" الصراع الفكري في الأدب السوري
أنطون سعادة
منشورات فكر / بيروت
127 صفحة – دراسة
عرض ونقد : أسامة فوزي
نشر هذا المقال عام 1982

 
( الصراع الفكري في الأدب السوري ) لأنطون سعادة كتاب ليس كمثله كتاب في النقد والتحليل لسببين اثنين ؛ الأول أنه يتناول مسألة ( الفكر ) كمحور للصراع في الأدب ، تتفتق منه بعد ذلك الأساليب واللغة والأخيلة بصفتها انعاكاسات لهذا ( الفكر ).
والثاني : أن المؤلف ليس رجلاً عادياً، أنه أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي ؛ الذي يعتبر أول حزب عربي له منطلقات فكرية واضحة مستمدة من الواقع العربي وظروفه التاريخية والاجتماعية والاقتصادية.

(2)
وأنطون سعادة لبناني الأصل ، من بلدة الشوير قضاء المتن في جبل لبنان ، عاش حياته متنقلاً بين لبنان ودول أمريكا اللاتينية ، وعمل عام 1921 صحفيا في جريدة ( الجريدة) التي أصدرها والده في البرازيل ، لذا فإن عهده بالكتابة قديم ، وله نشاط أدبي واسع ، فقد نشر رواية عام 1931 بعنوان ( فاجعة حب ) وبدأ حياته السياسية بتأسيس جمعية سربة عام 1924 غايتها ( وحدة سورية الطبيعة ) وظل محافظاً علي علاقاته الصحفية حتى بعد عودته إلي لبنان للعمل كمدرس في الجامعة الأمريكية ، ومن خلال زخم الصحافة والتدريس ، وإطلاعه الواسع على الآداب والثقافات الأجنبية – بحكم تركيبته وبحكم اتقانه لثلاث لغات هي الإنجليزية ، الروسية ، الألمانية – بدأ ينسج الخيوط الأول لفكرة القوميين السوريين ، وكانت هذه بداية لعلاقة جديدة متميزة مع السجن وكان أول صدام له مع الكتائب – عقب مهاجمته جريدته وحرقها – حيث أعلن بعدها الثورة القومية الاجتماعية لإسقاط الحكم في لبنان ، لكن حسني الزعيم اعتقله – أثناء إقامته في دمشق – وسلمه للسلطان اللبنانية ؛ التي سارعت إلي إعدامه عام 1949م.

(3)
يورد المؤلف في الفصل الأول الذي عنونه بـ ( تخبط وفوضي ) نصوص ثلاث رسائل متبادلة بين شفيق المعلوف وأمين الريحاني ، يوسف معلوف ، تدور كلها حول ديوان ( الأحلام) لشفيق معلوف ، فيعلق علي قيمتها الفكرية وتخبطها في التحليل فيقول أن الريحاني ، نظر في الديوان فوجده ديواناً تسوده ( لهجة الكآبة والحزن ) ووصف هذه اللهجة بأنها كانت ( موضة ) في أيام بيرن وميساه ، أما تعبير لهجة الكآبة والحزن – يقول المؤلف – فهو من (التعميمات) التي لا تفيد كثيراً في دراسة معينة أو مختصة بموضوع معين ، ويأخذ على الريحاني دعوته إلي الأخذ عن شسكبير ونحوته باعتبار أن هذه الدعوة " تزيد التعميمات السابقة تعميماً" لأن شعراء سورية " لايمكن أن يصيروا غير ما هم بقراءة سفر أشعيا وترك قراءة سفر أرميا والعودة إلي شكسبير وغوته وحدها لا تفيد كثيراً إذا لم تكن هنالك ثقافة واعية ، فاهمة ، تتبع خطط النفس السورية ، ويضيف متسائلاً : - "ماذا استفاد أدب اللغة العربية كله من عودة الشاعر المصري شوقي إلي شكسبير غير النسخ والمسخ والتقليد الذي لم يضف إلي ثروة الأدب العالمي مقدار حبة خردل" ؟ ، أما رسالة يوسف نعمان معلوف " فتشتمل علي آراء فجة وليس فيه شئ من العمق لخلوه من النظرة الفلسفية أو التاريخية " ويخلص المؤلف إلي أن التضارب والتخبط في حقيقة الشعر وصفته لا يقتصر علي الأدباء اللامعين ويضرب علي ذلك أمثلة بما نشره محمد حسين هيكل في الهلال عام 1933 عن الشعر والشعراء ، حيث يستخدم أوصافاً ( لا تزيد الموصوف إلا غموضاً ) كقوله ( بل أقصد بالصفات الخاصة إبراز كل ما يقع تحت الشعور بحكم البيئة والتعبير تعبيراً صادقاً عن الحياة بهذه البيئة والظروف التي تلابسها ... الخ ) فما هو الشعور بحكم البيئة وكيف يكون؟

(4)
علي هذا النحو يسير المؤلف في تحليله لفكر كبار الشعراء والكتاب فهو لا ينخدع بالإنشاء الجميل ولكنه يأخذ الألفاظ والعبارات بمفاهيمها العلمية والفلسفية ويتتبعها في محاولة للوصول إلي الفكرة التي يريدها الكاتب وليس إلي ( الخيال ) الذي يوهم القارئ به ، وهذا ينسحب علي رؤيته لفكر خليل مطران ،ميخائيل نعيمة ، طه حسين ؛ الذي ( لم يخرج هو أيضاً من دائرة التخبط في موضوع النهضة الأدبية ) ويستدل على ذلك بمقالة نشرها حسين في عدد الهلال الصادر في نوفمبر 1933 بعنوان ( نهضتنا الأدبية ) قال فيها : " إن الأدب في اللغة العربية قد سار مرحلة كبيرة وأنه لا تزال تنقصه أشياء ، وخلاصة المقالة أن مواضع الضعف في نهضتنا هي :-
1- اتصالنا بأدبنا القديم ضعيف لم يبلغ ما ينبغي له من القوة.
2- ثقافة أدبائنا من الأدب الأجنبي ثقافة محدودة.
3- أدباؤنا لا يحسنون الآداب الأجنبية القومية التي أنشأت الأدب الأجنبي الحديث.
4- لا يحفل أدباؤنا بالعلم ولا يأخذون أنفسهم بدرسه، وفي رأي طه حسين أنه إذا أزيل هذا الضعف من أدبائنا فنهضتنا الأدبية تستكمل شروط ارتقائها إلي ذروتها ... ويعلق المؤلف ساخراً ( إن هذا الكلام يدخل بالطول والعرض أي بالخلو من العمق) أنه كلام شكلي لا أساسي، ويصل مبضع انطون سعادة النقدي إلي عباس العقاد أيضاً ، الذي يري أنه بإمكان أدبنا أن يصبح أدباً عالمياً ( فالأدب العالمي ليس مرتبة من مراتب السمو يرتفع إليها الكتاب والكاتب ولكنها حالة من الحالات تتيسر أسبابها فتظهر ، وتخطئها هذه الأسباب فيخطئها الظهور ) ... يقول سعادة معلقاً على هذا الرأي : الظاهر أن العقاد يعني بالأدب العالمي انتشار الكتب بواسطة الترجمة والطبع في مختلف اللغات لا قيمة الأدب العالمية ، فيأخذ يبحث عن الظروف والأسباب العملية التي تذيع الكتاب كوجود المترجم وحسن الطباعة ووجود شركات النشر ونسبة عدد القراء وغير ذلك من الأمور السطحية والعملية التي ( لا يمكن أن يقوم عليها أدب عالمي لأمه من الأمم علي نسبة ارتقاء المثال الأعلي والفكر والفن).

(5)
عندما يتطرق انطون سعادة إلي مسألة التجديد في الشعر ، فإنه لا يكاد يقبل برأي واحد لشعراء العربية في عصره ، بل تراه يري أن أبانواس – الفارسي – سبق الجميع في الالتفات إلي العلاقة الجدلية بيت البيئة والشعر ، فهو نهيكم على الوقوف طويلاً في ديار الأحبة والبكاء علي الطول ( لأنه ابن بيئة تختلف عن بيئة شاعر الصحراء – لأنه متحدر من شعب خبر من الحياة ألواناً غير ألوام حياة الصحراء ) أما اجتهاد أمين الريحاني فلم يتجاوز القول أن الشاعر يجب أن يكون ( مرآة الجماعات ) ... ويربط المؤلف ما بين هذا ودعوة حسين هيكل شعراء عصره( إلي تغيير أسلوبهم ليمثلوا عصرهم) فيقول : كأني بحسين هيكل يفهم العصر من خلال مطالعاته في الأدب الفرنسي وليس من درسه وضعية مصر ... ويضيف ( وكأني بأمين الريحاني يري أن عكس نفسية الجماعة هو شيئ اصطناعي أساسه الغش أو الرياء ، كأن يمثل الشاعر السوري نفسية شعبه وحالته الروحية بالاقتباس أو الاكتساب من أدب شكسبير وأدب نحوته يمثلان أدب شعبين آخرين فيظهر شعبه بغير مظهره الحقيقي ، وهذا ما يفعله كثير من الأدباء في مصر وبعض الأدباء في سورية فيمسخون نفسية شعبيهما مسخاً.

(6)
الاسترسال في عرض أسلوب أنطون سعادة النقدي يفتح آفاقاً أمام النقاد العرب الذين يعني الفكر بالدرجة الأولي ، فسعادة لا يتناول في هذا الكتاب التقنية الفنية لدي الكتاب والشعراء – وإن كان لا ينكرها في العمل الأدبي بل ويدعو لها – لكنه يصب جُلّ اهتمامه بالفكرة التي تبعث الشكل الإبداعي ، وهو يحرص أن تكون الفكرة منطقية ، ومنسجمة مع واقع الحال ، فالأدب كلّه – في نظره – ( من حيث هو صناعة يقصد منها إبراز الفكر والشعور بأكثر ما يكون من الدقة وأسمي ما يكون من الجمال ) لا يمكنه أن يحدث تجديداً من تلقاء نفسه لأن الأدب ( ليس الفكر عينه وليس الشعور بالذات ) لذلك يقول سعادة ( إن التجديد في الأدب هو مسبب لا سبب ؛ هو نتيجة حصول التجديد أو التغيير في الفكر وفي الشعور ؛ هو نتيجة حصول ثورة روحية ، مادية ، اجتماعية ، سياسية ، تغير حياة شعب بأسره وأوضاع حياته وتفتح آفاقاً جديدة للفكر وطرائفه وللشعور ومناحيه... الفنان المبدع – في نظر سعادة – هو الذي يمتلك القدرة علي الإنفلات من الزمان والمكان وتخطيط حياة جديدة ورسم مثل عليا بديعة لأمة بأسرها".
(7)
تري : لو قدر لأمتنا أن تنجب نقاداً – الآن – من طراز أنطون سعادة ؛ لا يفرقون في الشكليات وإنما ينفذون إلي الأعماق ، فكم من الأعمال – الإبداعية – ستصمد في مواجهتهم ، وكم من أديب سيسقط عنه القناع؟!.