الأغنية السياسية
بقلم : أسامة فوزي
نشر هذا المقال في عام 1977

 
رغم أن الحرب في لبنان قد أتت على الأخضر واليابس ، ورغم أنه لا بوجد بيت فيها إلا وكان الحزن قاسمه المشترك ؛ لنقطة دم نزفت من أحد سكانه، أو لجدار سقط على من فيه ، أو لقذيفة طائشة تركت أهل البيت في العراء ، ورغم أن المتاريس وإطلاق النيران والخطف والقنص ما زالت تشكل أهم ملامح الحياة اليومية في لبنان ، وبيروت على وجه الخصوص ، رغم كل ذلك ، فإن بيروت ما زالت هي بيروت التي نعرفها ، تتدفق حيوية ونشاطاً ، وتتحدي الألم والحزن ، بالقصيدة والأغنية والنكتة.

بيروت ما زالت كعبة الثقافة في العالم العربي ، والمدهش أن حجم الإصدارات الثقافية والنشر والمطبوعات البيدوتية في ازدياد ، ولا زال الكتاب العرب يفضلون بيروت على سواها ، لنشر كبتهم ، أو للعيش في المناخ الثقافي المتميز لهذه العاصمة العربية ، التي تعيش على الجمر منذ سنوات.

على أنغام الرصاص والقذائف الجوية في بيروت ، ولدت موهبة موسيقية متميزة على صعيد العالم العربي ، هي موهبة الفنان والموسيقي اللبناني مارسيل خليفة ، وفى خضم المعارك والانفجارات لمع اسم زياد الرحباني كملحن ومؤد مسرحي وغنائي ، يوظف الكلمة واللحن في خدمة المخاض اللبناني والولادة الجديدة ، وعلى نفس الإيقاع الملتهب بزرت فرقع الأرض الجديدة ، كأحدث فرقة للغناء السياسي في لبنان.

مارسيل خليفة هو شيخ الموسيقيين والمؤدين السياسيين في لبنان دون منازع ، وكان من ألمع الوجوه الفنية التي اشتركت في مهرجان الأغنية السياسية الذي أقيم في الجزائر ، وقبل ذلك اشترك خليفة في مهرجانات جريدة ( الأومانتية الفرنسية )، وقد تتميز مارسيل خليفة باستخدامه العود في تأدية الأغنية السياسية العربية عكس الأكثرية ، التي تفضل تلحين الكلمات العربية وأداءها على أنغام الآلات الغربية.

ألمع عطاء لمارسيل خليفة كان الكاسيت الذي لحنه خصيصاً للأولاد بعنوان ( عالحدود) مع كراسة تتضمن كلمات الأغاني وقيتها ، وقد تضمن الكاسيت ما يلي :-
إضراب بالمدرسة وهي موسيقي ن ثم صرخة ( موسيقي ) ، أما الأغنيات فكانت : الأولاد والديب ، قمر المراية ، عصفور ، عالحدود ، طفل وطيار ، توت توت عابيروت ،نامي نامي يا زعنيرة ، والغناء المنفرد لأميمة الخليل ومارسيل خليفة ، والغناء الجماعي لديما الجندي ودارينا الجندي وفاتن مخزوم ولارامطر.

أما النصوص فكانت من إعداد فرقة الميادين وبطرس روحانا ، والكراسة أعدتها مؤسسة غسان كنفاني الثقافية برسوم إميل منعم وعماد عبد الوهاب.
لماذا اختار مارسيل خليفة أن يلحن للأولاد ؟
هذا السؤال يلح على كل من يستمع إلي الأغاني ويقرأ الكراسة ، فالكلمات تحمل معاناة الحرب اللبنانية والموسيقي تنبع من أعماق جبل لبنان ومن أعمق أعماق الجنوب اللبناني ، بمعني أن الأغاني كانت تجمع في كلماتها وموسيقاها أعماق الجنوب اللبناني، بمعني أن الأغاني كانت تجمع في كلماتها وموسيقاها هموم لبنان ، رجاله وأطفاله ، نساءاً وشيوخاً ، فلماذا إذن خص الأطفال بالذات!!

الأطفال عند مارسيل خليفة هم رمز الجيل الجديد والولادة الجديدة لأرض لبنان ، بعد هذا المخاض الأليم الذي عاشته وتعيشه بيروت ، ومع أن أطفال لبنان لم يلعبوا في مأساته ، إلا أنهم تحملوا العبء الأكبر من المأساة ، وعليه فإن هذا العبء سيظل نقطة الجذب في الولادة الجديدة المنتظرة.

مارسيل خليفة ربط الأولاد بالتراث من ناحية ، وبالأحداث من ناحية أخري، ربطهم بالتراث لأنه اتكأ علي الموروث الشعبي الموسيقي ( الفولكلوري ) في معظم ألحانه، وربطهم بالأحداث من خلال الكلمات والتعابير التي تعكس حالة الحزن والفجيعة وتحمل في طياتها بوادر الولادة الجديدة.

قالوا عن موسيقي ( إضراب بالمدرسة ) إنها ذات سياق سمفوني ناعم فيه أنفاس من نسايكونسكي ( بحيرة البجع ) وفي خلفية السياق هرج المضربين وربما أصوات تكسير الزجاج.

وقالوا أن ( توت توت عابيدوت ) مطلعها وإيقاعها من أغنية قديمة متوارثة للأولاد ،إذن فمارسيل خليفة نجح في التنويع ، وربط القديم بالجديد من خلال رؤية واقعية متفهمة لواقع أطفال لبنان ولبنان.

مفهوم "الأغنية السياسية "
في أكثر من حديث صحفي أنكر مارسيل خليفة أن تكون أغانيه "سياسية"، بل أنهوجه أصابع الاتهام للذين يقولون لأ[نهم "أرادوا تخويف الناس منها" ، وفي هذا صواب كبير إذا ما نظرنا إلى المسألة من منظار " الثورة المضادة: ، ولكن اتهاماً من هذا الحجم لا يجوز في عرف النقد العلمي، لأن مصطلح "الأغنية السياسية" يرتبط بالأغنية التقدمية ، الهادفة ، والتي تربط ما بين الإمتاع ... والتحريض ، وتحافظ على المعادلة الفنية في ضوء الالتزام السياسي والفكري التقدمي ، وأغاني مارسيل خليفة من هذا النوع ، بل إن فيها ريادة وشمولية ، تتجاوز الكلمة إلى اللحن ... في أغانيه ، الكلمة واللحن يؤديان وظيفة واحدة ويعمقان اتجاهاً تقدمياً لا شك فيه.

البدايات :
البداية لم تكن في مطلع عام 1975، أي مع بوادر أشكال فتيل الحرب في لبنان ، وإنما تضرب البدايات جذورها في أعماق قرية ( عمشين ) – حيث ولد الشاعر – منذ أوائل الستينات ... كانت الأغنية التحريضية حلم يراود الصغير مارسيل؛ الذي وجد في إيقاع الطبيعة اللبنانية انفجاراً موسيقياً يغطي كل أحلامه ... وتبلور هذا الإحساس أكثر عندما التحق مارسيل بمعهد " المونسرفاتوار " واكتشف ، بأسلوب علي جذور هذه الإيقاعات ، وأحاط – على الطبيعة – بالمناخ الطبيعي الذي يمكن أن تلد فيه أغنية جديدة ، بعيدة عن التأوهات الماجنة التي صبغت أغاني الفترة آنذاك ، وبحسه الفني المرهف بدأ مارسيل ينتقل من الحلم ، إلي الاكتشاف ، ومن الاكتشاف ، إلى الخلق ، مستفيداً من عمله في المعهد الموسيقي ، واحتكاكاته بهواجس وأحلام جيله .. لكن هذا (الحلم) ممنوع في لبنان، مثل كل الممنوعات التي تحاول أن تخرج عن الإطار التقليدي المتوارث، الذي اكتسب حجم القانون... وكل مشاكل لبنان سببها هذه القوانين الزائفة ، التي ولدت في مناخ الاستعمار ، ثم وجدت رعاية مصيرية منه – حتى بعد خروجه – لمواصلة النمو وإيهام الناس بأن جذورها تضرب في الأعماق أقوي من أن تقتلع.
مارسيل خليفة حمل لواء الثورة على موسيقي التأويات وأغاني المجون من خلال (خلق) أغنية العشق اللبناني الأصيل الذي تعلمه من جبل لبنان من خلال (خلق) أغنية العشق اللبناني الأصيل الذي تعلمه من جبل لبنان ومن (عمشيت) .. هذا العشق الذي لا يعزل الحبيبة عن الأرض ، ولا يسلخ الأرض عن الناس ، ولا يتنفس خارج دائرة القرية اللبنانية، ولأن خليفة تجرأ على الثورة ، ورفع الراية، داخل مؤسسة موسيقية وجدت أصلاً لتعميق أغاني التأوهات، فقد كان عقابه الطرد منها بعد صراع دام ثلاث سنوات ، استطاع خلالها مارسيل خليفة أن يقول كلمة وأن يسمع صداها تتردد في الأنحاء ، في الجنوب من خلال أشعار حسن العبد الله ومحمد العبد الله وشوقي بزيغ وعباس بيضون ... وفي قلب بيروت من خلال أشعار صخر ودرويش والمناصرة.

الجذور :
هل ولدت الأغنية السياسية من فراغ ؟

للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نرتد بالذاكرة إلى التاريخ، فالتاريخ يشهد أن الظروف الموضوعية التي أحاطت بالمنطقة العربية ، ابتداء بسيطرة الأتراك وممارسة التتريك على العرب وانتهاء بالاستعمار الحديث ، بكل أشكاله وألوانه ، هذه الظروف كانت القابلة التي سحبت الأغنية السياسية من رحم الوجدان الشعبي ، ففي ظل القهر والاحتلال والتعسف ، حمل الوجدان الشعبي لواء الكلمة الأغنية ، المموهة، للدفاع عن النفس والتحريض على المستعمر ، فكان الثنائي سيد درويش وبيرم التونسي علامة على هذا الطريق الطويل ، الذي سار فيه بعد ذلك عدد كبير من الفنيين ، دفعوا الضريبة غالية ، ولكنهم نجحوا في قول شئ.

في هذا الطريق الطويل الشاق محطات لابد من التوقف عندها ، لرصدها ودراستها، منها ظاهرة ( فيروز) التي لم تكن تستجيب لأغنية التأوهات ولموسيقي التقليد ، والتي توصف بأنها الفنانة التي استطاعت أن تفجر مكنونات القرية اللبنانية وتجعلها حديث كل لسان.

فيروز والواقع :
إن تصفحاً سريعاً لكلمات مسرحيات فيروز وألحانها يضعك أمام صورة كاملة للواقع العربي ، بتناقضاته وبمجمل الصراعات التي تدور في داخله ، وإن كانت فيروز تبدو لأول وهلة وكأنها تصور الواقع اللبناني فقط، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل أن هذا الواقع ينسحب بكامل تفاصيله ووقائعه على الأرض العربية من المحيط إلي الخليج.

إن المتبع لمسرحيات فيروز الغنائية منذ الستينات كان بإمكانه أن يكتشف حقيقة التضخمات والتأزمات التي تصيب بطن التركيبة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في لبنان وبالتالي في العالم العربي ، وأنه بقليل من الفهم الحقيقي والسليم لحركة التاريخ ، كان بإمكان هذا المتتبع النشط لمسرحيات فيروز أن يتنبأ بما حصل في لبنان وبما سيحصل في غيرها.

في مسرحيتها ( غربة ) ، ( لولو ) ، ( المحطة ) ، ( ميمي الريم ) و (جبال الصوان) ، لمست فيروز المجتمع العربي في لبنان من مواطن الوجع وأشارت بمباشرة تقرب من التحذير والإنذار إلى خطورة هذا التركيب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الغريب ، والمخالف لحركة التاريخ وهي في ( جبال الصوان) لا تكتفي فقط بالإشارة إلي هذه الخطورة وإنما ترسم رؤيتها المستقبلية لهذه التركيبة الخاطئة وهي رؤية واعية ، تأخذ بعين الاعتبار حركة التاريخ التي قد تتباطئ في سيرها ولكنها قطعاً لا تتوقف.

في ( جبال الصوان ) – التي قدمتها فيروز في أواخر الستينات – صورة لما حدث ويحدث في لبنان ابتداءً من 1975م ... تبدأ المسرحية باستشهاد " مدلج" بعد مقاومة عنيفة تطول أمام هجمة "افتك المتصلب" :_
بعدها جبال الصوان عم بتقاوم
طلعوا عليها من السهل
طلعوا عليها بلا خوف
وصل الهاجم على البوابة
فات الخوف عليهم
فات الخوف
وانسدت المداخل
سقطوا رجالك مثل كعاب الشجر اليابس
تحت الجوز سقطوا
ناموا بثياب المعارك

غير أن سقوط "مولج" لا يعني انتهاء الثورة ، ذلك أن صورته كما وردت في المسرحية على لسان الراوي " عتقت وبعدها معلقة على كم حيط في بيوت نسوان لابسة أسود " وتأخذ حركة التاريخ مسارها الصحيح عند عودة "غربة" ابنة مولج؛ التي تفر من جبال الصوان وهي صغيرة فتجد الجميع بانتظارها:-
ناطر أنا ناطر
موش عارف شوناطر
يوسع الظلم
يكثر الحكي
يكثر الخوف
وأنا ما بأهجر القناطر
وناطر ناطر ناطر
ببلاد لنا غربونا
وبيقول إلي هاجر
شو ناطر

وتأخذ (غربة) في لم الشمل وتوزيع الأدوار ودعوة الجميع إلي الثورة ، ويأخذ تغزلها بالوطن ( بعد ) – حتمية الرجوع – والانتماء والتضحية:-
وطني يا جيل الغيم الأزرق
وطني يا قمر الندي والزنبق
وطني يا ذهب الزمان الضايع
وطني من برق القصايد طالع
أنا على بابك قصيدة
كتبتها الريح العنيدة

ويأخذ الصراع مع فاتك المتصلب حجم المواجهة ، وتستعين فيروز ليس بأهلي الضيعة فقط ولكن بالطبيعة ومظاهرها المختلفة لتأكيد حقها في الحياة والوطن والميلاد الجديد.

بغير عناء كبير يمكن أن نضع الرموز المعاجلة لمدلج وفاتك المتصلب وغربة في الوضع اللبناني لنخرج بصورة أكبر لواقع الصراع، ولمواقف فيروز منه ، فهي مع ( غربة ) ضد (فاتك المتصلب) علي ذلك من كون فيروز في المسرحية هي (غربة ) نفسها.

وفيروز التي اتخذت هذا الموقف منذ البداية ، أي قبل أن تنتقل المواجهة إلى فوهات البنادق – وهذا موقف يناصر في إطاره العام الحركة الوطنية دون تحفظ – نجدها ، بعد استعال الحرائق ، وارتحالها مع زوجها عاصي الرحباني إلى بلدة انطلياس ومن ثم إلى القاهرة ، نجدها تعلن – في حفلتها هناك – ومن خلال أغنيتها – بحبك يا لبنان – عن موقف جد يدلها فيه "رمادية" يصفها البعض بالاعتدال.

رماديتها تلك بدأت بصرخة تدعو لوقف الاقتتال ، دون أن تتخذ موقفاً من الطرف المسئول ، أو حتى الإشارة إليه:-
بحبك يا لبنان
يا وطني بحبك
تبهالك ، بزهورك
بسهلك ، بحبك
تسأل شوبني
وكل ما بيني
بحبك يا لبنان
يا وطني

وحتى حين تشير فيروز على الحرب اللبنانية وإلى الولادة الجديدة للأرض اللبنانية فإنها لا تتجاوز العموميات ، الأمر الذي يجعلها – كما ظلت طوال الحرب – طرفاً محايداً تتنازع الأطراف المتصارعة عليه:-
سألوني شو صاير في بلد العيد
مزروعة على الداير نار وبواريد
قلتلم بلدنا عم يخلق من جديد
لبنان الكرامة والشعب العنيد

فيروز إذن – في مراحلها الأولي – تلتقي مع مارسيل خليفة في محصلة الرؤية الناقدة لمستقبل لبنان ؛ إنه المخاض ، وهذه الحرائق والمعارك هي ما يسبق الولادة الجديدة.

فرخ البط عوام
تمخضت الأشهر الأولي من الحرب اللبنانية عن ظهور برنامج إذاعي يومي ساخر بعنوان "بعدنا طيبين" تقدمه إذاعة الحركة الوطنية على فترات متقطعة وتنتقد من خلاله وعبر نكاته وأحاديثه التي يقودها "زياد الرحباني" الممارسات الخاطئة والغاشية للإنعزاليين.

ورغم عمق الجرح اللبناني وعمق المأساة ، ظل الذوق الفني النقدي عند اللبناني حياً، ولم تمضي أيام قليلة إلا وأصبحت حلقات هذا البرنامج الإذاعي جزءاً من الحياة اليومية للبنان ، تماماً مثل الرصاص وانفجارات القنابل ، وسارعت محلات بيع الأسطوانات إلى ملفات الإذاعة وتسجيلاتها لنقل حلقات البرنامج على أشرطة كاسيت تجارية غطت شوارع بيروت وأصبحت مثل المناشير الحزبية ، توزع على نطاق واسع ، وتلعب دوراً بارزاً في إذكاء الروح الوطنية للمقاتلين وتفضح بالكلمة واللحن والنكتة والأرقام مساوئ التركيبة السياسية الخاطئة ، المتوارثة ، في لبنان.

زياد الرحباني ، مع بدايات الحرب اللبنانية ، لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره وكان المواطن العربي والمستمع لأغاني فيروز في مطلع السبعينات قد عرف زياداً من خلال كلماته التي غنتها فيروز ( سألوني الناس عنك يا حبيب ) التي كتبها بعد إصابة والده عاصي الرحباني بجلطة في المخ ، وقد أشار النقاد يومها إلى موهبة زياد في الكتابة وشفافية في التعبير ، ولم تمضي سنة على هذه الأغنية حتى انفصل زياد عن فرقة الرحبانية – منصور وعاصي – ليكون فرقة خاصة قدمت أولي مسرحياتها قبل الحرب اللبنانية بشهور قليلة ، وهي مسرحية ( سهرية ) و ( نزل السرور ).

توجهات زياد الرحباني السياسية واستخدامه الأغنية كوسيلة للتعبئة السياسية والنضال بدأ مع ( سهرية) وقد لمس آنذاك واقعة اللبناني (مساً ) يخلو من السطحية ولكنه على أي حال ، محاولة لانتقاد الوضع القائم وبات المستمع لا يدري أي الأطراف يقصد زياد وغلى أيها ينحاز وكادت شخصية المعلم صاحب المقهي تطغي على شخصية زياد ، وكادت قصة الحب التي ربطت – في المسرحية – بين أبنة صاحب المقهي والمطرب الشاب ، الجديد ، بأبعادها العاطفية البحتة تغطي على المضمون السياسي للمسرحية ، وهو المضمون الذي تكشف عنه اسكتشافها الغنائية :
كناني أحلي الفنادق
جرجرونا على الخنادق
وشكلنا ليس بلائق
قبل ما جيت ، يا عفريت
كنا نغني علي القراصية
يا من تهدد بالرشيش
بكل أنواع الفتيش
طالباً تحسين عيشي
ثائر حار ، يأكل النار
ونحن من !!
مزيكية ... الخ

بعد انفجار الشارع اللبناني ، وظهور تراكمات ومساوئ النظام وانقسام اللبنانيين إلى فريقين ، تقدمي ورجعي ، مع كل الامتدادات الطائفية والسياسية لهذين الإنقسامين ، هرب معظم الفنانين والكتاب من لبنان ، بينما التحق زياد الرحباني بإذاعة الحركة الوطنية ، والتقي مع صاحبه ( جان شمعون ) السينمائي التقدمي ، صاحب اللهجة الزحلاوية الطريفة ، في أشهر برنامج إذاعي ولدته الحرب اللبنانية " بعدنا طيبين قول إن شاء الله " وعبر حلقات هذا البرنامج هاجم زياد جميع القيادات السياسية التقليدية ولمس مواطن الوجع اللبناني في ميادين السياسة والاقتصاد ، كما عاب علي الفنانين اللبنانيين هروبهم من الساحة ولم تسلم أمة ( فيروز ) من هذا الهجوم ، فبعد أغنيتها ( بأحبك يا لبنان ) التي غنتها في القاهرة وبيروت تشتعل ، علق زياد : " لست وحدك يا فيروز تحبين لبنان ، فنحن نحبه أكثر منك بدليل أننا ما زلنا على أرضه ، نشم رائحة احتراق الخضرة فيه ونتألم".

اللازمة الموسيقية للبرنامج تعتمد على مثل عربي قديم هو " اختلط الحابل بالنابل" والحابل هو الذي يصيد بالحبال أما النابل فهو الصائد بالنبال ، والمثل يحمل في طياته رمزاً للحابلين والنابلين في الشارع اللبناني ، وكلما تفجرت المعارك الجانبية ، زاد اختلاط الحابل بالنابل ، وأصبحت الساحة الحربية أشبه بالغابة ؛ غابة من الأسمنت يسير بين عماراتها القناصون والمقاتلون واللصوص ، دون أن يعرف اللبناني أين الجهات الأربعة.

البرنامج بعد ذاته لون جديد من الوان الحرب النفسية والإعلامية أدخله زياد على المنطقة ، وجعل للكلمة واللحن حجم الرصاصة وحمله الكثير من رائحة الحزن اللبناني والحزن الفلسطيني وهو حزن واحد مشترك تماماً مثل الكنبة اللبنانية والكبة الفلسطينية .

ومع أن البرنامج توقف بعد أن خفت حدة المعارك ، ومع أن زياد الرحباني طرح نفسه مجدداً في الوسط اللبناني من خلال عدة أعمال فنية على رأسها مسرحيته الجديدة ( دراما مين) إلا أنه لم يسلم من غضب الطرف الكتائبي وظل إلى وقت متأخر يتنكر خلال تنقلاته ، فقد أهدروا دمه بعد أن فشلوا شفى إهدار فنه ، وللأسف لعب بعض النقاد المحسوبين على الحركة الوطنية دوراً في تشويه صورة زياد الرحباني ، فاتهموا برنامجه الإذاعي الناجح بالانتماء إلى اليسار المتطرف – غير المسئول – واتهموه بالانعزالية وبشوفينية لبنانية صريحة ضد العرب وأكثر من هذا بالسطحية في التعامل مع الأحداث السياسية التي يريد البرنامج أن يعبر عنها .

هذه الاتهامات تسقط تماماً عندما نعلم أن إحدى أهم حلقات البرنامج تلك الحلقة التي خصصها زياد للهجوم على الفنانين اللبنانيين الهاربين من بيروت ، وعلى رأسهم أمة فيروز " التي لا تربطني بها إلا صلة القرابة أما طريقها فغير طريقي " ، وقد ركز في هجومه هذا على مبدأ التجذر في أرض لبنان كأسمى ما يكون الانتماء إليه والدفاع عنه ، معرضا ً بفناني التليفزيون بنيه أبو الحسن وغيره ممن التزموا بالصمت طوال الحرب ، ليس حياداً ولا وطنية ، وإنما حفاظاً على مكاسبهم الشخصية التي حققوها وما زالوا يطمعون بتحقيقها من خلال تليفزيون لبنان والمشرق.
عندما تغني الأرض
التهبت أكف الحضور في قاعة ( الأكابولكو) في هافانا، عندما أنشد ثلاثة شبان من لبنان أغنية بعنوان ( غيفارا غزة ) ونالت الأغنية دون منازع جائزة( مهرجان الأغنية السياسية) بالمشاركة مع الوفد الفلسطيني ، في أكبر تظاهرة فنية للشبية تستضيفها كوبا.

الشباب الثلاثة هم ( توفيق فروج ) الذي يعزف على السكسفون وعصام الحاج الذي يعزف على الغيتار ويؤدي معظم الأغاني وإيليا سابا الذي يعزف على البزق والعود ... وثلاثتهم يشكلون فرقة واحدة اسمها ( الأرض).
البداية :
كانت البداية مع أول رصاصة تخرق ليل بيروت ، وكانت مواهب الثلاثة تبحث عن (مضمون) واحد، بعيداً عن ( الانحلال) الموسيقي الغنائي الذي بدأ يدب في كباريهات الكورنيش وشارع الحمراء ، وتتبناه وسائل الإعلام الرسمية على اعتبار أنه ( وجه لبنان المشرق).

ولما ظهر بخم زيادة الرحباني ، كمجدد في الأغنية السياسية واللحن الموسيقي ، التقي الأربعة في هدف واحد ووجدوا ( المضمون ) الذي كانوا يبحثون عنه ، وأدركوا أهمية الكلمة واللحن في خدمة نضال الشعب اللبناني نحو الحرية واكتشفوا أن الغيتار والعود والبزق والسكسفون يمكن أن تتحول بين أيديهم على أسلحة ، ولما كانت الكلمة هي المشكلة ، اتجه الموسيقيون الثلاثة نحو شعراي الأرض المحتلة ، درويش وزياد والقاسم ، كما بدأوا يتبنون الشعر المقاوم لجيل الشعراء الجديد في لبنان – وفي جنوبه بالتحديد ، وتمت الولادة الشرعية في مهرجان الشبيبة العالمي الذي نظمته كوبا عام 1978 ، وتسمي الوليد باسم ( فرقة الأرض).

قدمت الفرقة على مسرح ( الأكابولكو ) الكوبي ومسرح الجامعة الهافانية عدة أناشيد وأغاني سياسة كان أبرزها ( غيفارا غزة ) من كلمات الشاعر الفلسطيني ( صخر ) ول؛أن توفيق فروج ، كما قدمت ( مطر الصباح ) و ( انتظرني ) من كلمات سميح القاسم و ( المطر الناعم في الخريف البعيد) لمحمود درويش وحلولية سميح القاسم.

حديث النفس :
يقول عصام الحاج في حديث النفس الذي التقطه مندوب مجلة الوطن العربي الباريسية بعد عودة الفرقة من كوبا ... يقول : ( جمعتنا في البداية ، إلى جانب التطلعات الفنية ، وحدة الفكر والمبادئ والأهداف الوطنية والإنسانية وقد جمعنا أيضاً التطلع المشترك إلى صناعة أغنية جديدة شكلاً ومضموناً ، لأنه لا يكفي أن يكون مضمون الأغنية جديداً فهو يحتاج إلى شكل جديد موسيقي يبلوره ويوصله إلى الجمهور ، تطلعاتنا ما زالت في بداياتها ومن يدري فقد تحققت ثورة فنية في عالم الأغنية في الأيام المقبلة ).

الأغنية عند ثلاثي فرقة الطريق هي خلاصة للعديد من العذابات والمعاناة والجهد الطويل ، الأغنية التي يحلمون بها تستوعب كل أحزان الإنسان العربي ، مآسية ، تطلعاته وانتصاراته التي تسهم في ولادة الفجر الجديد .... إن قناعات هؤلاء بضرورة ولادة أغنية سياسية تعبر فنياً عن معاناتهم ومعانات شعبهم تدفعهم إلى العمل الجماعي ، لأن الجهد الفردي لا يلبث أن يسقط على خشبة المسرح قبل أن يقف عليه.

الأغنية السياسية حين تستوعب التراث وحقائق الواقع وتمتلك وعياً نظرياً مدعوماً بممارسة حقيقية للمرحلة ، تستطيع التأثير وتؤكد قدرتها على الاستمرار.

لم يكن اختيار الثلاثي توفيق ، عصام ، إيليا ، لاسم الفرقة ( الأرض ) اختياراً عشوائياً ، فالكلمة واللحن والهدف وحتى الصوت ، كلها انفجارات من الواقع ، ترتبط بالأرض وتلتحم بها ، تنمو في مسافاتها كما الزرع ، الفرقة هي لسان حال الأرض اللبنانية ولسان حال النضال الوطني اللبناني ؛ الذي ينطلق من وحدة أرض لبنان وكرامة أرض لبنان وحرية أرض لبنان، ولأن الأرض العربية واحدة فقد اختارت الفرقة كلمات درويش والقاشم وزياد وجاك الأسود كترجمة وكتجسيد لحتمية الوحدة وضرورة التجذر بالأرض وتوظيف الكلمة واللحن الأرض ، وهذا سبب نجاح فرقة ( الأرض ).

موهبة على غير مثال
لا يمكن النظر إلى الأغنية السياسية اللبنانية بمعزل عن الأغنية السياسية في العالم العربي ، ولكن يمكن القول أنها في لبنان وفلسطين ومصر قد تفوقت على غيرها وبدأت ملامحها تظهر أكثر وضوحاً محققة بذلك معادلة الوحدة والاندماج بالواقع والتعبير عنه ، وقد رأينا كيف أن الحرب اللبنانية أنجبت مارسيل خليفة وزياد الرحباني وثلاثي فرقة الأرض في مرحلة واحدة ، وبمخاض أليم وصعب واحد ، بحيث يشكل هؤلاء في مجموعهم ، ظاهرة واحدة ، قد تختلف ألوانها وتوجهاتها وفلسفاتها ، لكنها من رحم واحد.

لكن الأمر بالنسبة لخالي الصبر يبدو مختلفاً بعض الشئ أنه وحده ظاهرة ، أو لعله إرهاص بولادة جديدة ومن رحم جديد.

خالد الهبر ، شاب لبناني في العشرين من عمره ، لمع في معارك الشياح والقنطاري ، وردد المقاتلون في هذه المواقع أغانيه ( سنزرع في الشياح مليون أقحوانة ) و _ جفرا ) و (كفر كلها ).

اللبناني خالد الهبر ، شاب لبناني في العشرين من عمره ، لمع اسمه في معارك الشياح والقنطاري ، وردد المقاتلون في هذه المواقع أغانيه ( سنزرع في الشياح مليون أقحوانة ) و ( جفرا) و ( كفر كلها ).

اللبناني خالد الهبر يعادل الشيخ إمام وعدلي من مصر ، ومصطفي الكرد من فلسطين وجعفر حسن من العراق وفكتور جارا من تشيلي ، وعندما نقول أنه يعادل فكتور جارا فإننا نعني أن أغانيه المقاتلة كان يمكن أن ترتد عليه ، كما ارتدت علي ( جارا ) بعد سقوط (سلفادور اللينوي) حيث عوقب فكتور جار ، ليس بالسجن ولها بالإعداد ، وإنما فقط بقطع يديه اللتين يعزف بهما ، ولسانه الذي يغني به ... وبعد ذلك ( سحلوه) في الملعب البلدي أمام الجماهير.


خالد الهبر يقف على الخطوط الأمامية مع حاملي البنادق ، وهذا أبرز ما يميزه عن رفاقه ... يقف تماماً على نقاط التماس ، في الشياح ، حيث وعد بزراعة مليون أقحوانة:-
سنزرع في الشياح مليون أقحوانة
سنغني لربيع آت لا محالة
سنحمل البنادق ، نغني للبنادق.
نكتب بالرصاص أسماء الشهداء

البدايات :
عن بداياته يول خالد الهبر : منذ سنتين استشهد في إحدى معارك الجنوب رفيق لي اسمه ( علي أيوب ) وكان استشهاده في ذاته ملحقة بطولية رائعة ، وبدافع من هذه البطولة اكتشفت الأغنية السياسية فأنشدت أغنية كتبها المسرحي جلال خوري وبدأت بتلحين الأغاني لمسرحيتي ( قبضاي) و ( زهور برية) وكنت أحرص على استنباط اللحن من واقع الحرب في لبنان ... اللحن الذي لا يصور حمي الإنفجارات والصخب فحسب وإنما يحمل في طياته أنغام البشارة بولادة لبنان جديد ، لا نكون فيه غرباء.

أغاني خالي الهبر كلها مستوحاة إما من الحارة الشعبية اللبنانية أو المخيم الفلسطيني ، لذا فإنك تشم رائحة ( زقاق البلاط ، رأس النبع ، القنطاري ، الشياح ، الزيدانية ، الطريق الجديدة) في أشعاره ، وبالمقابل تلمس بيديك حجارة مخيم صبرا وشاتيلا والبرج .
يقول في أغنية له كتبها عز الدين المناصرة :-
للشعر المكتوب على أرصفة الشياح أغني
وبيروت الطلقة أغني
"جفرا" أمي، إن غابت أمي
جفرا الوطن المسبي
الزهرة والطلقة
والعاصفة الحمراء
جفرا إن لم يعرف من لم يعرف
غابة زيتون ورفيق حمام
وقصائد للفقراء
جفرا من لم يعشق جفرا
فليدفن رأساً في الرمضاء
أرخيت سهامي قلت يموت القائل
من لم يقتل وجه الفول الأصفر
تبلعه الصحراء
جفرا كانت في قصر الإقطاعي تنوح
جفرا كانت تحمل طلقتها في الجبهة وتبوح
بالسر المدفون على شاطئ عكا وتغني
وأنا لعيونك يا جفرا سأغني

مجلة الدستور اللبنانية ، كتبت في عددها الأخير الصادر عام 1975 تقول عن هذه الأغنية : " في إمكان المستمع العادي أن يلحظ في أغنية جفرا تفوقا لحنياً وجهداً إبداعياً بميزاتها عن الأغنيات الأخري ، فهي الوحيدة التي يمكن أن يقال عنها أنها حصلت على حقها من التلحين ، فكلماتها تحمل إطار الرمز وشيئاً من البعد الشمولي القادر على البقاء وتجاوز الأحداث الراهنة ".