تعليم الكبار و محو الأمية
بقلم : أسامة فوزي
نشر في جريدة البيان عام 1984 - دبي


التصريح الذى أدلى به قبل أيام الدكتور/ عايف العانى خبير اليونيسكو ؛ والذى تضمن إشارة إلى نسبة الأمية فى بعض المناطق فى الإمارات تتراوح بين 40 و45 بالمائة تقريباً يعتبر بحق أخطر تصريح " تربوى " لخبير زائر ؛ وأخطر تحد يواجه المؤسسة التربوية فى الإمارات.
وقد تضمن تصريح الخبير المذكور ـ الذى نشرته الصحف اليومية قبل أيام ـ إشارة إلى أنّ الجهود المبذولة فى الإمارات لمحو الأمية " لا تتناسب والمستوى المطلوب ومع الوضع الحالى لتعليم الكبار والإتجاهات المعاصرة من حيث الكم والكيف " ولعلّ هذا هو الذى دفع اليونسكو إلى تكليف الدكتور العانى بالإعداد لمناهج وطنية فى مجال محو الأمية وتعليم الكبار ، ولعلّه أيضاً وراء التصريح الأخير لأحمد بطى مدير إدارة تعليم الكبار الذى ذكر أنه بصدد رفع مشروع خطة لتوطين مناهج محو الأمية وتعليم الكبار بالتعاون مع اليونسكو ؛ التى إنتدبت بالإضافة إلى الدكتور العانى خبيراً آخر هو الدكتور أحمد حقى اسماعيل.
وفى الحقيقة أنّ مشكلة محو الأمية المرتبطة بمشروع تعليم الكبار ـ ويسمّى عندنا التعليم المسائى ـ من المشاكل المزمنة فى العالم العربى بشكل خاص ودول العالم الثالث بشكل عام ، ومع أنها من أخطر المشكلات التى تواجه المؤسسات التربوية الحكومية والخاصة ، الاّ أن التربويين الذين يتصدون ـ فى كتبهم ومؤلفاتهم ـ لقضايا وهموم العمل التربوى لا يتوقفون عند هذه المشكلة ، وإن توقفوا ، فبشكل مختصر ومحدود وعام لا يتناسب إطلاقاً مع حجم الظاهرة وخطورتها.
لقد خلصت إلى النتيجة السابقة بعد أن تصفحت عدداً كبيراً من الكتب والمراجع التربوية وأمامى الآن ـ كتاب " التربية فى البلاد العربية " للدكتور عبد الله عبد الدائم وهو مجلد ضخم أصدرته دار العلم للملايين فى أربع صفحات آخرها تقع فى 808 صفحات من القطع الكبير ، ومع ذلك لم يتوقف المؤلف عند مشكلة الأمية الاّ فى صفحة 472 وذلك فى معرض حديثه عن العمال الأميين ولم يزد توقفه عن أربعة أسطر فقط مع أن الكتاب يزعم ـ وفقاً لما هو مذكور على غلافه الخارجى الأنيق ـ أنه يتناول حاضر التربية فى البلاد العربية ومشكلاتها ومستقبلها من عام 1950 إلى عام 2000 .
أمّا الدكتور فاخر عاقل فلم يخصص بهذه المشكلة الاّ ربع صفحة من أصل 491 صفحة من القطع الكبير هى عدد أوراق وصفحات كتابه الأنيق " التربية قديمها وحديثها " وهو أيضاً من إصدارات دار العلم للملايين ، وقد صدرت طبعته الرابعة فى أيار عام 1985 أمّا الأسطر المشار إليها فتقع فى صفحة 300 حيث يقترح الدكتور فاخر عاقل إنشاء وزارة خاصة لتعليم الكبار الراشدين.
أمّا فى كتابه " معالم التربية ، دراسات فى التربية العامة والتربية العربية " الذى يقع طبعته الخامسة فى 375 صفحة من القطع الكبير فلا يتم التوقف عند مشكلة الأمية الاّ فى ورقتين ونصف ، أمّا الكتب التالية " إتجاهات فى التربية والتعليم " للدكتور محمد صقر " والأسس العامة للتدريس " لمجموعة مؤلفين ، " وسياسة التعليم " لمجموعة مؤلفين ودليل المناشط التربوية لمجموعة مؤلفين فلم أعثر على إشارة واحدة إلى مشكلة الأمية !!
لكن علينا أن نستدرك ونقول : أنّ مركز تدريب قيادات تعليم الكبار لدول الخليج ـ ومقره البحرين ـ قد نشط فى إصدار عدد من الدراسات والكتيبات التى تهتم برصد مشكلة الأمية ومعالجتها ، وكذلك فعل الجهاز العربى لمحو الأمية وتعليم الكبار التابع للمنظمة العربية للنربية والثقافة والفنون ؛ الذى عقد حلقة دراسية بشأن تطوير مناهج محو الأمية وتعليم الكبار فى البلاد العربية وذلك بالخرطوم فى تموز يوليو 1983 وأصدر كتاباً تضمن الأبحاث والتوصيات المقدمة إلى المؤتمر وأظن أنّ الدكتور عايف حبيب مستشار اليونسكو الحالى فى الإمارات قد مثل العراق فى ذلك المؤتمر ؛ وقدم بحثاً مطوّلاً حول أسس تطوير مناهج محو الأمية وتعليم الكبار.
ونحن على أى حال لا نعدم مراجع ومؤلفات تربوية حول هذا الموضوع ، وإن كانت قليلة ومحدودة التوزيع مثل : ـ
1ـ الوعى التربوى ومستقبل البلاد العربية / لمجموعة من المؤلفين / صدرت طبعته الخامسة عن دار العلم للملايين فى أيار / مايو 1982 ويقع فى 522 صفحة من القطع الكبير.
2ـ برامج تعليم الكبار وأسس إعدادها / أحمد حسن اللقانى / وهو من إصدارات الجهاز العربى لمحو الأمية وتعليم الكبار.
3ـ تعليم الكبار والتربية الأساسية / حبيب عايف / من إصدارات العراق عام 1967م
4ـ طرق تعليم الكبار / د0 شوكت عليان / من إصدارات جامعة بغداد عام 1978م
5ـ تعليم الكبار ومحو الأمية فى الأردن / عبد الكريم المومنى / من إصدارات الوزارة عام 1983
لقد أتفقت معظم المصادر السابقة على أمرين ، الأوّل : أهمية إنجاح خطوط محو الأمية وتعليم الكبار لإرتباط هذه الخطط بمستقبل التنمية فى الوطن العربى والثانى : أنّ تعليم الكبار لا يأخذ ما يستحقه من العناية والتقدير ولا يتناسب مع طبيعة المشكلة00 وأختلفت هذه المصادر فى أسباب هذا القصور ، ولكنها أتفقت على خطوط عريضة أبرزها أنّ هذا العلم حديث النشؤ وأن معظم التجارب والدراسات والبحوث التى أجريت فيه أجنبية وفى ذلك ما فيه من سلبيات تظهر عند تطبيق نتائجها على المجتمع العربى الذى يختلف بعاداته وتقاليده وقيمه عن تلك المجتمعات.
وأشار مركز تدريب قيادات تعليم الكبار لدول الخليج فى كراسة أصدرها بإشراف الدكتور عبد الغنى النورى خبير التخطيط التربوى فى وزارة التربية بدولة قطر إلى أنّ أساليب تعليم الكبار فى بلادنا ما زالت متأثرة بأساليب تعليم الصغار علماً بأن الخصائص النفسية والجسدية والمجتمعية لكل منهما تميز الكبار على الصغار وأن ذلك لا بد أن ينعكس أثره على خطط ومناهج وكتب وإعداد المعلمين وإختيار طرق التدريس وإعداد المكان والزمان المناسب للكبار.
وقد حدد مركز قيادات تعليم الكبار لدول الخليج فى نشرته مبرّرات الإهتمام بتعليم الكبار على النحو التالى : ـ
1ـ إزدياد حاجات التقدم العلمى والتكنولوجى الحاد فى العالم الآن يتطلب ضرورة تربية وتدريب كل المواطنين على السواء على إعتبار أنهم القوى البشرية العاملة ، ولعلّنا نلمس أهمية هذا بالنسبة لمجتمع الإمارات خاصة إذا ما عرفنا أن المواطنين والعرب على حد سواء لا يشكلون أكثر من 20% من عدد السكان ، ومن الخطورة بمكان أن يكون نصف هؤلاء من الأميين.
2ـ يعد تعليم الكبار عنصراً هاماً فى تحقيق تفاهم أفضل بين الأجيال الصاعدة وأنّ برامج تعليم الكبار ترمى إلى تحقيق التقارب الفكرى بين المواطنين وتجعلهم مستنرين وأرباب أسر صالحين وعمال مدركين منتجين ، وهذا مطلب ملح لمجتمع الإمارات فى هذه المرحلة ؛ بعد النمو المفاجىء والطفرة الصاعقة بين مجتمعى الغوص على اللؤلؤ ومجتمع النفط بما تتميز به كل مرحلة من سمات إنعكست على الجيلين اللذين يمثلانهما ؛ الأمر الذى خلق هوة فى الثقافة والتعليم والمفاهيم الحضارية والإنمائية والفكرية بين الآباء ـ وأكثرهم من الأميين ـ والأبناء الذين يتلقون العلم.
3ـ أن تضخم مشكلة الأمية نتيجة الكثافة السكانية المطردة ـ بالنسبة لبعض الدول العربية مثل مصر ـ ولإستمرار منابع الأمية وعجز الجهود كل هذا يتطلب ضرورة وجود حل جذرى لهذه المشكلة000 وما تقوم به وزرات التربية الآن فى العالم العربى ليس أكثر من ترقيع لذيول المأساة ، بينما الواجب إستئصال الأمية تماماً من المجتمع العربى لأنها العائق الرئيسى والمثبّط الأكبر لكل محاولات النهوض الفكرى والإقتصادى.
4ـ المعروف أن الأمية تؤثر فى كفاية العاملين فى مجالات الإنتاج وبالتالى فى التنمية الإقتصادية وزيادة الدخل القومى لذلك أصبح من الواجب القومى القضاء على هذه المشكلة بشتى الطرق المختلفة ، وتبدو هذه المسألة ملحة أكثر فى الإمارات بسبب تراجع أسعار النفط وإضطرار الدولة إلى البحث عن بدائل ومصادر جديدة للدخل وهو أمر لا يمكن الإستمرار به فى ظل إنتشار الأمية بين الناس لأن العنصر البشرى المنتج والمتعلم الواعى هو البديل المستقبلى للنفط.
من هنا أرى أن تدرك اليونسكو الأخير بالتعاون مع الأجهزة التربوية المعنيّة بالإمارات ـ وإن جاء متأخراً ـ يستحق كل دعم وتشجيع ، شريطة أن يتم تشخيص المشكلة وفق أسس علمية تأخذ بعين الإعتبار خصوصية مجتمع الإمارات ومشكلات التعليم الأٌخرى المرتبطة جذرياً بمشكلة الأمية ؛ ثم إقتراح الحلول وترجمتها إلى عمل فى الميدان حتى لا تحفظ فى الأدراج كما حفظت من قبل كل تقارير الخبراء ؛ ولأننى عملت فى الميدان التربوى فى الإمارات عشر سنوات فإنى أقدم فى هذه السلسلة من المقالات جزءاً من تجربتى وبعض مطالعاتى فى أسباب هذه المشكلة000 وما هذه المقدمة الاّ إضاءة وإستهلال.
فى التقرير الذى قدمته اليونسكو للمؤتمر الإقليمى الثالث لوزراء التربية فى الدول العربية المنعقد عام 1970 إشارة إلى أنّ نسبة الأمية تتراوح من بلد إلى آخر بين 46% و85% من الراشدين وبين 85% و89% من الراشدين ، وبهذا تكون النسبة التى أعلنها خبير اليونسكو فى الإمارات ( وهى 40 إلى 45% ) أقل من غيرها فى بعض الأقطار العربية ولكن خطورتها تكمن فى أنّ هذه النسبة تتركز فى المواطنين الذين يشكلون أقلية فى مجتمع يقوم فيه الدخل القومى على صناعة النفط وتعمل فيه كفاءات علمية عالية ، وافدة ، من الضرورى إيجاد لغة مشتركة بينها وبين العنصر البشرى فى الإمارات.
ومن هنا فإن محو الأمية وتعليم الكبار فى الإمارات مسألة تتجاوز حدود تعليم الناس القراءة والكتابة إلى مسألة أهم وأخطر تمس عملية التنمية الإقتصادية والسياسية والأمنية فى الدولة ؛ وهى لا تقوم إلاّ على أيد عاملة ومؤهلة من المواطنين أنفسهم ؛ لكن الراصد للعملية التربوية فى الإمارات 00 خصوصاً فى مجال تعليم الكبار00 سيجد غياباً كاملاً لهذا المفهوم إنعكس على الميدان بشكل واضح ؛ وقزّم مفهوم محو الأمية وتعليم الكبار إلى ما يسمىّ الآن فى الإمارات " التعليم المسائى " ؛ وحتى هذا المفهوم لم تنضج تجربته بعد ، حيث عانى منذ سنوات من مشكلات كثيرة جعلته مجرد نشاط مظهرى روتينى لا يؤدى خدمة تذكر ؛ ولهذا الفشل أسبابه التى نرجو أن تتمكن اليونسكو من رصدها ؛ وهى ـ من واقع خبرتى المتواصفة ـ تتجسد فيما يلى : ـ
أولاً : ـ تعتمد وزارة التربية فلسفة ليبرالية فيما يتعلق بتعليم الكبار تقوم على مبدأ الحرية فى الإلتحاق بمراكز التعليم ، ومن ثم لا توجد قوانين تلزم الأمى بالتعليم مع أن المسألة هنا لا ترتبط بالحرية الفردية بقدر ما ترتبط بأمن ونمو مجتمع بأسره وليس من الحرية فى شىء أن يكون الإنسان حراً فى أن يكون جاهلاً لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، وليبرالية التعليم هذه من مخلفات الإستعمار فى بلادنا ؛ الذى قصر التعليم على فئات معيّنة من أجل تخريج أفواج من المواطنين بينما قام بحرمان القطاعات الشعبية منه ؛ رغم أن الدول الإستعمارية نفسها تحارب ـ فى مجتمعاتها ـ الأمية وتربط محو الأمية ببرامج التعليم الإلزامى وتوقع الجزاءات على المواطنين الذين يتخلفون عن الإلتحاق بمراكز التعليم أو يحرمون أولادهم من هذه الخدمة.
ثانياً : ـ هذا الإحساس باللامبالاة من قبل أجهزة التعليم الرسمية إنعكس بشكل واضح على إقبال كبار السن على مراكز التعليم المسائى ، حيث تدل الإحصاءات على أنّ عدداً كبيراً من الدارسين المسجلين فى فصول التعليم المسائى لا يحضرون ، ولا يلتزمون بالدوام ، وأكثرهم لا يتقدم لإمتحانات آخر العام.
ثالثاً : ـ عدم الإهتمام برصد الظاهرة وتحليلها أو التوصية بوضع حلول لها ـ فى ظل التمسك بفلسفة ليبرالية التعليم المذكورة ـ ، كأن توضع حوافز مادية ومعنوية لتشجيع الدارسين على الإستمرار والإلتزام بالدراسة ، أو تنوير الرأى العام من خلال الأجهزة الإعلامية المرئية والمسموعة والمقرؤة بأهمية التعليم ودوره فى تحسين منهج حياته وصحة أفراده وإنتاجه ونظامه الإجتماعى والإقتصادى والسياسى.
رابعاً : ـ عدم وجود إستراتيجية تربوية نابعة من فلسفة تربوية معلنة لمحاربة الأمية المتثرية فى الإمارات خلال فترة زمنية قصيرة كما فعلت معظم الأقطار العربية الشقيقة ، وعدم الإعلان عن حملة وطنية شاملة على الأمية والجهل ، رغم أهمية هذا الإعلان ليس فقط فى تنشيط كوادر وزارة التربية العاملة فى الميدان فحسب بل وجذب فعاليات أٌخرى فى المجتمع قادرة على الإسهام فى الحملة المذكورة وإنقاذ مشروع تعليم الكبار ومحو الأمية من التجلد والمظهرية والإستعراضية الموسمية التى لا تظهر الاّ فى مناسبات سنوية مثل اليوم العربى لمحو الأمية ـ فى الثامن من يناير كل عام ـ واليوم العالمى لمحو الأمية ـ فى الثامن من سبتمبر من كل عام ـ وفيهما تلقى الخطب العصماء فى طوابير الصباح وتوزع التعليم على المدارس ويظهر مسئول فى الوزارة على شاشة التلفزيون ـ أحياناً ـ ليقرأ رسالة كان قد قرأها مسئول سابق فى العام الماضى وهكذا
خامساً : ـ تقنين برامج محو الأمية وتعليم الكبار فى الإمارات وربطها ببرامج التعليم الرسمى المدرسى على مختلف الأصعدة000 فالمناهج واحدة ، والكتب واحدة ، والجداول ولائحة الإمتحانات وأسئلة التقويم ونوعية المدرسين واحدة ، وهذا أدّى بدورهّ إلى إزدواجية فى التعليم وإلى تسرّب كبير فى المدارس الصباحية لأن الطلبة يجدون بديلاً مشابهاً فى المادة والإختبارات وأن كان أقل إنضباطاً وجدية ، وهو بعض ما يبحث عنه الطلبة أحياناً.
سادساً : ـ إستخدام كتب المرحلة الإبتدائية الخاصة بالتلاميذ الصغار وإعتمادها فى التعليم المسائى رغم تفاوت السن والخبرة والقيم ، ومن هنا تنشأ مفارقات كثيرة كأن يقف رجل فى الخمسين من عمره ليقرأ جملة مثل " أشترى لى بابا كتاباً " وذلك فى الفصول المسائية ، وبالمقابل يتم تجاهل إمكانات الدارسين الكبار وخبراتهم الحياتية لأنّ كتب المرحلة الإبتدائية وضعت لتراعى أعمار هذه المرحلة وخبراتها.
سابعاً : ـ إقتصار طرق التدريس فى فصول تعليم الكبار على الطريقة الإلقائية ( المحاضرة ) وعدم الإهتمام بمبدأ النشاط والعمل أو تنمية المهارات ، بحيث يغدو التعليم مملاً والإستقبال فاتراً ومفرغاً من محتواه ومرتبطاً بإجراءات روتينية تهدف إلى منهج شهادات لا أكثر ولا أقل ، الأمر الذى يؤدى إلى تنفير الكثيرين من المواصلة ، وحتى من التقدم للإمتحانات فى نهاية العام.
تاسعاً : ـ تهرب المدرسين من العمل فى مركز تعليم الكبار المسائية وإضطرار الوزارة أحياناً إلى فرض هذه المهام عليهم دون دراسة أسباب عزوفهم عن العمل ، وعلى رأسها الأسباب المادية ، فالأجر الذى يعطى للمدرس يكاد يكون أجراً رمزياً بمعدل 30 درهماً عن الحصّة الواحدة ؛ وحتى هذه الأجور لا تدفع لأصحابها الاّ بعد شهور قد تزيد عن سنة دراسية كاملة.
عاشراً : ـ إعتماد سياسة التقويم والإمتحانات ذات المعمول بها فى المدارس الصباحية رغم إختلاف إمكانات وحاجات وإستعدادات الدارسين وظروفهم ، وعدم تعاون الجهات الحكومية والخاصة التى يعمل بها الدارسون بل والتضيق عليهم لمنعهم من مواصلة الدراسة أو مضايقتهم وتحميلهم أعباء عمل جديد فى فترة الإختبارات.
هذه بعض مشكلات تعليم الكبار فى الإمارات ؛ وهى تتباين فى بروزها وشدّتها من منطقة تعليمية إلى أٌخرى ، فقد تبرز فى بعض المناطق النائية مثلاً مشكلات جديدة مثل عدم توفر المكان أو الفصول أو وسائل النقل أو المدرسين أو الكتب ، وعدم وجود جوافز مادية لتشجيع الكبار على الإلتحاق بهذه المراكز وعدم توفر الوسائل التعليمية الكافية وإقتصار مفهوم تعليم الكبار على التعليم المدرسى ( الأكاديمى ) وعدم ربط هذا المفهوم ببرامج التأهيل المهنى وغير ذلك.
لقد أشار مشروع السياسة التربوية فى الإمارات إلى أبرز العناصر الإستراتيجية التى يقوم عليها التعليم فى الإمارات والتى يتحتم تظافر كل الجهود لخدمتها وإنجاحها وأوّل هذه العناصر الدعوة إلى إلزامية التعليم وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص لجميع أبناء المجتمع على إعتبار أن التعليم حق أصيل من حقوق الإنسان وينص المشروع على شمولية هذا الإتجاه بحيث لا يقتصر على الصغار وإنما يمتد ليشمل الكبار أيضاً ممن حرموا من هذه النعمة فى السابق وقد أقترح المشرّع خطة لتنفيذ إلزامية التعليم يتم تنفيذها فى خمسة مراحل00 الأولى : إلزام الصغار ذكوراً وإناثاً بالتعليم الأساسى حتى نهاية المرحلة الإبتدائية00 والثانية : إلزام الكبار بين 13 ـ 30 سنة من العمر والثالثة : إلزام الصغار ذكوراً وإناثاً حتى نهاية مرحلة الدراسة الإعدادية والرابعة : التوسع فى إلزام الكبار ذكوراً وإناثاً حتى سن 45 سنة أمّا المرحلة الخامسة فتعميم إلزامية التعليم على الوافدين.
قد تكون هذه الخطة طموحة جداً ، وقد تكون مشروعاً على الورق خطّه رجل حالم لا يدرك ظروف العمل التربوى ، وقد تكون فكرة راودت البعض فرأى أن يطرحها على بساط البحث ؛ لكنها فى كل الأحوال أفضل من لا شىء ، فهل سياخذ خبراء اليونسكو بعين الإعتبار قبل البدء بمشروع المناهج الوطنية للكبار !!!
تعدّدت الإجنهادات حول أنجح الوسائل لمكافحة الأمية وتطوير مشروع تعليم الكبار فى الوطن العربى ، وحول أهمية وضرورة مكافحة الأمية المتجذرة فى بيئاتنا أصلاً ؛ وهذا ـ للأسف ـ تساؤل مطروح يقصد منه التقليل من خطورة المشكلة بالقول : إنها بطريقها إلى الحل تلقائياً ، بعد أن تتجدد الأجيال فى بحر خمسين سنة ، كأن الجيل السابق الذى قامت على إكتافه النهضة وتفجرت بين يديه آبار النفط وتحمل من قسوة الحياة ماجعل الجيل الجديد لا يشعر ولا يتحمل جزءاً قليلاً من نصيبه ؛ ليس من حق المجتمع عليه أن يرد له الجميل ، بمنحه نعمة القراءة والكتابة ، ومدّة بالقليل من إنجاز هذه الحضارة حتى يتمكن من التواصل معها والإنتفاع بمنجزاتها.
لعلّ هذا هو الذى جعل الدكتور فاخر عاقل رئيس قسم علم النفس فى جامعة دمشق يبدأ حديثه عن الأمية ـ فى كتابه معالم التربية ـ بطرح التساؤل التالى : لماذا يجب أن نكافح الأمية ؟! وهو تساؤل غريب ، إجابته قد تطول ؛ لكن الدكتور عاقل يكثف الإجابة فى ثلاث دوائر هى : ـ
1ـ الدائرة الأخلاقية الإجتماعية
2ـ الدائرة الصحية
3ـ الدائرة الزراعية الإقتصادية
ومع أنّ الدكتور عاقل لا يطلق على الدوائر المذكورة هذه المسيمات ؛ بل يجعلها مجرّد أسباب ، إلوانّ ملخص حديثه يوحى بأنّ كل سبب من الأسباب الثلاثة يتسع حتى يشمل قضايا فرعية كثيرة ومتعددة تعود فى جذورها إلى واحد من الأسباب أو الدوائر كما نسميها ؛ التى ذكرها الدكتور.
ففى الدائرة الأولى يرى الدكتور أنً الهدف من وراء الأمى " أن ننهض بأخلاقه وأن نصرفه اذ نيسر له القراءة والكتابة وولوج عالمهما الفنى عن الفراغ وما يجرّه الفراغ من مشاكل وجرائم ".
وبمعنى آخر ، يرى الدكتور أن نحارب الفراغ بالعلم ؛ ولكنه يستدرك قائلاً أن الدائرة الأخلاقية تتصل بسبب وطنى قومى " فإذا إستطعنا تعليم الأمى القراءة والكتابة أمكننا أن نجعل منه مواطناً يعرف حقوقه وواجباته ويتمسك بعروبته ويعيش لإنسانيته وما أحوج البلاد العربية لمثل هذا المواطن ".
من هنا نرى أنّ المهاجر الأخلاقى والإجتماعى عند الدكتور يفرض علينا محاربة الأمية لأنها العدو الأوّل للمجتمع ، أخلاقياً وأمنياً.
ولعلّ الدكتور شهلا ورفاقه قد تنبهوا إلى شىء من هذا القبيل عندما أشاروا فى كتابهم المعنون " الوعى التربوى " إلى أنّ " الإصلاح الإجتماعى " فى جوهره هو عمل تربوى يستهدف غرس الرغبة فى الإصلاح فى نفوس الناس لا عمل خيرى يٌتصدّق به عليهم. وفى الدائرة الثانية سبب صحى يرتبط بمدى وعى الجماهير ، ويشير الدكتور عاقل إلى وفاة مائة ألف فلاح مصرى سنة 1944 لغياب هذا الوعى ؛ ممّا يعنى أنّ المشكلة الصحية فى البلاد العربية تنبع من الجهل والفقر أساساً ومن ثم فإنّ تعليم الكبار ومحو الأمية بشكل عام يخلق وعياً عاماً مدركاً لخطورة الأوبئة ومتفهماً لوسائل علاجها.
ويربط الدكتور عاقل بهذه الدائرة عاملاً إقتصادياً مساعداً يتلخص فى أنّ المحافظة على صحة أفراد المجتمع يشكل دعماً وثروة للإنسان ، محور العملية الإنتاجية ومحركها000 وإلى مثل ذلك يشير مؤلفوا كتاب الوعى التربوى ؛ مع شىء من التفصيل المقرون بالأمثلة ، فالمشروعات العمرانية والإنتاجية والصحية لن تكون مجدية ما لم تتمش جنباً إلى جنب مع تربية رشيدة تهدف إلى تقدم الفرد وتحريره من الفقر والجهل والمرض ذلك لأنّ تلك المشروعات لن تنهض الاّ على أكتاف شعب متعلم يستطيع أن يقوم بتنفيذها أو الإستفادة منها وتكون نتيجتها الإخفاق أو قلّة الفائدة إذا وضعت فى أيدى شعب جاهل لا يحسن فهمها ولا يدرك مغزاها.
ونأتى إلى الدائرة الثالثة لنعلن عن موافقتنا على أهميتها ولكن بالمقابل لنعلن عن خلافنا الشديد مع الدكتور عاقل فى حكمه المطلق الذى أراد به أن يضع المجتمع العربى فى ذات الإطار الذى أوهمتنا الحقب الإستعمارية المتلاحقة أنه يؤطرنا ، وهو الجانب الزراعى أو الإطار الزراعى ، فمع إعترافنا بأهمية التعليم فى تطوير الإنتاج الزراعى إلاّ أنه من الخطأ الجزم بأن " الزراعة هى المصدر الرئيسى الدائم للثروة فى بلاد العرب " وأنّ " البلاد العربية بلاد زراعية بالدرجة الأولى " لأنّ هذه الأحكام تأطير لإمكانيات مجتمعاتنا وأبعاد لها عن المجال الصناعى أو التجارى وتكريس لمفاهيم مغلوطة حول إمكانات العنصر البشرى العربى.
لقد أتفق الأساتذة جورج شهلا وعبد السميع حربلى والماس شهلا حناينا والدكتور فاخر عاقل ـ فى كتابين منفصلين أشرنا اليهما ـ على طريقة واحدة لعلاج مشكلة الأمية فى الوطن العربى.
أولاهما : تعليم أطفال الأمية كافة تعليماً إلزامياً ولمدّة تكفى لتزويدهم بما يحتاجونه فى حياتهم المقبلة من بسائط العلوم والفنون ـ كما ورد عند الدكتور عاقل ـ أى الوقاية من الأمية فى سن مبكرة بفضل التعليم الإلزامى ـ وفقاً لتعبير شهلا وجماعته ـ.
وهذا إقتراح وجيه ، وهو الأصل فى حل مشكلة الأمية لكنه يتطلب وعياً من الأهل وإمكانات مادية وقدرة على فتح المدارس وتوفير المدرسين والمناهج وسن القوانين القادرة على إلزام الأهالى بتدريس أولادهم000 لكن هذا الطموح والإنجاز يحتاج إلى مرحلة زمنية لا تقل عن خمسين سنة وقد تزيد فى بعض الأقطار العربية عن مائة ، ومن ثم تظل مشكلة الأمية طاغية ، ومنتشرة بين قطاع كبير ، وهو قطاع كبار السن ولهؤلاء على مجتمعاتهم حق التعليم.
ثانيتهما : ـ من أجل ذلك أتفق الباحثون الأربعة ـ كل فى كتابه ـ على طريقة ثانية للعلاج ملحقة بالأولى وهى مكافحة الأمية بين الكبار على يد هيئات رسمية أهلية تجندّ المعلمين وتفتح الصفوف الليلية وتؤلف الكتب الخاصة بالأميين.
بكلمة أٌخرى يقترح المؤلفون الأربعة خلق نظام تعليمى مزدوج يهتم قسم منه بتعليم الأحداث ممن هم فى سن التعليم وفقاً لتسلسل المراحل الدراسية ، ويهتم القسم الثانى بتعليم الراشدين مبتدئاً بمكافحة أميتهم متنقلاً إلى تثقيفهم وتيسير السبل لمن شاء منهم لمتابعة ثقافته.
وفى الحقيقة أنّ حل المشكلة لا يكون الاّ بإعتماد هذا المشروع المزدوج الذى أتفق عليه الخبراء ولا يكفى تعليم الصغار ومن الخطأ الظن أن تعليمهم سيؤدى تدريجياً إلى محو الأمية بين الكبار وقد ذكر شهلا وجماعته إحصائية مهمة ـ دون أن يشيروا إلى مصدرها والجهة التى قامت بإعدادها ـ تقول " إنّ الإحصائيات الدولية تشير إلى زيادة عدد الأميين فى البلدان العربية خلال العقد الماضى من 43 مليوناً حول 1960 إلى 50 مليوناً حول 1970 .
وجاء فى العدد الثالث من مجلة التربية الجديدة الصادرة عن مكتب اليونسكو الإقليمى للتربية فى البلاد العربية أنّ سير التعليم بهذا المعدّل فى الوطن العربى يحتاج إلى 42 سنة لمحو الأمية " هذا إذا أفترضنا أنّ عدد الأميين ثابت وهذا الإفتراض غير سليم لأننا نعلم مقدماً أن هناك زيادة فى عدد السكان يصل معدلها السنوى فى البلاد العربية إلى وسيط مقداره 6,2% وأنّ نسبة الإستيعاب فى التعليم الإبتدائى ما زالت قاصرة عن إستيعاب كل الملزمين وأن عدداً غير قليل ممن يتخرجون فى المدرسة الإبتدائية أو فى فصول محو الأمية يرتدون ثانية إلى الأمية كما أنّ هناك العديد من التلاميذ لا يكملون المرحلة الإبتدائية " 000 وهذا جزء من تقرير كان الجهاز الإقليمى العربى لمحو الأمية قد قدّمه للمؤتمر الإقليمى العربى الثانى لتقويم نشاط محو الأمية فى الدول العربية فى الفترة من 1966 إلى 1971 .
هذا يستدعى وقفة أطول عند أحدث مقرّرات وتوصيات للجهاز المذكور أصدرها بعد دورته المنعقدة فى الخرطوم فى 17 / تموز يوليو/ 1983 وهى مقررات لم يرد ذكرها فى كتاب شهلا وجماعته أو فى كتب فاخر عاقل ـ فإلى حلقة قادمة إذن.
هناك إنفصام فى العمل التربوى العربى بين أعمال اللجان المختصة التابعة لجامعة الدول العربية وتوصياتها وما تترجمه وزارات التربية والتعليم وتنفذه فى الميدان ؛ ولعلّ هذا يسبب تفائم المشكلات التربوية ـ خاصة مشكلات الأمية ـ فى الوطن العربى ، لأنّ ما تقرره هيئات الخبراء تظل حبراً على ورق رغم أهمية ما يصدر عنها ، سواء تلك التوصيات التى تصدر عن اليونسكو أو توصيات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أو توصيات الجهاز العربى لمحو الأمية وتعليم الكبار.
وفى هذا المجال أصدر جهاز محو الأمية عدداً من التوصيات المهمة التى لم نسمع أن قطراً عربياً واحداً أخذ بها وأظن أن هذه التوصيات كانت تعمم روتينياً على وزارات التربية وتحفظ فى أدراجها وكأن الأمر لا يعنيها ، بل ونرى أن بعضها يغيب عن دورات وإجتماعات هامة ، مثل تلك الدورة التى عقدت فى الخرطوم فى 17/ تموز يوليو/ 1983 لمناقشة مشكلة الأمية وتعليم الكبار فى الوطن العربى ، والتى ـ للأسف ـ لم يحضرها الاّ أحد عشر شخصاً ، أربعة من السودان وخمسة فقط من الأقطار العربية مجتمعة وهى الدورة أو الحلقة التى صدرت عنها توصيات نظن أنها ـ فى ختام حديثنا عن تعليم الكبار ومحو الأمية ـ حيز ما نختتم به الحديث ، لأنها تمثل عصارة خبرات رائدة فى هذا الميدان ، ولأن وزارة التربية فى الإمارات كانت غائبة عن المشاركة ؛ ولأنّ هذه التوصيات تمثل برنامج عمل يجدر بادارة تعليم الكبار فى الإمارات الأخذ بها خاصة وأنها الآن بصدد وضع مناهج وطنية كما ذكر أحمد بطى مدير الإدارة.
والتوصيات التى نعرضها أو نلحظها فيما تقع فى 29 حقلاً جعلوا 22 منها تحت عنوان " مؤشرات " هذه المؤشرات والتوصيات والأبحاث فى كتاب خاص أصدرته مؤسسة الخليج للطباعة والنشر فى الكويت بالتعاون مع الجهاز العربى لمحو الأمية وتعليم الكبار.
المؤشرات
1ـ ضرورة الوصول إلى الكبار حيثما كانوا وإشراكهم فى تخطيط البرامج التى تعدّ لهم مما يساعد على تعرف حاجاتهم الحقيقية ويكون فى الوقت نفسه بمثابة تدريبهم ، وهذا يعنى ضرورة أن تكون أجهزة تعليم الكبار متحركة وأن لا تقتصر مراكزها على المدن الرئيسية ، وأن يكون لديها قدرة على إستقصاء الآراء قبل وضع البرامج.
2ـ ولعلّ هذه ما تفسّره النقطة الثانية التى تنادى بضرورة إجراء مسح للمجتمعات قبل وضع المناهج وذلك لصياغة المنهج فى شكل إستراتيجيات تربوية وتنموية وإعداد مواد مناسبة لكل محتوى.
3ـ تحديد الأهداف الوطنية المبنية على السياسات المعتمدة لمحو الأمية وتعليم الكبار وتحديد المجموعات المستهدفة طبقاً لها ، وهذا يرتبط طبعاً بالسياسة التربوية فى كل قطر وقد أشرنا إلى ما يخص الإمارات فى هذا الشأن.
4ـ أن يراعى تصميم المناهج مبدأ التوحيد فيما يتصل بقيم الفلسفة العربية وتعاليم الإسلام ومطالب الكفاءة التربوية وتجانس الثقافة القومية على أن يؤخذ فى الحسبان مراعاة الخصائص المحلية وحاجات المتعلمين النوعية.
5ـ تغيير النظرة إلى مفهوم وعمل مراكز إجتماعية مما يعنى أن شكل مراكز تعليم الكبار والتعليم المسائى فى الإمارات يغدو شكلاً مرفوضاً وقد نصّت التوصية على ضرورة تخصيص إدارة لمراكز تعليم الكبار تمثل فيها كفاءات سياسية وفنية وإجتماعية يكون من صميم عملها وضع سياسة تربوية محلية والإشراف على تنفيذها للوصول إلى تحقيق الأهداف المنشودة.
6ـ حدّدت التوصية السادسة المراحل التى يجب أن تمر فيها المناهج وهى : ـ
أ : ـ تهيئة الجو العام لقبول مبدأ التطوير
ب : ـ تحليل المناهج المحلية وتقويمها للوقوف على نقاط الضعف فيها وإقتراح البدائل.
ج : ـ تصميم المحتوى وتنفيذ بنائه وفق الإعتبارات التى أشرنا إليها سابقاً.
د : ـ تجريب المناهج الجديدة فى بيئة طبيعية صالحة للتأكد من صلاحية إستخدامها وتعميمها.
7ـ تبنى المناهج على الأسس الفلسفية والنفسية والإجتماعية والمعرفية ، شريطة أن يراعى فى بنائها توافر مكوناتها الرئيسية المتمثلة فى الأهداف ـ العامة والخاصة ـ والمحتوى والطرق والوسائل والتقويم.
8ـ أن تستمد مادة كتب محو الأمية وتعليم الكبار من إهتمامات الفئات المستهدفة ومجالات أعمالهم وأن تكون جملها مستمدة من الكلمات والعبارات المألوفة لديهم على أن تسنخدم الكلمات العربية والفصيحة.
9ـ تسهيلاً لعملية تنظيم المنهج وتنفيذه ومن أجل المقارنة وتبادل الخبرات بين البلاد العربية فى هذا الميدان ينبغى تحديد المستويات والمراحل والزمن الذى تستغرقه كل مرحلة من مراحل محو الأمية وما بعدها فى مجال تعليم الكبار.
10ـ أن تتخطى عملية تحليل الكتب الجوانب الشكلية لتنفذ إلى النواحى السلوكية والمعرفية وأن يصل التحليل إلى معرفة الوسائل السمعية والبصرية والجهد الذاتى للمعلمين والطرائق المتبعة لما لذلك من دور فاعل ومؤثر فى العملية التعليمية والنمو المعرفى ولما لذلك أيضاً من أهمية فى معرفة مدى تلك المواد على إنتاجية المتعلم وسلوكه.
وفى الحقيقة أنّ الحلقة الدراسية قد لمست فى مؤشراتها الثلاث الأخيرة ( الثامنة والتاسعة والعاشرة ) إحدى أهم القضايا التى تشغل بال العاملين فى تعليم الكبار وهى مشكلة الكتب ومحتوياتها وإليها تعود إخفاقات محو الأمية فى الكثير من الأقطار العربيّة ؛ وغنى عن الذكر أنّ علم نفس الكبار يختلف عن علم نفس الصغار ومن ثم يجب أن تختلف الكتب تبعاً لهذا الإختلاف وقد أشار الدكتور شهلا وجماعته وجماعته إلى ذلك بالتفصيل فى كتابهم ( الوعى التربوى ) عندما ذكروا أنّ كتب التدريس يجب أن تعكس بيئة المتعلمين ومستوياتهم وأعمارهم لذلك ينبغى للقائمين على تعليم الأميين أن يؤلفوا كتباً تلائم نفسية الكبار وبيئتهم
وقد حدّد الدكتور شهلا بعض مبادىء تأليف هذه الكتب مشيراً فى هامش كتابه إلى تقرير لهيئة اليونسكو عن مكافحة الأمية فى بعض البلاد العربية000 وملخص المبادىء ما يلى : ـ
أ ـ يجب أن يستهدف وضع كتب القراءة والكتابة المستوى الذى يزود الأميين إشتراكاً فعالاً فى مناشط القراءة والكتابة.
ب ـ يجب أن يكون مفهوم القراءة فى هذه الكتب واسعاً بحيث يشمل فهم المعانى والتفاعل مع المقروء وإستخدام الأفكار المكتسبة فى التغلب على مشكلات الحياة.
ج ـ يجب أن تتمشى طريقة الكتب مع طبيعة عملية الإدراك التى تسير من الكل إلى الجزء.
د ـ يجب أن تكون كلمات الكتب مختارة مما يألفه الدارسون ويفهمون معناه.
ه ـ يجب أن تشتمل الكتب على تمارين متنّوعة لتدريب الدارسين على معرفة الجمل والكلمات والتراكيب.
11 ـ النقطة الحادية عشرة فى المؤشرات التى خرجت بها الحلقة الدراسية تشير إلى ضرورة إحداث تطوير جديد لبرامج ومناهج محو الأمية وتعليم الكبار.
12 ـ أن تتنوّع برامج تعليم الكبار لإشباع حاجات الدارسين.
13 ـ أن يراعى فى بناء المناهج تحقيق الأهداف القومية والوطنية والتعليمية على ألا يلغى ذلك خصوصيات البيئات المحلية من ريفية وبدوية وحضرية.
14 ـ إستخدام وإستثمار وسائل الإعلام لإثراء المنهج.
15 ـ تدريب المعلمين وهذا محور هام من محاور الحلقة خاصة وأنّ الطرق المستعملة فى تدريس الكبار هى ـ فى مدارسنا وخاصة فى الإمارات ـ ذاتها التى تستعمل فى تدريس الصغار.
16 ـ مراجعة مفهوم المنهج حتى لا يقتصر على مجرد كتاب مدرسى يصبح عالم الدراسة الوحيد لكل من المدرسين والدارسين.
17 ـ التحوّل من مناهج المواد الدرامية إلى مناهج النشاط.
18 ـ أن يتضمن المنهج أساسيات لا بد منها فى تدعيم وحدة الثقافة عند جماهير الدارسين.
19 ـ أن يتحرر المنهج من صيغة التعليم المدرسى00 وقد رد الدكتور شهلا ورفاقه عزوف الكبار عن مواصلة التعليم إلى إعتماد صيغة التعليم المدرسى هذه ؛ الأمر الذى جعلهم يكرهون التعليم.
20 ـ التخلى عن طريقة التلقين اللفظى والحفظ الآلى وهو ما أشرنا اليه من قبل فى معرض حديثنا عن طرق التعليم السائدة فى الإمارات وخاصة طريقة الألقاء.
21 ـ تبسيط الكتب فى حجمها وعددها هذه نقطة مهمة لا تقتصر على كتب الكبار وإنما تشمل كتب الصغار أيضاً وقد أشرنا فى أكثر من مناسبة إلى أن أكبر مأخذ يسجل على كتب الصغار فى الإمارات هو حجمها الضخم ، فالأميون ـ كباراً وصغاراً ـ يتعلمون ليقرأوا ولم يصلوا بعد إلى مرحلة يستطيعون فيها أن يقرأوا ليتعلموا.
لقد خلصت الحلقة الدراسية إلى سبع توصيات " تؤطر " المؤشرات المذكورة " وتختزلها ، وقد أشارت الحلقة فى أولى توصياتها إلى ضرورة إعتبار مشكلة الأمية قضية قومية ، وإلى ضرورة مباركة مجهودات الجهاز العربى لمحو الأمية وتعليم الكبار ودعم المؤسسات المختصة بتعليم الكبار وعقد ندوات ولقاءات ودورات للعاملين فى المناهج لإطلاعهم على أحدث الأساليب وإجراء المزيد من الدراسات العلمية للمناهج القائمة حالياً ووضع معجم تربوى متخصص فى مصطلحات محو الأمية وتعليم الكبار.
إنّ الجهاز العربى لمحو الأمية وتعليم الكبار من أهم الأجهزة التربوية العربية ومن أكثرها عملاً ومن أقدرها على مواجهة مشكلات الأمية ووضع حلول لها ، لكن توصياتها ستظل فى الأدراج إن لم تجد ترجمة عملية فى الميدان بالتعاون مع وزارات التربية فى العالم العربى ونأمل ان تكون الإمارات قد بدأت فعلاً تعى ذلك بدليل أنها دعت اثنين من أفضل الخبراء فى الوطن العربى لوضع مناهج جديدة ، ولكن : هل تكمن مشكلة تعليم الكبار فى الإمارات فى عدم وجود مناهج ؟!
سؤال أجاب عنه الدكتور عايف حبيب خبير اليونسكو فهل قرأت الوزارة أجابته جيداً !