صفحات مطوية من ادب التصعلك
منذ العباس بن طرخان وحتى محمود السعدني
بقلم : أسامة فوزي
نشر في عام 1979

 

لا ادري لماذا ارتبط ( ادب الابتسام ) في العربية بظاهرة التصعلك الاجتماعي ، ولكن الذي لا جدال فيه ان الصعلكة ، بمفهومها الاصطلاحي ! والتي تعني : الخروج علي القبيلة لاسباب اقتصادية او سياسية او اجتماعية ، كانت المنبت الرئيسي لفن الابتسام في الادب العربي .
( 2 )
والصعلوك في اللغة : هو الفقير المعدم ؛ لكن مدلول هذه الكلمة : اتسع ـ اصطلاحا ـ ليشمل جميع الخارجين عن القبيلة ؛ الثائرين عليها ، الرافضين لقوانينها ، واتسم الصدام بين الطرفين ـ الصعلوك والقبيلة ـ بطابع دموي بحت ، حينما اختار الطرفان الصحراء ميدانا للقتال وتصفيه الحساب ، فكثرت الاغارات وعمليات النهب والسلب وقطع الطرق وتصفية الاغنياء ـ جسديا ـ حتي ان مؤرخي الادب اجمعوا علي ان الصعلكة قد تحولت ـ في اواخر العصر الجاهلي ـ الي نظام يشبه نظام الفروسية ، له عاداته وتقاليده وشروطه ؛ وله اخلاقياته ومثالياته ايضا .
( 3 )
ولم تكن مصادفة ان يكون زعماء التصعلك انذاك ابتداء بالشنفرا الازدي وتابط شرا وعروة بن الورد وانتهاء بالسليك بن السلكة ؛ من الشعراء الافذاذ ، الذين صوروا حياتهم في اشعارهم ، فوضعوا بذلك اللبنة الاولي في ( ادب التصعلك ) ؛ الذي يتسم بالحدة والرفض والسخرية ؛ وهذه الاخيرة لم تطبع ادب تلك الفترة بطابعها ، وانما ظلت واحدة من السمات ولكنها ليست الوحيدة علي أي حال ، فالصعلوك الثائر انذاك كان يحسم الخلاف مع خصومه بالسيف وليس بالقلم ، لذا غلبت ( الدراما ) علي ( السخرية ) في اشعارهم .
( 4 )
واستمرت دراما التصعلك علي هذا المنوال ، يتسم فيها الصراع بالعنف الدموي حتي اوائل العصر العباسي ، حيث بدأت هذه الظاهرة ، وبفعل عوامل الانفتاح علي حياة الترف والبذخ والانحلال تميل نحو استبدال العنف الدموي بالعنف اللساني او الكلامي ، وخلع معظم المتصعلكين من الكتاب والشعراء سيوفهم ليستلوا سيف الشعر ، يجلدون به القبيلة والحكام والطبقات الغنية المستفيدة من ( الانفتاح ) ، واتخذوا من المدن والعواصم والحواضر الكبيرة ميدانا لنشاطهم ـ وليس الصحراء كما كان الامر من قبل ـ ؛ ذلك ان ( القطط السمان ) في الحكم والمال والجاه ، ترتع فيها .
( 5 )
في مثل هذه الظروف نشأ ( ادب الابتسام ) ، واتصف بالسخرية الحادة ، والهجاء المقذع ؛ والوصف الذي يخرج عن اطار التهذيب الي اطار القدح والذم والقذف العلني السافر ، ولم يسخر المتصعلكون من القطط السمان فحسب وانما سخروا من انفسهم ايضا ، وكانت ثورة الشاعر او الكاتب تنصب دون هوادة علي الجميع ، لا ترعي ذمة ولا شرفا ولا كرامة لآحد ، طالما ان الشاعر او الكاتب لا يمتلك ما يخشي ضياعه ، وان كانت الاكثرية تنتهي في السجون والمعتقلات ومن الصعاليك من انتهي بطريقة درامية ، رفسا بالارجل او تقطيعا بالسكاكين ، ومنهم من عوقب بالسجن حتي الموت من امثال العباس بن طرخان ، الذي اشتهر فيما بعد بلقب ( ابو الينبغي ) ، ومن المتصعلكين الشعراء ، الذين برعوا في وصف تلك الحالة ( مروان بن محمد ) الملقب بابي الشمقمق حين يقول :-


برزت من المنازل والقباب فلم يعسر علي احد طلابي
فمنزلي الفضاء وسقف بيتي سماء الله او قطع السحاب
فانت اذا اردت دخلت بيتي علي مسلما من غير باب
لاني لم اجد مصراع بيت يكون من السحاب الي التراب
ولا انشق الثري عن عود تخت او مل ان اشد به ثيابي
ولا خفت الا باق علي عبيدي ولا خفت الهلاك علي دوابي
ولا حاسبت يوما قهر ماني محاسبة فاغلظ في حسابي
وفي ذا راحة وفراغ بال فدأب الدهر ذا ابدا ودابي


( 6 )
لقد اتخذ ادب الابتسام في تلك الفترة ، بخاصة عند الشعراء الفقراء ، طابع الهجاء الموجة ، وقد سلكوا فيه ـ كما يذكر الدكتور حسين عطوان ـ مذاهب شتي ، اذ " اصطنعوا الهجاء الساخر اللاذع الذي كانوا يرمون فيه مهجوينهم بالخسة والدناءة ويجردونهم به من كل عزة وكرامة ويظهورنهم فيه بمظهر يضحك الناس منهم ويحملهم علي احتقارهم والاستخفاف بهم ، وقد سجلت كتب الادب مئات القصائد التي تحمل في طياتها ما ذكرناه ، ومن ذلك ـ مثلا ـ قول احدهم في هجاء رجل اسمه سعيد :-


هيهات تضرب في حديد بارد ان كنت تطمع في نوال سعيد
والله لو ملك البحار باسرها واتاه تسلم في زمان مدود
يبغيه منها شربه لطهورة لابي وقال يتعمن بصعيد


ويقول في موضع اخر :-


رايت الخبز عز لديك حتي حسبت الخبز في جد السحاب
وما روحتنا ليتذب عنا ولكن خفت مرزئة الذباب

 
اما الحمدوني فكانت اشعاره سياطا يجلد بها كل من يصد عنه العطاء
من مثل قوله في سعيد بن حميد :-


ابا سعيد لنا في شاتك العبر جاءت وما ان لها بول ولا بعر
وكيف تبعر شاة عندكم مكثت طعامها الابيضان الماء والقمر
لو انها ابصرت في نومها علفا غنت له ودموع العين تخدر
يا ما نعني لذة الدنيا باجمعها اني ليقنعني من وجهك النظر


ومن الهجاء الفاحش قول احدهم في هجاء رجل اسمه ( معبدا ) :-


يا من يؤمل معبدا من بين اهل زمانه
لو ان باستك درهما لا سئله بلسانه


( 7 )
ومع ان ادب التصعلك والابتسام ارتبط جماهيريا بالشعر ، لسهولة حفظه وحلاوة ايقاعة ، الا ان النثر ـ في تلك الفترة ـ لعب دورا اساسيا في ارساء قواعد هذا الفن ، وذلك علي يد الجاحظ ، الذي استطاع ان يرتقي بالكتابة الفنية في عصره ، ويجعلها تشارك الشعر حظوته عند الخلفاء والساسة ، ويمكن القول دون تحفظ ان الجاحظ كان اول من ارسي دعائم فن الابتسام ، ليس من حيث صقله وتجويده فنيا فحسب وانما ايضا من حيث توجيهه في خدمة السياسة ، والضرب علي اوتار الصراعات والتناقضات التي كان يزخر بها عصره ، وقد توفرت للجاحظ دون كتاب عصره ، ثقافة واسعة ، وعقلية جبارة ، ودقة في الملاحظة ومعايشة لجميع الطبقات في عصره فضلا عن تركيبة خلقية كاريكاتوربة ، فقد كان دميم الوجه علي نحو لا يطاق وقد روي عن نفسه ان المتوكل استدعاه لتاديب ولده ثم انصرف عنه لقبح وجهه بعد ان منحه عشرة الاف درهم ولعبت كل هذه العوامل الخاصة والعامة دورا اساسيا في بلورة فن الابتسام والاضحاك عنده ، فكان مولعا بالنكتة ، ويختفي بالدعاية ويجعلها اداته في المحاورة والنقاش والتصوير وكانت له في ادب الابتسام فلسفة كتب عنها يقول : ( لو كان الضحك قبيحا من الضاحك وقبيحا من المضحك لما قيل للزهرة والحلي والقصر المبني كانه يضحك ضحكا ، وقد قال الله جل ذكره : وانه هو اضحك وابكي وانه هو امات واحيي فوضع الضحك بحذاء الحياة ووضع البكاء بحذاء الموت وانه لا يضيف الله نفسه القبيح ولا يمن علي خلقه بالنقص ).


( 8 )
ونقلب صفحات عديدة من التاريخ قبل ان نصل الي اعتاب القرن الماضي ، الذي شهد ولادة واحد من ابرز رواد ادب الابتسام في العصور الاربعة والاخيرة ، الصحفي والشاعر والسياسي البارع ابراهيم عبد القادر المازني .


وسيرة حياة المازني بحد ذاتها فصل من فصول ادبه ، سواء بدراميتها او كاريكاتوريتها ، فقد مات ابوه وهو صغير واصيب بعاهة العرج بعد سقوط كوميدي عن سلم بيته ، اضيفت الي قصر في الطول وضالة في الحجم جعلته اشبه باقزام السيرك ، وما لبثت ان ماتت امه ، ثم زوجته ، فلم يجد مخرجا للحياة الا بدخول المعترك السياسي والصحفي وسجل في قصائده اول خروج عن القصيدة التقليدية ، المتوارثة ، ثم ساهم في وضع دعائم المقالة الصحفية ، والتي تقوم علي خفة الروح والابتسامة والظرف مع سخرية لاذعة ، زرعت له في طول مصر وعرضها الاعداء والخصوم ، وكان اكثر كتاب عصره تعبيرا عن مزاج الشارع المصري بطوله ، ذلك المزاج الفكة ، اللاذع ، وكانت صورة في العادة مستقاة من الواقع ، لكنه يجهد في تضخيم ما برز منها فتتحول الي نكتة ، وكانت لغته دائما تسير علي هذا النحو ... " لا اعرف ما سر حبي للحي في وجوه الناس ، ولكني اعترف اني ما رايت قط لحية طويلة تتدلي كالمخلاة الا نازعتني نفسي ان اجعل لها من اصابعي مشطا ، وقلما اري الان لحية تستحق ان اعبث بها فان الناس في زمننا يحلقونها او يقصونها ولا يرسلونها اكتفاء بالمظهر واستغناء به عن الحقيقة الخشنة او الشائكة" ، وقد ترك لنا المازني ـ رحمة الله ـ حصيلة من مؤلفاته في ادب الابتسام تشهد بريادته لهذا الفن في العصر الحديث ، بدءا من ( حصاد الهشيم ) و ( قبض الريح ) و ( صندوق الدنيا ) وانتهاء بـ ( خيوط العنكبوت ) .
( 9 )
وفي الاربعينات بدأ يلمع اسم ( محمود السعدني ) كصعلوك جديد علي غير مثال ، لم تكن صعلكته جانبا من عدة جوانب تشكل شخصيته ، وانما كانت هي هذه الجوانب كلها مجتمعة ، فهو صعلوك في حياته وادبه ، احترف التصعلك الادبي والسياسي والاجتماعي ، حتى فقد جميع مواقعة ، فخرج عن القبيلة ليصطدم بالقبائل المجاورة !


وفي مقابل واقعة الاجتماعي ؛ الذي عايشه بكل تفاصيله وحيثياته ؛ كانت كتاباته في الصحف ، ومؤلفاته وقصصه بمثابة المعادل الفني ، الموضوعي لحياته ، وكان من الطبيعي والبديهي ان يبز الجميع بادب الابتسام ، لانه الوعاء الذي اختاره ليصب فيه كل طاقاته ، والوسيلة التي جعلها مراة لافكاره وتصوراته وطرائقه في التعبير .


لقد التفت الي دور محمود السعدني في احياء ادب الابتسام من جديد ـ وما يرتبط به من تصعلك ـ عدد من الكتاب والنقاد العرب ، دون ان يتوسع هؤلاء في شرح هذا الجانب ، فذكر لويس عوض في كتابه ( دراسات في النقد والادب ) ـ بيروت 1963 ـ انه " منذ ان انطوت صفحة المازني وجيله من الظرفاء والمتظرفين ذبل ادب الابتسام حتي كاد ان ينقرض ولكن هذه المدرسة الادبية وجدت في السنوات الاخيرة كاتبين لامعين جددا شبابها ، كل علي طريقة الخاصة هما محمود السعدني ومحمد عفيفي ... ويضيف " لولا محمود السعدني ومحمد عفيفي ويحي حقي لقلنا ان مدرسة الابتسام في النثر العربي سارت الي زوال بعد ان بلغ فيها المازني قمما عالية " . اما يحي حقي فاعترف بالدور الريادي لمحمود السعدني في مقدمته لكتابة ( فكرة وابتسامة ) حيث اهدي الكتاب الي " محمد عفيفي ومحمود السعدني لانهما يحملان لواء الفكاهة في بلدنا ويشيعان المرح في قلوب اهله .


وايا كانت اراء هؤلاء وغيرهم في الاسباب التي جعلتهم يختارون السعدني رائدا لادب الابتسام في العصر الحديث ، فان الذي لا جدال فيه ان السعدني بعث هذا الفن بكل مقوماته التي عرفناها منذ زمني الصعاليك الشعراء ثم الجاحظ وحتي طيب الذكر المازني ، وقد ظهرت المقومات تلك في مقالاته الصحفية التي نشرها في عدد من المجلات والصحف العربية داخل وخارج مصر ثم ظهرت في مسلسلاته الاذاعية التي ذاع صيتها في اواخر الستينات وتبلورت كاوضح ما يكون في كتبه المنشورة ابتداء بما كتبه عن ( المضحكين ) وانتهاء بكتابة ( السعدني في بلاد الافريكي ) .
( 10 )
لم يترك محمود السعداني لونا من الوان الكتابة النثرية الا وطرقه ، فكتب المقالة الصحفية والخاطرة ـ وله فيها اكثر من كتاب ـ كما كتب السيناريو الاذاعي وله في ادب الرحلات اكثر من كتاب اشرت الي اشهرها ( السعلوكي في بلاد الافريكي ) وفي الرواية وضع ( حتي يعود القمر ) ، والقاسم المشترك الذي يربط بين هذه الالوان يتمثل بالسخرية اللاذعة التي تصيب المجتمع من حوله بل وتصيبه هو ايضا .... ويلاحظ علي العموم ان شخصياته في قصصه ومقالاته وروايته اليتيمة تتمتع كلها بصفات صعلوكية ، فهي في مجملها شخصيات خارجة عن القبيلة ، الدولة او العائلة ، وحتي شخصيات ثائرة ، لاذعة ، تحمل هموما اجتماعية وسياسية واقتصادية هي في محصلتها هموم مجتمعة ووطنه الكبير .
( 11 )
في روايته ( حتي يعود القمر ) ـ علي سبيل المثال ـ تلتقي شخصيات الرواية ، علي اختلاف مستوياتها الثقافية في اطار كوميدي ساخر يتسم بالطرافة والظرف ، فالصحفي حلمي ـ بطل الرواية ـ يتمتع بروح النكتة والمعلم حمودة ـ صاحب كتيبة وحوش الجبال الفدائية ـ كتلة من المرح والظرف وفوزية تجمع الي الحلاوة والبراءة خفة في الدم ، اما القبطان العجوز فصورة كاريكاتورية من قمة راسه الي اخمص قدميه ، وقد وظف السعدني خفة الدم في شخصيات الرواية لخدمة الموقف الوطني في الرواية ، بمعني ان الفكاهة والابتسام والظرف كلها عناصر تدخل في صلب المعمار الروائي لدية ، لخدمة االمسار الميلودرامي في الرواية ، وهذه ـ كما اشرت في المقدمة ـمن سمات ادب التصعلك ، التي يتفرد بها الصعاليك منذ عصرهم الاول وحتي محمود السعدني ، انها سمة تستولد من الحزن والفقر والجوع والالم والمأساة ـ علي وجه العموم ـ النكتة التي تمثل في النهاية موقفا وتصورا مستقبليا ورؤية متفائلة جديدة ، للحياة ، فيها قدر كبير من التحدي والمواجهة .
( 12 )
وان كان السعدني قد سجل في مقالاته واسفاره وروايته جزءا من ( سيرة حياته ) ، باعتبار ان في كل شخصية من شخصياته ملمحا او عدة ملامح من محمود السعدني فانه في مذكراته ( الولد الشقي ) ، يستكمل هذا الاطار بشكل مباشر ، فيه الكثير من الواقعية المؤلمة رغم كاريكاتورية التصوير .


وادب السيرة الذاتية اقتصر منذ زمن طويل في ادبنا العربي بالذات علي تسجيل وقائع واحدث يري اصحابها من الكتاب او السياسين ان يتولوا تسجيلها بانفسهم ، وهم علي قيد الحياة ، حرصا علي مصداقيتها وخوفا من الاجتهاد وربما مصادرة لجهود الغير في هذا المجال ، وخاصة وانه لا يوجد ما يضمن تجاهل ( الغير ) لما هو ايجابي وتركيزه ـ مثلا ـ علي صفحات مطوية ـ قد تكون سلبية ـ من شخصية صاحب السيرة ، ولو استعرضنا السير الذاتية الادبية التي كتبها اصحابها لوجدنا انها في معظمها تعرض للجوانب التي كتبتها اصحابها لوجدنا انها في معظمها تعرض للجوانب الايجابية ، وتضخم بعض المواقف او القضايا بما يخدم الهدف العام من كتابتها ولكن الامر مع سيرة محمود السعدني الذاتية ـ في كتابه الولد الشقي ـ تختلف تماما ، فكاني به يعكس الاية فيختار ما هو كوميدي او سلبي ـ وهو ما يستوجب التستر عليه عند غيره ـ ليبالغ في ابرازه ، حتي لكأنه يكتب عن عدو له ، وليس عن نفسه وسيرته ، ولعل هذه السمة ان تجعل السعدني مجددا في هذا اللون من الادب ايضا .
( 13 )
واذا كانت ظاهرة التصعلك الادبي قد اختفت في عصور وظهرت في عصور اخري ، فان الذي لا جدال فيه ان عصرنا يشهد انحسارا ماموسا لهذه الظاهرة وما يرتبط بها من خصائص فنية ، بحيث يمكن القول ان غياب السعدني عن الساحة لسبب او لاخر قد يحمل في طياته خطر غياب ( ادب الابتسام ) ، او علي اقل تقدير ، سيترك فراغا قد تمر سنوات عديدة قبل ان يشغله سعدني اخر غير العم محمود اطال الله في عمره .
( 14 )
الا اننا لا نستطيع ان نزعم ان الساحة تخلو من ادباء الابتسام والظرف ، او انها خلت منهم علي نحو مفجع ، فمنذ ان ظهرت الصحافة في مصر ونحن نقرأ للساخرين شعرا ونثرا ، لا بل ان هناك موجة من الصحف اليومية والاسبوعية ارتبطت بفن الابتسام والسخرية والظرف الذي غالبا ما يلبس عباءة الهجاء ، ومنهم من احترف هذه المهنة ، واصبح معروفا بها مثل احمد الغار ، علي الليثي ، محمد الدرويش ، عبد العزيز البشري ، حفني ناصف ، عبدالله النديم وامام العبد ، وقد ارتبط ظهور هؤلاء بالصحافة الساخرة مثل البعكوكة ، المسامير، السيف ، الصاعقة وغيرها ، وكانت مساهمات البعض تاخذ شكلا شعريا وفي هذه الفترة ظهرت ( المشعلقات ) لحسين شفيق المصري وهو نمط من الشعر الفكاهي الساخر الذي يعارض المعلقات وتكثر فيه العامية والفاظ الهجاء ... ومع ان هذه النوعية من الكتابة الشعرية ظهرت علي يدي حسين شفيق الا انها وجدت لها فيما بعد عددا كبيرا من الاتباع والمريدين ، حيث شارك عبد السلاشهاب عبقري الصحافة المصرية في الكتابة الساخرة الي جانب ادارته لعدد الي الابتسام والسخرية ، ثم الظروف السياسية السائدة وتصارع التيارات والاحزاب ، ساعد في بلورة هذه الاتجاهات ، وكان لاقبال الجماهير عليها وعلي الصحف التي تنشرها اثره في ازدياد الاقلام ومن ثم في ازدياد عدد المجلات الساخرة ... وقد بلغت في احدي المراحل اكثر من عشرين مطبوعة ، وقد اجتذبت هذه المجلات عدة اصوات معروفة ، لم تكن تعتني بادب السخرة من قبل ، من امثال احمد شوقي وحافظ ابراهيم واسماعيل صبري ، حيث اغنوا الوسط بالابتسامة الشعرية ، كما استقطبت هذه الصحف توفيق الحكيم ، الذي يقال ان مقالة له عن ( البطاطا ) كانت السبب في شهرته .


( 15 )
وقد شهدت فترة الخمسينات والستينات وانحسارا نوعيا في ادب الابتسام ، لتوقف المجلات والصحف المذكورة ، ثم لظهور قوانين المطبوعات والنشر التي كانت تضع قيودا صارمة علي هذه الاتجاهات بدعوي انها تهدد السلام الاجتماعي وتدعو الي التحريض علي السلطة والقانون ، والاسماء التي ظهرت في هذه الفترة لم تجد المناخ المناسب للاستمرار لذا غابت عن الميدان ، او غيرت مسارها واهتماماتها فمامون الشناوي اتجه نحو الاغنية الغنائية وزكريا الحجاوي تخصص في احياء الفولكلور المصري قبل ان يموت غريبا في قطر وفكري اباظة دخل السياسة من اوسع ابوابها فاثر السلامة ومثل ذلك فعل احمد بهجت واحمد رجب ومحمد عفيفي وعباس الاسواني واكثر هؤلاء في ذمة الله الان .


هوامش
1- ورد ذلك في لسان العرب كما ناقش شوقي ضيف هذه القضية كتابه العصر الجاهلي وتوسع في شرحها الدكتور يوسف خليف في كتابة ( الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ) .


2- تابع الدكتور حسين عطوان جهود سابقية وبخاصة الدكتور يوسف خليف حيث وضع كتابا عن ( الشعراء الصعاليك في العصر الاموي ) ثم نشر كتابا اخر عن صعاليك العصر العباسي بعنوان ( شعراء الشعب في العصر العباسي الاول ، وقد صدر الاول عن دار المعارف وصدر الثاني عن مكتبة عمان ..... كما تطرق لهذا الموضوع في كتابه المجلد ( شعراء الدولتين الاموية والعباسية ) وقد نشر في بيروت بالتعاون مع الجامعة الاردنية .


3- اوردها الدكتور حسين عطوان في كتابه الثاني / ص49 نقلا عن الكامل للمبرد ، ( مدود ) : المد : كثيرة الماء وزيادته والصعيد هو التراب الطيب .


4- للجاحظ فلسفة خاصة في ادب الابتسام فهو يراه مناسبا لكل المواضع ، يقول في ( رسالة في النساء ) مجموعة رسائل الجاحظ " وليس ينبغي لكتب الاداب والرياضيات ان يحمل اصحابها علي الجد الصرف وعلي العقل المحض وعلي الحق المر وعلي المعاني الصعبة التي تستكد النفوس ويستفرغ المجهود وللصبر غاية وللاحتمال نهاية ولا باس ان يكون الكتاب موشحا ببعض الهزل " ومما يجدر ذكره ان كتاب ( البخلاء ) للجاحظ هو قمة من قمم ادب الابتسام في الادب العربي .


5- عمل في الصحافة المصرية منذ الخمسينات ، وتولي رئاسة تحرير مجلة صباح الخير القاهرية ثم عمل مديرا لتحرير جريدة الوحدة ثم جريدة الفجر ( تصوران في الامارات) قبل ان يصدر في لندن مجلة ( 23 يوليو ) ، وقد اعدت هذه الدراسة بطلب منه لنشرها كمقدمة لكتابة الجديد بالاضافة الي دراسة مماثلة لالفرد فرج .