استدعاء الموروث الشعبي
في الاعمال الادبية الاماراتية الشعرية والنثرية
نص محاضرة القاهاها اسامة فوزي في الشارقة عام 1983
ونشرت في عدة مطبوعات وصحف عربية
منها مجلة الطليعة الادبية العراقية
2   



بعد أن فرغت من إشارتي المجملة لأبرز المأثورات الشعبية فى الإمارات والجهود المبذولة فى توثيقها(1) تبادر إلى ذهنى تساؤل حول مدى استيعاب الأدباء فى الإمارات لهذه المأثورات فى أعمالهم الأدبية ،ومن ثم الكيفية التي وظفت بها هذه المأثورات فى إطار خدمة المضمون الأدبي ، شكلاً وموضوعاً فضلاً عن جدوى هذا التوظيف ومحصلته .
( )

لقد أثيرت هذه القضية فى العديد من الأوساط الأدبية العربية ، وظهرت دراسات كثيرة تسعى فى إطار هذه الظاهرة وتتقصى ملامحها فى الأعمال الإبداعية مع اختلاف فى الأهداف ، فبعض الدراسات أرادت إغناء المدون من المأثور الشعبى بالإشارة إلى ما يرد منة فى الأعمال الإبداعية وبعضها الآخر أخضع هذه المدونات للدراسة والتحليل الوظيفي(2)، وكان أخرها رسالة الدكتوراه التي وضعها الدكتور صبري مسلم عن المأثور الشعبي فى الرواية العراقية(3) .

( )

ومما لاجدال فيه أن أولئك الدارسين قد وجدوا كماً كبيراً من الأعمال الإبداعية التي تتضمن مأثورات شعبية ، وهو كم يسمح للناقد والباحث أن يسعى اثر الظاهرة بحرية ، بل ويمكنه لكثرتها وتعددها أن يضعها في مدارس وتيارات ، لكن الأمر بالنسبة للإمارات يبدو شاقاً ، فالأعمال الإبداعية المطبوعة التي يمكن إخضاعها للدراسة لا تزيد عن عدد أصابع اليدين ، وبعضها لا يحتمل أكثر من إشارة واحدة ،لأن المأثور الشعبي نفسه ورد عند الخاطر فى السياق لكن ذلك لا يمنع أن نبادر إلي وضع أول دراسة من نوعها ، تستقصي المأثور الشعبي فى الأعمال الإبداعية (الأدبية ) فى الإمارات وتستبطن ما وصلت إليه من أفاق على صعيدي الشكل والمضمون .
( )

بادي ذي بدء أحب أن أشير إلى أن الأعمال الأدبية التي تتناولها هذه الدراسة بالاستقصاء والتحليل هي تلك التي وضعها كتاب وأدباء من الإمارات ،وأمكن لكاتب هذه السطور أن يطلع عليها وان يحصل على نسخ مطبوعة منها ،وإذا تصادف أن سقطت الإشارة إلى مطبوع أدبي معين رغم تضمنه مأثورات شعبية محلية فيكون ذلك عفو القصد ليس إلا (4) ، مع التأكيد بأن الأعمال الأدبية للكتاب المتجنسين قد سقطت عن عمد ، لأنها تخرج عن إطار الهدف العام من هذه الدراسة ، وهو تقصي المأثور الشعبي المحلي فى أعمال الأدباء المحليين الأصليين ، الذين عاشوا هذا المأثور وتأثروا به وأعادوا تشكيلة في أعمالهم الأدبية ... وقد نعود إلى دراسة الأعمال الأدبية للمتجنسين أو للأدباء العرب المقيمين ، الذين أشاروا بدورهم إلى المأثور الشعبي المحلي و ذلك في دراسة قادمة (5) .
( )

الأعمال الأدبية التي سنخضعها للدراسة تتضمن رواية واحدة هي رواية ( شاهندة ) لراشد عبد الله والنسخة التي سنعتمدها هي الطبعة الثانية الصادرة في يناير 1976 عن المركز العربي للصحافة في القاهرة .. كما سنعرض لمجموعات قصصية وشعرية فضلاً عن خواطر مطبوعة على النحو التالي :-

المجموعات الشعرية
1. سبع قصائد من أحمد راشد ثاني إلى أمة التي لا تعرفه / احمد راشد ثاني / العربية للنشر والتوزيع /دمشق / 1981م .
2. نفحات من الخليج / عارف الشيخ عبد الله الحسن / مطبعة دبي / 1981م .
3. ذكريات / عارف الشيخ عبد الله الحسن /دار الطباعة المحمدية / القاهرة 1/1/1977م
4. المسيرة / الدكتور مانع سعيد العتيبه / الطبعة الأولى – مطابع دار الفجر / أبو ظبي / حزيران /1981م .
5. هنا بار بني عبس الدعوة عامة / حبيب الصايغ / دار الكلمة .
6. التصريح الأخير للناطق الرسمي باسم نفسه / حبيب الصايغ / دار الكلمة / 1981م .
7. بيروت 11 وجمرة العقبة / عارف الخاجة / بدون تاريخ .
8. غربة في زمن العشق / رؤى سالم / مطابع البيان / بدون تاريخ .
9. قصائد إلى بيروت / حبيب الصايغ / مركز الإنماء الثقافي –أبو ظبي الطبعة الأولى / تموز يوليو 1982م.
10. لوعة البعد / أحمد راشد سعيدان – بدون تاريخ .
حصاد السنين / الدكتور أحمد أمين المدني / المطبعة الوطنية –دبي / 1968م .

المجموعات القصصية
1. حب من نوع أخر / محمد المر / مطابع البيان / 1983م .
2. ذلك الزمان / عبد الرضا السبواني / من منشورات وزارة الإعلام / بدون تاريخ .
3. الفرصة الأخيرة / محمد المر / مطابع البيان – بدون تاريخ .
السباحة في عيني خليج تيوحش / عبد الحميد أ حمد / دار الكلمة – بيروت 1982م .

الخواطر
1. خطوة فوق الأرض / ظبية خميس / دار الكلمة – 1981م .
2. منتهى العذاب / فرح مختار / من منشورات وزارة الأعلام / المطبعة العصرية / بدون تاريخ .
3- أنا المرأة الأرض كل الضلوع / ظبية خميس / لندن – نوفمبر 1982م .

( )

وغني عن الذكر أن تناولنا للمأثورات الشعبية الواردة في الأعمال الأدبية في الإمارات سيكون تناولاً لها بمفهومها العام الذي يعني الحياة الشعبية بكل جوانبها (حيث التناول الشامل للمادة الثقافية وتاريخها والاقتصاد والتكنيك والاستيطان والفنون والعادات والمؤسسات الاجتماعية والمعتقدات والقصص والمعرفة المأثورة وما يسمى بصفة عامة فولكلور ) وهو – كما يذكر فوزي العنتيل(6) الفخم العلمي المعاصر لعلم الفلكلور .
( )

ومما يجدر ذكره أن استدعاء الأديب للمورث الشعبي يدخل غالباً في إطار سعيه نحو إيجاد بدائل للرمز المجرد ، بحيث يكتب الموروث الشعبي داخل العمل الأدبي حجم الرمز ويضمن بالتالي تواصلاً أكبر مع القارىْ الذي يشكل له الموروث الشعبي جزءاً من مكونات الذاكرة والوجدان وقلة قليلة تورد المأثور الشعبي رغبة في بعثه من جديد --- وبطبيعة الحال يختلف استدعاء المأثور الشعبي من كاتب إلى أخر ، ومن المؤكد أن تناول الشاعر لهذا المأثور ، ومن ثم توظيفه له في قصائده يختلف كثيراً عن تناول القاص أو الروائي ، وإن كنت أرى أن الشعراء أكثر إقبالاً على توظيف المأثور الشعبي بمفهومه العام من غيرهم .
( )

ومن المسلم به أن دخول الموروث الشعبي بما في ذلك الأساطير إلى أدبنا العربي يعتبر دخولاً متأخراً بالقياس إلى الآداب الغربية ، لا بل يمكن القول أن التواصل الثقافي مع الغرب في نهاية القرن الماضي وأوائل هذا القرن ومن ثم الإطلاع على التجارب الأدبية في أوربا ، التي قطعت آنذاك شوطاً في عملية (معمرة) البناء الأدبي على أسس من الموروثات والأساطير ، هو العامل الرئيسي في تبلور بذور هذا التيار في أدبنا المعاصر ، وساعد في هذا التبلور ،ومن ثم تشجيع الأدباء العرب على دخول هذه المغامرة ، أتجاة طه حسين نحو الأساطير اليونانية وترجمته لها وحثه طلابه على دراستها والتعرف على خباياها وتعزز هذا الاتجاه أكثر بظهور مدرسة (أبولو) التي اتخذت من معرفة الأساطير القديمة اسماً ومنهجاً على اعتبار أنها تراث أنساني هو خلاصة تجارب الإنسان وثقافته .

( )

ومن يبحث في البدايات سيجد أن استدعاء الموروث الشعبي في الأدب العربي كان يقتصر على الأساطير والخرافات ، وكان هذا الاستدعاء أو التوظيف ساذجاً كما نلاحظ في ملحمة (عبقر) لشفيق معلوف وغيرها من الملاحم الشعرية العربية التي أتفق النقاد على تسميتها بالمطولات الشعرية لعدم توفر عناصر الملحمة الإغريقية بينها ، وكانت هذه الملاحم قليلة ، في عددها ، وفي عدد أبياتها ، لأن النظم يخضع لعدد محدد من القوافي المنتهية بروي واحد ، وقد يصل الناظم بمطولته إلى ألف بيت ، ولكن من أين له بالألف الثانية – فضلاً عن أن التطويل كان – دائماً – يؤثر على مستوى الأبيات كما نلاحظ في (عمرية) حافظ إبراهيم أو إلياذة أحمد محرم – ولا نجد في هذه البدايات ما يستحق الذكر سوى أن الشعراء أعادوا سرد هذه الأساطير أو الحكايات نظماً ،ولم يكن استدعاء (الموروث) لهدف وظيفي وتلك إحدى سمات هذه المرحلة.

( )

لكن مدرسة أبولو كانت أكثر نضجاً في التعامل مع الموروث الشعبي في إطار العمل الإبداعي ، حيث نجح بعض روادها في انبعاث الأسطورة داخل رحم القصيدة الشعرية ضمن إسقاط تاريخي يأخذ بعداً رمز ياً ووظيفياً يرقى بالمستوى الفني للقصيدة فضلاً عن تعميق المضمون ، وبرز علي محمود طه في هذا المجال بصفته صاحب أول محاولة حقيقية (لاستخدام الأساطير القديمة استخداماً فنياً خارج سياقها التاريخي القديم ، فقد كان يحرص في القصائد التي أقام موضوعها على أساس ميثولوجي على أن يغرق القرىْ في جو أسطوري سواء بما يجلبه من التراث اليوناني أو يضفيه عليها من خياله الرومانسي المجنح) (7).
تفاوتت عملية توظيف الموروثات الشعبية في الإمارات – في الأعمال الإبداعية – بين أديب وأخر فوجدنا توجهاً من قبل البعض نحو الأساطير حيث يتكرر ذكراها في قصائد جيب الصياغ ، ووجدنا توجهاً أخر نحو التاريخ الإسلامي – في معظم قصائد عارف الخاجة – بينما يوثق الدكتور مانع العتيبة في قصائده الموروث الشعبي من عادات وتقاليد كانت سائدة في عصر الغوص ونجد مثل ذلك في قصص محمد المر و عبد الحميد أحمد و عبد الرضا السجوانى مع تفاوت في عملية توظيف هذا الموروث .

استخدام الموروث الشعبي في الأعمال الأدبية النثرية في الإمارات يختلف بالتأكيد عن استخدامه في الأعمال الشعرية ، بخاصة وأننا لا نجد حتى ألان إنتاجا محليا علي صعيد الرواية أو القصة القصيرة ، يرقي إلى مستوي الموجه الجديدة التي يمثلها ( ماركيز ) اصدق تمثيل ، وهي الموجه التي تعرف من الموروث الشعبي والأسطوري كل عناصرها البنائية الجديدة وتمزجها بالواقع فيغدو الموروث الشعبي والأسطوري رمزا له عدة مستويات من الدلالات ، قد يكون أحياء هذا الموروث واعادة بعثة واحدا منها ، لكنه بالتأكيد أضعفها واقلها بروزا.

( )
وغني عن الذكر أن استخدام الموروث الشعبي أو الأسطوري عند الشعراء يختلف من واحد لاخر باختلاف المستوي الثقافي والإبداعي كما انه يختلف بالنسبة لشاعر واحد تبعا لاختلاف تجربته من قصيدة إلى أخرى ، كما أن أغراض هذا الاستخدام تختلف هي الأخرى باختلاف الشعراء وثقافاتهم وتجاربهم ، فضلا عن اختلاف الظروف الموضوعية المحيطة ، وفي هذا الإطار يمكن القول أن بواعث استخدام الشاعر حبيب الصايغ من الإمارات لرمز عنترة العبسي في ديوانه ( هنا بار بني عبس الدعوة عامة ) ، وطريقة هذا الاستخدام او التوظيف تختلف قطعا عن بواعث فدوي طوقان في قصيدتها ( كوابيس الليل والنهار ) ، رغم أن القصيدتين تبعثان القصة من كومنها وتعزفان علي وتر العلاقة بين عنترة بن شداد وحبيبته عبلة وسنعود لهذه النقطة فيما بعد .

( )
وبادئ ذي بدء علينا أن نشير إلى أن شعراء الامارات ليسوا بمنقطعين عن حركة الشعر في العالم العربي ومن ثم فأننا نجد في تجاربهم الشعرية كل المزايا والسمات الفنية التي نجدها في الشعر العربي الحديث ومنها طبعا استخدام الموروث ، وهي سمة فنية تعود إلى العصر العربي الأول حيث نجد إشارات أسطورية وخرافية كثيرة في قصائد أمية بن أبى الصلت ونجدها بشكل اقل في قصائد النابغة الذبياني وزهير بن سامي ، ولكن ظهورها الفعال والمؤثر ـ في الشعر ـ بدأ كما أسلفنا مع صدور مجلة ( ابولو ) التي كانت ترفع شعار التواصل مع الأساطير القديمة لأنها إنتاج إنساني لا يمكن تجاهلة .
( )
أما التعاطي الجدي والفلسفي والفني العميق مع هذه الظاهرة فقد بدأ فعليا مع بدر شاكر السياب الذي استطاع أن يوظف الأسطورة علي وجه التحديد لخدمة المضمون الذي يريده دون أن يشعرك بتطفلها علي السياق وعلي الرغم من أهمية هذا الموضوع ، الا انك لا تجد دراسة واحدة شاملة تتطرق إليه من كل الجوانب ، غير دراسة الدكتور علي البطل وهي جديرة بالاطلاع والدراسة بخاصة وان الدكتور لا يتقصي الرمز الأسطوري في شعر السياب فحسب بل ويضع منهجا يمكن أن يفيد منه الشعراء الذين مازالوا يفضلون ارتياد هذه المجاهيل ، وغني عن القول ان الأسطورة او الموروث الشعبي سيتحول إلى نقيصة فنيه تثقل كاهل القصيدة اذا لم يحسن الشاعر توظيفها .

( )
وفي هذا المجال ربط الباحث بين مراحل السياب الحياتية ومراحله الفنية التي استخدم فيها الأسطورة ...... ففي مطلع حياته السياسية ، كان السياب اشتراكيا ، لذا لجأ إلى الأساطير التي تنشر بالثورة والتغير مثل أسطورة عشتار وتموز .... وعندما أعلنت الوحدة بين مصر وسوريا كتبت السياب قصائد تحمل في طياتها رموزا يمكن إسقاطها علي الواقع ، فكثرت إشاراته لذي قار حيث الانتصار العربي علي الفرس و ( العنقاء ) الطائر الأسطوري الذي يخرج من الصحراء العربية فوق الأعاصير ... أما عندما هده المرض ظهور شخصية المسيح في قصائده يحمل الأمل والبشارة بالشفاء .. وظهرت كذلك شخصيات أيوب وعولسي وغيرهما .

( )
من قراءة سريعة للدواوين الشعرية الصادرة في الإمارات يمكن القول ان الشعراء المحليين قد تأثروا بهذه الظاهرة السيابية ، ولكن بطريقة متفاوته ، فالشاعر عارف الشيخ يكتفي في كل دواوينه الشعرية المطبوعة بإشارة واحدة إلى أسطورة ( إيزيس ) ـ في ديوانه ذكريات ـ بينما نجد إكثارا من ذكر الأساطير في قصائد حبيب الصايغ ، حيث يرد ذكر ( بابل ) في ديوانه ( هنا بار بني عبسي ) ... فضلا عن الأساطير الدينية ، حتى انه جعل ( سفر التكوين ) عنوانا لاحدي قصائد ديوانه ( التصريح الأخير للناطق الرسمي باسم نفسه ) وهناك إشارات ليهوذا وفرعون وغيرهما فضلا عن الإشارات التاريخية الإسلامية المتمثلة بأسماء عمار بن ياسر وبلال بن رباح وأبا ذر وهند وحمزة والحسين وادم وحواء ... الخ ونجد مثل ذلك عند الشاعر عارف الخاجة فديوانه ( بيروت ) يتضمن عشرات من هذا الإشارات الإسلامية ، فهناك الاوس والخزرج وقنيقناع والنضير وعبد الرحمن الداخل والاشعري وواصل بن عطاء ..... الخ وترد أسطورة شهريار في ديوانه ( غربة في زمن العشق ) لرؤى سالم وهكذا .....

( )
وتسهيلا لغرض هذه المأثورات والأساطير وطريقة استخدمها وتوظيفها في الشعر المحلي أرى أن أتناول كل موروث علي حده فاتقصي ظهوره في الدواوين المطبوعة واحاول أن اسبر أغواره داخل مصادره الأصلية ومن ثم التعرف علي الصلات الفنية والمضمونية التي أقامها الشاعر بين الأصل ... والواقع ... وعلي ضوء هذا ستدور الدراسة حول المحاور التالية :-
أ ـ استخدام التراث الشعبي ( الفولكلور )
ب ـ استخدام الأسطورة اليونانية أو الآشورية أو البابلية
ج ـ استخدام التراث الديني الإسلامي
د ـ استخدام التراث الديني اليهودي والمسيحي .
من المؤكد أن الشاعر يلجأ إلى استخدام الموروث الشعبي او الأسطوري او الديني في قصائده لتحقيق غاية من أربع غايات .............. من هو قد يهدف من جراء ذلك الاستخدام إلى تكريس الانتماء القومي من خلال ربط واقعة بالجذور ونحن نجد مثل هذا في قصائد الشعراء الفلسطينيين ، بخاصة وانهم يخوضون صراعا حضاريا وقوميا مع الحركة الصهيونية التي تحاول ادعاء كل شيء لنفسها ، حتى الثوب الفلسطيني .......... وقد يكون استخدام الموروث بهدف تحقيق أقصى درجات الأمان الشخصي ( التقنية ) ، بخاصة في الدول التي تحجر علي الفكر والكلمة ، فيلجأ الشاعر إلى الموروث الشعبي لتوظيف دلالاته ورموزه المعروفة لنقد الأوضاع دون أن يخاطر بأمنه الشخصي وهناك غاية ثالثة ، فنية خالصة ، وهي محاولة النهوض بتقنية القصيدة من خلال تفجير رموز جديدة لها ارتباط بالوجدان الشعبي وغير مجردة عن هذا الوجدان .. وهناك غاية رابعة كانت محورا أساسيا لمدرسة ( ابولو ) وهي بعث الموروث من جديد وتعريف الاخرين به.... وفي ركب هذا الاتجاه تسير تجربة الدكتور مانع العتيبة الشعرية في ديوانه ( المسيرة ) .


 ديوان المسيرة لمانع العتيبة

( )
الشاعر نفسه يعترف في المقدمة التي كتبها لديوانه بهذه الغاية فهو يريد ان يقوم بعمل شعري يحكي قصة بلاده ومسميتها الطويلة خلال العصور التي تعاقبت علي هذه الأرض الطبية ... ويضيف الدكتور أن قصدته الطويلة ـ ويسميها الملحمة ـ تروي قصة شعب الإمارات من خلال ثلاث مراحل تاريخية .... تمثل الأولى عصر اللؤلؤ حيث يتم البحث عنه في فصل الصيف بينما يجد أبناء المنطقة الوقت لممارسة هوايتهم المفضلة وهي الصيد بالصقور ... والمرحلة الثانية تتمثل في الفترة الزمنية التي فصلت بين عصر اللؤلؤ وعصر البترول " .وهي الفترة التي عمي فيها البلاد كساد اقتصادي وتمثل الثالثة عصر البترول " .
واكثر من هذا فأننا نجد في المقدمة شرحا لرموز القصيدة فالأسرة التي تحكي الملحمة قصتها تتكون من الأولاد ويرمزون إلى الشعب ومن إلام وترمز إلى الأرض ....... الخ ثم يستطرد الشاعر في شرح ( حقائق تاريخية ) عن تلك الفترة .

( )
ومع أنى اختلف مع الشاعر في وصفه لقصيدته المطولة بالملحمة ، إذ أن للملاحم سماتها التي لا نجدها ألا عند الإغريق ، ذلك أن الملحمة تفترض عالما أسطوريا وخرافيا وخارقا تدور فيه ، ومع أنى أميل إلى تسمية القصيدة بالمطولة القصصية أو الحكاية القصصية المنظومة ، ألا أني اتفق مع الشاعر في رؤيته للقصيدة ورموزها الظاهرة التي لا تحتمل اكثر مما هو ظاهر فيها ، فالرمز هنا ، واستلام الموروث ، لا يهدف إلى تقية بقدر ما يهدف إلى خلق نواة درامية ينسج الشاعر حولها قصة من الواقع ، وبدل آن يباشرنا به ، اتخذ من أسرة بسيطة رمزا للوطن وجعل يسرد لنا الموروث الشعبي في إطاره وتسلسلة التاريخي ، ليقدم ما يشبه الوثيقة التاريخية الشعرية .

( )
ومن هنا كان لزاما علي الشاعر أن يعزف كلماته وصورة من الموروث الشعبي ( الفولكلور ) الذي يمثل لحمة وسداة المرحلتين الأولى والثانية من حياة المنطقة وقد فعل ذلك ، حيث ورد ذكر الغوص علي اللؤلؤ في الصفحات 8 ، 19 ، 26 ومخاطر البحر في صفحة 13 وحديث النخيل في صفحة 16 والصيف في الصفحة 19 وعادات السفر وركوب البحر في صفحة 21 بما تتضمنه من تقاليد غنائية شعبية وغيرها ، فنجد ـ مثلا ـ ذكرا للنهام في الصفحتين 23 ، 25 ونجد وصفا تفصيليا دقيقا لعملية الغوص علي اللؤلؤ في صفحة 26 وصفا للعودة من البحر في صفحة 30 وذكرا للافلاج في صفحة 33 والصيد بالصقور في صفحة 37 كما نجد وصفا لحالة الناس أبان القحط الذي أصاب البلاد في صفحة 40 وهكذا .

( )
أن إيراد أو استدعاء الموروث الشعبي كان هدفا بحد ذاته ، لذا نجد ان القصيدة مجبولة به ، ومع كثرة المفردات والموروثات والإشارات الفلكلورية لن نجد رموزا أخري تقف وراءها غير ما ذكرناه وذكره الشاعر في مقدمته ، بمعني أن بعث الموروث الشعبي كما هو في ظاهرة ، فضلا عن توثيقه وارشفته ، كان أساسا بنيت عليه هذه المطولة .

( )
بقي أن نشير ألي أن الشاعر يمتلك ـ علي صعيد الشكل ـ القوافي حيث تتداعي بين يديه في منظومة واحدة ، ولعله في تغييره للقافية والروي بين فقرة واخري كان يهدف إلى إكساب المطولة جوا دراميا متجاوبا يتواءم من النسق القصيصي الذي أراده . لا يمكن اختزال تجربة حبيب الصايغ الشعرية في مقالة واحدة ، بخاصة وان حبيب الصايغ في ديوانه ( التصريح الأخير للناطق باسم نفسه ) هو غيره في ديوانه ( هنا بار بني عبسي والدعوة عامة ) ثم هو شخص ثالث في ( قصائد من بيروت ) ، لكن الإطار الهام للتجربة واحد ، ويتلخص هذا الإطار في النقاط التالية :-
1- تجربة حبيب الصايغ علي الصعيد التقيني ولدت ناضجة وان كانت مضامنية تتراوح بين النضج وبين العادي .
2- يسيطر الشاعر علي الوزن الشعري ولا يقع في أغلاط نحوية أو عروضية ، وسيطرة الشاعر علي وزن الشعري تعني انه لاينقاد إلى الموسيقي بل هي تنقاد إليه .
3- يعزم الشاعر باستلهام الموروث الأسطوري والديني والتاريخي ومن ثم إسقاطه علي الواقع وإكسابه حجم الرمز ، وهذه النقطة بالتحديد هي محور اهتمام هذه المقالة في إطار العنوان الكبير الذي وضعناه لهذه السلسلة وهي استخدام الموروث في الأعمال الشعرية لشعراء الإمارات .



دواوين حبيب الصايغ

 

( )
الانطباع الأول الذي يخرج به قارئ الدواوين الثلاثة لحبيب الصايغ يتلخص في التساؤل حول أسباب نجاح الشاعر في ديوانه ( هنا بار بني عبسي ) في توظيف المأثور الشعبي التاريخي المتمثل بحكاية عنتر وعبلة ،
ثم أسباب فشلة في استلهام الأساطير والموروثات الدينية الإسلامية واليهودية والميسحية في ديوانه الثاني ( التصريح الأخير للناطق الرسمي باسم نفسه ) .

( )
وشخصه عنترة العبسي من الشخصيات الأدبية التاريخية الحقيقية ، اختلطت مع الخرافة والخوارق في وجدان الناس ، وسبب ذلك ما يروي عن حبه لابنه عمه عبلة بنت مالك ، وتذكر الحكايات أن مهر عبلة ذاد عن ألف ناقة عصفورية لا تواجد إلا في حوزة ملوك الحيرة ذوي البأس الشديد ، أحضرها عنترة بعد سلسلة من الأحداث والمغامرات دخلها الكثير مما لا يتقبله عقل ، وتصف كتب التاريخ عنترة بأوصاف كثيرة ، منها الفروسية والشاعرية والنجدة والإخلاص والولاء ، وتحكي هذه الكتب والأشعار المنسوبة اليه جزءا من همومة ومعاناته الشخصية فمع أن أباه كان من اشرف قبيلة عبس ، ألا أن أمه حبشية كانت تدعي ( زبيبة ) وتمشيا مع أعراف القبيلة فان والد عنترة لم يعترف بأبوته بل اعتبره عبدا من عبيده وعلي عادة القبيلة كان هناك حالة واحدة للاعتراف به ابنا وهي ان يثبت شجاعته .

( )
معظم الشعراء العرب الذين وظفوا هذه الأسطورة التاريخية ذات الجذور الحقيقية في أشعارهم اكتفوا ببعد واحد هو علاقة عنترة بعبلة ، فها هي فدوي طوقان في ديوانها ( علي قمة الدنيا وحيدا ) وفي إطار توجهما نحو تكريس الفداء الفلسطيني تستحضر الحكاية في قصيدتها ( كوابيس الليل والنهار ) وتسقطها علي الواقع الفلسطيني من خلال خلق تعادل رمزي بين الفدائي ( عنترة ) واخلاصه وحبه المتناهي لفلسطين ( عبلة ) وظل هذا المستوي من العلاقة بين الواقع والتاريخ يدور في هذا الإطار حتى اكسب بقية أفراد القبيلة رموزها الحاضرة ..... ففي هذه الحالة يكون ( بنو عبس ) الذين ( طعنوا ظهري في ليلة عدد ظلماء ) هم العرب ..... ويكون زوج عبلة ( ورد )هو العدو الصهيوني ( عنترة العبسي ينادي من خلف السور
يا عبل تزوجك الغرباء واني العاشق ) .
( )
يحسب لحبيب الصايغ انه في مطولته ( هنا بار بني عبس الدعوة عامة )التي تقع في 715 سطرا شعريا وتشكل وحدها الديوان الشعري الأول له يقع في 59 صفحة من القطع الصغير ، أقول : يحسب لحبيب الصايغ انه تعامل مع هذه الأسطورة التاريخية بجميع أبعادها الرمزية وليس ببعد واحد فقط ، وقد سمح له طول القصيدة المتناهي ان يغوص في كل خصوصيات هذه الحكاية الأسطورية وان يترجمها إلى رموز وان يسقطها علي ارض الواقع في تناغم حافظ فيه الشاعر علي النسق العام للحكاية .... وربطه برموز من الحاضر .... وكان تعامله مع ابعاد شخصية عنترة تأخذ بعين الاعتبار عدة مستويات .:-
• فعنترة رمز للفروسية والشجاعة .
• وهو رمز للحب والإخلاص .
• وهو رائد من رواد الحب العذري .
• وهو شاعر
• وهو عفيف النفس رقيق الأحاسيس
• وهو ( أهم فارس احتفظت به ذاكره العرب في أجيالهم التالية إلى يومنا هذا ) ـ كما يقول الدكتور شوقي ضيف
• وهو العبد الذي يسعي إلى الحرية .
• وهو محرر العبيد .
• وبالمقابل فان عبلة رمز للطهارة والجمال .
• وعبسي رمز لنكران الجميل .
• وزبيبة رمز للعطاء والخلق .
• وشداد العبسي رمز لسيطرة عقل القبيلة .
• وشيبوب رمز للوفاء الأخوي

( )
كل هذه الأبعاد تجدها في قصيدة حبيب الصايغ ، وحتى في عنوانها ( هنا بار بني عبس الدعوة عامة ) الذي يستفزك ويسلمك مفاتيح الرمز في القصيدة ..... تاريخ القبيلة اصبح مشربا للعابدين والدعوة عامة بكل مجانيتها ..... الإسقاط التاريخي في القصيدة يمر في دوائر ثلاث بينها تماس مباشر :
• دائرة ذاتية هي انعكاس لتجربة شخصية جدا .
• دائرة اجتماعية هي الوليد الشرعي للمعايشة الحقيقية للظروف الموضوعية المحيطة .
• دائرة إنسانية يكتمل بها الإطار .
تبدأ القصيدة بافتتاحية الوحدة والضياع والقلق التي يعيشها عنترة العربي في حاضرة :-
تشاغبني البيد في ذروة الوحدة العاقلة
وزوادتي فوق ظهري
وعمري نفق
ظلام تمدد في الوقت ثم احترق
ولا شيء حولي سواي
وظلي ..... يراودني عن نقائي الجريح
ويلفظ باقي الرمق
هذه الافتتاحية لا تطول ، حيث يبدأ التاريخ يتسرب إلها من خلال شخصياته الشهيرة ( ابن ماجد) ، ( القراصنة ) ، ( زبيبة ) ، عبسي ( خراسان ) ، ( مكة ) ...... الخ .

( )
بين الدائرتين الأولى ، حيث الذات والوحدة والضياع ، والثانية ، حيث التاريخ يشارك الشاعر همومه ، تظل معزوفة الوحدة تتردد :-
وحيد أنا
ضائع كالفصول الشريدة
ان الرثاء انتهاء الحضارات
فلتربطوني الي شاهد القبر
كيما اغني
في وعي عنترة العربي كانت عبلة ـ ومعادلها الوطن ، الحرية ـ بمثابة الحلم ، الذي يمكن الوصول إليه وتحقيقه ، بتجاوز الواقع ، فهل استطاع عنترة العبسي ، العبد الأسود ،الحبشي ، أن يتجاوز واقعه الاجتماعي وقانونه الصارم :-

تطلين يا عبل
يحتضر النبض
بين شفاه القبيلة
يخلع وجهك جلد الحريم
ويستيقظ الشبق المدلهم
وينبت في الطين حلم
ويذبل في الجو غيم
وتمتد بين السرات وبين الدخان
جسور من الوهم
هل أنت يا عبل وهم ؟
في قصيدة فدوي طوقان كان الرمز تعادليا كما رأينا ، فعنترة هو الفدائي وعبلة هي فلسطين ... أما هنا فالأبعاد والرموز تتداخل وتعطي اكثر من احتمال ، قد تكون عبلة هي الرمز المقابل للثورة أو الخلاص أو الحرية أو الوطن ، لا ندري ، فالمعادلة عند الصايغ ليست هندسية تطابقية وأنا هي ـ كما قلنا ـ إيحاء بحالة وإرهاص بوجدان ..... عبلة في النهاية هي الحلم ، وإذا كان عنترة قد استطاع أن يختزل المسافة ما بين الحلم والواقع رغم قوانين القبيلة فما يمنع ألان تكرار المحاولة !!

( )
أن ميزة الشاعر حبيب الصايغ في تعاملة مع حكاية ( عنترة وعبلة ) تكمن في قدرته علي بعث دلالات كثيرة تنجم في سياقها العام مع الواقع ، ـ حيث تحقق الحوار بين الماضي والحاضر فتوفرت بذلك خاصية درامية لعمله الشعري ساعدته علي التطويل المشار اليه والذي غطي مختلف الأبعاد الإنسانية فمر الحكاية ....... كل ذلك ضمن توازن في إقامة هذا الحوار بحيث لا يطغي السياق علي الرمز ولا يطعني الرمز علي الواقع .

( )
أن نجاح الشاعر حبيب الصايغ في استدعاء شخصيات عنترة العبسي ومن معه هو الذي يدفعنا إلى الدهشة من فشل الشاعر نفسه في استدعاء الأسطورة والشخصيات التوراتية والإسلامية في ديوانه الثاني ، فأين الحلقة المفقودة وكيف تسني للشاعر أن ينجح في عمله الشعري الأول ويفشل في الثاني ؟! في قصيدته الأولى ( قراءة جديدة في سفر التكوين ) من ديوانه الثاني ( التصريح الأخير للناطق الرسمي باسم نفسه ) يستدعي الشاعر حبيب الصايغ رمزا من رموز التوراة هو ( سفر التكوين ) ويجعله عنوانا لقصيدته ، فضلا عن نثر بعض عناصره داخل رحم القصيدة ..... مثل ( جنات عدن ) و ( الطوفان ) .

( )
وغني عن الذكر أن للرمز الأسطوري أو الديني ـ كما يقول الدكتور علي البطل ـ دلالته الخاصة السابقة علي العمل الفني الجديد ولن يتاح للشاعر تفجير الدلالة المطلوبة في عمله الفني ألا عندما يوائم بين الرمز والسياق الذي يضمنه له ، يكون الرمز أداة تؤكد المشاعر التي يريد الشاعر أثارتها في القصيدة وهي معادلة تمكن حبيب الصايغ من تحقيقها في استحضاره لشخصية عنترة بن شداد كما بينا في السابق لكنه هنا في ديوانه الثاني يخفق الشاعر في إيجاد هذه المعادلة ، حيث لا يستطيع القاري أن يكتشف الوشائج التي تربط بين الحالة الشعرية الحارة والرمز التوراتي في ( سفر التكوين ) .

( )
وسفر التكوين كما نعلم هو واحد من الأسفار الخمسة الأولى والقديمة في العهد القديم ويضم قصة الخلق والطوفان وبناء برج بابل ، ومع أننا نؤمن بان التوراة نزلت علي موسي بوحي سماوي ألا أن جميع المؤرخين ـ ومنهم بعض اليهود ـ اتفقوا علي ان تحريفا كبيرا دخل عليها ومنهم من يشكك بالأسفار نفسها ، وقد وردت إشارة إلى هذا التحريف في القران الكريم ( يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) وقد أصاب التحريف كل أسفار العهد القديم ، والعهد القديم ـ كما هو معروف ـ ينتهي في التسلسل التاريخي عند ظهور المسيح ، وقد اتفق العلماء علي ان معظم روايات سفر التكوين وبقية الأسفار منقولة عن قصص وأساطير بابلية قديمة جري تحويرها بحيث تتماشي مع مزاعمهم مثل سفر الخروج.
سفر استير ، سفر الأمثال ، سفر أيوب ، سفر راعوث ..... الخ .

( )
هذا يعني أن أي استدعاء للرموز التوراتية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الحقيقة ، حتى لا يقع الشاعر بدون قصد في خطأ تكريسي هذه الرموز المحرفة ، كما أن استدعاء هذه الرموز يجب آن يتم وفق اختيار دقيق لعناصرها لا أن يتم الاستدعاء بشكل مطلق علي النحو الذي نراه في قصيدة حبيب الصايغ ، فهو هنا يجعل ( سفر التكوين ) افتتاحية وعنوانا للقصيدة ، وقارئ القصيدة يفترض أن يجد بعض الوشائج بين عناصر سفر التكوين وبين الحاضر الذي يريده الشاعر ، ولكنه يعجز عن إيجاد معادلة واحدة بين القطبين ، فسفر التكوين يحاول ان يرسم بداية للخلق من خلال مزاعم كثيرة محرفة ، بينما تتحدث قصيدة الصايغ عن العاصمة ( التي تتشكل عاصمة بلهاء وسكانا منفيين وأطيارا نسيت شكل البحر ) ... فما الذي يريده الشاعر أذن من ( سفر التكوين ) وما الرمز الذي أراده ؟!

( )
لقد لاحظت أن معظم الإشارات الأسطورية أو التوراتية التي ترد في قصائد حبيب الصايغ لا توظف في السياق كما يجب ، لذا تبدو طارئة وداخلة عليه ، بهدف الزخرفة والتزيين ليس ألا ، ففي ديوانه الأول ( هنا بار بني عبس ) يرد ذكر ( بابل ) في قوله :-
هربني من خراسان شيخ خرير
وابنائي في الطريق بأسرار بابل
والأولين
وبسمل
ثم توضأ بالموج في لحظة المد
ساءلين :
أين مكة في العالمين ؟

( )
أن فهم الأسطورة شرط أساسي يسبق استدعاء عناصرها في القصيدة ، وأسطورة ( بابل ) ذات أبعاد رمزية متعددة ، فهي عاصمة حمورابي المشهور بفتوحاته وقوانينه وفيها ( البرج) الذي ورد ذكره في التوراة ... وهي المدينة التي كانت منفي لليهود عندما سباهم إليها بنوخذ نصر ودمر هيكلهم في القدس ، فأين الرموز التي أرادها حبيب الصايغ في قصيدته وما العلاقة التي تربط بين ( بابل ) و ( خراسان ) ؟!

( )
لقد أصبحت ( بابل ) رمزا للخطيئة بفعل الحقد اليهودي المتأصل لها ، لأنها شهدت سبيهم وذلهم ، وقد انعكس هذا الحقد في ( سفر التكوين ) حيث يدعي اليهود أن الرب دمر برجها وشرد شعبها وبلبل لفتها فسميت ببابل ، ثم هي رمز للعدالة المتمثلة بقوانين حمورابي وشريعته فأي الرمزين أراد الشاعر في قصيدته ، وما اوجه الشبه بين بابل ومكة وخراسان ؟!
في قصيدته ( عزف منفرد علي البرج ) من ديوانه الثاني ( التصريح الأخير ) أدانه لهذا ( الزمن المذعور ) و ( المسكون بإلهة الحرب ) وهي أدانه يوردها الشاعر في اطار إحساسه . المفرط بالغربة في هذه ( المدنية ) التي ( بلغت قيمتها المثلي ) ثم يعرج الشاعر علي ذكر علاقة فرعون بموسى :
ارسم خاصرتي
نقشا فرعونيا فوق السكين
فينزف موسي دمعا ......... الخ

( )
في هذه القصيدة إشارة لقصة قابيل وهابيل ...... والسؤال الذي يلح علي القارئ هو : ما العلاقة بين حالة الاغتراب التي يعتبر عنها الشاعر في قصيدته وبين الرموز والدلالات التي يمكن أن نفهمها من قصة موسي والفرعون رمسيس أو قصة قابيل وهابيل ؟!
لعل الشاعر أراد من تضمينه لها تين القصتين الإشارة إلى الدلالة الرمزية التي ارتبطت بهما وهي ( الشر ) .... فرمسيس كاد لموسى ... وقابيل قتل هابيل لما رأي انه قد تقبل قربان أخيه دون قربانه .... ولعل الشاعر أراد دلالة أخرى غير تلك ، غالبا ما ترتبط بهاتين القصتين وهي الرموز التي ترتبط بالثعبان في قصة موسي والغراب في قصته قابيل وهابيل !!
الاحتمالات كثيرة .... ومتعددة بتعدد التفسيرات والتأويلات والشروحات التي ترتبط بكل قصة علي حدة ، والتي لم نتمكن من استشفاف عناصرها في القصيدة ، فنحن لا ندري هل أشار الشاعر الي قصه قابيل وهابيل كما وردت في سورة المائدة ام انه أشار إليها كما وردت في الإصحاح الرابع من سفر التكوين وبين القصتين خلاف كبير .
في هذه القصيدة يرد ذكر الأسطورة الدينية دون تحريك الرمز أو توظيفه لاثراء الحالة
الشعرية بدلالاته والسب عدم تمثل الشاعر لها .

( )
في الديوان الثاني للشاعر ( التصريح الأخير ) توظيف غير ناجح للرموز الأسطورية والتوراتية ، حيث يظل ذكر اسم ( يهوذا ) في صفحة 28 خارج نطاق التجربة الشعرية المعاصرة فضلا عن الإشارات التي عرجنا عليها وهي سفر التكوين في صفحة 8 وفرعون في صفحة 59 وحواء وادم في صفحة 73 وجنات عدن في صفحة 10 والطوفان في صفحة 14 وقابيل في صفحة 114 وموسى في صفحة 118 ، لكن الشاعر ينجح وفي الديوان نفسه تمثل القصص الدينية والتاريخية
الإسلامية والتاريخية وتوظيفها بدلالاتها المختلفة في الصفحة في القصيدة ، ولعل هذا يعود لمعرفة الشاعر بعناصر وتفاصيل هذه القصص ، بحكم تخصصه ، ثم بحكم تكوينه الثقافي والديني حيث ترد رموز هذه القصص في معظم قراءتنا ومنهاجنا التربوية ، مثل رموز عمار بن ياسر وبلال بن رباح في صفحة 33 ورموز اباذر وهند وحمزة والحسين وغيرهم

( )
في قصيدته ( المسافة ) يقيس الشاعر الإنجاز الإنساني في المنطقة العربية ، وحجم التحولات الاجتماعية في العصر الحديث بمقياس تاريخي مستمد منه الذاكرة التاريخية الإسلامية :
وبين أنين ابن ياسر عمار والصبح
صوت بلال بن رباح يوقظ في لحم مكة
أوردة لم تزرها الدماء
وبين الصراخ وبين الهتاف اخضرار وماء
وقافلة وحداء
وغني عن الذكر أن الرمز الذي ينطوي عليه اسم ( عمار بن ياسر ) يمثل بداية الدعوة ، التي ارتبطت بالألم والصبر علي العذاب ..... بينما ينطوي رمز بلال بن رباح علي النصر ، وقد تحتمل الإشارات الدينية رموزا أخرى يمكن إسقاطها علي الواقع أيضا ن فعمار بن ياسر قد عذب لاسلامه وأبوه ياسر وأمه سمية أول شهدين في الإسلام ماتا من التعذيب .... وكان عمار من أوائل المهاجرين إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، وهو من اخلص أنصار علي ، شهد معه الجمل وصفين وقتل فيها وهو ابن أربع وتسعين سنه ..... كل هذه رموز ودلالات يمكن إيجاد مواقع في السياق الدرامي لقصيدة المسافة ، بخاصة وان القصيدة تنتهي بذكر لأبى ذر ( الذي استفاد من موت أم النضال سميه ) وهي أم عمار بن ياسر .... والدلالالة التي يحملها الاسم لاتخفي علي أتحد ، وتمثل في جانب من جوانبها الرفض والثورة بخاصة وان اباذر الصحابي الفقيه كان ملتقى للفقراء والصعاليك في عهد معاوية وعدوا لدودا للأغنياء ، حتى اضطر عثمان بن عفان إلى نفيه .

( )
قد يكون ارتباط اسم عمار بن ياسر بعلي بن آبى طالب ومشاركة في صفين والجمل مدخلا لفهم ورود هذا الرمز في قصائد حبيب الصايغ ، بخاصة وأننا نري تكرارا لرموز اسلامية ارتبطت بالفتنة الكبرى ... فالصحابي اباذر الغفاري كان من اشد منقدي معاوية .... ونجد في الديوان الأول لحبيب الصايغ ذكرا صريحا لمعاوية ( انظر صفحة 15 ) وها هو في ديوانه الثاني يشير إلى ( الحسين ) وهي في مجملها إشارات لا يمكن أن ترد عفو الخاطر وانما هي جزء من التكوين الثقافي والوجداني للشاعر ، ومن الواضح أن الشاعر قد هضم هذا الجانب من التاريخ الإسلامي ووعية جيدا بدليل انه ينجح في توظيفه شعريا وفي إسقاطه علي واقعتا المعاصر ...... ففي قصيدته ( نصيحة إلى المتهم محمود درويش ) يربط الشاعر ما بين ( وجع النيل ) و ( أمنية العمر تقبيل ثغر الحسين ) ، والدلالة هنا واضحة استوحاها الشاعر من الواقعة التاريخية المأسوية التي انتهت في كر بلاء بمقتل الحسين الابن الثاني لعلي وفاطمة .
ما قلناه عن حبيب الصايغ يمكن أن نقوله عن عارف الخاجة مع بعض الاختلافات في المحاور والهموم ، فالخاجة ، يسيطر مثل الصايغ علي مقتضيات الوزن والقافية وهو مغرم حتى النخاع باستدعاء الموروث التاريخي الإسلامي وتحميله الكثير من الرموز المعاصرة ، مع فارق أساسي وهو انه لا يستوحي من الأسطورة كما فعل حبيب ولا يلجأ للرموز التوراتية بل يستمد عناصره من القران ، حتى في معرض تضمينه لقصة نوح والطوفان ، التي وردت في سفر التكوين مزورة ومحورة كما ذكرنا .



دواوين عارف الخاجة


( )
لكن إشارات عارف الخاجة الإسلامية تزيد في ديوانه الوحيد ( بيروت ) عن ضعف ما ورد في دواوين حبيب الصايغ الثلاثة وهذا يعكس تأثرا عميقا بالتاريخ الإسلامي ورموزه وتمثلا لحالات تاريخية متشابهة يراها الشاعر علي ارض الواقع وبعملية إحصائية بسيطة سنجد أن الديوان يتضمن اذكرا لرمي الجمار صفحة 59 وغزوة أحد صفحة 61 والوصايا العشر صفحة 73 والأوس والخزرج وصفحة 8 وعبد الرحمن الداخل صفحة 9 وصلاح الدين الأيوبي صفحة 35 وهاروت وماروت صفحة 39 والحيرة صفحة 41 وخيل طارق صفحة 10 والفتنة الكبرى والردة صفحة 29 وال اشعري وواصل بن عطاء صفحة 53 والجزية ونوح والطوفان صفحة 37 وابرهة الأشرم صفحة 53 والجزية والأصنام صحة 42 والكعبة صفحة 43 ورمضان صفحة 44 وقتيبة صفحة 52 ومسيلمة الكذاب صفحة 52 وسوف عكاظ صفحة 52 وذات النطاقين صفحة 53 فضلا عن الإهداء للكنعانية السمراء ( فلسطين ) .

( )
ثم هناك تمايز أخر بين الشاعرين يتخلص في أن رموز حبيب الصايغ ـ الإسلامية ـ كلها ترتبط بالفتنة الكبرى وحرب صفين والجمل وخروج الحسين والتشيع لعلي مما يحمل في طياته انعكاسا لرؤى دينيه وفكرية يحملها الشاعر بينما نري دائرة أوسع من الرموز الإسلامية في ديوان الخاجة ، تشمل الفتنة الكبرى ولكن لا تقتصر عليها .

( )
ثم أن هناك ميزة ثالثة تحسب لصالح عارف الخاجة وهي انه حرص علي تشكيل قاموسه الشعري ومفرداته من تزاوج أحدثه بين التاريخ وعناصر البيئة . التي يعيش فيها ، مما أعطى للإسقاط التاريخي دلالاته الرمزية الحاضرة وواقعيته فمفردات مثل البحر ، المجداف ، الشط ، الصيد بالصقور ، الحباري ، الحنظل ، القهوة ، الطابوق ، ارض عنود تتكرر في معظم القصائد ، وهي كما نري مستوحاة من البيئة ، بحيث نستطيع القول أن الشاعر قد أنجز معادلتها لشعرية باستدعاء الموروث الشعبي والموروث الديني الإسلامي ليصنع منها القصيدة شكلا ومضمونا .

( )
لكن المشكلة الحقيقية التي تواجه قارئ أشعار الخاجة تتمثل في احتشاد الرموز التاريخية في القصيدة الواحدة حتى تغيب معها القدرة علي الربط بينهما لفهم المغزى العام الذي ترمي اليه ، وبمعني أخر ، كان التضمين التاريخي واستدعاء الموروث في معظم قصائده يطغي علي التجربة الشعرية الحاضرة لعدم تمكن الشاعر من إقامة التوازن بين السياق دون أن تتمكن من لعب دور الرمز أو الارتقاء فنيا في التعبير لانقطاع الوشائج بينها وبين السياق كما نجد في قصيدته ( بيروت 6 اعتزلنا واصل ) ، حيث تضمنت القصيدة الإشارات التاريخية التالية : واصل بن عطاء ، التتار ، المغول ، قتيبة ، مسيلمة عكاظ ، ذات النطاقين ، الاشعري ، إبرهه الأشرم .

( )
كيف نستطيع مثلا أن نوجد المعادلة الرمزية التي تربط بين الرموز المذكورة في المقطع التالي من قصيدته والذي يقول منه :-


إلى الاشعري شددت الرحال
لاسأله أن رأي واصلا
يستقيم علي مهجتي في الطواف
أشاح وعربد ثم أتاني وقال :
لقد كان صبحا مع الأولياء
وراح مساءا مع ابرهه .


لعل الشاعر هنا يربط ما بين رده واصل بن عطاء ورده الاشعري فكلاهما غير في مواقعه وترك بصماته قوية علي صفحة التاريخ .... واصل ‍بن عطاء راس متكلمي المعتزلة ، اصبح واحدا من قادتها حتى أن تيارا فيها نسب إليه وهو ( الواصلية ) وفي ذلك التاريخ اعتبرت المعتزلة رده علي السنة ، بعد أن غالت في الاعتماد علي المنطق والقياس في مناقشة القضايا الكلامية وبعد أن أعلنت أن مفترق الكبيرة ليس بالكافر ولا بالمؤمن بل في منزلة بين المنزلين ..... فضلا عن نظريتهم المشهورة في خلق القران والجرأة المتناهية في مناقشة قضايا التوحيد والعدل والصفات الإلهية ..... أما الاشعري ، فقد حمل تبعة التحكيم بين علي ومعاوية في ( اذرح ) بعد معركة ( صفين ) واعتبر مع عمرو بن العاصي مسئولا عنها ..

( )
لقد حاول ابرهة تدمير الكعبة .... واتهم واصل بن عطاء والمعتزلة بمحاولة تدمير العقيدة الإسلامية ، ولعلنا من هذه المشابهة نخرج بفهم لهذا الربط بينهما في المقطع المشار إليه ، ولكن أين الدلالات الحاضرة لهذه الرموز ..

( )
ما افتقدناه في المقطع السابق نجده في قصيدة ( برقية إلى عبد الرحمن الداخل في عيد الأضحى)
فالرمز هنا واضح واستدعاء قصة عبد الرحمن الداخل ابن معاوية بن هشام مؤسس الدولة الأموية في الأندلس يتطابق مع الجد العام للقصيدة ورموزها الحاضرة فلسطين ولبنان ، إذ أن الحكاية التاريخية تنطوي علي الشجاعة والانتصار رغم كل ظروف القهر ، حيث استطاع صقر قريش أن يهرب من بطش العباسين وان يعبر البحر إلى الأندلس وان يدخل اشبيلية وان يقهر يوسف الفهري وان يحارب شارلمان وان يشيد واحدة من اعظم الممالك آنذاك ، فمن أين لفلسطين ولبنان واحدا مثل صقر قريش نكاتبه ونستنجده ؟‍
يا سيد الحلم أن المحيطات قامت
ترش المياه علي رأسها
من فيوض التأسي بنار الشعوب
وهذي الجموع
أتني لتسأل عن خيل طارق
خلت العبور سيغدو إليك
وهل أنت ترمقناه من بعيد
فلا ابن زياد ولا الأمنيات

( )
في قصيدة ( النهر المتجمد إدانة للزمن الغريب ، والنهر المتجمد يرمز إلى ذلك الخلل التاريخي في المسيرة العربية ، ممثلا بزعمات وقيادات وأحزاب وأحداث تركت بصماتها علي الحاضر ، وحتى يعطي الشاعر لقصيدته ذلك العمق التاريخي أو ـ علي أدق وصف ـ ذلك الامتداد ، لجأ إلى الرمز المستوحي من الصفحات السوداء في تاريخنا الطويل :-

بل كيف تشير لمحكمة التاريخ
وأنت القاضي والمذنب والسجان
وأنت الفتنة والردة والامية والأغلال
وفي موقع أخر :-
لن تلقانا غير عجول
تحلبها المحنة والليل
وصوت الحزن وسجن البحر
وبعض زبانية الدجال .
وفي موقع أخر :-
والفتح إليك أيا بيروت علي مزمار الكأس
يهز البطن بكل عواصم هذا الوطن المخصي
وليس ربوات العنت المفروسة
في ثوب المطر الفصلي
سوي دعوة أم في خيمة برق قد نصبت
قبل ولادة نوح والطوفان


لكن يؤخذ علي عارف الخاجة انه يلمس الرمز التاريخي لمسا سريعا ولا يستثمره كحدث تسكن في ثناياه مأساتنا الحاضرة ، ومن ثم لا يستولد منه عناصر جديدة ورموزا جديدة إسقاطها علي الواقع بل يفضل الانتقال إلى حدث أخر ليلمسه عن بعد وهكذا ، بحيث يبدو الإسقاط التاريخي أحيانا في صورة دخليه علي التجربة الشعرية بدليل انك تستطيع أن تسقطه من السياق دون أن تتأثر القصيدة .

( )
لقد اكثر بدر شاكر السياب من ارتياد الأساطير والموروثات العربية التاريخية والدينية ، مع انه كان أستاذا في توظيفها إلا انه اتهم من قبل بعض النقاد باستعراض عضلاته الثقافية دون مبرر واكثر ما نخشاه أن يطال شاعرنا عارف الخاجة مثل هذا الاتهام إذا لم يتجاوز ما أشرنا إليه من مزالق في ديوانه الجديد وهو قادر علي ذلك يمثل الشاعران عارف الشيخ والدكتور احمد أمين المدني الاتجاه المحافظ في الشعر الاماري ، واعني به ذلك الاتجاه الذي لا يخرج عن حدود القصيدة العربية البيتية التي رسم لها أطرها القانونية الخليل بن احمد الفراهيدي ـ من حيث الوزن ـ بينما حصرها العرف الشعري ـ أن جاز التعبير ـ في مضامين محددة وأغراض شعرية متوارثة إلى يومنا هذا .

انقر هنا لتكملة باقي الدراسة