فــــن الهجــــــاء
وحكاية ديوان " اندبوري "
بقلم : أسامة فوزي
نشر في عام 1986


وقف ـ قبل عامين ـ اثنان من رجال الأعمال في لوس أنجلوس في إحدى الحفلات العامة ليوزعها نسخا من ديوانين شعريين رديئين يضمان قصائد في هجائي ، موقعين باسم الشاعر ( اندبوري ) وكان الغلافان يضمان رسما كاريكاتوريا لي مع إهداء يقول ( إلى ملك القمامة ) .... الداعي ؟!

كان يحق لي ـ يومها ـ أن أصاب بالغرور ، فرؤساء الدول والزعماء هم وحدهم الذين تصدر بهم دواوين شعرية كاملة ، مطبوعة طباعة أنيقة ومكلفة ، ورغم بذاءة القصائد التي يضمها الديوانان وهزالتها ، ألا أن هذا لم يمنعني من الاحتفاظ بنسخة من كل ديوان للذكري بخاصة بعد أن علمت أن المخابرات العراقية هي التي مولت الديوانين وان ( شعروا ) أردنيا كان مسؤولا في نقابة للكتاب الاردنيين هو الذي كتب هذه المعلقات وان ( بغلا ) من أصحاب الكازيات كان رئيسا للنقابة المذكورة هو الذي وزع النسخ علي الجمهور ، وان شعروا ( عتالا )  ساهم في ترقيع القوافي !!

والهجاءـ بعد هذا ـ فن من فنون الاغتيال الاجتماعي والسياسي ، ولعله اكثر تأثيرا من الاغتيال الجسدي الذي تمارسه الأنظمة العربية هذه الأيام وكان أخرها اغتيال أحد رجال المعارضة الليبية مؤخرا في لندن .

الاغتيال الجسدي هو عملية قتل وتصفية جسدية مباشرة لكل معارض أو ( غلباوي ) تجاوز الخط الأحمر لنظام عربي ما ، وما أكثر الخطوط الحمراء للأنظمة العربية ! ويمكن إعطاء معمر القذافي عشرة علي عشرة لانه اثبت من خلال اجهزتة الأمنية انه أستاذ في هذا الفن منذ أمر باغتيال الصحافي والمذيع الليبي ـ في إذاعة لندن ـ محمد مصطفي رمضان إلى أخر عملية ذبح علي الطريقة الإسلامية قام بها عملاء القذافي في لندن وذهب ضحيتها رب أسرة يعيش في حي كوينزوي العربي في لندن كل جريمته انه كان قبل 15 عاما معارضا لنظام القذافي مرورا ـ طبعا ـ بشوية عمليات نوعية من طراز إسقاط طائرة لوكربي !!

ياسر عرفات هو الأخر أستاذ فن الاغتيال الجسدي فهو الذي ( زعل ) من رسمة كان فنان الكاريكاتير ناجي العلي قد رسمها عن إحدى عشيقات عرفات ـ على ذمة الرسام ـ فامر أحد حراسة بالطيران إلى لندن وقتل ناجي العلي في الشارع العام .

وهو الذي قتل الأمين العام السابق لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطيني ( حنا مقبل ) ـ قتل في قبرص ـ وكان حنا مقبل ـ رحمة الله ـ قد اخبرني شخصيا علي هامش مؤتمر الكتاب الذي عقد في ( البوريفاج ) في بيروت (قبل الاجتياح ) انه مهدد بالقتل من قبل ياسر عرفات ، وان الرصاص قد أطلق عليه فعلا علي مدخل مكتبة ( وكالة القدس للأنباء ) في بيروت ... فاصيب آنذاك بجروح بليغة ، وبعد مؤتمر الكتاب الذي عقد في صنعاء طاردته أجهزة عرفات إلى قبرص حيث أردته قتيلا أمام مكتبة ..

صدام حسين ، هو أيضا أستاذ في فن الاغتيال الجماعي ، بالرصاص والغاز ، والصواريخ ، ويقال ـ والعهدة علي الراوي ـ ان في كل سفارة عراقية في الخارج ما لا يقل عن عشرين عضوا من المخابرات العراقية عملهم مطاردة المعارضيين واغتيالهم ، ولعل هذا هو الذي دفع الأردن مؤخرا إلى تقليص عدد الدبلوماسيين العراقيين علي أراضيه ، صدام حسين هو الذي حرق الأكراد في ( حلبجة ) بالكيماوي المزدوج وداس بدباباته الشيعة في الجنوب !!

لا نبريء الأردن من هذه التهمة أيضا ، لكن الأردنيين لم يعملوا بنظام الاغتيال الجسدي وفضلوا عليه نظاما للاغتيال اكثر تطورا هو الاغتيال النفسي والاجتماعي ومنعه من العمل وسجنه وضربه بالفلقة وتوزيع منشورات تهتك في عرضه وفي طوله أيضا ، ويمكن اعتبار ( احمد عبيدات ) رئيس جهاز المخابرات الأردنية السابق أستاذا ومعلما في هذا المجال ساعده طبعا العميد زهير زنونة الذي كان ـ ولا يزال ـ يصطاد النساء في محلات مرقة أخوان في الزرقاء التي كان يداوم فيها زنونة 24 ساعة حتى ان أهل الزرقاء اصبحوا يعرفون الشارع الذي تقع فيه هذه المحلات باسم شارع زنونة ... والعملية تبدا هكذا ... يتم اعتقال مواطن أردني فتذهب زوجته او ابنته او أخته الي محلات مرقة أخوان في الزرقاء لمقابلة ( زنونة ) الذي يقعد في الغالب وراء الكاش ريجستير غير مراع او مبال بمركزه كعميد في المخابرات ومسؤول عن ( الديوان ) فيه ... وهناك تبدا المساومة ... التي غالبا ما تنتهي بتوسط زنونة لاطلاق سراح المعتقل أو منحه جواز سفر أو أذن عمل مقابل ( خدمة ) متواضعة تقدمها له السيدة !!

عود علي بدء ... الهجاء فن يحتاج الي ( موهبة ) وكنت ـ دائما ـ وبحكم تخصصي بالنقد الأدبي من المعجبين بهذا الفن ، خلال ودراستي في الجامعة كنت احفظ قصائد بأكملها من ( نقائض ) جرير والاخطل والفرزدق ... ولم ( ازعل ) يوما من شاعر ، وبخاصة اذا كان شعره متسقا مع الوزن والتفعلية ، ولكني كنت اغضب من الشاعر الرديء ، الذي يكتب شعرا رديئا ، في المديح او الهجاء ..

خلال إقامتي في الإمارات ( زعل ) مني شاعر اسمه ( طه عبد الغني مصطفي ) اثر مقال نقدي ساخر كتبته عن ديوان شعري أصدره بهدف التكسب ... أصيب الرجل ـ بعد نشري للمقال ـ بحالة من الهستيريا ، فطرز قصائد في هجائي وقام بتوزيعها علي الناس كالمناشير وجاء ـ بعد أيام ـ يعتذر لي بعد أن أحذره أحد اصدقائة المحامين من إمكانية مقاضاته فهونت عليه وكشفت له عن سر خطير وهو أن قصيدته ـ وكان قد أرسلها للنشر في جريدة الفجر ـ رميت في ( المزبلة ) ورفض مدير الجريدة نشرها بحكم علاقتي به ، فقمت بالتوسط عنده لنشرها واصر مدير الجريدة علي الرفض ، وقال لي يومها : يا أسامة .. أنت صديقي ولا اسمح بالتهجم عليك علي هذا النحو !!

قصيدة طه عبد الغني مصطفي لم تجد يومها طريقها للنشر ، فضلا عن ردود شعرية عليها كتبها بعض الأصدقاء الشعراء ، وخرجت هذه المساجلات من ارشيفي لنشرها ، فلعلنا نفتح بابا لفن الهجاء الذي ( أغلقته ) الأنظمة العربية ليس حرصا علي الفضيلة وانما خوفا علي نفسها .


القصيدة التي كتبها آنذاك طه عبد الغني مصطفي كانت بعنوان
 ( وفد تهامة إلى المدلل أسامة ) وهذه هي أبياتها :

وسألتهم : ماذا يريد الركب ؟ قالوا لي أسامة
من أين اقبلتهم ؟ فقالوا : من شمال من تهامة
ضرب الجمال به ، تفجئنا نبتغي منه ابتسامة

قالوا الخناث مع الغناج يزينان له قوامه
أين النواسي الغلام وأين منه فتي دلامة ؟
لو عاش في تلك العهود لكان للقاصي علامة !
 

أهنا أسامة بالفحول تهز ردفك يا أسامة
تأتيك تطبق فوق خدك والذوابل ألف شامة
ممحون ليس يمل يمضي تحت وطأتهم ايامة

فلذا ذوي كثر اهتزاز الحوض مسكين اضامة
ولذا تضاءل قضقضت نزواتهم منه عظامه
 

آهلا بهذا الغنج اقبل شاكيا نحوي حسامه
أهلا بكحيل العين زاد فتور غمزتما وسامة
قل لي أخذت سوادها من ليلة أو من غمامة ؟

وفتور هذا اللحظ يسحر من ظباء أو يمامة !
ورقيق صوتك من إناث سواجع أو من حمامة !
حنت لساق ترتجيه يصب تحت الذيل جامة

أنى هزمت أمام غنجك وانقصافك يا سلامة
لكن ظهور الشيب رد جوامحي للاستقامة
 

يا مرحبا بك معلنا حربا علينا يا أسامة
وعداوة الشعراء بئست ثم بئست من ضرامه
أثقلت عودك لا يطيق أملت معتسفا قوامه
سيقال مال ولا لعا سيدب يعثر لا سلامة

رعديد جاء إلى الغضنفر حاملا معه خصامه
من نفخة ركب العنان مخلفا هلعا حزامه
امضي الليالي لا ينام وقاحة ركبت ندامة

لزم الفراش مطاردا بهواجس فعل النعامة
رد الأبـي حسامه المثلوم ألقمه سهامة
فهوي بقعر الذل يرسف والتذلل ما أقامه
 

يا مرحبا بك ناكثا للغزل تفقده انسجامه
احسبت أن شوهته بالفحش توسعه اتهامه ؟
غزلي حديد الخيط اثبت يا مغفل من تهامة

حاولت قرض الغزل كيف وجدت منكبا مسامه
هل نلت منه أم ارتميت قعدت تعصرها اتهامه ؟
غزلـي عن جرذ ينال مع القوارض من أسامة ؟

أم هل سمعت عن المناجذ أنقصت منه عرامة ؟
والتيس يعر هل سيمضي للعرين يغل هامة ؟
لا جيشها يسطيع ذلك لو أتى ( فوزي ) أمامه
 

اضويت عودك في التوافه راح يشكونا سقامه
ويلـي عليـه أعده للأحضان ملتحفا خزامة
هيـهات أن يلج المخنث غيل ليث يا أسامة !

داذهبت نفسك دون أن تأتي بما عدل القلامة
سود ـ كما تهوي ـ فليس مصير ذاك سوي القمامة
حرقـت وكاتبها وشعري طار مرتفعا غمامة

يشدو به ساق يداعب في خمائله يمامه
ويشد من أرز المحارب شاحذا أبدا حسامه
شعري إذا عد القريض يعد من قمم الزعامة

هيهات يسطيع الخناث النيل من ركن الشهامة
أو يسطيع الوحل حتى القرب من جبل الكرامـة
قل لي بغنجك كم أخذت
من التوافه من علامة ؟
ومن الجهات وراء طيشك
هل جنيت سوي الندامة ؟
ومن النضال وراء شعري
هل سمعت سوي الملامة ؟
من كان خلفك في ـ البيان ـ يلم مسكينا حطامه
قد جـاء يركـض نحونـا اجذبـه خطامة
فهـوي علي ارض السباق تؤز ضربتنا عظامه

ألقـمته الصـوان يحسن مثـل صاحبه التقامه
دنيـا القصيـد خلافها يا غير عن دنيا الحجامة
قـد جاء بالموسى واقفل راجعا يشكو انثلامه
متضائـلا حتى التشرنق داويـا ندب انقصامه
قالـوا : قسـوت : لا معـوج اطرقـه أسقامه
من جاء يحفر في الظلام كتبت ففي النور انهدامه
سيظـل شعـري في جبينك وصمة حتى القيامة !
أشهـرت طرفك مثلما اشتهرت به زرقاء اليمامة
لكـن ستسهـر إذ حرمت عليه يا فوزي منامه


ويومها بعثت إلى الشاعر بيتنين من الشعر هما :


الشعـر لا يعطيـه ربك
حقنة في الاليتين وجرعة في البوز
للشعـر سـر أن أردت بلـوغه
فـي مثـل لمـح البصر فالحس طيزي