المواجهة
رد على افتراءات حبيب الصايغ وتهجمه على الكتاب العرب الوافدين
نشر هذا الرد في جريدة الخليخ الصادرة في الشارقة في عام 1983

كتب : أسامة فوزي
لا ادري لماذا اختار حبيب الصايغ عنوان ( المواجهة ) لمقالة المنشورة في الخليج الثقافي ـ انظر العدد الماضي ـ ولا ادري أيضا أن كان غيره قد اختار لمقالته تلك هذا العنوان ، ولكن الذي يخلص أليه القارئ هو أن ( المواجهة ) التي أرادها حبيب الصايغ تحمل في طياتها بعدا إقليميا خطرا ؛ لانه ينقل صراع الجنسيات إلى الساحة الثقافية ويتعامل مع الأدب من خلال مقاييس إدارة هذه المقولة في الأسطر الأولى من مقالته ولكنه يكرسها ويترجمها الي مواقف ـ فيها الكثير من التجريح الشخصي ـ في الأسطر التي تلي ذلك ، وليس ادل علي هذا من اختياره لثلاثة كتاب وافدين ، ليكونوا هدفا في مرماه ، متجاوزا أقلام كتاب مواطنين سبق أن فتحوا النار عليه ووضعوه بما لم يصفه كاتب وافد من قبل وكان الأولى ـ التزاما بالموضوعية أن يكون هؤلاء في الموصي أيضا ، ولا أظنها مصادفة ان يضع حبيب الصايغ في مواجهة الكتاب الوافدين الثلاثة قائمة من سبعة أسماء لكتاب مواطنين ، فذلك سيوفر للمسرحية ( المواجهة) بعدها ( القتالي ) وبحيث توصي القائمة التي أوردها الكاتب بان القتال يدور بين خندقين وان الكاتب ليس اكثر من ( رأس حربة ) للخندق ( المواطن ) في ( مواجهة ) ثلاثة من الأعداء ؛ الذين ( يرون شيئا من الفرق الذي بسبب الاستعاض بينهم وبين المواطنين في جملة حقوق مثل حق نيل الرخص التجارية والأرضي وأكياس الرز البسمتي ) .

( 2 )
بادئ ذي بدء نحب أن نقول شيئا للحقيقة والتاريخ ، وهو ان الصورة المشوهة القائمة لادب الكتاب المواطنين رسمها الكتاب المواطنون أنفسهم ، وهي صورة فيها الكثير من ( المهاترات والسباب والشتائم ) ولا أظن ان الكتاب الوافدين كافوا سببا فيها ؛ فالذي وصف الحركة الأدبية في الإمارات بأنها ( حركة ثقافية عرجاء ) هو حسب الصايغ نفسه ـ الفجر الثقافي 24 / 4 / 1981 ـ والذي نفي وجود أدباء في الإمارات وقلص عددهم ( بما لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة ) هو حبيب الصايغ أيضا ـ البحر الثقافي 28 / 5 / 1981م ـ وطبقه ( المتشاعرين والمتأدبين الذين تسربوا إلى الساحة الأدبية ووسائل النشر ) دلنا عليها حبيب الصايغ كذلك ـ الفجر 28 / 5 / 1981 م ـ والإصدارات الجديدة هي التني وصفها حبيب بأنها ( من قبيل الكلام الميت ) ـ الخليج 22 / 8 / 1981 واظن أن حبيب الصايغ وحده هو طالب الشعراء بالانتحار ـ المصدر السابق ـ وكان الصايغ هو الوحيد الذي أشار إلى فئة من الكتاب المواطنين الذين ( يفتقرون إلى الموهية والاستعداد وهم يجب الا يضعوا وقتهم في ميدان ليس فيه ناقة ولا جمل ) ـ الفجر 28 / 5 / 1981م ـ أما قاموس الهباء والردح والمهاترات والسباب والشتائم الذي يسود الساحة الأدبية فغالبيته من تأليف وابتكار الكتاب المواطنين أنفسهم ، واظن أن دعوة حبيب الصايغ بإيجاد ( نقد منهجي ) يحلو من ( المهاترات والسباب والشتائم ) هو مطلب عظيم وواجب وطني ، ولكنتي أظن أن حبيب الصايغ نفسه يتجاوز ( النقد المنهجي ) إلى ( السباب والمهاترات والردح ) حين يصف زميله الشاعر المواطن احمد راشد سعيدان بأنه ( معني بوسائل الدعاية لنفسه اكثر مما معني بالإيداع ) وانه ( لا يهمه أن ينشر قصيدة جديدة فعلا بقدر ما يهمه أن ينشر عنه خبر جريدة جديد ) ـ الخليج الثقافي 22 / 8 / 1981 ، ومن ( النقد المنهجي ) لحبيب الصايغ وصفه للدكتور احمد أمين المدني ـ وهو كاتب مواطن ـ بأنه ( شاعر يعيش علي هامش الحياة الثقافية ) وان ( مفاهيمه النقدية متخلفة ويعيش بفكر الخمسينات ولربما الأربعينات ) ـ الخليج المصدر السابق ـ أما الشاعر احمد راشد ثاني ( فيسلق القصائد سلفا ) لانه معني ( بهاجس النشر ) ـ المصدر السابق ـ ولا داعي بالمقابل لان نورد كل المقاطع التي تضمنت ردود الكتاب المواطنين الذي يريده حبيب ، ولكننا نذكر فقط بما يقوله احمد راشد سعيدان ( الشاعر العزيز حبيب الصايغ يري الميدان خاليا من الفرسان ، لا يري الا نفسه ففي صورة حقد دفين علي الأقلام الشابة واحب أن أوضح أيضا أن حبيب الصايغ لا يسره أن ينقد شعره ويصف ناقده بعدم الفهم وألا فما سر تحويل عموده الصحفي من عمود اجتماعي إلى عمود هجاء لكل من ينقده ) ـ الخليج 29 / 8 / 1981 ـ وتعليق محمد إبراهيم أبو ملحة علي قصيدة لحبيب الصايغ ( فمثل هذا الزخم الذي يزكم الأنوف من الادعاءات والبجح الشعري أخر ما يمكن أن نغالط أنفسنا فيه فنسميه شعرا ونسقي قائلة شاعرا رغم أعمال الدعاية له ولاصحابه من نشر نتاجهم المبتذل بصورة تجذب الفراء ونشر صورهم بأحجام كبيرة وتميتهم بالشعراء ) ـ البيان 2 / 7 / 1981م ـ هذا فضلا عن الوصف المبتكر الذي أطلقه الشاعر حمد بوشهاب .
كل هذا ( النقد المنهجي ) صدر عن الكتاب المواطنين ـ وليس عن الوافدين ـ ، الذين يتحدث حبيب الصايغ باسمهم ، او هو يوهم القراء بأنه يطلق النار من خنادتهم في ( المواجهة القتالية ) التي يظن حبيب أنها موجودة بين الكاتب الوافد والكاتب المواطن ؛ تلك ( المواجهة ) التي جعلته يرفع شعار ( نحن كتاب الإمارات بحاجة إلى نقد يأخذ بأيدينا ولا يحاول بتر أصابعنا ) ، وتلك المواجهة التي جعلته لا يري العلاقات الثقافية السائدة ألا من منظور الرزا لبستمي الذي يظن أننا ( نحسده عليه ) !

( 3 )
كلام حبيب الصايغ عن ( قصيدة النثر ) كلام جميل ، مع أنى لا أرى أن قصيدة النثر هي ( المشكلة المطروحة علي ساحة البحث بالإمارات ) ـ كما ذكر ـ لسبب بسيط وهو أن أيا من الكتاب المواطنين والوافدين ـ باستثناء الماغوط ـ لا يكتب هذا اللون من الشعر ، حتى حبيب الصايغ نفسه ، فلماذا أذن استبد به الحماس لمناقشة هذه القضية في خمسة أعمدة مزدوجة من الخليج الثقافي ؟
أهي رغبة في الدماغ عن كتابات ظبية خميس ( رائدة قصيدة النثر ) ـ كما يصفها ـ ام أنها الرغبة في مقاتلة الوافدين الكتاب علي طريقة دا حس والغبراء !!

( 4 )
مشكلة صديقي اللدود حبيب الصايغ انه كثير النسيان ، ومشكلتي أني امتلك ذاكرة أرشيفية ، واظن ان حبيب الصايغ لو سأليني قبل أن يتورط بنشر مقالته ( المعركة ) عن رأيه السابق في قصيدة النشر لذكرته به ، حتى لا يوقع نفسه في تناقص لا يحسد عليه ، ولقلت له : انك يا حبيب نشرت اعنف هجوم علي هذا اللون من الشعر وعلي رائده محمد الماغوط ـ دون ان تذكره صراحة ـ في مقالة لك منشورة في الفجر الثقافي بتاريخ 3 / 7 / 1980 ، فأنت الذي قلت أن هذا اللون من الشعر هو ( مؤامرة تحاك علي الشعر العربي وعلي التراث العربي ) وأنت الذي قلت انه ( تحت ستار التجديد بدأ البعض يكتب كلاما اقل ما يقال فيه انه عادي ومباشر ويفتقد إلى روح الشعر ) وأنت الذي قلت ( النشر غير الشعر ويجب ان تكون هناك حدود تفصل بينهما واذا تم نسق تلك الحدود المعروفة فان الأمور تختلط وتضيع المقاييس فيصبح الكلام العادي المباشر الذي يفتقد إلى اقل مقومات الشعر ، يصبح قصائد رائعة لمجرد انه يكتب تحت عنوانها أنها من شعر خلان الفلاني ولما كان فلان الفلاني هذا شاعرا معروفا فان جميع ما يكتبه يصبح بالضرورة شعرا ) وأنت الذي قلت ( إننا اذا لم نستطيع وضع فوارق تميز الشعر من النشر فسوف يستطيع البعض إطلاق صفة الشعر علي أي نثر وبالتالي يصبح الأمر نسبيا نفسه ؛ الكاتب نفسه سوف يكتب قطعته النثرية وسوف يقرر فيما بعد هل هي شعر ام نثر وسوف يتعامل معها القارئ علي أساس ذلك القرار وفي ذلك إجحاف لحق الشعر وحق النشر وحق التراث وحق القارئ العربي ؛ التجديد هو تجديد التراث وليس إلغاءه فالغطاء إلغاء للوطن ) .

أليس هذا حديثك با أبا سعود ، فبا لله عليك يا رجل : كيف انقلبت معك الأمور في مقاولتك الأخيرة رأسا علي عقب ، كيف اصبح صاحب الرأي السابق هو صاحب الرأي الجديد المنشور في الأسبوع الماضي والذي يقول : ( البحث المضني لم يستطيع حتى ألان تجاوز نقطة فاقره تتوقف عند السؤال التالي : هل هي شعر او غير شعر ... بينما تناقش الرسائل الجامعية حول قصيدة النشر في اعرق جامعات العالم ويترجم شاعر مثل محمد الماغوط إلى جملة لغات عالميته ) .

وكيف لنا يا رجل ان نفسهم قولك الجديد ( أن الواقع النقدي المتخلف يكشف في وضوح عن خلاف عقائدي بين تيارين أخذا يتبلوران أخيرا هما تيار التقليد وتيار التجديد ) وقولك ( الشعر الجديد سيضاف ألي الرايث السلفي المتراكم إذا لم يحاول نسفه ، انه إذا نظر إلى الوزن والموسيقي كمقدسات فسوف يتحول الي جزء من العادات والتقاليد ) .

بالله عليك يا ابا سعود : كيف تستطيع ان تكون سائقا متهورا وشرطيا في دائرة السير في ان واحد ، وبالله عليك كيف يمكن لك ان تكون مزدوجا ومتعارضا مع ذاتك تجاه قضية واحدة محددة بهذا القدر ؟!


( 5 )
أن تغيير رأي الكاتب أو الأديب تجاه قضيه معينة ، وسيره فيها بالاتجاه المعاكس تماما ، أمر وارد ، ولكنه يحتاج إلى تبرير علمي ومنطقي مقنع ، لان التغيير هذا هو انعكاس لرؤية حياتية وفكرية جديدة فما الذي غير رؤيتك الأولي المعاوية لقصيدة انشره إلى الدرجة التي تعتبرها ( مؤامرة ) إلى الضو تماما ؟!

قلت في نفسي : لعلها رؤية جديدة تنسجم مع اتجاه حبيب نحو كتابه قصيدة النشر ، ولكن هذا الافتراض لم يصمد كثيرا ، ذلك أنى قلبت كل قصائدك فلم أجد قصيده نثرية واحدة ... وجدت بعض الفقرات في بعض القصائد تخلو من الوزن ، ولكنها لا تمتلك خواص قصيدة النثر ، لقد وجدتك شاعر تفصيلة في كل ما تكتب ، حتى في قصيدتك ( اتجاه الأبجدية ) التي حاولت أن تخرج بها من إطار قصيدة التفصيلة بإضافة الأسهم والإشارات دونما جدوي .

التفسير الوحيد الذي توصلت إليه ـ وارجو أن أكون مخطئا فيه ـ هو ان انقلا بك المشار إليه سببه رغبتك في الدفاع المستميت عن كتابات طبية خميس ؛ هذا الدفاع الذي أفقدك توازنك فجعلك تفتعل ( مواجهة ) قتالية مع الكتاب الوافدين ، وتطلق النيران في جميع الاتجاهات وتنجرف ـ في حتى الدفاع ـ إلى موقف إقليمي فاجأت به الجميع ، وادهشني قبل أن يدهش غيري ـ وأنا الذي كنت أظن أني أعرفك جيدا ـ ، هذا الدفاع ـ غير المفهوم وغير المبرر ـ هو الذي النقيض ، من شرطي سير إلى سائق متهور ، وهنا تكمن الخطورة ، لان هذا الانقلاب تم بمزاجية فردية واعتمد علي مقاييس شخصية سرعان ما تتغير بتغيير ( المزاج ) ، ومن هنا فقط يحق ( للرادار ) النقدي ان يوفقك وان يسحب منك ( الليسن ) الشعري .

( 6 )
هذا الموقف المزاجي ( النقدي ) بتودني الي مسألة كان قد آثارها الكاتب المعروف احمد كلش ـ وقد تبين انه غير معروف لحبيب الصايغ ـ وهي ان ظبية خميس كشفت ـ في أيامها الأولى في العمل الصحفي ـ عن قدرة متميزة علي كتابة المقال الانتقادي السياسي والاجتماعي وساعدتها علي ذلك ثقافتها السياسية واختصاصها العلمي ثم عملها في اكثر وزارات الدولة حساسة ـ وزارة التخطيط ـ واطلاعها علي دقائق ومعلومات وإحصاءات تشكل بنية مجتمع الإمارات في صورته الحالية ، ولكن إيهام ظبية خميس بأنها شاعرة وبخزانها بمنتهي البراءة والصدق وراء هذا الوهم أجهض فيها قدرتها علي الإبداع في مجال المقال ، وكانت أول قصيدة تنشرها ظبية في الفجر بمثابة بداية النهاية لكاتبه مقال من الطراز الرفيع .

( 7 )
مع أنني لم اكن ارغب بالكتابة عن ( قصائد ! ) ظبية خميس لعدم الجدوى من ذلك ، ألا أنني أجد نفسي منجزا إلى تناول بعض المعادلات النقدية التي لا يستطيع كاتب مثلي ان يغفلها عند قراءة كتاب ظبية ( خطوة فوق الأرض ) ، وهي معادلات تكشف عن زيق العملية الشعرية في هذا الكتاب من أساسها ، فضلا عن كونها معادلات تحتاج الي حل ، وسأكتفي بإيراد بعضها علي أن يتولي حبيب او ظبية حلها ، ولا مانع أن يفعل ذلك مدرسو اللغة العربية في المدارس الابتدائية ، الذين اصبحوا نقادا ومنظرين للأدب في الإمارات .

أولا : عدد قصائد الديوان 21 قصيدة منها 20 قصيدة كتبتها ظبية في اقل من عام كمما تبين تواريخ القصائد ، فهي مكتوبة ما بين الأول من يناير وحتى الثالث عشر من سبتمبر ، فهل يعني هذا أن الشاعرة لم تصبح شاعرة ألا في هذه الأشهر !!

ثانيا : من بين قصائدها العشرين إحدى عشرة قصيدة كتبتها ظبية في شهرين فقط ـ خمس قصائد في فبراير وست قصائد في مارس ـ وتتقارب تواريخ كتابه القصائد بشكل عجيب يدل فيما يدل عليه بان التجارب منفصلة ... فنجد مثلا ان ( قصيدتها ! ) ـ الوصايا العشر ـ مكتوبة بتاريخ 21 مارس اما قصيدتها ـ يتشاءب التاريخ ـ فمكتوبة في اليوم التالي مباشرة أي في 22 مارس وبعد ثلاثة أيام فقط أي في 25 مارس قصيدتها ـ زلزال في مدفأة ـ وبعد ثلاثة أيام .
أيضا كتبت قصيدتها ـ نيف الوريد ـ وفي 21 مايو كتبت قصيدتها . ـ الحجر المنبوذ ـ وفي اليوم يليه مباشرة أي في 22 مايو كتبت قصيدتها ـ الحجر المنبوذ ـ وفي اليوم الذي يليه مباشرة ، أي في 22 مايو كتبت قصيدتها ـ من يوميات مواطن ـ والغريبة ان هذه ( القصائد ) المتلاحقة متباعدة تماما في مضامينها ومناسباتها ، فكيف تسني للشاعرة ـ ولأي شاعر في العالم ـ ان يكثف تجربته الشعرية ومعاناته الوجدانية بهذه السرعة الصاروخية ؟!

ثالثا : - من الواضع ان ( الشاعرة ! ) ترغب في ان توصي للقارئ بان لكل قصيدة قصة أو تجربة عاشتها في إحدى العواصم العربية ـ اسدة بما يفصله بعض الشعراء ـ فنجد ان لها قصائد مكتوبة في بيروت وطنجة ودمشق والكويت ... الخ ، ولكن غاب عن الشاعرة ان توزع تواريخ كتابتها للقصائد بشكل زميني يقنع القارئ علي الأقل بان للشاعرة قدرة غير محدودة علي الطيران بين هذه العواصم وتكثيف التجربة الشعرية والمعاناة بحيث تخرج معها قصيدة مع كل تذكرة سفر ل، فمثلا لها قصيدة بتاريخ 22 مارس ـ أي بعد يوم واحد فقط ـ مكتوبة في ( بيروت ) ، اما قصيدتها الثالثة فمكتوبة في ( الشارقة ) في 25مارس وبعد ثلاثة ايام فقط كتبت قصيدة جديدة في ( الكويت ) .


رابعا : أما معادلات ( المضمون ) فلا تستحق وقفة طويلة ، ذلك أنى أرى أن الصور الجنسية المباشرة التي وردت في الصفحات 18 ، 20 ، 25 ، 89 ، 103 ، 168 من الكتاب لا ترتبط بفلسفة فكرية معينة تبرر لها هذه المجانية في الوصف ـ كتلك الفلسفة التي تعبر عنها غادة السمان مثلا ـ اما الهم السياسي الوحيد الذي يظهر في المقطوعات ، والذي اعتبره حبيب ميزة ، فهو الحرب اللبنانية ،ـ التي لا تزيد عن كونها ( حبية يقتلون ) ـ انظر ص 45 ـ و ( أكياس يحميها حبية ) ـ انظر ص 53 ـ ، وهذا المهم يظهر ـ حتى في صورته تلك ـ مسطحا ، كما الشكل الفني للمقطوعات ( الشعرية ! ) متجاوزا او متجاهر البسني التحيية للمجتمع اللبناني وما يدور فيها من صراعات فكرية وطبقية وايدولوجية ، حتى البني التي نفذ إليها محمود درويش في قصيدته عن بيروت .
هذا هو كتاب بظبية خميس باختصار فلماذا كل هذا الحماس وهذه النرفزة من ناقديه أذن ؟!

( 8 )
واعود إلى قصيدة النشر فاقول أنى مع تسمية هذا اللون من الكتابة بالقصيدة الماغوطية
لان الماغوط هو الذي اخترعها ، ورسم لها الأطر ، واختار ألفاظها وموسيقاها وصور التعبير فيها بحيث ترتبط القصيدة به ويرتبط بها وبحيث لا تستطيع رغم كل المواقف المسبقة والجاهزة ورغم كل انتماءاتك الفكرية والنقدية إلا أن تعترف بان ما يكتبه الماغوط هو شيء جديد فعلا ؛ جديد في شكلة وجديد في مضمونه ، ولكني اعجب اشد العجب من الكتاب المتبدئين في العالم العربي من محيطه إلى خليجه ، فأنت تري الواحد منهم ينشر في مجانية عاميته ، فتسأله ما هذا ؟ فيقول هذا ( شعر منثور ) وحتى يتجنب نقد الناقدين ، ، قراه يتكئ علي تجارب الماغوط الشعرية ، ويبالغ في ذلك ، فيذكرك بان قصائد الماغوط تدرس في الجامعات وتحضر فيها رسائل الدكتوراه إلى أخر هذا الموال ، الذي افتتح به حبيب الصايغ مقالته ، ولعلنا نحسم الأمر فنقول : نعم أن ما تقولونه عن قصائد وتجارب الماغوط صحيح واكيد ولا جدال فيه ، ولكن من قال لكم أن ما تكتبونه وتنشرونه يرقي إلى الأولى من السلم الشعري عند محمد الماغوط


( 9 )
وماذا بعد ؟!
هل يجوز اعتبار تصريح محاسب معرض الكتاب لاحدي الصحف اليومية بان اكثر الكتب مبيعا كانت ظبية خميس وحبيب الصايغ ومحمد أبو القاسم ..... هل يجوز اعتبار هذا التصريح الصحفي ( التجاري ) و ( المعبزك ) دليلا علي صحة الزعم بان هناك إبداعا شعريا في كتاب ظبية ، خاصة وإننا نعلم أن الكتب المشار إليها قد صدرت عن دار الكلمة بالتعاون مع مركز الإنماء وهما جهتان منظمتان للمعرض .

ولنفترض جدلا ان ما يقوله المحاسب فيه الكثير من الصحة والصدق ، فهل يجوز اتخاذ ما يقوله مقياسا للحكم علي الجودة ، وهل يجوز مثلا أن نقول بان مجلة ( الموعد ) هي المجلة الأولى في العالم العربي لمجرد إنها توزيع ربع مليون نسخة ، وهل يجوز أن نقول أن ( محمد بديع سربية ) هو الكاتب الأول في العلم العربي لمجرد أن اكثر من خمسة ملايين عربي يقرأونه كل أسبوع ؟ !

وماذا بعد ؟ !
هل يجوز أن نعتبر فلانا من المواطنين كاتبا ( مواطنا ) لمجرد انه حصل علي جنسية الإمارات بحكم توافر شروط دائرة الجنسية والهجرة فيه ، وبالمقابل هل يحوز ان ننفي هذه الصفة عن كاتب عاش عمره كله في الإمارات ولكنه لم يتمكن من الحصول علي ( خلاصة قيد الهوية ) ؟ !

وماذا بعد ؟ !
هل يجوز أن نورد أسماء مواطنات ومواطنين لم ينشروا اكثر من خاطرة او الصحف اليومية ، للتدليل علي أن هناك حركة ثقافية مواطنة في الدولة ، ثم يكون هذا مبررا للقول بان النقاد يتجاهلون ( الإنتاج الإبداعي ) للمواطنين .

وهل يجوز للكاتب المواطن أن يغضب من كاتب وافد فيلجأ إلى مديرة في العمل للوشاية به أو ليكون ( واسطة خبر ) في ( تفتيشه ) وقطع رزق أطفاله ، وهل يجوز حسم الخلافات الأدبية باللجؤ إلى المحامين أو بتبادل التهديدات علي الهاتف ؟ !
( 10 )
لقد بقي الكثير ، ولكن هذا الكثير لا يمكن مناقشة وعرضه علي صفحات الجرائد ، وبالصراحة المطلوبة ، حتي لا يخرج علينا كاتب اخر بمواجهة جديدة ، يتهمنا فيها ( بالحسد ) والامتعاض من امتيازات الكاتب المواطن بما فيها الحصول علي الرز البسمتي .

أما إذا أراد لها البعض ( مواجهة ) بالفهم الإقليمي الضيق فأنا أول المنسجين والخاسرين ، لاني لا أجيد لغة التنابر بالجنسيات ، فعلا عن كوني لا احب ( التحتدق ) ألا مع الكتاب المقاتلين ، الذين لا يفرغون رصاصهم في الظهور ، ولا يدخلون ( مواجهات ) تقوم المعادلات فيها علي نوع الرز الذي يأكله المتقاتلون ، حتى ولو كان هذا الرز من النوع البسمتي الفاخر .

هوامش
• نشر المقال في الملحق الثقافي لجريدة الخليج التي تصدر في الإمارات العربية العدد 1051 الاثنين 22 / 2 / 1982 م ردا علي مقالة نشرها الشاعر حبيب الصايغ ـ من الإمارات العربية ـ بعنوان ( المواجهة : نحن أبناء الإمارات بحاجة إلى نقد يأخذ بأيدينا ولا يبتر أصابعنا ) نشر في ملحق جريدة الخليج / العدد 1044 ـ 15 / 2 / 1982م
( 1 ) حبيب الصايغ من اشعر الشعراء في الإمارات علي كتابة القصيدة المرسلة ( قصيدة الفصلية ) ، صور له ديوانان شعريان عن دار الكلمة في بيروت هما ( هنا بار بني عبس الدعوة عامة ) و ( التصريح الأخير للناطق الرسمي باسم نفسه ) ، عمل مديرا لتحرير جريدة الفجر وهو في الثلاثين من العمر ، أقرا عنه تفاصيل أخرى في كتابي ( مقالات في النقد الأدبي ) ـ دار الرشيد ـ بغداد ـ 1981م .
( 2 ) هم كاتب هذه السطور والشاعر العراقي خالد الحلي والكاتب الفلسطيني احمد كلش وكان الثلاثة قد نقدوا كتاب ( خطوة فوق الأرض ) لفتاة من الإمارات اسمها ظبية خميس ، وجاءت مقالة حبيب الصايغ بعنوان ( المواجهة ) للرد عليهم باسم كتاب الإمارات .
( 3 ) هم محمد عبيد عباس ، عبد الحميد احمد ، احمد راشد ثاني ، سامي مطر ، مريم فرج ، ناصر النعيمي ، خالد بدر عبيد
( 4 ) هذه العبارة من مقالة الكاتب ،والرز البلسمتي هو النوع المفضل لسكان المنطقة وغالبا ما يصرف للمحتاجين منهم دون مقابل ، وقد علق الشاعر العراقي خالد الحلي علي هذه العبارة قائلا : " أنني لم اصدق أن تصدر مثل هذه الكلمات عن شاعر ومثقف لو لم اكن قد أعدت قراءتها مرات كثيرة وخرجت منها وأنا لا املك ألا أن احزن ـ انظر جريدة البيان ـ 22 / 2 / 1982 م
( 5 ) طبع الكتاب في مطابع جريدة الفجر / أبو ظبي وكتب علي غلافه الأخير انه من منشورات دار الكلمة البيروتية ، وقد ذكر القاص محمد الحربي في ندوة لاصحاب دور النشر أقيمت في الشارقة في شهر كانون ثاني 1981 أن حبيب الصايغ وصاحبه الكتاب مسئولان عن ذلك ولا علم لصاحب الدار بالموضوع وقد أكل حسين حلاق صاحب الدار ، والذي كان موجودا في الندوة هذه المسألة ، ولوحظ أن دار الكلمة لم تعلن عن الكتاب في قائمتها المنشورة ضمن دليل معرض الكتاب الذي أقيم في الشارمة من 18 / 1 / 1982 ولغاية 5 / 2 / 1982 م .
لا اكتمكم أن المقالة المنشورة لحبيب الصايغ في العدد الماضي من " الخليج الثقافي " بعنوان " أخر المواجهة احتضان الراية " ؛ والتي جاءت محارضة لشعار " جدلية الناقد والمبدع ؛ الذي افتتح به الدكتور الصديق يوسف عايدابي مقالتي الأخيرة ... أقول : لااكتمكم أن مقالة حبيب الصايغ تلك تجعل ( جدلية الناقد والمبدع ) أشبه بحوار الطرشان ، واظن أن أحدا لن يؤاخذ الدكتور عايدابي علي رفع هذا الشعار في المرات القادمة ، و ( جدلية الطرشان ) تعني ـ فيما تعنيه ـ أن يكتب ؟( الناقد ) كلاما في الشرق فيرد عليه ( الإبداع ) في الغرب ، دون أن تكون هناك لغة مشتركة بين الاثنين ، أو أختي قضية واحدة يختصها الاثنان للنقاش ، واظن أن جدل الطرشان لو استمر علي هذا النحو فان النهاية ستكون كوميديا جديدة تضاف إلى حركتنا الأدبية (العرجاء ! )

جدلية الطرشان تسير علي النحو التالي :-
• قال حبيب الصايغ ما معناه أن الكتاب العرب المقيمين في الدولة والذين ( يريدون شيئا من الفرق الذي يسبب الامتعاض بينهم وبين المواطنين في جملة حقوق مثل نيل الرخص التجارية والأراضي وربما أكياس الرز البسمتي ) ينقلون تلك الحساسية المفرطة إلى الساحة الثقافية .
فقلنا له : أن مقالتك هي التي تثير مثل هذه الحساسية لان أحدا من قبلك ، مواطنا أو وافدا ، عربيا أو هنديا ، لم يكتشف أن ( الرز البسمتي ) أو ( البطاطا اللبنانية ) قد تكون عاملا مؤثرا في الساحة الثقافية . رد علينا قائلا : إننا نحن الذين ( عرفنا علي الوتر الإقليمي الضيق في ندوة جديدة الوحدة ) فماذا نرد عليه ( يا جماعة الخير ) ، هل نقول له : يمكنك أن تعود إلى التسجيلات الصوتية المحفوظة في أرشيف الجريدة للتاكل من أن الرز البسمتي لا يسبب لنا الحساسية التي يسببها لك .


• قال : لقد ( أخذت موقفا عدائيا من قصيدة النشر ) ، ونقل رأي أدونيس ليرد به علينا .
فقلنا له : ولكنك أنت الذي هاجم هذا اللون من الشعر حين قلت بالحرف الواحد " تحاك ألان في وضح النهار مؤامرة علي الشعر العربي وعلي التراث العربي ، فتحت ستار التجديد بدا البعض يكتب كلاما اقل ما يقال فيه انه عادي ومباشر ويفقد إلى روح الشعر ، نعم : الشعر لم يعد كما كان من قبل ، لم يعد أوزانا ولم يعد نظيما ولكن النثر غير الشعر ، ويجب أن تكون هناك حدود تفصل بينهما ، واذا تم نسق تلك ( الحدود المعروقة ) فان الأمور تختلها وتضيع المقاييس فيصبح الكلام العادي المباشر الذي يفتقد إلى اقل مقومات الشعر ، يصبح قصائد رائعة لمجرد أن يكتب تحت عنوانها إنها من شعر فلان الفلاني ( ولما كان فلان الفلاني هذا شاعرا معروفا ) فان جميع ما يكتبه يصبح بالضرورة شعرا ، أما إذا كتب مبتدئ يخطو خطواته الأولى علي درب الشعر شعرا افضل في كل المقاييس من شعر ( فلان الفلاني ) فانه يبقي مبتدئا ، وقد ينصح من قبل النقاد والأدباء بان يكثر من المطالعة وقراءة دواوين الشعر المختلفة والمتنوعة ، بما فيها ديوان الشاعر ( فلان الفلاني !! ) ما هو الشعر ؟ أننا إذا لم نستطع وضع فوارق تميز الشعر عن النثر فسوف نستطيع البعض إطلاق صفة الشعر علي أي نثر وبالتالي يصبح الأمر نسبيا ومزاجيا وساذجا وتافها ويصبح القرار في يد الكاتب نفسه ؛ الكاتب نفسه سوف يكتب قطعته النثرية وسوف يقرر فيما بعد هل هي شعر ام نثر وسوف يتعامل معها القارئ علي أساس ذلك القرار ، وفي ذلك إجحاف لحق الشعر وحق النثر وحق التراث وحق القارئ العربي .


• قال : لم يحدث أن قلت أن قصيدة النثر ( مؤامرة ) ، نذلك كلام اخترعته أنت من عندياتك ، الذي قلته هو ما يلي .. ( تحاك ألان في وضح النهار مؤامرة علي الشعر العربي ... الخ ) .


• قلنا : لقد فسرت الماء بعد الجهد بالماء ، ولعلك تنسي أننا تحاورنا في حسنة حول ( فلان الفلاني ) ، بحضور عدد من الأشخاص يمكن ان نذكرهم لك .


• قال : لقد زعمت بأنني قصدت الهجوم علي محمد الماغوط ، أما موقفي من مسرحية كأمك يا وطن ) .


• قلنا : لقد تحدثنا يا رجل عن موقفك من ( شعر ) محمد الماغوط وليس من ( مسرحه ) فما بالك تنسي عليك السلام .


• قال : أننا نحتاج في بلدنا إلى ( نقد منهجي ) دون ( المهاترات والسباب والشتائم )


• قلنا : ولكن نقوك المنهجي مليء بالمهاترات والسباب والشتائم ( واورون له عشرات ا الأمثلة مؤرخة ومؤرشفة ) .


• قال : لقد خانتك ذاكرتك ( الواهنة والضعيفة .


• قلنا : ما بالك تدافع عن قصيدة النثر وأنت لم تكتبها بعد ؟


• قال : ألم تقرأ تصريحي الصحفي لجريدة الاتحاد باني كتبت إحدى وخمسين قصيدة نثرية سوف انشرها في مجموعة شعرية مشتركة مع ظبية خميس بعنوان ( ضجيج ) واظن أنا سنقول له : يا رجل ، منذ يتعامل ( النقاد المنهجيون ) مع تصريحات صحيفة لشعراء يقولون انهم سيكتبون كذا وكذا ، هذا هو ( النقد بالنيات ) يا رجل .


• قال : أنا مختلف معكم ثقافيا وبالتالي ( سياسيا ) ، موحيا بذلك انه رجل سياسة خطير .


• قلنا . وهل من التقدمية في ( السياسة ) آن تكتب قصائد ومقالات في مدح بعض الرموز السياسية والوظيفية ـ وأرشيف جريدة الاتحاد والفجر يزخر بها ـ ولعلها مرحلة ـ نقول معك ذلك ـ ولكن هل تعتقد أن لجؤك إلى تذكير محاسب المعرض بان كلامي عن تصريحاته المفبركة تخالف ( القانون ) ، وهل تعتقد أن إيمانك بان مقالة محمد إبراهيم أبو ملحة في جريدة البيان تخالف ( القانون ) فضلا عن وقوع حمزة عباس في جريدة الوحدة تحت طائلة ( القانون ) .


• هل تعتقد أن تمسكك بهذا ( القانون ) ـ الذي طالما طالبت بتغيره ـ سيعطيك الوجه ( النضالي ) الذي تريده ؛ هذا علي افتراض أن نقدك ( المنهجي ) المشار إليه ، ووصفك لمقالة عصام عاشور المنشورة في ( الظفرة ) بأنها ( سباب وقح ) لا يتعارض مع ( القانون ) أيضا . ـ انظر الفجر 28 / 5 / 1981

( 3 )
لا أريد بهذا أن أثير ( جنجالا ) في حركتنا الأدبية ( العرجاء ! ) ـ والوطن لحبيب الصايغ ـ ، ولا أريد أن أسال حبيب الصايغ عن القدرة العجيبة التي تتميز بها ( مركبته الأدبية ) ؛ التي تسير ( سيدة ) وترجع ( ديوس ) في لحظة واحدة ، وافقا لمزاج السائق وليس التزاما بقواعد المرور . ولا أريد أن أسال حبيب الصايغ لماذا ينفعل دائما ، وبطريقة تجعله يفتح النار علي جميع ( النفرات ) ، عندما تكون كتابات ظبية خميس هي موضوع الحوار ، ولا أريد أن أسال عن السر في أن كل مقالات حبيب الصايغ ( النقدية ) موظفه للدفاع عن كتابات ظبية خميس فقط لا غير، سواء في افتتاحية الفجر 23 / 4 / 1981 ـ ردا علي سعيد محمد دحي ـ أو في الفجر أيضا ردا علي وائل الحبشي أو في الخليج الثقافي في 22 / 8 / 1981 أو في مقالته الأخيرة المنشورة في الخليج الثقافي في 22 /8 / 1981 أو في مقالته الأخيرة المنشورة في الخليج تاريخ 15 / 2 / 1982 ، والتي رد فيها علي خمس مقالات لي واثنين لخالد الحلي واحمد كلش !! حبيب الصايغ حر في هذا ، ولكني أرى من باب الصداقة فقط أن هذه الحرية ، والمزاجية ، أفسدت الوسط الأدبي المحلي ، وخلقت حساسيات كثيرة كانت ـ في رأيي ـ السبب وراء إجهاض مشروع اتحاد الكتاب في الإمارات ، وللتذكير فقد الشاعر المواطن عارف الخاجة هو الذي قال ـ في رده أسئلة جريدة الوحدة ـ ( أن هناك محاولة لبعض الأشخاص تريد تسيير الاتحاد وفق أهوائهم الشخصية في جميع الأمور ، وأنا ممن يرفضون أن يكونوا مجرد جنود علي رقعة شطرنج يجلس عليها اثنان يتحكمان فيها ) ، واظن أن الشاعر المواطن احمد راشد ثاني هو الذي قال : ( كان من المفروض ان يحول حبيب الصايغ ممارسته مع الواقع الثقافي إلى ممارسة ناضجة ) ـ انظر الوحدة 21 / 2 / 1981 م

( 4 )
" الكاتب المواطن يبدو بلا قضية " .
من هنا فقط تبدأ ( المواجهة ) ، ومن هنا فقط كنا نتمني لو أن ابن الصايغ بدأها .
في محاضرتي عن ( واقع الثقافة في الإمارات ) ، والتي ألقيتها في النادي الوطني للثقافة والفنون في عجمان بتاريخ 3 / 2 / 1982 م
قلت بالحرف الواحد : لقد ظهر ـ بفعل عوامل التغيير الاجتماعي ـ تيارات ؛ الأول يبحث عن معادلة فني للواقع الجديد ؛ بعيدا عن مخزونات التراث التي انقطع عنها بفعل طفرة التغيير ، وقد اتسم هذا التيار أو الاتجاه بالسمات الفنية والمضمونية التالية :
1- التجريب في شكل الفني للقصيدة ،مثل حبيب الصايغ في قصيدته ( اتجاه الأبجدية ) أو ( قراءة في سفر التكوين )
2- التجريب في الشكل الفني للقصة القصيدة ،مثل قصص عبد الحميد احمد في مجموعته ( السباحة في عيني خليج يتوحش ) ـ حيث اختزل القاص المسافة ما بين القصيدة والقصة التقليدية
3- التجريب في الشكل الفني للقصيدة العامية مثل قصائد احمد راشد ثاني ونضيف إليها قصائد ناصر النعيمي .

أما التيار الثاني فيلتزم بالشكل الفني المتوارث ولكنه يميل إلى تطعيم المضمون بما يمكن أن نسمية بالمعاصرة ، ومن هؤلاء عارف الخاجة واحمد أمين المدني وهاشم الموسوي ، ويتفاوت الالتزام بالشكل الفني ـ التقليدي ـ عند الشعراء الثلاثة كما يتفاوت المضمون في معاصرته ، فنري ان عارف الخاجة والموني يخرجان عن الشكل في بعض الأحايين بينما يلتزم به الموسوي .
وقلت انذاك : انه بين هذا التيار وذاك تظهر كتابات في صورة خواطر أو قصائد تسعي في الاتجاه الذي تسير فيه قصائد حبيب الصايغ ، ولكن ينقصها الكثير من وضوح الرؤية ومن السلامة اللغوية والفكرية ونظن أن كتاب ( خطوة فوق الأرض ) لظبية خميس ابرز ما يمثلها .

( 5 )
من خلال هذا العرض كيف يمكن القول : أن أدب الإمارات يبدو بلا قضية ، واوضع مليون إشارة تحت كلمة ( يبدو ) ، التي تعتمد ابن الصايغ إسقاطها .

القضية في الأدب لا تعني مجرد نقل فوتوغرافي أو ( إفراز ) لما يدور في المجتمع ، هذا تصور ساذج ومختلف جدا تجاوزته النظريات النقدية المعاصرة بمراحل ، لانه ببساطة يلغي الأدب كفعالية في تغيير المجتمع ، ويلغي دور الكاتب في ان يكون ( راس حربة ) لاختراق ( الواقع ) نحو المستقبل ورسم صورته الجديدة ، ويحوله الي مجرد مصور فوتوغرافي او مخبر صحفي او ربما كاتب محاضر في دوائر الشرطة ، ينقل لك ما يدور علي لسان ( المذنب الحقيقي ) و ( المتهم البريء ) دون ان تكون عنده القدرة علي التمييز بين هذا وذاك ، ودون أن يتمتع بحد ادني من القدرة علي ( فرز ) هذه المقولات وكشف زيف ما يقوله ( المذنب الحقيقي ) حتى لو كان فقيها .

القصية في الأدب لا تعني النقل " المراوي " للواقع وانما هي إعادة تكوين هذا الواقع واختيار النماذج الإيجابية لتكريسها ؛ الأدب هو عملية ( تغيير ) وليس عملية ( تسجيل ) أو ( تفريغ إسقاطي ) لهموم ومشاكل وأزمات نفسية لدي الكاتب ومن هنا تكن خطورة موافقة حبيب الصايغ علي أن شعار ( الفن للفن ) يحمل في طياته قضية .

( 6 )
الأدب في الإمارات ؛ شعرا وقصة ومقالة وخاطرة ورواية ، لم ينجح في التحول إلى فعالية تغييريه في المجتمع ، تنسجم وتتسق مع التحولات والمتغيرات التي طرأت علي بنية المجتمع وبالتالي حاجاته ، اثر ظهور النفط وربما قبل ذلك ، وانما ظل الأدب تابعا ، يعبر عن هموم ذاتية لا تنجح في الوصول إلى الناس ، ولا تنجح في رسم صورة متفائلة لمستقبلهم ولا تنجح حتى في تشخيص أمراضهم .

( 7 )
حبيب الصايغ مثلا ، فشل من خلال مقالاته وخواطره في الصحف من النفاذ الي هموم المجتمع في الإمارات ، لا بل انه ساهم في كثير من هذه الكتابات في تكريس صورة المجتمع الرأسمالي ، سواء من خلال أشادته ببعض الرموز السياسية والوظيفية أو من خلال شعاراته العجيبة ، التي يرفعها في أحايين كثيرة ، ومنها ـ علي سبيل المثال ـ دعوته للبنوك في الدولة بان ترعي ( الحضارة المرتقبة والحركة الثقافية ) في الإمارات ـ انظر الفجر في 22 / 5 / 1981 ـ وهي اغرب دعوة أقراها في حياتي لكاتب ( تقدمي ) ! .
وللتذكير فقط ، لقد أشرت في أمسيتنا الثقافية المشتركة في الشارقة إلى أن من ينقد حبيب الصايغ ، عليه أن يفصل ما بين شعره ونثره ، فبينهما هوه تعاد تشعرك بان كاتب هذا غير كاتب ذلك .

( 8 )
علي صعيد الشعر ، فان معظم قصائد ديوان حبيب الصايغ ( التصريح الأخير للناطق الرسمي باسم نفسه ) تغرق في إحساس مفجع بالغربة ، بل وتكريس مثل هذا الإحساس في صورة احباطات متوالية ـ انظر قصيدته المزار وفجر اليوم الثاني ـ وتتردد مقاطع هذا الإحساس المعادي لفعالية الشعر في المجتمع في الصفحات 52 ، 54 ، 70 ، 96 من الديوان ، واظن أنى أشرت إلى وقوع الشاعر في ( المباشرة والتقريرية والخطابية ) فمد قصائده الأخيرة ؛ سواء في أمسيتنا المشتركة في الشارقة أو في اللقاء الذي أجرته معي جريدة الاتحاد في 16 / 12 / 1982 م ، وهي الملاحظات نفسها التي أثارها قاسم حداد فيما بعد في حديثه عن الديوان ، ومع أن الشاعر غضب مني انذاك ، بل وخطاني في ملاحظاتي تلك أمام الجمهور ألا انه قبلها ـ كمنا يدعي ـ من قاسم حداد بصدر رجب ـ، ويقول بعض الظرفاء أن ذلك يعود لكون قاسم حداد من أهل ( الفريج ) وبالتالي يشترك مع الشاعر في امتيازات الكاتب المواطن ومنها الحصول علي أكياس ( الرز البسمتي ) .

( 9 )
قصائد الشاعر التي تخرج من همومه المحلية والذاتية إلى هموم القضية الفلسطينية ، هي التي جعلتنا نعتبره شاعرا كبيرا ، وهو كذلك بالفعل ، وقصائده ( الفلسطينية ) عدا عن قصيدته ( بار بني عبس ) ترقي إلى مستوي فني جيد ورائد في المنطقة ، وقد كتبت عن ذلك مطولا في الصحف المحلية وفي محلة الطليعة العراقية ، بل وفي كتابي الأخير ( مقالات في النقد الأدبي )
ما قلناه عن قصائد حبيب الصايغ ينسحب علي قصائد احمد راشد ثاني وقصص عبد الحميد احمد ، فعلي الرغم من الجودة الفنية عند هذا وذاك وعلي الرغم من انهما يعبران بصدق وبفنية عن معاناة حقيقية ـ ليست مزيفة ـ الا انهما لا ينجحان في توظيف هذه المعاناة وهذه الفنية ، لاتخاذ موقف وتحويل الكلمة الي رصاصة ، ليس عن سبق إصرار وترصد ـ فتسقط في التقريرية والخطابية كما نري من حبيب ـ وانما كتحصيل حاصل ، تماما كما هو الأمر عند درويش ولوركا ويندودا وغيرهم .

لا شك أن لعبد الحميد احمد قضية ، ، ولا شك أن لاحمد راشد ثاني وناصر النعيمي قضية ، ولا شك أنها قضية فاعلة ، بدليل إنها تحول ( معاناتهم ) إلى ( إبداع ) في مجال الشعر والقصة ، ولكن الذي أقوله أن صورة هذا الإبداع في تشكيلتها النهائية ( تبدو ) وكأنها بلا قضية واذكر ـ بتشديد الكاف ـ أنى قلت كلمة ( يبدو ) .
هذا ما قلناه في ندوة الوحدة ومحاضره عجمان .. وهذا ما نتمني أن نكون قد أخطأنا فيه .

( 10 )
الثقافة كما قلنا ، ليست فقط الإنتاج الأدبي بأجناسه المختلفة ، وانما هي إنتاج فكري بمفهومه الواسع ، وفي الإمارات ثقافة مسرحية وثقافة تشكيلية لا يجب أن نستهين بها ، ولعلي في هذين اللونين من أشكال التعبير
أقول : انهما يحملان قضية فعلا .
لقد لاحظت أن العاملين في مجال المسرح في الإمارات ، فضلا عن الفنانين التشكيليين اكثر ( ثقافة ) من العاملين في المجال الأدبي ، لذلك اسبابة وعوامله ، فمعظم الكتاب هذا اخذوا شهرتهم من النشر في الصحف أو من خلال عملهم كصحفيين ، بينما لم تتوفر هذه الفرصة للتشكيليين والمسرحيين ، ولعله من البديهي أن نقول أن الثقافة المسرحية ، قراءة وإنتاجا وتمثيلا ، اصعب بكثير م مجرد كتابه الخواطر وجمعها في كتاب ، وان الكتابة بالريشة يمكنهم ان يكونوا كتابا ـ بالمفهوم الحالي والمتداول عند البعض ـ بينما لا يستطيع أن يحمل الريشة ألا الرسام لذا تجد لدينا ألف حامل قلم ولا تجد ألا عشرة رسامين.

( 11 )
ولان المسرحية والتشكيليين في الإمارات لهم قضية ، ولانهم نجحوا إلى حد ما في التعبير عنها فانك ستجد أن الاختلاف علي ( الزعامة ) بينهم غير موجود ، وان حساسية ( الرز البسمتي ) لا تدخل ضمن معادلات تفاعلهم مع المسرحية الثقافي ( النوعي ) في الدولة ان يقول أحد للمؤلف والمخرج العراقي ( واثق السامرائي ) انك تطمع في رزنا البسمتي ، ويدهشك أيضا أن عدد الفرق المسرحية في الدولة تفوق عدد الكتاب المواطنين ، وأنها نجحت في الاجتماع بتاريخ 24 أغسطس عام 1981 واجمعت علي ضرورة تشكيل اتحاد للمسرحيين في الإمارات ، ولم نسمع أن ( فلانا ) نصب نفسه زعيما ، وان ( علانا ) اختلف مع هذا آو ذاك لاسباب شخصية يلبسها الكتاب هنا لباسا ( سياسيا ) ، وانما جلس الجميع علي رقعة الشطرنج وتركوا( كش الملك ) لمن يلعب بمهارة ، وليس لمن يمتلك لسانا أطول ، ودشداشه انصع بياخا ، ودفتر شيكات أطول ، ولحبة أطول أيضا .

( 13 )
لقد سعدت بالتعرف علي بعض المسرحيين والفنانين التشكيليين في الإمارات ، فوجدت فيهم ثقافة عالية ودماثة في الخلق وتهذيبا ينسيك امتيازات قد يكونوا حصلوا عليها ، حتى ولو كانت أطنانا من البطاطا اللبنانية الفاخرة .

هوامـــش
• كتب هذا المقال ردا علي رد حبيب الصايغ المنشور في الملحق الثقافي لجريدة الخليج بتاريخ 1 / 3 / 1982 م بعنوان ( أخر المواجهة احتضان الراية ! )
1- الدكتور يوسف عايدابي ـ من القطر السوداني الشقيق ـ كان قد قدم مقالتي في الرد علي حبيب الصايغ بافتتاحية جاء فيها : ( من المواجهة الي " جدلية الناقد والمبدع " بمعني : أنها ليست مبارزة ؛ مواجهة دونكيشوتية ...... اختصارا : حبيب الصايغ لم يقذف إلينا بقفازة بل فتح أمامنا هازا نهارا صورة سيزيف وصخرته صعودا للجبل وهو يصرخ فينا او يستصرخنا " نحن كتاب الإمارات بحاجة إلى نقد يأخذ بأيدينا ولا يبتر أصابعنا واورد ملابسات المواجهة ... أسامة فوزي يدخل في الصورة وهو يتصورها علي نحو مغاير ، يكتشفها من منظور غير الذي نظرها به وفيه حبيب ) .


2- نشرها حبيب الصايغ في الملحق الثقافي لجريدة الفجر بتاريخ 3 / 7 / 1980 ، وقد استشهدت بها في مقالتي الأولى للتدليل علي تناقض الشاعر في مواقفه من مفهوم قصيدة النثر .


3- ذكر ذلك في معرض رده علي ، معتبرا تصريحة الصحفي عن نيته في كتابه 51 قصيدة نثرية كافيا للقول انه كتب يكتب قصيدة النشر ، وكنت في مقالتي الأولى قد سجلت اندها شيء من فاعه المستميت عن قصيدة النشر دون أن يكون قد كتبها


4- هذه الكلمة وما قبلها مصطلحات يتداولها الهنود والبلوش الذين يقيمون في الإمارات ومعظم العرب يرددونها أيضا ومعانيها كالأتي :-
جنجالا : أي شغبا
سيدة : أي إلى الأمام
ريوس : أي إلى الخلف
النفرات : أي الأشخاص وهي جمع نفر