حكايات ضائعة من كلية ودمنه
وانتاشيد سعادة سوداح
عرض ونقد : أسامة فوزي
نشر هذا المقال عام 1978

 
حكايات الشاعر محمد سمحان الضائعة من كليلة ودمنه ست حكايات فقط تحتل الصفحات 101 ، إلى 106 من ديوانه ( أناشيد الفارس الكنعاني ) أما الأناشيد المهداة إلى الشاعر محمود درويش فتحتل الصفحات من 109 الي 126 ويبلغ عددها ثمانية عشر نشيدا .
أما الحكايات الست الأولى ، الضائعة من كتاب كليلة ودمنه ، فتتضمن المحور التاريخي لفكرة هذا الكتاب واقصد به النقد السياسي الذي لا يصل إلى درجة المواجهة او المباشرة وانما يكتفي بالغمز من بعيد من خلال السخرية والفكاهة وضرب الأمثلة :-

تقول الحكاية الثالثة :-
.. وقالوا
أن كلب الشيخ مثل الشيخ في الهيبة
وان الشيخ اقطعه عباءته
وان الشيخ أعطاه مكانته
وان الشيخ أورثه حضانته
فصار عواؤه خطبه

وتقول الحكاية السادسة :
واصلح من قيافته
تنحنح واعتلي المنبر
فضج الحفل بالتهريج والتصفار
وقيل بأنه سيذيع ما في الكون من أسرار
تنحنح مرة أخرى
وقال.... أنا
احب السمع والطاعة
فساد الصمت في القاعة

وبقدر ما نجد من ترميز شفاف وساخر بالحكايات نكشف المباشرة والتقريرية في ( الأناشيد ) وهي مباشرة محببة وخطابة فيها قدر كبير من الاستخدام بين الشكل والمضمون ، لعبت فيه القافية دورا بارزا في إضفاء الإيقاع المؤثر علي التجربة الشعرية المختزلة جدا عند الشاعر :-


النشيد الأول :
عندما استقلت في حضن التواريخ القديمة
وغفوت
هرب الحاضر مني
وغدا الأتي هزيمة

النشيد السابع :
كلما حاولت أن اسعي إليك
قيدوني
ثم ذروك رمادا في عيوني
أن تكن عني بعيدا
فأنا طوع يديك

النشيد الثامن :
لغة الخاتم والمصباح في هذا الزمان
لم تعد تنفع شيئا
فهبيني لغة
تحمل بعض العنفوان
لغة تخرج من بين يديا

النشيد الثاني عشر :
حبنا اكبر من كل المتاعب
والمصاعب
انه يرضع من ثدي الإرادة والتجارب


النشيد الرابع عشر :
أنني ارحل في كل بلاد
واقارن
هكذا
اعرف أنى لن أرى
اجمل من وجهك في كل المدائن .
أناشيد محمد سمحان وحكاياه الضائعة من كلية ودمنه تحمل في طياتها ـ الي جانب هذه الريادة الموفقة في القصيدة المختزلة المكتفة الصعبة ـ ملامح من المواقف الوطنية والهموم الفلسطينية التي تحمل بين طياتها

هل هي الصدفة وحدها التي جعلت الشاعر سعادة سوداح يختار لرباعياته او لقصائده المختزلة المكثفة تسميتها المدونة ( نشيد ) وهي التسمية نفسها التي اختارها محمد سمحان لمثل هذا النوع من الشعر ... أقول : هل هي الصدفة وراء هذا التشابه ام ان هناك دواعي فنية جعلت الشاعرين يتوصلان إلى قناعة بان هذا الأسلوب المختزل ، المكثف في التعبير عن تجاربهما الشعرية ، ومعاناتهما ، تحتاج إلى إطار أوسع واشمل من إطار القصيد ، لعله اطار ( النشيد ) بما يتضمنه الإنشاد من ترنيمات مؤثرة وإيقاع خاصر ، سريع ، ومباشرة في تقديم الفكرة ، وتكثيف في التعبير عن الذات .


وكما ذكرت سابقا فان ميزة هذا الإصدار الشعري انه الوحيد الذي يتضمن من الغلاف إلى الغلاف تجربة شعرية واحدة سجلها الشاعر علي شكل مقطوعات ورباعيات فيها تكثيف للصورة الشعرية واختزال مؤثر في الكلمة الشعرية وموسيقي متنوعة في إيقاعها الكثير من الرومانسية الحزينة المتشائمة وهذا من ابرز الفروق بين أناشيد سمحان وأناشيد سعادة ففي حين كانت الأناشيد عند سمحان ، صافية مقاتلة ، تسمع من خلال إيقاعها قرع الطبول ، ينتابك إحساس وأنت تقرأ أناشيد سعادة سوداوية أيضا ، تذكرني بتيسر سبول ولعنا لا نذهب بعيدا اذا نقول أن رباعيات سعادة الثمانية عشر والتي تبدأ بقصيدة مهداة إلى روح تيسر سبول تحمل في طياتها كل ملامح المعاناة النفسية التي عاشها تيسير ، والتي يبدو ان سعادة يسير في دربها وقد ظهرت هذه الملامح وابعادها حتى في عناوين الرباعيات التي يتحدث كلها عن السفر ، لتعب الخيانة ، الفراق ، الموت .

بين مقاطعه المهدأة إلى روح تيسر وقصيدته تيسير ـ السؤال ـ حور يكشف أبعاد المعاناة النفسية عند الشاعرين .
يقول تيسير
فأنا أطفأت في صدري إلحاح السؤال
حين أدركت المال
وعزائي
رفقه لم يصلبوا جساس من اجل خيانه
يسألون الحب يعطون محبة
يغفرون
كلنا كان يخون
ويقول سعادة :
أنت الان تنام عميقا
وتكف عن الأسئلة الأولي
أو تنسي الأسئلة الأولى
أنت اليوم
لا يشغل بالك سر العجز
فالرمز
يكتشف في حضرتك الان
وتدخل قلب اللغز
أتساءل اخرس عجزا
أتأمل رحلتك الأولى والأخرى .
يملؤني
يملؤني الدمع
فلقد زدت علي أسئلتي لغزا .
سعادة سوداح ليس رائدا من رواد الرباعيات الصعبة فحسب ، وليس مجددا في الشكل الشعري الذي يمكن للتجربة الفنية في الأردن أن تنهجه ، فحسب ، ولكنه الي جانب هذا وذاك ، واحد من اكثر شعراء الأردن طموحا في تحقيق معادلة متوازنة ما بين تجربته الذاتية واحساسية النفسية من جهة ، وواقعة الموضوعي من جهة أخرى ، وهو في سعيه لتحقيق هذا الطموح وترجمة هذه المعادلة إلى واقع ، يتوسل ليس بمظاهر الطبيعة ـ الشمس ، الغيوم ، القمر ، البحر ـ وانما أيضا ـ وهذه ميزة ينفرد بها ـ بلغة خاصة جدا ، وألفاظ تتوالد بين يديه ، محققة عنصري الاختزال والتوصيل ، واختزال التجربة الشعرية إلى أقصى الحدود ، وتوصيل الفكرة ـ رغم الاختزال ـ القارئ وقد أجاد :-
يقول :-
ألهبت قرص الشمس من جسدي ورويت الغيوم
مد أنت من خلف الغيوم
أومأت لي
وبرقة تندي اشتهاء
هات اسقني جمراء وماء
ويقول :
اعرف يا حبيبتي ان العتاب
يعني المحبة
لكنه يصير غربة
أن طل صامتا كما اليباب
ويلاحظ أن ( الرباعية ) عند سعادة لا تلتزم بالنظام الموسيقي الذي تعارف عليه النقاد استنادا إلى قانونها الفرسي القديم ( الدوبيت ) والقاضي بتبادل قافيتين في الشطر الأول والثالث والثاني والرابع ، بما يحقق تماوجا في الموسيقي ، حيث نجد سعادة يعمد في بعض رباعيته إلى الثنائيات واقصد بها القوافي المتتالية ، كل سطرين قافيه واحدة ،
كما رأينا في الرباعية الأولى :-
ألهبت قرص الشمس من جسدي وأويت الغيوم
مذ أنت من خلف النجوم
أومأت لي وبرقة تندي اشتهاء
هات اسقني جمراء وماء

أو في قوله :
ما دام الحب
ينبض في القلب
والعمر هو الصوت
من أين سيأتي الموت ؟
أو في قوله :-
غاب سر الضوء في شفتي بنفسج
وانحل مع قمر توهج
خانته ـ فيمن خانه ـ قصص المطر
في لحظة تأتي وتطويها الحفر

وقد تتوالي القوافي في الاشطر كلها كما يلي :-
تخبرني حروف هذه المرأة
بأنني سأعبر الحياة
إلى متاه فأه ثم أه .

ونخلص من هذا إلى أن ( الرباعيات ) آو ( الأناشيد ) أو ( المقاطع ) فن شعري صعب ، وقلة هم الذين يجيدونه ، لذلك انه يحتاج إلى مقدرة ليس فقط اختزال التجربة الشعرية وتكثيفها حتى أقصى درجة ، وانما أيضا ، في اختيار الألفاظ المناسبة للتعبير عن هذا التكثيف دون إخلال في المعني وهذا تحقق إلى حد بعيد عند سعادة وسمحان .