" قط مقصوص الشاربين اسمه ريّس "
رسمي أبو علي
دار المصير للنشر / بيروت
94 صفحة – مجموعة قصصية
قراءة وعرض : أسامة فوزي
نشر في عام 1983

 
رسمي أبو علي قاص يسحرك بأسلوبه ، يسحرك بلغته وسخريته، يسحرك بشخوصه ونمطيتهم ، يسحرك بقدرته الفائقة على المزج بين الخاص والعام؛ بين همومه الذاتية البحتى وهموم مجتمعه ، يسحرك حتي باختياراته لعناوين قصصه ؛ إنه نمط جديد من الكتاب ، يعيش اللحظة والمستقبل والماضي في آن واحد ، ويعبر عن حياته – الفعلية – بصدق وتلقائية فيها سخرية ومرارة وأسي ؛ هذا المذيع القديم ينبعث من جديد في بيروت كواحد من الصعاليك ، بل لعله أكبر الصعاليك سناً رغم أنه يبدو في قصصه مراهقاً رومانسياً حالماً.

(2)
مجموعته القصصية ( قط مقصوص الشاربين اسمه ريس ) – لاحظ طرافة العنوان – والصادرة عن دار المصير البيروتية في 94 صفحة من القطع الذي لا يزيد في حجمه عن مساحة الكف، تتضمن عشر قصص قصيرة ، بعضها قصير جداً ، تحكي في مجملها قصة الإنسان الفلسطيني المنتمي – فقط – لتاريخه ومشاعره وأحساسيسه؛ الرافض – بسخرية – لواقعه؛ القادر علي العيش في مناخات الرمال المتحركة والمصائد ، والكمائن ، والشعارات؛ إنها باختصار مجموعة قصصية ترسم ملامح شخصية لرجل اسمه ( رسمي أبو علي ).

(3)
النماذج البشرية التي يعرضها رسمي أبو علي في قصصه تكمل بعضها ، وترسم في إطار المجموعة القصصية كلها صورة واحدة لأبطال قصصه ، فالمرأة عنده هي مزيج من سيمون – في قصة قط مقصوص الشاربين اسمه ريس – والأوروبية الحسناء – في قصة الطائر الذي فقد ريشه الملون – والجدة – في قصته لو كان إبراهيم هناك – والعشيقة في قصة للسمكة بيت للصقور بيت – وسفاء – في قصة برعم في الخريف – وفيفي – في قصة الجنوب . والمناضل المهزوم عنده هو مزيج من الراوي في قصصه ، وأصدقائه جمعة وأبو الملاحم ، أما رمز النضال الحقيقي فيتجسد في شخصيات كل من إبراهيم – في قصة لو كان إبراهيم هناك – والجدة في القصة نفسها وتأتي شخصية البهلول مجسدة كأوضح ما يكون في ( أبو روزا ) – في قصة الأحلام – والمدعي ( نصري حجاج ) في قصته – تنويعات.

(4)
قصة ( قط مقصوص الشاربين اسمه ريس تروي حكاية اللقاء الأول بين البطل وسيمون ؛ الصحفية الأجنبية الحسناء التي يتعرف عليها في بيروت والتي تهتم كثيراً بقضيتين أساسيتين ؛ الأولي : تصوير الحصار في الأسواق التجارية ، حيث تجد في أحداث بيروت شيئاً مثيراً ( لا أعتقد أنني احب بلدي يحدث هناك ) وتلبس في إطار ثورتها المصطفة لبوس الثوار ، فهي تفضل الانتقال بالسرفيس وليس بالتاكسي !! ... أما القضية الثانية فهي الاهتمام والاعتناء بالقط ريس ، الذي لا تخلو فروته من الحشرات باعترافها ، وبالمقابل يحرص بطل القصة علي ( مجاراتها ) لمأرب معروف، فهو يرتكب معها السرفيس ، ويساعدها في تصوير الدمار في الأسواق ويعتني بالقط ريس ويؤيدها في معارضاتها لزميلها الصحفي الأوروبي ... البطل في هذه القصة شخصية مهزومة ، اختلت عنده المعايير ، عشيقته الصحفية لا تذكره إلا بوجود الرجال ، سختها تذكره بسميح القومي وضحكتها بالممثل المصري حسين فهمي .. عاش معها – هامشيتها – فلم تترك عنده أي أثر بعد سفرها اللهم إلا القط ريس ( لقد رحلت وتركت لي قطها وعلينا أن نتدبر أمرنا معاً في هذا الشتاء الطويل).

(5)
الأوروبية الحسناء التي يلتقي بها – مصادفة – في احدي الدول الأوروبية نموذج آخر لنظرة الهامشية – الرومانسية – للثورة ، فهي تحاول تعميق صلتها بالثورة العالمية من خلال استرجاع قصة جدها – الذي استشهد في الحرب العالمية !! – ومن خلال التزيين بكوفية حمرا ، اكتشف البطل أنها ليست كوفية الفدائيين لأنها بيضاء مخططة بالسواد ... اللقاء العابر مع هذا النموذج الأوروبي الحالم لم يزد في تعميق العلاقة الإنسانية بين الشخصيتين ، وإن كان الراوي ألمح إلي العلاقة الجنسية التي يبدو أنها الأثر الوحيد الذي تركته هذه العلاقة أيضاً ؛ لكن التجربة في عموميتها كانت مدخلاً لاسترجاع تاريخي ونفسي في ذاكرة البطل ؛ فالطائر الذي تذكره في الجزيرة المنسية هو ( فلاش باك ) لأيام الحرية والتمتع بأرض فلسطين.

(6)
الجدة العجوز – فضلاً عما يمثله رمز إبراهيم – هي الشخصية الإيجابية الثورية الوحيدة في قصة ( لو كان إبراهيم هناك ) ، فالقرية كلها تعد العدة للهجرة أثر الهجمة الصهيونية المسعورة على دير ياسين التي تبعد في القرية أربعة كيلومترات فقط، لكن الجدة ترفض الفكرة بحدة ( تهربون من اليهود يا همل على الطلاق، من راسي أنني بيدي هاتين اللتين لم يأكلهما الدود بعد وبحجر أو حجرين كنت أطحش عشرين أو ثلاثين منهم عندنا كانوا يخرجون شطحات في الزرقية أو في بطون عيسي ) والرأي المقابل يتمثل في قول الأبن ( عارف يمه ، لكن هؤلاء ليسوا هم اليهود الذين تعرفينهم أيام زمان ، هؤلاء يهود جاءوا من آخر الدنيا ومعهم دبابات ومدافع وليسوا هملاً مثل الذين تتحدثين عنهم)، أما إبراهيم – زوج وطنة – فأحد القبضايات من العائلة ، كان قد اختفي منذ خمس سنوات وتري الجدة أنه سيعود يوماً ... هاجرت القرية كلها إلا الجدة؛ التي أصيبت برصاصة سرعان ما توفيت بعدها لكنها كانت تؤمن حتي في نزاعها الأخير أن إبراهيم سيعود وأنه ( لو كان إبراهيم هناك .... )!.
القصة – كما هو واضح – تسحب البساط من تحت أقوام الجيل الجديد – المستقبل – لأنها تري أن المقاومة الحقيقية لم تتجسد إلا في الجدة – وهي من الماضي – وإبراهيم – يرمز إلي عهد سابق أيضاً – وأنه لو ظل إبراهيم لما حصل ما حصل ... القصة تحمل في طياتها إدانة غير مباشرة ، وإن كانت مبررة ، فاليهود الذين قدموا ( معهم دبابات ومدافع ).

(7)
في قصيته ( للسمكةبيت للصقور بيت ) و ( برعم عند الخريف ) تطل علينا المرأة اللاهية ، العنيدة ؛ المرأة التي تترك أثراً – إضافياً – غير العبق الأنثوي ؛ أنها المرأة المتحدية ؛ التي تشترك مع البطل في إحساسه بالهزيمة ، لكنها أكثر إقبالاً علي الحياة والتحدي منه ... هي تهرب إليه وهو يهرب إليها ، بينهما ( توحد ) في الهموم (الخاصة) والهموم ( العامة ) ، أما ( فيفي ) في قصته الجنوب فهو تعادل الاسترخاء في بيوت ... القاص يورد صورتين ويسجل حالتين ، الاشتعال والتمدد في الجنوب والاسترخاء في بيروت ويدين – بشكل غير مباشر – نماذج من الناس تترك الاسترخاء البيروتي إلي الجنوب المشتعل هرباً من عوامل اقتصادية وليس تحقيقاً لمبادئ ثورية.. جمعة وأبو الملاحم ، نمطان يدينهما الكاتب دون أن يعلن أنه أحسن منهم حالاً .

(8)
نموذج البهلول أو البهلوان موجود في الساحة أيضاً ، أفقدته الأحداث توازنه فاختل – بشكل كوميدي مكشوف – كما هو الحال بالنسبة لأبي روزا واختل بشكل مستتر – فيه مكابرة – كما هو الحال بالنسبة لنصري حجاج ... أما ( أبو روزا ) في قصة ( الأحلام السكايلابية السعيدة للمواطن الكردي غير السعيد أبو بوزا ) فجل اهتماماته تنبع من الرغبة في الحصول علي خمسة آلاف دولار وباسبورت أميركي كتعويض عن سقوط قطعة من مركبة السكايلاب علي رأسه – وإصابته بالضرر ، ومن خلال هذه النمطية العجيبة – البهلولة – يسجل القاص إدانة مباشرة للرؤية الاستغلالية المتخلفة السائدة الآن بحق أبناء العالم الثالث ... فلكل إنسان ثمن ، وتهشم رأس (أبو روزا ) بفعل فشل تكنولوجي أمريكي يعادل خمسة آلاف دولار وربما ( باسبورت )، أما نصري حجاج المكابر ( الذي يعلق على آلامه برواقيه متعالية ليدلل على احتقاره الكامل لهذه الآلام أولاً وللظروف التي تسببها ثانياً ) والذي – لسبب غير معروف – ( لا يسمح لأصدقائه بأن يروه في لحظة ضعف ) فيكتشف – بناء علي تشخيص الطبيب _ إن أحدهم سرق عموده الفقري أثناء النوم ، واستبدله بآخر لعجوز ؛ وهو سبب الآلام الموجعة التي يشعر بها وعليه أن يتدبر أمره ... هكذا ، يورد القاص الحكاية بعبثية ، ولكن باتجاه تنديدي ساخر من هذه الأنماط ؛ التي أفرزتها الظروف الموضوعية ومع ذلك لا تتمكن من التصالح مع نفسها وفق ظروفها التاريخية.

الأنماط البشرية التي يستعرضها رسمي أبو علي في مجموعته ، من خلال التفاصيل الصغيرة ، الهاشمية ، غير المهمة – القط ريس والكوفية البيضاء ومركبة سكايلاب والعمود الفقري لنصري حجاج وغيرها – ترسم في مجموعها ملامح ليس لشخصية القاص نفسه وإنما أيضاً لقطاع كبير أفرزته احرب الفلسطينية الصهيونية ، والفلسطينية العربية والفلسطينية الاستعمارية والحرب اللبنانية أيضا؛ فقد أفرزت هذه الحروب المتداخلة نمطاً مشوهاً من الناس ، عانوا حتى النخاع من الظروف التاريخية المحيطة ولكنهم اتسموا في تصرفاتهم باللامبالاة ... هذه قطاعات مستلبة تعيش على الهامش رغم أنها الوليد المباشر للمخاض الثوري ... إنها قطاعات فقدت صلاتها بما حولها ، وتقلصت طموحاتها أو تراجعت إلي مجرد الرغبة في الحياة .. وربما التذمر أيضاً ... ولا نبالغ إذا قلنا أن اللغة التي اختارها القاص جاءت منسجمة تماماً مع هويتة هذه القطاعات – المستلبة واللامبالية – سواء في سخريتها أو طرحها للأمور من زاوية كوميدية يختفي وراءها حزن دفين وإحساس بالمرارة ونقد ذاتي لا يجرؤ على ( التصريح).
(10)
( قط مقصوص الشاربين اسمه ريس ) مجموعة قصصية لرسمي أبو علي ، استطاعت أن ترسم بسمة علي ثغر الجرح الفلسطيني لذا فإنها محاولة جديدة بالتوقف عندها.