" قراءة في الأدب والفن "
د . عبد العزيز المقالح
منشورات وزارة الإعلام والثقافة / صنعاء 208 صفحات
عرض : أسامة فوزي
نشر هذا المقال عام 1982

الدكتور عبد العزيز المقالح من اليمن الشقيق واحد من الكتاب العرب المكثرين ؛ المتنوعين في ثقافاتهم وإنتاجهم ؛ القادرين علي تجاوز حصار النشر من خلال حيوية ذاتية تمتد هي إلي القارئ العربي في كل مكان ولا تنتظر من القارئ أن يمتد إليها ، والمقالح ناقد وقاص وشاعر وكاتب مقالة من الطراز أن يمتد إليها ، والمقالح ناقد وقاص وشاعر وكاتب مقالة من الطراز الرفيع وأستاذ متخصص في الدراسات الفلولكلورية ؛ لعب دوراً أساسياً في التعريف بالأدب اليمني من خلال عدة كتب أشهرها ( قراءة في أدب اليمن المعاصر ).

(2)
الكتاب الذي بين يدي اليوم للدكتور عبد العزيز المقالح بعنوان ( قراءات في الأدب والفن ) وهو يخرج عن النطاق المحلي اليمني – الذي اتسم به كتابه السابق المشار إليه – إلي النطاق العربي من خلال التعرض للعديد من القضايا الأدبية العامة والكتاب العرب من غير اليمنيين ، من أمثال عبد الله القصيمي ، نجيب سرور ، توفيق الحكيم بالإضافة إلي ما عرضه من قضايا الأدب في اليمن ، والكتاب من القطع الكبير ، يقع في 208 صفحات تتضمن أربعة فصول تتوزع تحتها 25 مقالة.

(3)
لا شك أن عنوان الكتاب يتضمن رأياً معيناً في مفهوم ( القراءة الأدبية ) وإلي أي مدي تصبح هذه القراءة ( نقداً ) ، وما الحدود الفاصلة ما بين ( القراءة ) و ( النقد ) ، ومع أن المؤلف لم يفصل كثيراً في هذه المسألة في مقدمته ومدخله إلي الكتاب إلا أنه ذكر أن القراءة نقد " لأن القارئ لا يقف مما يقرأ مكتوف الفكر والملاحظة وإنما هو يحلل ويناقش ويطالع ما بين السطور "ولكنه يضيف أن " والقراءة ليست نقداً لأن النقد يقوم علي أصول وقواعد ومناهج ، وليس للقارئ إلا ذوقه الخاص ورؤيته المنطلقة من مكوناته الثقافية وذلك هو شأني – كقارئ - في هذا الكتاب ".

وفي اعتقادي أن المؤلف يتواضع في مقدمته هذه إلي الدرجة التي تغيب فيها فكرته عن (النقد) و (القراءة) فيما يشبه الخلط بينهما دون تحديد هوية كل لون ، ولعله يقصد بالقراءة ما يمكن أن نسميه بالنقد الانطباعي أو الخواطر الانطباعية التي يسجلها الكاتب في معرض تناوله رأياً معيناً أو عملاً إبداعياً ، وهذا مفهوم وجائز ؛ لكن النقد الإنطباعي هذا عند الكاتب الملتزم بموقف حياتي معين لابد وأن يتشكل في إطار منهج نقدي يتم علي ضوءه محاكمة النص الأدبي وتقويمه ، وهذا يتضح من خلال كتاب المقالح وفصوله المختلفة التي تتسم في مجموعها بالواقعية في التناول والتطبيق بحيث يمكن لنا أن نقول أن المقالح في كتابه هذا ناقد واقعي ولكننا نضيف أيضاً أن المنهج الواقعي النقدي عنده لم يكتمل في صورة علمية واحدة ، ولعل السبب في ذلك كون الكتاب مجموعة مقالات صحفية ، مكتوبة في فترات متباعدة.

(4)
لقد طرح المؤلف هذه المشكلة في تضاعيف كتابه، وفي معرض حديثه ودفاعه عن (شهريار) ، فذكر أن الناقد الأدبي – في كل زمان ومكان – مهمة محددة وهي " دراسة الأثر الأدبي أو تقريبه من الأفهام والحكم عليه بعد فهمه" وقد جاء رأيه هذا تفنيداً للمنهج النفسي الذي اعمده بعض النقاد في تحليل أدب ألف ليلة وليلة ، علي حساب الاتجاه الاجتماعي السائد آنذاك ، ومع أن المقالح طالب بإيجاد توازن في منهجة النقد بحيث يغطي الناقد الوجوه الاجتماعية والنفسية والتاريخية للعمل الإبداعي المنقود ، إلا أنه يميل إلي تشخيص ذلك على ضوء المنهج الواقعي ، كما يتضح في إشارته لأدب نجيب سرور وتوفيق الحكيم – مثلاً.

(5)
في موضوعه المعنون " بالكلمة بين الإبهام والالتزام " يقترب عبد العزيز المقالح كثيراً من المفهوم الذي أشرت إليه واستنتجته كم كتاباته ، فالأدب عنده يساوي الالتزام وخير الملتزمين أدبياً هم " أولئك الأدباء الذين يولون اهتمامهم للإنسان ويعطون أصواتهم لأوسع الجماهير وأكثرها حاجة إلي ذلك الصوت" وبما أن الكاتب يؤمن بهذا الفهم لمعني الالتزام ، وربما أنه يكتب ( قراءات ) أو ( نقداً إنطباعياً ) فإن معالجاته لا يمكن بأي حال أن تخرج عن هذا الإطار ، وهو اللبنة الأولي للنقد الواقعي ، وقد اتضح ذلك من معالجته لمفهوم الشعر ؛ فالشعر الحديث – مثلاً – في رأي المقالح مطالب بأن يحافظ علي لغة التوصيل بينه وبين القارئ لأنه لا يجوز أن يعيش الشعر " خارج عملية الإيصال والإيضاح" من خلال تهديماته التي تصل إلي درجة الإبهام، ففي هذه الإشارة تأثير علي وظيفة الشعر ؛ التي أشار إليها في العبارة السابقة.

(6)
الفصل الخاص بالقصة اليمنية القصيرة وملامح الثورة فيها – والذي يغطي 27 صفحة من الكتاب – هو في الواقع نموذج تطبيقي لتوجهات الناقد نحو الواقعية في الأدب، والنماذج التي يختارها الدكتور المقالح هي لقصاصين عرفوا بثوريتهم وواقعيتهم من أمثال محمد عبد الولي؛ الذي يتميز بقدرته الفائقة علي المزج الفني ما بين الواقع والخرافة " بين الاستيعاب التصوري لأوضاع الوطن والاستيعاب الميثولوجي لتراثنا الأسطوري"... ويلتقي مع ( محمد عبد الولي ) في واقعيته وثوريته القاص ( زيد مطيع دماج ) الذي " يحاول التمرد أو التململ علي الأوضاع والظروف غير السوية ويلتقط في قصصه شخصيات من الواقع اليمني شخصيات أخناها العذاب والاستبداد والإحباط" أما القاصي الصحفي ( محمد الزرمة) فينتصر في قصصه لكل المواقف الثورية التي لا تتجاوز الواقع ولا يحلق في الوهم والخيال أما القاص ( محمد صالح ) فيكتب بالسكين وهي تعني المواجهة الصريحة والمكاشفة العنيفة هي الميزة الأولي عنده".

(7)
كتاب الدكتور عبد العزيز المقالح ، والصادر عن وزارة الإعلام والثقافة في الجمهورية العربية اليمنية ، كتاب جديد بالقراءة ؛ ليس فقط لأنه يعرف ببعض الجوانب المهمة في الأدب اليمني المعاصر ؛ وليس لأنه يقدم رؤية يمنية في بعض القضايا الأدبية العربية ، ولكنه – في المقام الأول – لأنه يقدم للقارئ العربي مشروع ناقد لا يرغب في احتراف هذا العمل لكنه ينجذب نحو بكليته ، وإذا كانت المقولة الفلسفية ( أنا ما قرأت !! ) هي الفاتحة والبسملة في تجربة المقالح النقدية ، فلأنه في الحقيقة والواقع ( هو ما قرأه فعلاً ).