" في الأدب والنقد "
إبراهيم خليل
منشورات رابطة الكتاب الأردنيين / عمان
214 صفحة
عرض وتعليق : أسامة فوزي
نشر هذا المقال في عام 1983

 
قراءة كتاب ( في الأدب والنقد ) للناقد الأردني إبراهيم خليل لا يخلو من متعة وفائدة ، لما في هذا الكتاب من معلومات جديدة ولما فيه من طرائف أيضاً ؛ هي في محصلتها النهائية انعكاس لصورة الأدب في الأردن، ولصورة العلاقات الشخصية العجيبة التي تربط بين الكتاب هناك ؛ والتي تعرف القارئ في الإمارات علي بعضها من خلال المعارك الشخصية التي أثارها الكتاب الأردنيون الوافدون في عدة مناسبات؛ والتي انتهت – علي سبيل المثال – بتبادل الشتائم علي صفحات الزميلة ( الخليج).

(2)
بعض المعلومات التي يقدمها إبراهيم خليل في كتابه تتسم بالجدة فعلاً ، ويمكن اعتبارها إضافة نوعية في مجالها ، مثل الفصل الخاص بالشعر الصهيوني وأثر حرب تشرين / أكتوبر فيه ،ولعل الكاتب استفاد إلي حد بعيد من عمله في دائرة شئون الأرض المحتلة ، فاطلع على تفاصيل حركة الشعر المعاصر في الكيان الصهيوني من خلال العديد من القصائد المنشورة في الصحف الصهيونية ، والتي يتولي مترجمون في الدائرة مهمة ترجمتها إلي العربية ؛ وإن كان المؤلف لم يشر إلي ذلك في كتابه التزاماً (بالأمانة العلمية!) التي تسود أوساط الكتاب هناك، وأستطيع أن أقول أيضا أن حديث الناقد عن غسان كنفاني فيه الكثير من الجدية والفهم العلمي لمواقف غسان ( النقدية)؛ والتي لخصها الكاتب في أربع نقاط ( انظر ص 66 ) ، ولعلنا نسجل مأخذاً واحداً على هذه الدراسة وهو إغفال الناقد لكثير من المقالات النظرية والتطبيقية لغسان ؛ والتي تكشف أو تكرس جوانب من شخصيته ( النقدية) ، ولكن الفصل في إطاره العام يقوم غسان كنفاني الناقد في صورة قريبة إلي الحقيقة ، وهذه إضافة ( نوعية ) جديدة تسجل إلي صالح الكتاب.

(3)
من فصول الكتاب الملفتة للنظر أيضاً فصل عن كتاب رشاد رشدي ( في النقد والنقد الأدبي) ، وآخر بعنوان ( نموذج واحد في النظرية النقدية) ، ففي هذين الفصلين يكشف إبراهيم خليل عن رؤيته النقدية الخاصة من خلال مناقشة مفهوم ( النقد الجديد ) الذي يتبناه في المنطقة العربية الدكتور رشاد رشدي والذي يتمحور حول فكرة أساسية ملخصها أن "النقد الجديد يؤمن بأن العمل الأدبي لا يستمد قيمته من موضوعه أو من شكله منفصلاً بل من تفاعل الكاتب مع الحياة تفاعلاً يمتزج فيه الموضوع بالشكل في وحدة عضوية مهمتها خلق إحساس معين" ، وفي معرض مناقشته لآراء رشاد رشدي يسجل الناقد مآخذ على هذه الآراء منها أن المؤلف " يفهم آراء اليوت فهماً خاطئاً " خاصة بالنسبة لموقفه من العلم ، ويوضح الناقد أن اليوت وغيره ( من قادة الأدب الإنجليزي) لم يضعوا الفن في مواجهة العلم – كما يقول رشاد رشدي – وإنما " عبروا عن سخطهم علي عصر الآلة لأن العلم في بلادهم استغل استغلالاً معادياً للإنسان" ، وقي اعتقادي أن هذا الفصل كان سيكتسب أهمية مضاعفة لو ابتعد به الناقد عن التناول الشخصي الجارح ، والذي يكشف في المقابل عن ( نرجسية ) لا نحبها له ، مثل وصفه هذا الفهم للنقد الجديد عند رشاد رشدي بأنه ( فهم كاريكاتوري سخيف).

(4)
أما بقية فصول الكتاب فتتسم بالطرافة فعلاً ؛ لما فيها من مغالطات تاريخية وتحليلات تأخذ طابع الرجم في الغيب أو الضرب في الرمل ، فضلاً عما تتضمنه هذه الفصول من ذاتية مغرقة في النرجسية واحساس بالعظمة والتفرد ؛ ففي فصله الخاص عن ( النقد الأدبي في الأردن) يفرغ الناقد كل الكتابات النقدية السابقة من مضمونها ابتداءً من الخمسينات من هذا القرن وحتي صدور كتابه ( المنقذ) ، وقد جعل الكاتب لدراسته عموداً فقرياً هو مقولة ( غراهام هو ) التي يميز فيها بين نوعين من النقد؛ النقد الأكاديمي والنقد الصحفي، حيث يتبني إبراهيم خليل هذه المقولة ويصنف النقاد في الأردن على ضوء ما ورد فيها ، فهذا ناقد أكاديمي ناقد صحفي ، وبشئ من الفذلكة يضع الكاتب مآخذ كل نوع ، بحيث تنسحب على جميع الأسماء التي تأتي تحتها ، فمؤلفات الدكتور ناصر الدين الأسد والدكتور عبد الرحمن ياغي" تسرف في جمع الملاحظات والحقائق التاريخية الخارجية على حساب النقد الداخلي لهذا الأثر" وهي أيضاً " تتسم بالافتقار إلي الرؤية الجمالية المعاصرة " أما الدكتور محمود السمرة فهو " يحاول أن يطبق جميع مناهج النقد الأدبي علي دراساته " ويشاركه في هذه الخاصية الدكتور هاشم ياغي الذي " تغلب علي مؤلفاته السمة النظرية " ، والذي " وقع في الإخفاق – في حديثه عن الشعر الأردني في خمسين عاماً – لأنه يربط ما بين الشعر الحديث والنتاج الجديد" لذا فهو " يقرر فيما يشبه الأحكام السريعة أن الشعر بدأ بمصطفي وهبي التل وانتهي بعبد الرحيم عمر أما خليل السوامري فيصنفه المؤلف في خانة ( النقد الصحفي ) وبعد أن يعدد عيوب هذا الاتجاه يصل إلي نتيجة وهي أن السوامري وغيره من نقاد الصحف ( لم تتبلور لديهم مواقف نقدية فمنهم من انقطع عن الكتابة ومنهم من انتهي بكتابة القصة كخليل السوامري)

كتابي الأول ( آراء نقدية ) ؛ الصادر عام 1975 ، قبل صدور كتب إبراهيم خليل وأمينة العدوان وأحمد المصلح وخليل السوامري – النقدية – نال أيضاً نصيبه من النقد؛ الذي يعتمد علي الرجم بالغيب ، فمع اعتراف الناقد بأن الكتاب ( رقي قدراً كبيراً من الاهتمام ) ومع اعترافه بأن الصحف والمجلات ( روجت له ) ، إلا أنه لا يرج ذلك إلي ريادة الكتاب وأهميته وإنما يرد ذلك إلي ( الأسماء الكثيرة التي وردت في الكتاب وبعضها لكتاب ناشئين ، أو لكتاب معروفين اقتنوا الكتاب لورود أسماء لهم فيه ) ، وأظن أن هذا الفهم يتسم بالكارويكاتورية والسخف – واعتذر عن استخدام مصطلحات الكاتب وهأنذا أرجعها إلي مصدرها – فالكتاب الذين يصفهم بالناشئين من أمثال يوسف حمزة وغسان زقطان وأحمد عودة وعدنان علي خالد ونلهض هتد وعشرات غيرهم ، أصبحوا اليوم هم الواجهة الحقيقية للحركة الأدبية في الأردن ومنهم من تولي مناصب قيادية في رابطة الكتاب وأكثرهم صدرت لهم كتبهم المتميزة ، وبالتالي فإن المأخذ الذي يسجله الناقد يرتد عليه ، بل ويسجل إلي صالح الكتاب والكاتب ؛ الذي استطاع من خلال رؤية نقدية مستقبلية أن يرسم إطاراً للحركة الأدبية في الأردن وليس بدعة أن نقول أن كاتب هذه السطور كان أول من أشار إلي معظم هذه الأسماء – اللامعة اليوم – ليس من خلال كتابه فقط وإنما من خلال مقالاته في الصحف آنذاك ، ومنها مقالة عن الشعراء الشباب ، نشرتها مسلسلة جريدة عمان المساء في عام 1972 وتضمنت حديثاً عن غسان زقطان ويوسف حمزة وغيرهم من لم يسمع بهم أحد من قبل.

ولأن الكاتب أشار إلي مسألة ترتيب الأسماء الواردة في الكتاب أبجدياً في مدخل كل موضوع واعتبر ذلك بدعة لترويج الكتاب ، فلا بأس من الإشارة إلي أن الكتب الوثائقية في مدخل كل بحث ، عدا عن حقيقة ثانية يعلمها الناقد حق العلم وهي أن الكتاب لا يشترون الكتب وإنما يتهادونها وعليه فإن معظم الكتاب الأردينين حصلوا على نسخ من الكتاب دون مقابل وبالتالي يسقط الإدعاء.

وأما إشارته إلي رأي خيري منصور في الكتاب فأطرف ما في هذا الفصل فعلاً ، ذلك أن خيري منصور عاش علي هامش الحركة الأدبية في الأردن كموظف يقوم بتصحيح أعداد مجلة أفكار ، ولم يعش في الأردن خلال فترة صدور الكتاب أكثر من خمسة أشهر ؛ وإذا كان لكل كاتب أن يورد آراء المادحين والمقرظين لكتابه فلي الحق أن أعدد أسماء العشرات وعلي رأسهم أحمد فؤاد نجم وأمل دنقل ومحمود علي السعيد وحاتم السيد ومحمد كمال جبر ومحمود السعدني ونزار قباني ، وليس مدحاً أن نقول أن الفصل الخاص عن المسرح في الأردن وكان ولا يزال المرجع الرئيسي عنه ، وأن الفصل الخاص بانتحار تيسير سبول كان فاتحة في كتابة الريبوتاجات والنقدية الشيقة.


تدليلاً علي المزاج الشخصي والانطباعي عند الناقد لا بأس من الإشارة إلي فصله الخاص بالقصة القصيرة في الأردن بين جيلين ، والذي نشر له في مجلة ( الموقف الأدبي السورية ، في العدد نفسه الذي تشرت لي فيه مقالة حول القصة أيضاً ، وقد لاحظت أن الناقد أشار في مقدمة كتابه إلي أن مقالته عن النقد في الأردن قد نشرت في مجلة الموقف الأدبي السورية ، لكنه تجاهل الإشارة إلي أن مقالته الثانية عن القصة قد نشرت أيضاً في المجلة نفسها ، فما الذي منعه من الإشارة تلك ، خاصة وأن الكتاب في الأردن يعتبرون النشر في هذه المجلات شرفاً كبيراً !!.

الإجابة تجدها في المقارنة بين النصين المنشورين في المجلة ، ثم في الكتاب فالناقد خشي من أن يعود القارئ إلي النص الأصلي ؛ ذلك أنه لو عاد إليه لاكتشف أن الناقد غير في النهاية وفي التحليل ، حيث أسقط في كتابه الحديث المطول عن بدر عبد الحق – والمنشور في المجلة – واكتفي بالإشارة إليه في سطرين فقط ، بينما أفرد صفحات لزميليه المشتركين معه في الكتاب المشترك ( ثلاثة أصوات )، ولنا بعد كل هذا أن نستنبط ونستنتج الأسباب التي أدت إلي هذا ( التزوير ).

(7)
من المزاجية في التناول ، إغفال بعض الحقائق وإبراز بعضها بما يخدم موقفه النقدي المسبق ونظرته المسبقة للأمور – وهو مأخذ كان قد سجله عليه خليل السوامري – فعندما تعرض الناقد لتجربة محمود شقير القصصية أشار إلي أن قصة ( ثلاث قصص قصيرة جداً ) كانت قد نشرت بنهاية مختلفة وبعنوان مختلف هو ( الثلج ) في مجلة الأقلام العراقية ، ولكنه عندما تحدث عن قصة ( مقهي الباشورة ) اكتفي بالنص الوارد في المجموعة ولم يشر إلي النص الأول المنشور قبل ثلاث سنوات من صدور المجموعة في مجلة أفكار الأردنية وبالتالي أغفل مسألة في غاية الأهمية تتعلق بالنهاية التي اختارها القاص في نشرته الأولي ثم التغيير الذي أدخله على هذه النهاية في النشرة الثانية لها والذي جاء أثر مقالات نقدية عينية لكاتب هذه السطور، ولا ندري هل أغفل هذه الناحية حتى لا يعيد إلقاء الأضواء على سقطة القاص أم أنه فعل ذلك حتى يتجاهل كلية دور كاتب هذه السطور في إثارة هذه المسألة وتوجيهها نحو ما يراه صحيحاً!!.

وإذا كان لنا في النهاية أن نسجل ملاحظات أخري علي المزاجية التي اتسمت بها كتابة هذه المقالات ،والتي تخرج بنصف الكتاب تقريباً من دائرة التاريخ الأدبي لانتقادها العلمية والموضوعية والصدق ، أري أن أشير إلي آراءه في عدد آخر من الكتاب والنقاد ؛ والتي تدخل في إطار (الروح) لهم – كما روح لي – أكثر من كونها دراسات نقدية تهدف في النهاية إلي اثبات حقيقة – وليس الأخذ بالثأر.

يقول الكاتب عن الناقدة أمينة العدوان " إنها ناقدة صحفية فقط ، يتجلي في دراساتها طابع الاعتماد علي المزاج الذاتي والذوق الشخصي والأحكام السريعة غير المدروسة" ودراساتها " بالإضافة إلي افتقارها إلي المحتوي الفكري فهي مشوهة لغوياً ، فنصوصها النقدية بحاجة إلي إعادة صياغة من الناحية اللغوية ولهذا فإن التهويل الذي أحيط به الكتاب عند ظهوره جاء تهويلاً مفتعلاً ومن قبيل التحايا التي يزجيها الأدباء بعضهم لبعض " ، ويلاحظ القارئ أن هذا الاتهام مشابه للاتهام الذي وجهه لكتاب (آراء نقدية).

يقول الكاتب عن قصص مفيد نحله : " إنها قصص تقليدية لا تضيف إلي تراثنا القصصي جديداً"
ويقول عن فايز محمود : " أصدر فايز محمود مجموعة مقالات قصصية عنوانها العبور بدون جدوي تكشف عن أفكاره الوجودية التي استعارها من الآخرين دون أن يهضمها لذا جاءت قصصه مفتعلة في كل شئ حتى في لغتها المليئة بالأغلاط".

ويقول عن قصص الدكتور عصام موسي : " أن قصصه لا تختلف عن قصص فايز محمود إلا في النضج اللغوي ذلك لأن مجموعته حكاية الفارس المدحور لم تقوم شيئاً جديداً علي صعيد المضمون".

(9)
كتاب إبراهيم خليل ( في الأدب والنقد ) مطبوع على نفقة المؤلف رغم أن الأخير يدعي أنه من منشورات رابطة الكتاب ، وهو اتجاه ساد مؤخراً في الأردن ، بحيث يطبع الكتاب كتبهم على نفقتهم الخاصة ويضعون اسم الرابطة علي الغلاف لترويجها وقد منع الدكتور محمود السمرة رئيس الرابطة الجديد هذا التقليد ، ولكن كتاب إبراهيم خليل استطاع أن ينفذ إلي الأسواق قبل قرار المنع ، لذا فإن ثلاثة أرباع فصول هذا الكتاب غير جديرة بالقراءة.