قراءة في كتاب
البحيرة ، ست محاولات لرسم الغروب
للشاعر فواز احمد طوقان
بقلم : أسامة فوزي
نشر في عام 198
1


لم يعرف العرب ( الملاحم ) وإن كانوا عرفوا ( المطولات ) الشعرية – فى وقت متأخر- وقبل ذلك السير الشعبية ؛ التي تحولت من الشكل الشعري إلي النثر الفني ، بعد أن تخللتها عمليات التحوير والتبديل نتيجة تناقلها شفاهاً من رواية إلي آخر ، فضلاً عما تشترطه الملاحم ، من المزاوجة ما بين الحكاية والخرافة والأسطورة وانتهاء بظهور الآلهة ، ولا يمكن اعتبار التوجهات الأخيرة للشعراء في استخدام الأسطورة بعثاً للملحمة – كما يذهب البعض – وإنما هي محاولة لتوظيف التاريخ الأدبي والتراث-بما في ذلك الملاحم والأساطير – في خدمة الصورة الشعرية.

(2)
من هنا يمكن تصنيف قصيدة فواز احمد طوقان ( ست محاولات لرسم الغروب ) في باب المطولة الشعرية – وليس الملحمة – التي تحاول أن تستفيد من الأسطورة ليس من باب تكريسها بل من باب التوسل بها إلي الرمز ، كي تسقطه على الواقع المعاصر ، وغالباً ما تتعدد القوافي في مثل هذه المطولات ؛ تبعاً للأجواء النفسية المتعددة ، ففي الحوار مباشرة وفي الوصف وترديد الشعارات خطابة وفي التعبير عن العاطفة ما يشبه الحلم.

(3)
وقضية التطويل في القصيدة العربية ليست جديدة على أي حال، فقد اختلف العرب منذ القرن الرابع الهجري في عدد أبيات القصيدة الواحدة ذهبوا في تفسيرهم وتحليلهم لهذه القضية مذاهب شتي، ففي حين يقول ابن رشيق القيرواني في الجزء الأول من ( العمدة) ( إذا بلغت الأبيات سبعة فهي قصيدة) نجد أن الأخفش يحددها بثلاثة أبيات فقطن أما بن جنّي فيسمي القصيدة التي تقع ما بين ثلاثة أبيات وحتى خمسة عشر بيتاً ( قطعة ) ولا تسمي ( قصيدة) إلا إذا زادت عن ذلك.

(4)
تقع قصيدة ( البحيرة ست محاولات لرسم الغروب ) في 52 صفحة تشتمل علي خمسمائة شطر شعري وتشكل وحدها الديوان الرابع للشاعر فواز احمد طوقان، وكان قد صدر له ( أغنية الموسم الواحد ) عام 1974 و ( ماء لطائر الصدي ) عام 1974 و( في م الدوار ) عام 1975 ثم هذا الديوان عام 1979 وكلها من منشورات مكتبة عمان.

(5)
قلت أن قصيدة (البحيرة) تنبع من أسطورة جعلها الشاعر محوراً لمقولته الشعرية المطولة، أسقط من خلالها مواقفه وهمومه على الواقع المعاصر... والبحيرة في الأسطورة هي بحيرة (ونيساوكي) في شمال شرقي الولايات المتحدة والاسم هندي أحمر معناه: بسمة الروح العظيم ( وتقول الأسطورة أن تنينا رهيبا يسكن ظلام البحيرة ويظل مسجونا في قاعها ما دام ( الروح العظيم ) يبتسم على البحيرة فإذا عبس خرج التنين وأفسد الأرض ولذلك حرص أبناء القبيلة علي ألا يغضبوا ( الروح العظيم ) في شئ كي يظل مبتسما ، فيظل التنين مغمورا تحت الماء تاماً ( الروح العظيم ) فهو الجبل الشامخ في طرف البحيرة الشمالي الشرقي وتغطيه الثلوج طوال السنة وبعد ذوبان هذه الثلوج والينابيع الغزيرة البحيرة بماء عذب صاف، فيظل منسوبها ثابتا على مدار الفصول أما عمق البحيرة فيبلغ انخفاض القاع ستين مترا في أعمق أماكنها ، فأما محيطها فيبلغ 365 ميلا ولعذوبة الماء وخصوبة التربة تتشابك الأشجار حولها ويغزر النبات المائي في قاعها فتتغلف الغابة المحيطة بها بخضرة داكنة ويبدو القاع حالك الظلمة.

(6)
من الواضح أن اختيار الشاعر لهذه الأسطورة التي تدخل ضمن أساطير الشعوب في الخلق والتكوين وأصول الأشياء ، يعطينا طرف الخيط للدخول في الهم الرئيسي لهذه القصيدة المطولة، وهو هم ميتافيزيقي ، فلسفي يسعي لاكتشاف ( البدايات) في محاولة لتحليل ما يمكن أن نسميه بالنتائج أو النهايات وهي في مجموعها الواقع الفكري ، الثقافي ، الإنساني ، الاجتماعي الذي يعيشه الإنسان العربي اليوم.
والأسطورة التي جعلها الشاعر محوراً لقصيدته تنتمي لزمرة (الميلاد المائي ) ، فالحالة السابقة لبدء العالم في أساطيرنا التكوينية – كما يذهب فراس سواح في كتابه مغامرة العقل الأولي _ " هي حالة من العماء المائي ، المطلق ، الساكن ، اللامتميز واللامتشكل ، في زمن سرمدي متماثل ، لا ينتابه تغيير ولا تبديل كأنه عدم ، ولكن في لحظة معينة ، ينشق الكون من لجة العماء ، حيث يقرر الآلهة خلق العالم ووضع أسس الكون والحياة".

(7)
ومسألة إيقاض الروح العظيم من الماء غير مقصورة علي أسطورة البحيرة أو الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية ، ففي مصر مثلا تحدثنا الأساطير عن ولادة الآله الأكبر في مياه النيل، وفي الهند تقول الأساطير أن (براجاباتي) – الآله الخالق – ولد في المحيط وهكذا.. ولعل اقتران ولادة الآلهة دائماً بالبحر يعود إلي أكثر من سبب ، أشار فراس سواح في كتابه المذكور إلي اثنين فقط.
السبب الأول : ارتباط (الميلاد المائي) بأسطورة الطوفان التي لها من الشيوع ما للميلاد المائي ، ففي فترة غير منظورة في تاريخ الإنسان هب علي الأرض طوفان مدمرا اجتاح معالمها وغمر أرجاء المناطق المسكونة في ذلك الوقت ، تاركا بعض المناطق العالية وقمم الجبال التي نجا عليها عدد قيل قليل من شهود الكارثة الرهيبة وعندما بدأت المياه بالانحسار أخذت الأرض بالظهور ثانية وكأنها تولد من جديد وتنتزع من أعماق المياه.
السبب الثاني : التفسير النفساني الذي يقول به أصحاب المدرسة الفرويدية وهو أن ولادة الكون من عماء مائي هي صورة لحالة الإنسان في الرحم قبل الولادة وليس بروز العالم والحياة من المحيط الأول إلا استعادة للحالة اللاشعورية الكامنة في نفس صانع الأسطورة عن الخروج من رحم الأم.

(8)
قصيدة فواز احمد طوقان (البحيرة) تحكي قصة (البداية) – الأسطورة- التي تجذرت في وعي الناس – الشرق – وجعلتهم ينظرون إلي الزمن الغابر بكل إفرازته الفكرية والميتافيزيقية نظرة مقدسة فيها رهبة بقدر ما فيها من احساس بالانتماء ، لذلك حرص الشرق على ألا يغضب (الروح العظيم ) في شئ كي يظل الروح العظيم المتمثل بهذا الموروث المنوع، مبتسما فيظل التنين – المستقبل – مغموراً تحت الماء.
(9)
القصيدة إذن محاولة لتحليل البنية الاجتماعية للشرق ، وإثبات أن جذورها تضرب في أساطير وخرافات قديمة فقد أهل الشرق القدرة علي مواجهتها ، لذا اكتفوا بالحرص علي تقدير وتقديس هذا الموروث ، لأن مواجهته ستبدو وكأنها نسف للقاعدة وقفز في الهواء... قفز منقطع الجذور ... ومن هنا تكثر في القصيدة مقاطع الحث علي المواجهة والخروج من قمقم الموروث كما فعل ( الغرب الجديد):


تلك أوهام وعتها الذاكرة
في قلوب نخر الغل مداها
منذ آلاف ملايين السنين
ثم دكت صرحها
يقظة الغرب الجديد
ويحها ....
يقظة الغرب الجديد
أين أنت الآن منها أيها الشرق العتيد؟
أيها الشرق التليد !
أين أيامك منها أيها الشرق المجيد!

(10)
ولأن الشاعر رسم صورة الشعرية في ( ست محاولات) تدور حول الفكرة نفسها وتسقطها علي الواقع المعيشي على شكل قصة أو حكاية ، فإنه لجأ لأول مرة في تاريخ القصيدة الحديثة في الأردن إلي اعتماد الأرقام الحسابية التي لم يفهم سرها الكثيرون ممن قرأوا الديوان، حيث بدأت القصيدة برقم (5) ، وتصاعدت متوترة كما البناء القصصي ، بشكل هرمي إلي 10 ثم 15 ثم 20 وهكذا حتى اكتملت الذروة في 505 .


أنا أشتاقك خوف السأم الكابي على الصدر
وخوف الجلجلة
فأنا النشوان لا أملك ذكري
ها هو اللهب القاني على السحب تذريه الدقائق.
آه يا غاليتي الحلوة .. هيا.
علميني كيف اشتم الزنابق!


ولو حاولنا أن نقرأ القصيدة وفقاً للرسم البياني الذي توضحه الأرقام فإنا سنجد ترجيعات كثيرة هي أشبه باللازمة ، يكررها الشاعر في ذروة تنامي الصورة الشعرية ، تذكيراً بالبداية ، وربطا بصورة جديدة في طور الولادة.