"أغاني العمل والعمال في فلسطين "
لعلي الخليلي

منشورات صلاح الدين / القدس / الطبعة الأولي 1979
منشورات ابن خلدون / بيروت / الطبعة الثانية 1980
175 صفحة – دراسة
عرض ونقد: أسامة فوزي
نشر هذا المقال في عام 1982


كتاب علي الخليلي ( أغاني العمل والعمال في فلسطين ) والصادر في طبعتين ؛ الأولي عن منشورات صلاح الدين المقدسية في حزيران 1979م والثانية عن دار ابن خلدون البيروتية في حزيران 1980م، يأتي في إطار التصدي الفلسطيني في الداخل لمحاولات التشويه والتزوير التي يقوم بها العدو الصهيوني بحث تراثنا وأهلنا في الأرض المحتلة ، وعلي الخليلي ليس بغريب عن القارئ العربي فهو واحد من ألمع كتاب الداخل ، وكان علي رأس الممنوعين من العمل في الصحافة وفقاً لما جاء في قرار الحاكم العسكري للضفة الغربية ، خاصة وأن علي الخليلي استطاع أن يحول الصفحة الثقافية التي يشرف عليها في جريدة الفجر المقدسية إلي كابوس يومي لسلطات الاحتلال.

(2)
ورغم أن علي الخليلي عاش تجربة المنفي ، ثم تجربة السجن بعد عام 1977م في زنازين المحتل الصهيوني ، وما يترتب علي ذلك من قلق وتشرد وعدم استقرار ، إلاّ أنه لمع كموسوعة بشرية تسير علي قدمين حينما أصدر وحده تسعة كتب ؛ خمسة منها في تأصيل التراث الفلسطيني وتفجير مكنوناته وتثويره في مواجهة الحملة الصهيونية المسعورة عليه ، وهلي على التوالي ( التراث الفلسطيني والطبقات ) و ( البطل الفلسطيني في الحكاية الشعبية ) و ( أغاني الأطفال في فلسطين ) و ( النكتة العربية ) وأخيراً ( أغاني العمل والعمال في فلسطين ).

(3)
يقع الكتاب في طبعته الثانية في 175 صفحة من الحجم الصغير ، بمقدمة للمؤلف وتذييل للناشر يؤكد فيه أن هذه الدراسة ( جاءت لنملأ الفراغ في مجال الأبحاث الفولكلورية الفلسطينية ، وأن المؤلف في دراسته هذه يؤطر موضوعه الفولكلوري من حيث الممارسة والإشارة النظرية له) ، أما مقدمة الكتاب فترسم حدود العمل به ، ابتداءً من عملية جمع النصوص والمواد الفولكلورية – الغنائية – من البيئة الشعبية لفئات الشغيلة والأجراء والصناع والحرفيين ، وانتهاءً بدراسة وتحليل النصوص وفق منظور تقدمي ثوري يهدف إلي ( تكريس وجود هذه الجذور الفولكلورية للطبقة العاملة الفلسطينية في وطنها وهو تكريس ينسحب بالتالي علي مجمل فولكلور شعبنا العربي الفلسطيني كله ).

(4)
في الفصل الأول المعنون بـ ( مدخل إلي الأغنية الشعبية ) يميز المؤلف بين نوعين من الغناء الشعبي ، الأول : الأغنية الفلولكلورية – التي تعتمد لحناً شعبياً قديماً مميزاً بالثبات والتواصل مثل الجفرا ، العتابا ، الميجنا ، ملعونا ، يا ظريف الطول ، يا غزيل ، يا هويولي عالأوف مشعل ، ليابليا ، أبو الزلف ، والثاني : الأغنية الشعبية – التي تعتمد لحناً شعبياً قديماً يمتزج باللهجة العامية ... وفي مناقشته لتقسيمات أحمد رشدي صالح- الذي يسمي الأدب الفولكلوري بالأدب التقليدي أو الشفاهي والأدب الشعبي بأدب الفكرة الوطنية – يخلص إلي أن حرض أحمد رشدي صالح علي " الوصول إلي وعي جديد في ضبط أشكال هذه الأغاني لم يحقق أكثر من تسمية جديدة تنطبق مباشرة علي محاولات التسمية القديمة " ويشير علي الخليلي إلي أن الدكتورة نبيلة إبراهيم قد حاولت أن تتجاوز هذا المأزق ( الشكلي ) فلم تلتفت إلي أي تقسيم واعتمدت المصطلح المسيطر وهو ( الأغنية الشعبية ) إلا أنها – يستدرك المؤلف - أكدت أن ( البحث في الأغنية الشعبية في فلسطين مرت داخل هذا الصراع ، وتطورت وفق الخط ذاته الذي انتظم القصيدة العربية في فلسطين – الكلاسيكية ، الرومانسية ، الواقعية ، الواقعية الاشتراكية .

(5)
الفصل الثاني من كتاب ( أغاني العمل والعمال في فلسطين ) يبدأ باستذكار تاريخي للأصول الأولي للغة وارتباطها بعذابات وقناعات الإجراء والشغيلة ؛ علي اعتبار أن اللغة كانت متنفساً أولياً لهذه الفئات تعبر من خلالها عن ( العذابات ) و ( القناعات ) المستجدة ... وقد لاحظ المؤلف أن مسألة الحماس والتحميس في أغنية العمل ( هي بالتحديد أهم ما يمكن أن تمثله هذه الأغنية من معني ليس للعامل والأجير فحسب وإنما لرب العمل أيضاً فإذا كان العامل أو الشغيل يري في الأغنية نافذة وجوانبه لتحرير وقت المرير فإن المالك أو رب العمل يري فيها وسيلة ناجحة لتنشيط قوة العمل التي يسيطر عليها)، وكتطبيق ( عملي ) علي هذا التصور ( النظري ) يستعرض المؤلف في الفصل الثالث نماذج من أغاني الأرض ، الحراثة ، الحصاد ، قطف الزيتون ، الرعي ، أغاني المطر ، أغاني الهجرة ، ليخلص إلي أن أغنية العمل ارتبطت بالأرض – التي هي سلعة هائلة الأهمية يمتلكها الإقطاعيون وينتشر من فوقها العبيد والأجراء وصغار الفلاحين ... والمحصلة أن صغار وأجراء الفلاحين الفلسطينين عانوا من عوامل اصراع الطبقي والقومي في بلادهم ( فانعكست هذه المعاناة الصادقة في أغانيهم المختلفة ).

(6)
الفصول المتبقية من الكتاب – الرابع ، الخامس ، السادس ، السابع – تعرض عرضاًَ ميدانياً يتسم بالمسح والجمع لأبرز أغاني البنائين، الصيادين ، الحرفيين على اختلاف حرفهم كالحلاقين والسائقين والباعة فضلاً عن أغاني المرأة العاملة ... ويشير المؤلف إلي أن انقراض بعض الحرف أدي إلي انقراض أغانيها الحماسية مثل أغاني الحطابين .. كما انقرضت حرفة الصياد في الضفة الغربية ( فتوارث معها كل المبررات للغناء التحميسي )، ولكن أغاني الصيد ذاتها تسربت إلي الأفراح ( لتعبر بمضامنيها الحية عن علاقات جديدة تطورت لها هذه المضامين ) ، خاصة وأن الشعب الفلسطيني بدأ يحس بوجدانه الشعبي أنه مهدد بالتدمير والاغتراب والتشويه لذا فإنه يتشبث بكل أصوله وجذوره ويحرص أشد الحرص علي تواصله الكامل عبر كل إمكاناته الثقافية العميقة.

(7)
كتاب ( أغاني العمل والعمال في فلسطين ) يطرح في النهاية مسألة دراسة الفولكلور الفلسطيني وضرورة العناية – الجماعية – بإحياء مأثوراته علي اختلافها ، وفق اتجاه تقدمي يأخذ بعين الاعتبار أن عملية الإحياء لا تهدف إبي تكريس المفاهيم والقيم البالية وإنما – بالدرجة الأولي – تأصيل الهوية واكتشاف الجذور تمهيداً للامتداد تحو المستقبل .. لذا فإن كتاب علي الخليلي كتاب جديد في أسلوبه وفكرته ومادته وهو لهذا يغني المكتبة الفولكلورية العربية.