كتاب " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية "
لفاروق وادي
المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت 182 صفحة - دراسة
بقلم : اسامة فوزي
نشر في عام 1983


في خضم الإصدارات الشعرية والقصصية – السهلة – وإغراق الأسواق بالكتب المرتجلة ، تظهر هذه الدراسة النقدية التسجيلية الهامة لفاروق وادي كنموذج للكتاب المحترم – الجدير بالقراءة فعلاً – والكاتب المحترم – الجدير بهذه الصفة فعلاً.
وفاروق وادي ليس بغريب عن القارئ العربي ، ولكن الغالبية تعرفه كقاص فقط من خلال مجموعتيه ( المنفي يا حبيبتي ) و ( وطريق آخر إلي البحر ) – صدرت الأولي عام 1976 وصدرت الثانية عام 1980 – وقلة قليلة من القراء تعرفت علي الوجه الآخر لفاروق وادي – الوجه النقدي – من خلال متابعتها لما ينشره وادي من دراسات نقدية في المجلات والصحف.

ولعلها مناسبة الآن أن يتعرف القارئ العربي علي هذا الوجه – النقدي – بصورة أشمل من خلال كتاب فاروق وادي ( ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ) الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في 182 صفحة من الحجم الكبير.
( )
لقد لعبت الراوية الفلسطينية دوراً بارزاً ومؤثراً علي الصعيد الوطني والنضالي منذ ( مذكرات دجاجة ) للحسيني وحتي آخر رواية تظهر في الأرض المحتلة ، وتفاوت المستوي الفني لهذه الروايات ، فمنها من سقط فنياً ولم يحمله إلي القارئ إلا الموضوع الوطني وآخر راوح ما بين الشكل والمضمون فنجح في المحافظة على الحد الأدني من المستوي الفني ، والقسم الثالث – وهو القليل – تمكن من التفوق في الشكل الفني ، فضلاً عن التفوق في الطرح المضموني الوطني ، الذي يتميز بالعمق والشمولية والالتزام ووضوح الرؤية ، وهذا – القسم الثالث – هو الذي اختاره فاروق وادي ليكون محوراً لكتابه الجديد ( ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ).

( )
لماذا اختار فاروق وادي ثلاثة روائيين فلسطينيين فقط هم غسان كنفاني وإميل جيبي وجبرا إبراهيم جبرا ليكونوا ( علامات متميزة ) في الرواية الفلسطينية رغم وجود عشرات غيرهم؟
يرى فاروق وادي في مقدمته المختصرة أن الثلاثة (تميزوا بنضجهم الفني الذي نستشف من خلاله تبلوراً أيدولوجياً وقدرة علي تملك الواقع وتملك الأداة الفنية التي تعيد صياغة مجمل رؤيتها بأدوات فنية روائية متميزة). لكن المؤلف مع ذلك يستبق الحديث عن العلامات الثلاثة بمدخل – تاريخي – يقع في ثلاثين صفحة ، يساهم في ( إضاءات أولية لعملية تطور الكتابة الروائية الفلسطينية ) وبالتالي ( يبرر الموقع المتميز ) للأصوات الثلاثة التي اختارها .

( 4 )
ويطرح فاروق وادي في مقدمته سؤالاً في غاية الأهمية ، أو هو علي أدق تعبير يستبق ويصادر – بحسه النقدي وذكاءه المرهف – سؤالاً قد يتبادر إلي ذهن القارئ بعد فراغه من قراءة الكتاب وهو: هل هي ( أصوات ثلاثة ) أم ( علامات ثلاث) أم إنها ( العلامات الثلاث)؟!
وبموضوعية يقول : أنها – يقيناً – ثلاثة أصوات ، لكن تميزها الواضح عن الأصوات الأخرى في الرواية الفلسطينية في تاريخها وحاضرها ، يساهم في ارتقائها من مجرد الصوت إلي مرتبة أرقي ، ومن هنا ( ارتأينا أن نستبدل تعبير ثلاثة أصوات بتعبير آخر أكثر دلالة هو ( ثلاث علامات ) بما تحمله كلمة ( علامة ) من معاني التحول والتميز ، وقد حرصنا على حذف (آل التعريف) لأننا نؤمن بأن الزمن ما يزال مفتوحاً أمام الإشارات الجديدة لصنع علامات جديدة ، فليس المستقبل حكراً على أحد).

(5)
المدخل التاريخي للكتاب والذي يقع وحده في ثلاثين صفحة لا يقدم جديداً خارج إطار الدراسات التي أرخت للرواية الفلسطينية ، ولكنه – في إطار المحصلة النهائية للكتاب – يحقق رغبة المؤلف في ( تبرير ) اختياره للعلامات الثلاث ، ( ويضئ) الطريق إلي عالم الروائيين الثلاثة أمام القراء الذين لم يسبق لهم الإطلاع على ( تاريخ ) المغامرة الروائية الفلسطينية وقد اعتمد فاروق وادي في مدخله التاريخي الملخص والمكثف علي مطالعاته الخاصة للتراث الروائي فضلاً عن الكتب التي درست أو سجلت أو أشارت إلي هذا التراث بشكل أو بآخر مثل كتب جورج سالم والدكتور ياغي والدكتور ( أبو مطر ) والدكتور ناصر الدين أسد وغيرهم .

( 6 )
يتميز الفصل الذي كتبه وادي عن ( غسان كنفاني ) بكثرة الاستشهادات ، ولعل هذا يفسر بأن ( اللغط ) الذي دار حول كنفاني ومكانته ( الروائية ) يحتاج إلي رد علمي ( موثق ) مثل هذا الذي نراه عند فاروق وادي ، وقد تركزت جهود المؤلف في إثبات ثلاث ملاحظات.. أولها : أن أعمال غسان كنفاني الروائية ذات بعد إنساني ( حالة إنسانية ) رغم أنها تنطلق من هم فلسطيني بحت علي اعتبار أنه ( لا توجد تجربة في العالم غير متمثلة في المأساة الفلسطينية ) ويخلص فاروق وادي من هذه المسألة إلي رأي نقدي مفادة أن تطور الوعي السياسي لدي غسان كنفاني – والذي انعكس في نتاجاته الأخيرة – اقتضي منه (تنازلات علي صعيد البناء الروائي).
وثاني هذه الملاحظات : أن رواية غسان ( من قتل ليلي الحايك ) المنشورة مسلسلة في مجلة الحوادث اللبنانية ولم ينشرها في كتاب كما استبعدتها لجنة تخليد الشهيد من النشر ضمن أعماله الروائية ( تشكل نبتاً وحشياً شاذاً فوق الأرض التي أنبتت غسان كنفاني روائياً) لأنها تستند علي الحركة البوليسية وتزدحم بكل عناصر الإثارة البدائية الساذجة .. أما الثالثة فهي : أن غسان لم يتوقف عن المغامرة والتجريب للوصول إلي الأشكال التي تخدم مضامينه دون أن يصل إلي شكل يستقر عليه لذا تتميز دائماً ( بالتعدد والتنوع ).

(7)
أما الفصل المخصص لأميل حبيبي بعنوان ( الضحك من أعماق الجرح) فيبدأ بإشارة إلى أن غسان كنفاني كان أول من أشار إلى ( أبرز علامة في العمل النثري العربي داخل الأرض المحتلة ) ويقصد بها رواية مسلسلة نشرها أميل حبيب – تحت اسم مستعار – في مجلة الجديد التي تصدر في حيفا .. ومع أن المؤلف وادي نجح في معالجة قصص وروايات حبيبي ، ربما يؤكد قناعته بعبقرية هذا الروائي ، إلا أنه ( عرقل ) جهده النقدي بعبارات لحبيبي تصدرت البحث فصادرت استنتاجاته ، وبحيث بدأ وكأن المؤلف يتبني رأياً للكاتب في أعماله ، وبالتالي لا يزيد عمله في البحث عن تأكيد هذا الرأي وشرحه وتقديم حيثياته ، والأمر المؤكد أن اختيارات فاروق لتلك ( المقتطفات ) تتسم بالذكاء لأنها في المحصلة تلخيص ، مدعم بوثائق واعترافات شخصية ، لواحد من الروائيين الكبار ، المتميزين بفهمهم ورؤيتهم للحياة، والتي هي في إطار ( الهزل الجارح ) والذي يلجأ إليه جيبي ( في عمله السياسي اليومي ) بحيث يبدو ( محترفاً للسياسة ) و ( متذوقاً للأدب ) فيسند الواحد بالآخر – كما اعترف في مقدمته لسداسية الأيام الستة الصادرة في حيفا ولا نغالي إذا قلنا أن الفصل الذي أفرده فاروق لهذه الدراسة يعتبر مرجعاً أساسياً في فهم إميل جيبي على الأقل لأنه يتناول جميع أعمال الكاتب ، وبعضها اطلع عليه في صورته المخطوطة وهو ما لم يتوفر لغيره حتي الآن.

(8)
في حديثه عن تجربة جبرا إبراهيم جبرا الروائية يستفيد فاروق وادي من فهمه لعلم النفس البشري ودراسته المنهجية له ، فيتناول بشي من التلخيص المكثف ، والمدعم – بالاعترافات الشخصية لجبرا – تركيبة هذه الشخصية الروائية التي تجمع ما بين الشعر والنقد والرسم كل بقدر وبحيث يقع الناقد في ( فجوة ) أو ( هوة ) التباعد بين هذه الأجناس فيما لو تناولها بشكل تجزيئي تعسفي ، فهي كلها مجتمعة تشكل ( جبرا إبراهيم جبرا ).

يستعرض فاروق وادي ، وبأسلوب مكثف ومركز جداً ، أربع روايات لجبرا – لم يصدر غيرها خلال أربعة وعشرين عاماً – هي ( صراخ في ليل طويل ) و ( صيادون في شارع ضيق ) و ( السفينة ) و ( البحث في وليد مسعود ) ويمكن ملاحظة رغبة المؤلف في استعراضه السريع هذا – في إثبات أن ( رؤية جبرا الفنية والفكرية ترتكز علي أرضية ثقافية صلبة تستفيد من معطيات الثقافة البورجوازية الأوربية لتمزجها بالواقع الذي تخرج الرواية من صلبه ) مع استفادة من الإرث الطويل للرواية الكلاسيكية فضلاً عن أساليب الرواية الحديثة – لكما دعت الضرورة إلي ذلك.

(9)
كتاب فاروق وادي ( ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ) كتاب نظيف ، يقرا من الغلاف إلي الغلاف ، ويدفعك دفعاً إلي احترامه ... أنه كتاب جدير بالرواية الفلسطينية وعلاماتها المتفوقة وهو إضافة ( نوعية ) للمكتبة العربية.