عدنان علي خالد
نموذج للاديب الفلسطيني العصامي الذي عاش حياة حافلة بالماسي
كان صديقا للجميع ولما مات عرفوا بخبر موته بعد اسبوع
بقلم : أسامة فوزي
26 اب 1985
جريدة الفجر - ابو ظبي



فجع الوسط الثقافي في الاردن بوفاة الاديب المعروف عدنان علي خالد احد كتاب جريدة الاتحاد ( ابو ظبي )  وظل خبر وفاته مجهولا ستة ايام من 25 / 8/ 1985 الي 31 / 8 / 1985 الي ان نشرت جريدة الراي كلمة رثاء لاحد محرريها  ( بدر عبد الحق ) وفي اليوم نفسه اتصلت بزوجته هاتفيا ( ام خالد ) معزيا وعلمت ان الصديق المرحوم قد توفي في المستشفي اثر ازمة قلبية حادة سبقتها مضاعفات صحية بسبب عمليتين جراحيتين كان المرحوم قد اجراهما قبل اسابيع .

( 2 )
ولعل القاريء في الامارات قد عرف عدنان علي خالد من خلال ما تنشره له الاتحاد في ملحقها الاسبوعي ، وقبل ذلك من خلال ما نشر له او عنه في الفجر الثقافي ومجلة المنتدي لكن الكثيرين في الامارات بل وفي الوسط الثقافي الاردني لا يعرفون شيئا عن عدنان علي خالد ، رغم انه كان ـ علي الصعيد الاجتماعي ـ صديقا لجميع الادباء ولكنه بالمقابل كان خارج لعبة الشلل الادبية وهذا ما اشارت اليه كلمة جريدة الرأي التي انشرها فيما يلي لتكون مدخلا الي هذه الشخصية يقول بدر عبد الحق :


 بالصدفة فقط وخلال جلسة من جلسات العيد المليئة بالثرثرة وطق الحنك ، علمت  ان عدنان علي خالد قد توفي واغلب الظن ، ان معظم الكتاب والادباء في هذا البلد وغالبيتهم من اصدقاء الراحل العزيز ، لم يعرفوا برحيله بعد . وهذا الصمت الذي يحيط بوفاة رجل من طراز ( ابو خالد ) يثير في النفس حالة من الحسرة والحزن ، توازي ما تثيره الوفاة نفسها او تزيد .
ولعل كثيرين من اصدقاء عدنان ومتابعي تجربته في حياه وفي الادب يعرفون سر هذا الصمت ، او لعلهم كانوا يتوقعونه ذلك ان ( ابو خالد ) لم يكن عضوا في ( شلة ادبية ) ولا وجيها في عصبة من الوجهاء بل رجلا نذر نفسه لرزق عياله الكثيرين اولا ولتجربته الكتابية ثانيا وهي معادلة قل ان ينجح احد في اجتيازها دون ثمن فادح
لقد كان رحمه الله رجلا عصاميا بالمعني الاستعراضي الشائع هذه الايام لقد استطاع بقدراته وحده ان يشق لنفسه طريقا تكتنفه المثبطات وعوامل الاحباط وان يسجل حضورا عز علي اخرين ممن امتازوا عنه بالجيوب الممتلئة والحياة المترفة وبما وضع بين ايديهم من عوامل النجاح التي بلا حدود
خرج " ابو خالد " الي الحياة العملية دون سلاح سوي الارادة وكان ذلك في عام 1948 عندما فقد ارضه ووطنه وبيته ووجد نفسه وجها لوجه امام جيش من الافواه التي يتعين عليه ان يطعمها وهو ما زال بعد صبيا يحتاج لمن يرعاه ويحدب عليه
عرفته منذ اكثر من عشرين عاما وراقبت باعجاب متصل كيف كان جادا في تثقيف نفسه وفي اقتناص اللحظات القليلة التي يتركها له حملة الثقيل لكي يقرا كتابا او يشارك في ندوة او يكتب قصة او مقالا وعندما نشرت له مجموعتاه القصصيتان وروايته الوحيدة ادركت جيدا معني ان يكون الانسان عصاميا ومعني ان يتمكن من صعود درجات السلم الواحدة تلو الاخري ، دون شيء يتكيء عليه سوي قدميه . والذين يعيشون حياة من هذا النوع الطاحن وبهذا القدر من القسوة والصدق والترفع عن الانتهازية والتمسح بالاعتاب لابد ان ينتهوا نهاية صامته كما انتهي " ابو خالد "
فليرحمك الله ايها الصديق النبيل ، وليكن عز وجل في عون اطفالك الذين تركتهم للحياة دون ان تصل بهم الي حيث كنت تتمني وتسعي قبل ان ينقطع الطريق ويتوقف قلبك الكبير عن النبض وقلمك الشريف عن الكتابة .
وعلي روحك الطاهرة .. الف سلام .

( 3 )
صداقتني بعدنان علي خالد تعود الي مطلع السبعينات ، عندما اشتركنا في تأسيس واحد من اشهر الاندية الثقافية في الاردن " نادي اسرة القلم " كنت اول من قدمه وعقب علي قصصه في امسية عامة عام 1974 في نادي مخيم الزرقاء بمشاركه الاديبة هند ابو الشعر والقاص احمد عبد الحق ـ وكانت هذه اول امسية له ايضا ـ ثم بدأ اسم عدنان علي خالد ينتشر بعد ذلك من خلال كتاباته المتواصلة في بريد القراء ثم الصفحات الثقافية ثم المجلات المتخصصة صاعدا السلم خطوة خطوة ، ومصرا علي انتزاع موقع له بين الكتاب الاردنيين وفي ظل وسط ادبي تتصارع فيه الشلل الادبية علي كل شيء ، بما في ذلك على النشر في الصحف
ثم تحول صالون الخلاقة الذي يمتلكه ويديره عدنان علي خالد ( صالون بغداد )  الي صالون ادبي تعقد فيه يوميا ندوات ادبية وفكرية وتلتقي فيه الاقلام واصبح الصالون محطة كل الادباء في الاردن بل وعنوانا بريديا لاكثرهم ولم يكن عدنان علي خالد يتحسس من مهنته كحلاق ربما لانه كان يترسم خطوات حنا مينة ، الذي بدأ حياته العملية حلاقا ثم انتهي الي احتراف مهنة الكتابة واصبح واحد من اعلامها في الوطن العربي
( 4 )
ومع اننا لا نزعم ان عدنان علي خالد قد بلغ ما بلغه حنا مينة ، لكننا لا نستطيع ان ننكر بالمقابل ان عدنان علي خالد قد استطاع ان يحتل موقعا مرموقا بين الكتاب في الاردن وقد بدا يشارك بفاعلية في معظم النشاطات الثقافية ونضيف انه من اوائل كتاب القصة القصيرة الذين صدرت كتبهم عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق كما اختارته مجلة الطليعة الادبية العراقية ليكون ممثلا للقصة القصيرة في الاردن في كتابها الخاص بقصص الشباب في الوطن العربي .
( 5 )
عدنان علي خالد فلسطيني الاصل ، من مواليد عام 1937 في قرية يازور ...  تلقي تعليمه الابتدائي في مدارس يافا وهاجر مع اهله بعد النكبة عام 1948 ليقيم في المخيمات وليواصل تعليمه في مدارس وكالة الغوث وظل مواظبا علي الدرس حتي انهي الصف الثاني الثانوي وحصل علي الشهادة الثانوية القديمة .
( 6 )
ظهرت مجموعته القصصية الاولي في عام 1976 وكانت بعنوان " الذاكرة والزمن " وقد طبعها علي نفقته الخاصة لانعدام دور النشر في الاردن ورغم انه تحمل اعباء مادية كبيرة انذاك الا ان مبادرته ومغامرته في النشر حققت له قصب السبق في النشر  بين جيله الادبي ، وسرعان ما صدرت مجموعته الثانية " هالات الحب الازرق " عن اتحاد الكتاب العرب ثم بدأ نجمه يلمع ومساهماته ترى النور في العديد من المطبوعات العربية ومن بينها جريدة الاتحاد  الظبيانية
( 7 )
تتسم كتابات عدنان علي خالد بالواقعية في الرؤية والصياغة ، وهو لا يقبل باقل منها .. في ذلك الحوار المتواصل بيننا كتب يقول :  اكون ساذجا بحق اذا اجزت لنفسي في يوم من الايام الخروج عن الخط الواقعي ذلك الخط الذي رسمته لنفسي علي طريقتي الخاصة وحددته خلال المراحل الزمنية التي قطعتها القصة وحددت من خلالها هويتي وانتمائي ايضا ( ... ) الواقعية التي افهمها هي المراة الحقيقية التي يمكن ان تعكس علي صفحتها خلجات الاديب وفلسفته وتطرح اشكالية الحياة ومتناقضاتها وتبلور هموم الانسان العربي عامة والفلسطيني خاصة من خلال تقنية فنية رفيعة المستوي .
( 8 )
رغم ان عدنان علي خالد كان صديقا للجميع ومهادنا لكل الشلل الادبية الا انه حافظ علي توازن علاقاته مع كل الاطراف دون ان يسمح بان يكون ذلك علي حساب العمل الادبي والمدهش انه حافظ علي هذا التوازن وهو يدخل حلبه النقد ايضا رغم المحاذير الكثيرة التي كان يذكرني بها في مطلع السبعينات مع انه كان ينفي باستمرار ان يكون ناقدا .. ففي ذلك الحوار المتصل بيننا .. والذي انقطع بوفاته .. كتب الي يقول :  ان ممارسة الكتابة النقدية لا تصنع ادبيا او ادبا بل علي العكس من ذلك انها تحد من قدراته الابداعية وتقلم اظفاره ويستهلكه تماما خاصة اذا ما راح هذا الاديب يكتب علي طريقة نقادنا لان النقد الذي يمارس هذه الايام هو عبارة عن مزاجية مصنوعة عملية تفريغ لا اكثر ولا اقل واما الدراسات الموضوعية الجادة فهي قليلة جدا وكتابها اندر من ابتسامة في ماتم
( 9 )
يكاد يكون الهم الفلسطيني هو المحور الاول في قصص عدنان علي خالد وقد ظهر هذا الهم في بداياته القصصية التي كان ينشرها في جريدة عمان المساء ومجلة افكار ثم تبلور اكثر في قصصة الاخيرة التي نشرت في جريدة الاتحاد ، وقد تنبهت الي هذا المحور منذ عام 1974 عندما نشرت مجلة افكار الاردنية قصة له بعنوان " الخطو فوق الجراح " فكتبت عنها في مجلة 3 يوليو التي تصدر في لندن ثم اعدت نشرها في كتابي " مدخل الي القصة القصيرة في الاردن كنموذج من نماذج القصص الواقعي انذاك .
والقصة ترسم صورة درامية لقرية فلسطينية شطرتها الاسلاك الشائكة الي قسمين ثم طموح احد الرجال الي العودة وتجاوز الاسلاك لرؤية الحارة " الفوقا " التي نشا وترعرع فيها وقد ضمن الكاتب قصته الكثير من الاشارات والدلالات والايحاءات ذات النفس الثوري دون ان يقع في مجانية السرد وسطحيته وكانت تلك القصة بشارة الولادة لكاتب واقعي جيد اسمه عدنان علي خالد ، ولو امتد العمر به رحمة الله لحقق بعض ما كان يطمح اليه لكن القدر عاجله فترك حلبه السياق قبل الاوان

رحم الله عدنان علي خالد ... فقد كان صديقي