء من منظري النقد الادبي ومن واضعي شروطه ومواصفاته فاننا نكون ـ فعلا ـ قد دخلنا زمن الردة .

( 2 )
لا شك ان الصورة المشوهة عن علم ( النقد الادبي ) وعن دور هذا العلم في النهوض بالابداع تكاد تكون مشوهة في العالم العربي من المحيط الي الخليج، ولكن درجة التشوية تتفاوت ما بين قطر واخر تبعا للنمو الفكري والحضاري للمجتمع ، وبالتالي للكتاب والمبدعين ، والعوامل التي تؤدي الي هذا التشوية كثيرة لعل ابرزها سيطرة كتاب الخواطر الانطباعية علي اصحف وانتشار الامية والعشائرية في الادب والترددي العام في المستويات الثقافية للامة وغير ذلك من عوامل جعلت النقد الادبي ليس اكثر من خاطرة او شعار وفي احسن الاحوال عملية شرح مدرسي لقصيدة او قصة ، غالبا ما يلجأ الي ممارسة هذه ( النوعية ) من النقد في عالمنا العربي مدرسو اللغة العربية ، الذين يفشلون في كتابة الشعر ، وربما في التدجريس ، فيلجأون الي ممارسة النقد الادبي تحقيقا لشدة رخيصة توفر لهم الحد الادني من متعة التباهي بين الاهل والخلان .

( 3 )
اذا كان التطاول علي النقد الادبي في بعض اقطار العالم العربي يواجه من قبل النقاد برد حاسم ، يجعل من عمنلية التطاول لمغامرة غير مأمونة العواقب ونزهة لا تسر طلاب الشهيرة ، فانها ـ اقصد عملية التطاول ـ تاخذ هنا بعدا خطكيرا لانها تواجه بصمت القبور ، حيث يصبح من حق كل هاو للادب والشعر والقصة في ان يضرب النقد والنقاد ، لمجرد لانهم اسقطوا لاسمه في ندوة او غفلوا عن ملاحظة خاطرة له كان قد نشدها في زاوية مهملة ، وتصبح الدعوة الي توحيد المقاييس النقدية مجرد نداء يدعو الي الشفقة قبل ان يكون قضية تخضع للنقاش ، لان رفع مثل هذا الشعار يكشف عن جهل بابجديات علم النقد الادبي ، هذا العلم لالواسع ، المتفرع ، بمدارسة وتياراته ومناهجه منذ افلاطون وحتي اخر مقالة ( نقدية ! ) كتبها ابو حلموس ، والذي لا يمكن تقزيمه وتوحيده كالزي المدرسي بناء علي رغبة افلاطون او علان ، حتي لو نادي هذا او ذاك باستصدار قرار حكومي به .

( 4 )
في الاونة الاخيرة اشرت الي الذاكرةالارشيفية التي اتمتع بها والتي اعتمدها محورا اساسيا في كتاباتي النقدية ، وقد نوهت بذلك زميلتنا خيرة الشيباني ولكنها سجلت بدصدرها سؤالا مشروعا حول قدرة الناقد ـ أي ناقد ـ علي التنتفس من خلال ملفاته وارشيف صورة ، واظن ان ( دعابة ) خيرة كانت الضوء الاخضر لعدد من هواة الادب فقالوا في هذه المسالة ما لم يقله مالك في الخمر واظنوا انها الفرصة المناسبة لاسقاط كل امراضهم وعقدهم النفسية والعائلية علي ( معركة ) ظنوا انها موجودة بيني وبين خيرة الشيباني .

( 5 )
بداءة احب ان اقول اني عرفت بشغفي الارشيفي منذ احترفت الكتابة النقدية حتي ان صديقي الاديب الساخر سميح الشريف رئيس نادي القلم الاردني كان يسميني بالاستاذ ( الفهرست ) ، وظن البعض ان وصف الناقد بارشيفية يقلل من قيمته ووزنه ، فقالوا وزادوا في هذه المسالة حتي انكشف جهلهم بابجديات علم النقد الادبي ..... ولعلها مناسبة ان نقول لهؤلاء ان مناهج النقد الادبي الجديدة تتخذ محاور اساسية في تعاملها مع الابداع الادبي والفني ، فالمنهج الجمالي ، الذي يتناول ( قيمة جمالية ) في النص الابداعي يختلف بالضرورة عن المنهج التاثري الذي يسعي في الغالب الي البحث عن اسباب وعوامل التاثر والتاثير في النص وينسحب هذا علي المنهج النفسي وتياراته المختلفة ، وبعد ذلك جاءت مناهج ايدولوجية ، يكون محورها سياسي بحت ، ولكن ممة هذه المناهج علي الاطلاق ـ في رايي .. هو المنهج التاريخي ، الذي التزم به واعتمده في كل دراساتي وكتاباتي النقدية ، وهو المنهج الذي يدفعني الي ( ارشفة ) الادب والاديب لانه لا يقوم الا بهما ، والذين يلتزمون او يتخذون هذا المنهج طريقا واسلوبا هم قلة في العالم العربي ، فهو منهج ( متعب ) يحتاج الي جهد فكري ومتابعة لا تتوفر لكثيرين خاصة وان النقد الدارج هو النقد الانطباعي السهل الذي يتطلب من الناقد او من الراغبين في ان يكونوا نقادا ويشار لهم بذلك اكثر من ان يقرأوا قصيدة ويقوموا بشرحها ونثرها لوكان الله بالسر عليما .
( 6 )
المنهج االتاريخي في النقد هو الذي يدعو الي دراسة الفنان او الاديب من خلال الظروف المختلفة التي نمته او وجدته او اثرت فيه ، بما في ذلك التاثيرات النفسية في النص ، ويتناول المنهج بالتفصيل البيئة وعوامل التغير فيها كما انه يتراعي الكتابة الاولية للاديب ويتابعها حتي الذروة ، دراسا المسافة بين هذه وتلك ، راصدا حركة التذبذب في ابداعاته وانتماءاته وتغيراته ، وهو بهذا المعني يهتم اهتماما ممتازا بالادب المقارن ، لاننا في دراساتنا للظروف المحيطة بالفنان نقوم في الوقت نفسه بعملية تقييم للاداب الموجودة حوله وفي عصره ، ولا نغالي اذا قلنا ان التفسير الاجتماعي للادب ورد ما ورد في كتاب ( العلم الجديد ) للفيلسوف الايطالي ( فيكو ) ، احد مؤسسي هذا المنهج ، وذلك في حدثيه عن هوميدوس ومحاولته تقسير ادبه تبعا للظروف التي عاشها ، وقد انتهي في كتابة الي ان الفنون يجب دراستها وتفسيدها من واقع انها نتاج للظروف الجغرافية والمناخية والاجتماعية التي عاشها الفنان او الاديب .

( 8 )
المنهج التاريخي في النقد الادبي يكاد يكون اكثر المناهج النقدية احاطة بالعمل الادبي والعملية الادبية والابداعية ككل ، ذلد فانك ستجد ان مشاهير النقاد العالميين هم من اتاباع المنهج التاريخي في النتقد ، مثلا ( سانت بيف ) ، ( تين ) ، ( لانسون ) ، ( ميشيلية ) ، ووضعوا عدة كتب فيه ، ترجمة وتاليفا ..... مثلا .... محمد مندور في متابه ( في الادب والنقد ) وكتابة المترجم عن لانسون ( منهج البحث في تاريخ الادب ) وكتاب ابراهيم سلامة ( بلاغة ارسطو بين اليونان والعرب ) وكتابه الاخر ( تيارات ادبية ) وكتاب ستانلي هايمن ( النقد الادبي ومدارسه الحديثة ) الذي ترجمه الي العربية ناقدان معروفان هما احسان عباس ومحمد يوسف نجم عدا عن كتابات سهير القلماوي وماهر حسن ووليم فان اكونور الذي ترجمة الي العربية صلاح ابراهيم . هذه كلها مراجع يمكن لهواة الادب ومنظري النقد ( الموحد ) العودة اليها .

( 9 )
عندما وصف ( سانت بيف ) الارشفة بالوعاء ، انما قصد تاكيد الدور المحوري والاساسي الهام الذي تلعبه هذه الارشفة في فهم الظروف الموضوعية والنفسية المحيطة بالكاتب ، وبالتالي في فهم ادبه ، لان الناقد علي ضوء محتويات هذا ( الوعاء ) يستططيع ان يلم بكل عوامل بالتغيير في الانتاج المبدجع ، سلبا وايجابا ، يستطكيع ان يرسم خطأ بيانيا للعمل الادبي ، ويستطيع ان يرصد معادلات كثيرة قد تكشف في مجملها زيف العملية الابداعية في عمل ما ، ولعلي اتبعت ذلك في رصدي لمثل هذه المعادلات في كتاب ( خطوة فوق الارض ) الذي صدر مؤخرا في الامارات ، والظريف اني وجهت انظار الكثيرين الي ملاحظات اساسية لم تكن واردة في حسبانهم ، واظن انهم لن يستطيعوا لتجاوزها في حال تعرضهم لنقد الكتاب ، كائنا ما كان المنهج الذي يتبعونه في النقد
سانت بيف رفض ان تتم لايه دراسة بللاديب قبل ان تتم عملية جمع وارشفه الظروف المحيطة به ، لان بعض المؤثرات التي تبدو للبعض تافهة ، قد تكون من الاهمية بالننسبة للفنان او الاديب بحيث لا يمكن فهمه دون الالمام بها ، ولعلنا نشير هنا الي ان النظرية سانت بيف ( الحتمية او الشريطية ) قد تطورت علي يدي تلميذه الناقد ( تين ) الذي اقام نظريته علي ثلاث دعائم هي الجنس والبيئة والزمان ،وقال انه علي الناقد انم يلم بهذه المحاور الثلاثة قبل ان يدخل الي عالم النص الادجبي او الفني وقد طبق منهجه في كتابه ( تاريخ الادب الانجليزي )

( 10 )
عملية الارشفة اذن هي جزء لاساسي لمن المنهج التاريخي في النقد الادبي ، وقد ركز عليها اساتذة هذا المنهج واعتبروها نقطة الجذب فيه ، لكننا بالمقابل لا ننكر الجانب الاخر الواجب توفره في الناقد علي التذوق والتحليل ، اذ ان عملية تسجيلية تاريخية اكثر منها عمنلية نقدية ، وقد التفت الي هذا الجانب الناقد الفرنسي العظيم ( لانسون ) ، استاذ الادب الفرنسي في السوربون ، حيث ميز بين نوعين من الذوق الذوق الشخصي وهو ذوق الناقد مجردا عن الارتباط بتقيين معين والذوق الفني وهو الذي يرتبط بما سماه سانت بيف ( بالوعاء ) ومن واقع هذا التفسير فان الناقد لا يستطيع ـ باعتباره انسانا ـ ان فوق ( ذوقه الشخصي ) ولكن يطلب منه ان الوائم بين هذا وذاك بحيث لا يسيطر ذوقه الشخصي علي محتويات الوعاء والمقابل لا تتغلب محتويات ( الوعاء ) علي مشاعر وعادات وتقاليد وانتماءات ورؤية الناقد ... ومن هنا يلعب العامل الفكري والسياسي دورا مهما في تشكيل ( الذوق الشخصي ) لدي الناقد وبالتالي الذوق الفني عنده .

( 11 )
لو استعرضنا ابرز المؤلفات النقدية العربية لوجدنها تعتمد المنهج التاريخي اسلوبا ورؤية ، فما كتبه العقاد عن لابن الرومي ـ مثلا ـ لا يخرج عن هذا الذي اشرنا اليه وان كان يبالغ احيانا في التحليل النفسي لبعض المواقف ، ولكن هذا يخدم في النهاية ما يريده الناقد ومثل ذلك طه حسين في حديثه عن المتنبي وابي العلاء ، وحتي ( بلاشير ) ، وكمان في حديثه عن المتنبي ناقدا يلتزم بالمنهج التاريخي بكل تفاصيله ، ويمكن القول ايضا معظم امهات الكتب الادبية العربية تقوم علي هذا المنهج .

( 12 )
بطبيعة الحال فان هذا المنهج قد لا يتناسب مع الاعلام من الكتاب والادباء ، لان ابداع هؤلاء يكون في الغالب متجاوزا لظروف مجتماعتهم وقد لا يخضع لعوامل منظورة يمكن حصرها او جمعها او تحليلها وقد اشار ( سانت بيف ) الي ذلك صراحة قالكاتب العبقري يخرج عن نواميس عصره ويتفوق عليها لذا لن ينجح الناقد في رصد العملية الابداعية عنده وقد رواد هذا المنهج ان تطبيقه ينجح الي حد بعيد في دراسة كتاب الصف الثاني وتكون احكامه اقرب الي الصواب من احكام المناهج النقدية الاخري لذا سعيت ولا ازال الي الاعتماد هذا الاسلوب في نقدي علي امتداد اثنتي عشرة سنة ، سواء في الاردن او في الامارات وبذلت جهدا لانها الاساس في فهم المتغبرات التي تطرأ عليها ولا اظن اني فشلت في ذلك لسبب ببسيط وهو انه لا يوجد هنا وهناك ( عباقرة ) تجاوزا نواميس المجتمع الا اذا للعبقرية تعريف اخر غير الذي نعرفه ونفهمه ونتعامل معه فتلك لاذن قضية اخري ولكل حادث حديث .