ديوان " الغجــــري "
شعر : علي فودة
دار عويدات للنشر / بيوت
102 صفحة – ديوان شعر
عرض ونقد : أسامة فوزي
نشر هذا المقال في عام 1982

 
ديوان ( الغجري ) هو أحدث ما صدر في بيروت عن دار ( عويدات ) للنشر ، وصاحبه ( على فودة ) من الشعراء الذين قدمتهم هذه الدار عام 1969 من خلال إصدار ديوانه الشعري الأول ( فلسطيني كحد السيف ) ، ثم أصدرت له ( قصائد من عيون إمراة ) عام 1973 ، أما ديوانه ( عواء الذئب ) فصدر عن الإعلام الموحد عام 1977 ثم نشرت له دار ابن خلدون عام 1979 رواية بعنوان ( الفلسطيني الطيب ) ، ولعل اسمه بدأ يبرز أكثر من خلال اشتراكه في تحرير مجلة ( رصيف 81 ).

(2)
تميزت علاقة الشاعر بالكلمة الشعرية بحدة ومباشرة قد لا تحتملها الجملة الشعرية في كل الأحيان ، وقد تسقطها في النثرية والخطابة – وهي مآخذ سجلها النقاد على الشاعر منذ صدور ديوانه الأول ، فهو فلسطيني – كحد السيف – وغربته أشبه بعواء الذئب ، ثم هو ( غجري ) ، وقد قدم لديوانه بمقولة لوركا:-
واآسفاه ...
لم يعد هناك غجر
يصعدون إلي الجبال .. منفردين !
ومقولة هاوارد فاوست :
إنهم يفكرون في إسكاتنا
مع أن كل جريمتنا كلمات
غنينا بها الحياة
والسلم والأمل
والأشياء التي يعتز بها الناس
(3)
يضم الديوان ثلاث لوحات – وحدات – تتفرع منها قصائد هي بمثابة اللون في اللوحة ... اللوحة الأولي ( الغجري ) وتضم في إطارها الملعون ، النوم في الشوارع، العش ، السيد متشرد ، الغيوم ، الدفلي .
دم شاعر ، اللوز المر ، ويلاحظ أن قصائد هذه اللوحة تعكس الحالة النفسية للشاعر من حيث هو إنسان محبط يحاول أن يخرج من ذاته للاحتجاج العلني :
أتذكرون ؟
كنت الولد الملعون .
لأجلكم ...
حاصرتكم في كل زاوية
ناجزتكم ، أقلقتكم في كل ثانية.
أطعمتكم قلبي وروحي الدامية.
لكنني .. رجمت بينكم كزانية

(4)
اللوحة الثانية أسماها ( السيدة ثلج والسيد نار ) وتضم القصائد التالية : هجرة السنون ، الأرض البور ، ثلوج الصيف ، رياح الخماسين ، الأرانب البرية ، واللوحة من خلال التضاد اللغوي فيها تحاول أن ترسم صورتين وتحكي حالتين ، الشاعر العاشق ، المتلهف والمعشوقة الخائفة أو الخائنة، السلب والإيجاب ، الإقبال والإحجام:


كتلميذة عاشقة
رأيتك في الدرب تحتضنين الرياح
وكان بقيعان روحي ظلام
وفي وجهك الطفل كان الصباح
رأيتك ، سرنا سوياً
مكثنا الفصول وراء الفصول
عشقنا وذبنا مع الثلج
ما اهتز طيفك في خاطري لحظة واحدة.
ولا كنت لي جاحدة
ظللت كما كنت صادقة صادقة


اللوحة الثالثة التي عنونها الشاعر بـ ( غزلان الصحراء ) تضم قصيدة واحدة ، يتجلي فيها إحباط الشاعركأوضح ما يكون وتبرز فيها سوداويته وإحساسه بالنفي:-
كنت أظن بأن النار الأولي قد خمدت
بين العشب الأخضر والأمطار
كنت أظن بأن لقلبي النائم في صدري
أوقاتاً يفشي فيها الأسرار
كنت أظن بأن العالم قد أصبح قمحاً أو ورداً
كنت أظن وكنت
ولكن عبثاً ، فالنار هي النار
إعصار يقذفني يتلقفني إعصار

في اللوحة الثالثة يسجل الغجري إحساسه المفرط المطاردة ، ويصف نفسه ( بالأربنة المذعورة ) ويتهم عن الصياد ( بمراقبته ) إنه ( مطارد ) والخوف يحيط به من كل جانب ، ( سكين الصديق ) و ( الكلاب التي تحوم حول الدار ) ويعلن الغجري أنه ( سئم من المدينة السراب ).
(6)
من خلال فهمه لجدلية الصراع ، يحاول الشاعر أن يطرح في مضافيه عدة مواقف هي محصلة لهذا الصراع ، فالبطل – الغجري – عن الشاعر ؛ والذي يرمز إلي الإنسان الفلسطيني ، يعيش في عالم مضطرب ، تحاصره ( الظروف ) من كل جانب ، ولا يستطيع أن يجد معادلة واحدة مفهومة ، فيقع في ( الإحباط ) ثم يحاول أن ينتشل نفسه ( بالثورة ) ... ، الصراع في القصائد مباشر بين المحرومين ومن يحاولون استلابهم ، لكن انعكاس الصراع ... بمفهومه المباشر هذا – لا يرتقي بمضامين الشاعر ؛ التي تغرق بسوداوية محبطة يغالبها الاحساس بالفشل ، والمطاردة ، والنفي ... الشاعر لها ينتصر في قصائده للثورة ، ولا ينظر لانتصارها كحتمية جدلية للصراع الذي يصدره ، الانتصار عنده هو الحلم ؛ حلم اليقظة علي وجه التحديد ، لذا فإنه يحلم كثيراً باللوز والثورة والانتصار ، ليس من باب أن هذه نهاية حتمية للصراع ، ولكن من باب أنه ( يحلم ) بذلك فقط.

(7)
المضمون ( السلبي ) لقصائد الشاعر ؛ أو لنقل المضمون ( المحبط ) الذي يحلم بأنه يكون عكس ذلك ، أثر علي الشكل الفني للقصائد فجعله يتراوح ما بين المقطوعات الخواطر – أحلام اليقظة – والسرد القصصي – كما يظهر في لوحته الثالثة – كما أن الشاعر يعني بالموسيقي ، وبرنة الحزن فيها ، لذا اختار القوافي الساكنة في أكثر من مقاطعه ، وظهر كأنه يغلب الموسيقي علي الكلمة ، وينتصر لها علي المضمون ، فكأني به يحاول أن يصور حالته – المحبطة السوداوية الحزينة – من خلال الموسيقي واللحن أكثر من كونه يريد ذلك من اللغة نفسها ، ولعله جعل ( الغجري ) رمزه انطلاقاً من هذه الرغبة ، فالموسيقي عند الغجر تلعب دوراً كبيراُ في التعبير عن الحالات النفسية والاجتماعية عندهم.
(8)
وعلي فودة لا يصبر علي صوره الشعرية كثيراً ، فلا يتركها تنمو وتمتد ، بل يتدخل في بداية تشكلها كي يقطعها من الجذور ، أقصد أن صوره الشعرية جزئية ؛ لعلها تعبر عن اختلافات واختلاجات النفس بطريقة فوتوغرافية سريعة، هي لا تصور الأعماق ولها تنفذ إلي المستقبل لتعيد صياغة الواقع – حتي من خلال إطار الحلم – وإنما تلمس الواقع لمساً سريعاً ، خاطفاً ، تنقله كما هو، في لحظة من لحظاته ، كما الكاميرا الفوتوغرافية ... لذا فإن اتهام النقاد للشاعر بالمباشرة والخطابية – كما أشرت في المقدمة – هو اتهام فيه الكثير من الصحة والواقع ، ولكني أضيف أن ذلك لا يتم عن (عجز ) ولا يتم بالمقابل عن ( قصد ) وإنما هو ترجمة حقيقية لرؤية الشاعر ، فهذا هو عالمه ، وهذه هى أدواته في التعبير عنه ، وليس السؤال الآن : إلي أي مدي يتفق القارئ مع رؤية الشاعر أو إلي أي مدي يخالفها ولكن السؤال : هل نجح الشاعر في رسم وتشخيص الحالة النفسية للغجري؟!
هذا هو مدخل الديوان .