" كيف نعتبر الشابي مجدداً "
الطاهر الهمامي
الدار التونسية للنشر / توكس
141 صفحة – دراسة
عرض ونقد : أسامة فوزي
نشر المقال في عام 1982

 
في محاضرة قيمة لعميد الزيتونة الدكتور علي الشابي ، ألقاها في جامعة الإمارات – وكان الحضور سبعة أشخاص فقط ثلاثة حضروا بحكم عملهم وأربعة من أصدقاء المحاضر – أضاء الباحث التونسي جوانب كانت مجهولة في شخصية وشاعرية ابن عمه ، الشاعر "أبو القاسم الشابي" ؛ الذي ما زلنا في المشرق لا نعرف عنه إلا أنه صاحب القصيدة التي مطلعها إذا الشعب يوماً أراد الحياة ... الخ ، وعلي الرغم من أن عدداً من الباحثين العرب علي رأسهم الدكتور عمر فرّوخ والدكتور أبو القاسم محمد كرو وغيرهم جهدوا في التعريف بالشاعر من خلال دراساتهم وكتبهم ، وعلي الرغم من أن مجلة مشرقية هي الصياد اللبنانية أرسلت بعثة لتقصي ما خفي من حياة الشاعر ، ونشرت ما توصلت إليه في أحد أعدادها صدر في ذكري الأربعين للشاعر – والعدد بطرفي لمن يرغب – فإن ما نعرفه عن الشاعر ما زال نذراً يسيراً لا يفي بالغرض ، ولعلنا لا نبالغ إذ نقول أن هذا ينسحب على معرفتنا بكامل الأدب المغربي ؛ الذي ، علي زخمة وطليعّيته لا يصلنا إلا ( بالقطارة ).

(1)
من هنا تلقفت كتاب الطاهر الهمامي ( كيف نعتبر الشابي مجدداً )؛ والصادر عن الدار التونسية للنشر بالتعاون مع مؤسسة الوحدة للتوزيع فهي 141 صفحة من الحجم المتوسط ، ليس لأنه يفتح ملفاً جديداً عن الشابي كشاعر فحسب وإنما أيضاً موضوع الكتاب واهتماماته وما يحاول أن يثبته يعتبر ضرباً من التجديد والابتكار في النقد الأدبي الذي ينصب علي موسيقي الشعر ودلالاته أكثر من اهتمامه بالمضمون.

الكتاب الذي بين أيدينا إذن دراسة عروضية تهدف إلي أمرين ذكرها المؤلف في مقدمته ، الأول : " غرام مزمن بالبحث في موسيقي الشعر وفي تقنياته وأشكاله وكل ما يتصل به كفن عامة" ، والثاني " رغبة في إخراج الشابي من منطقة الأساطير ومنطقها ومحبة في السعي إلي تأييد قيمته أو تفنيدها بالعلم أو بما يشبهه".
لذا فإن دراسة الطاهر الهمامي لأبي القاسم الشابي لا تهتم بتدوين أطوار حياته ، ولا تكثرت بالوصف الإنشائي لمضامينه ولا تنشغل بمكانته ( الوطنية ) واتجاهاته النفسية وإنما تنصب في منهج نقدي فني ، يعتمد على ما يحققه علم الأصوات ، والألسنة وما توصلت إليه الطرق والفلسفات النقدية الحديثة وما أحرزته التقنية المخبرية وما حدث في النظريات الجمالية وما طرأ علي شكل الشعر عربية وأجنبية ، وبالتالي فإن المكتبة العربية تكسب في هذا البحث القيم معرفة جديدة بالشابي ، والأهم من هذا معرفة مخبرية أشمل تكشف عن كنه الموسيقي في الشعر العربي " وهو ما تم لباحث عالم هو ( جورج لوط ) منذ ستة عقود خلت في دراسته المرجعية لنظام العروضي الفرنسي مطبقاً علي نصوص ".

(2)
ولد الشاعر في قرية الشابية جنبو تونس عام 1909م والتحق بجامعة الزيتونة ليتخرج حقوقياً ، ولكنه انكب على دراسة الأدب العربي وكانت له اهتمامات وصلات خاصة بأدب المهجر فضلاً عن حركات التجديد في المشرق ، ومع أنه توفي عن خمس وعشرين سنة فقط إلا أنه ترك وراءه حصيلة من الشعر فيها قدر كبير من الوعي الفني وهو ما يحاول أن يثبته كتاب الطاهر الهمامي ؛ الذي ركز على وصف الديوان وصفاً عروضياً فدرس بحوره وقوافيه وما تثيره من قضايا وما يطرأ عليها من تغييرات فضلاً عن علاقة الصوت بالمعني وهذا كله يقع في ستة أبواب وعدة فصول .. أما الفصل الأول فيتتبع قيه المؤلف ظاهرة الصراع بين الجديد والقديم وانعكاساتها على رؤية الشابي ، فنري الشابي ينتصر إلي جانب المفهوم الجديد الذي هو " فيض الحياة في أيقظ ساعاتها وأحفلها بنوازع الفكر والشعور" ، ويستخلص الكاتب هذا الرأي من القسم النظري الفكري في آثار الشابي أما استخلاص ذلك من أشعاره فمحور الفصل الثاني ، الذي تطغي فيه – كما يلاحظ المؤلف – ظاهرتان تتصلان بموضوع الكتاب أولاهما ظاهرة القصائد البيانية والثانية تتمثل في طغيان المصطلح الموسيقي على صعيد العناوين والنصوص مثل أغاني الحياة ، أنشودة الرعد ، أغنية الأحزان ، أغنية الشاعر ، نشيد الأسي ، أغاني التائه ، من أغاني الرعاة ، ألحاني السكري ، ونشيد الجبار وغيرها ويشير المؤلف إلي أن هذه الظاهرة تتأكد برجوعنا إلي أكثر الأغراض جدية في شعر الشابي وأبعدها عن الفناء والغنائية فمقطوعة الحياة مثلاً وعدد أيبائها لها يتجاوز الثلاثة نجدها تشتمل على قيشارة ، اللحون ، نغم ، صوت التلحين ، اللحن ، الصدي والشابي يذكر في شعره الموسيقي والقريض والقصيد والأوزان والتوقيع وعدداً من آلات العزف كالناي والرباب والعود والأوتار.

(3)
الباب الثاني من الكتاب فحصص للجداول التي وضعها المؤلف في أول وصف عروض نقدي من نوعه في الدراسات الأدبية العربية ، وقد ذكر المؤلف في جدوله القصيد والصفحة والموضوع والبحر والكلمة الأخيرة المشتملة علي القافية وتاريخ الكتابة ويقع هذا الجدول في عشر صفحات كاملة ، وقد رتب المؤلف القصائد ترتيباً ديوانياً – مع ملاحظة أن أغلبها يتناسب والترتيب التاريخي – كما حدد المؤلف البحور التي اعتمدها الشاعر في جدول يوزعها حسب مدي استعمالها وهي علي التوالي الخفيف واستخدمه 29 مرة والكامل 24 مرة والرمل 18 مرة والمتقارب 11 مرة والبسيط 9 مرات والطويل 8 مرات والمحتثب 4 مرات والسريع 3 مرات والمتدارك والمنسرح مرة لكل منهما ، والفصول التي تلي ذلك للجداول أيضاً ، فمن جدول للتفعيلة وأصنافها وجدول لدوائرها وآخر للصيغ القافوية وفعل الزمن فيها وآخر للقافية في علاقتها مع محيطها الصوتي وجدول لأغراض القصائد وعلاقتها بالموسيقي المختارة وهكذا دواليك .

(4)
الكتاب إذن إضافة جديدة للمكتبة العربية ، تكرس أسلوباً مخبرياً في نقد الشعر بحيث يتم الوصف العروضي للقصائد انطلاقاً من الإحصاءات العلمية الرقمية ... وقد خلص المؤلف إلي عدة نتائج منها مثلاً أن الشابي يحافظ واعياً علي الصياغة القديمة وأنه " تقهقر في طريق تجربته الفنية من المنثور والموشح والمجزوء والمنوع القافية وساكنها إلي القصيدة العربية الكلاسيكية بمقوماتها الفنية العريقة ، وعليه فإن تجديده وثورته كانا نتيجتي مرحلة عمرية وفكرية من طبعها الحماس والاندفاع والمحاكاة وعندما زالت معها آثارها ونتائجها ... ولعل أهم ما توصل إليه الباحث قوله أن ( أساس الموسيقي في الشعر ليس الوزن بقدر ما هو الصوت) ومع ذلك تظل هذه النتائج خاضعة للدراسة ولكن أحداً لا ينكر أن فيها الكثير من الإيجابيات نحو تكريس النقد كعلم وليس كخواطر انطباعية كما هو الحال الآن.