استدعاء الموروث الشعبي
في الاعمال الادبية الاماراتية الشعرية والنثرية
نص محاضرة القاهاها اسامة فوزي في الشارقة عام 1983
ونشرت في عدة مطبوعات وصحف عربية
منها مجلة الطليعة الادبية العراقية
1  2   

لقراءة الجزء الاول من هذه الدراسة انقر هنا

 


عند الدكتور احمد امين المدني وعارف الشيخ

 

( )
ويمكن القول أن الدكتور المدني قد تمثل هذا الاتجاه بحرفيته وأغراضه وحتى بقاموسه اللغوي في ديوانه الأول المطبوع في دبي عام 1968 بعنوان ( حصاد السنين ) ، فأنت تقرأ هذا الديوان لمن الغلاف فلا تجد ما يشير إلى موطن صاحبه ، لان الصور والألفاظ والتعبيرات مستوحاة من التاريخ الأدبي وليس من البيئة ، أو من خصوصية اللغة ، أو من تجربة خاصة ذات نكهة محلية وجذور عربية مثل قوله :-
ربوع البطولات مسرى النجوم ومغني الفراشات والزنبق
ونبع الأماني مطل الرؤى ومنطلق الحلم الشيق
تباركت أرضا يمر الربيع عليها ببرقه الأزرق
فمثل هذا الشعر لا يحمل خصوصية محلية ، ويمكن أن يكون قائلة من مصر أو اليمن أو فلسطين .

( )
من هنا لم اعثر في ديوان الشاعر علي أية إشارات أسطورية أو دينية كما لم يكن هناك توظيفا بيئيا علي صعيدي اللغة والمضمون ، بينما كثرت الإشارات ولدلالات الأدبية المحافظة ، والمرتبطة تاريخيا بحياة الشعر العربي ومسيرته فضلا عن بعض الأغراض الشعرية الفضفاضة ، التي تنادي بالمثل الرومانسية التي عرفها الشعر المهجري ، وقد اعترف الشاعر بذلك في مقدمه طويلة كتبها للديوان اذ يقول : "قصائد هذه المجموعة في كليتها مهما اختلفت مضامينها وتنوعت أشكالها فان شعورا واحدا من الحب والألم والحنين يجمع بينها ، شعور الشباب والقلق علي مشارف عصر جديد ، مصطحب في الآراء متنازع في الأهواء

( )
ومع أن الشاعر تحرر من قيود القافية في بعض قصائده ألا أن إيقاع الحداثة ظل بعيدا ، وظلت بصمات الخليل هي المسيطرة ، بينما وقع الشاعر ـ علي صعيد المضمون ـ في اسر الأغراض الشعرية التقليدية المتوارثة ، وهي سمة تظهر أيوضح ما يكون في قصائد زميله الشاعر عارف الشيخ ، فقصائد ديوانيه ( ذكريات ) و ( نفحات من الخليج ) ترتبط كلها بمناسبات ذكرها الشاعر مفصلة في كل قصيدة ، بخاصة ديوانه الثاني إلى صور في دبي عام 1981 م .

( )
ومع أن معظم قصائد الديوانين ترتبط بمناسبات قد تجدها في أي قطر عربي أخر غير الإمارات مثل قصائده ألام ، المعلم ، الزواج بالتسعيرة ، ميلاد الرسول ، العام الهجري الجديد .... الخ ، ألا أننا لا نعدم إشارات محلية في الكثير منها ، تحمل في طياتها جزءا من المأثور الشعبي ، المتمثل في بعض العادات والتقاليد أو ذكرا لاسماء بعض الأماكن أو ترديدا لبعض الكلمات الفولكلورية ونحن نجد مثل هذا في قصائده هائم في العوير ، سباق الهجن ، دشداشتي وغيرها وكلها من ديوانه ( نفحات من الخليج ) ، وقد تضمنت بعض القصائد إشارات دينية تتعلق بالعرف أو العادة مثل ذكر الخمار في صفحة 11 وارتفاع المهور في صفحة 27

( )
أما في ديوانه ( ذكريات ) فترد التضمينات الدينية والأسطورية علي سبيل التشبيه أو الاستعارة دون أن تستخدم فنيا لاثراء القصيدة بمدلولها وهو الاتجاه الذي تنبه مدرسة ابولو بقصد بعث الأساطير من مكمنها بصفتها من إنتاج الفكر الإنساني ، في قصيدته ( الغناء يغزو قلوب المشايخ ) يرد ذكر ( الاقيال ) ... وهي جمع قيل وهو من ملوك الجاهلية دون الملك الأعظم وفي قصيدته ( ليس للإنسان ألا ما سعي ) .. انظر صفحة 55 ـ يرد ذكر قارون وهامان وساسان وكسري وملك الرومان ... الخ ، وهي إشارات ترد في معرض الاستعارة أو التشبيه ولا توظف لغايات فنية كما انه لا يتم أي إسقاط معاصر عليها :-


راع حق الناس بعد الله ان شئت عيشا بينهم يا من عقل
كل من في الكون يفتي غير من خلق الكونيين باق لم يزل
أين قارون وهامان ومن حكم الأقباط والقوم الأول ؟
أين ساسان وكسري والذي ملك الرومان يوما فانعزل
تلك آثار فدلت بعدهم انهم سادوا زمانا في الملل


يتكرر الموروث التاريخي والديني في معظم قصائد ديوانه ( ذكريات ) . ، بينما تظل عناصر هذا الموروث خارج إطار التجربة الذاتية ؛ بمعني أن ( الرموز ) تستدعي من التاريخ لا يهدف الشاعر منها إلى إعادة صياغة الحاضر بعد استلهام كينونة الموروث وزخمة ومدلولاته وانما تستدعي لاستكمال معادلة المشابهة بين صورتين ، لذا يمكن إسقاط هذه الرموز أو استبدالها دون أن تتغير القصيدة كما نري في قصيدته ( القدس الحزين ) ـ صفحة 67 ـ ففي سياق تذكر الشاعر لامجاد العرب والمسلمين في القدس ، علي ضوء ما وصلت إليه المدينة ألان ، يرد ذكر عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد كرمزين للقوة والمجد العربي والإسلامي ، ولو جري تغيير استبدال اسم خالد بصلاح الدين فان شيئا علي صعيد السياق لن يتغير :-
يا ويح قلبي هل للسيف من عمر وأين خالد للباغي وذي الدخن
مالي أرى الناس أشباحا مصورة والأرض ملآي من الشحناء والضغن

( )
لقد تعامل الشاعر عارف الشيخ مع الرموز الأسطورية والتوراتية كمفردات وليس كعناصر يمكن اعتبرها من مكونات القصيدة شكلا ومضمونا ، لذا اكثر من ايرادها لتلعب دور المفردة القاموسية دون أن يسعي لتحريك الرمز واثراء التجربة الفنية بدلالته ... ففي قصيدته ( ما بال فلسطين ضاعت ) اشاره للمخاطر التي تحيط بالقدس ، وقد تضمنت هذه الاشاره حديثا عن هيكل سليمان وحوارا مع موسي ونفيا لادعاءات اليهود في أن العهد القديم يجوز لهم السرقة وتعذيب الآخرين :-




مـــــــا بـــــــال فلسطين ضاعت وبنوده يذاقون المحنــــــــا
مســـــــــــــــري الاسلام مكبلة قد عطل فيه شعائرنــــــــــا
حاطت بالهيــــــــكل شرذمة والهيــكل حقا هيكــــلنــــا
صهيـــــــــون يهود مربـعنا قم يا موسي لتحدثنــــــــــا
قل : هل في شرعك تعذيب او تشريد من موطننــــــــــا ؟





( )
ما قلناه عن الرموز الدينية المشار إليها فقوله أيضا عن أسطورة ( إيزيس ) التي يرد ذكرها في قصيدته ( إلى حبيبتي ) علي سبيل التشبيه ، وليس علي سبيل الثورة كما وردت في قصائد السياب ... وإذا افترضنا أن الشاعر هو ( أوزوريس ) حبيب ( إيزيس )، بدليل انه يخاطبها علي النحو التالي :-
يا ظبية البحرين يـــا إيزيس في دنيا الحســــــــان
يا من سكنت جوانحي روحي فداؤك والجنـــــــــــــان
ما أنت أول فاجع فــــي الحب من بعد التـــــــــــــــدان
فالوصل يعقبه النوي ولكل فاجعة زمـــــــــــــــــــان
وعسي الذي خــــــــــــلق النوي يقضي بوصل في ثوان

أقول : إذا كان الشاعر هو ( أوزوريس ) الجديد وحبيبته هي ( إيزيس ) فان خللا ما في الفهم للأسطورة يمكن استنتاجه من السياق لان الأسطورة لا تحدثنا عن ( جمال ) إيزيس بقدر ما تحدثنا عن ( جمال ) إيزيس بقدر ما تحدثنا عن ( بعث ) أوزوريس من جديد ووفق هذه الأسطورة ـ كما يقول فراس سواح ـ نجد الإله أوزوريس بطلا حضاريا يعلم المصريين الزراعة تساعده في ذلك أخته وزوجته إيزيس ( وفي إحدى المرات قام أخوه الإله سيث أو طيفون بحيلة خبيثة جعلته سجين صندوق خشبي فسمر عليه وقذفه في مياه النيل فطاف الصندوق حتى صب مع مياه النهر في البحر المتوسط وهناك تدافعته الأمواج حتى وصل إلى مدينة بيبلوس الكنعانية حيث علق بإحدى أشجار الشاطئ الوارفة وقد راحت إيزيس تبحث في جميع الأنحاء عن حبيبها الضائع إلى أن وجدته فعادت بالصندوق والجثة إلى بلدها لتعيد له الحياة ولكن سيث عثر علي الصندوق فقام بتقطيع جسد أوزوريس ووزع القطع في جميع أنحاء البلاد حتى يصبح من المستحيل إعادة الحياة إليها مرة ثانية ولكن إيزيس بدون يأس تابعت البحث مرة أخرى إلى أن وجدت الأجزاء جميعا عدا عضوا الذكورة الذي بقي مفقودا ثم أعادت له الحياة بمعونة أختها الإلهة نفتيس ) .
هذه هي ( إيزيس ) القديمة ، وهي تختلف جذريا عن ( ظبية البحرين ) التي جعلها الشاعر شبيهة إيزيس ، ولا أظن أن الحبيب قد تمثل دور أوزوريس ، الذي يعني الثورة علي المجتمع ، لان الدلالة هنا معكوسة ولا تنسجم مع السياق ولا أظن أن الشاعر أرادها علي هذا النحو!! من المؤكد أن إدراج ديوان ( سبع قصائد ) للشاعر احمد راشد ثاني تحت العنوان الكبير الذي وضعناه لهذه الدراسة وهو ( استدعاء الموروث في الشعر المحلي ) يحمل في طياته اعترافا بان قصائد الديوان تتسم بالحداثة في الشكل والمضمون ، رغم أنها مكتوبة باللهجة العامية ، وهذه الحداثة هي التي سوغت ( إقحام ) هذا الديوان في الدراسة رغم أننا أسقطنا كل الدواوين النبطية الأخرى في الإمارات .

( )
ونعني بالحداثة هنا الروح التي تسود القصائد والهموم التي تصدر عنها والإيقاع الذي يعزف عليه الشاعر ، وهي اقانيم ثلاثة تخرج بهذا الديوان من دائرة الموروث النبطي لتدخله رغم معادلة اللغة الفصحى إلى قلب التجربة الشعرية الحديثة في الإمارات .


عند احمد راشد الثاني

 

( )
وإذا كانت طبيعة التجارب الشعرية السابقة التي تطرفنا إليها في هذه الدراسة قد تباينت في توظيفها للموروث الشعبي كما وكيفا وإذا كنا قد تمكنا من رصد هذا التباين وتحديد ملامح هذا الموروث ، فأننا نعجز بالتأكيد عن رصد ذاته لديوان احمد راشد ثاني لان الموروث لغة ومضمونا هو لحمة وسداه التجربة الشعرية في هذه القصائد ، فهي مجبولة به ، ومستقاة منه ومعبره عنه وناطقة بلسانه .

( )
ومن المسلم به أن هذه الميزة تحسب لكل القصائد البنطية أو المكتوبة باللهجة العامية الشعبية وليس لقصائد احمد راشد ثاني وحدة ، لكن المؤشر الذي جعلنا نلتفت إليه في هذه القصائد ومن ثم سوغ لنا النظر إليها من رؤية الحداثة هو تعامل الشاعر مع التراث الشعبي وتوظيفه لعناصره في سبيل النطق بمعادلة حياتية جديدة غالبا ما يسعي إلى النطق بها الشعر الحديث ، بينما نجد أن معظم الأعمال الشعرية البنطية المطبوعة تنطق بما هو واقع في إطار الرغبة بتكريسه وليس في إطار المناداة بتغييره .

( )
ونمني عن الذكر أن قراءة هذه القصائد لاحمد راشد ثاني ليست بالعملية السهلة لمن لا يعرف لهجة أهل المنطقة فضلا عن العادات والتقاليد السائدة ، ومع أن الشاعر شرح في هوامش ديوانه الكثير من هذه العادات والتقاليد والألفاظ ألا أن القصائد ستظل مغلقة علي غير العارف بها ، لان نقطه الجذب في الديوان تكمن في الإيقاع الداخلي للألفاظ بما يتضمنه من إيحاءات لا يدركها ألا من عاش وعاني في هذه المنطقة .

( )
قصيدة ( مليت هذا الألم ) ـ وهي القصيدة الأولى الأولى في الديوان ـ تلخص كل ما ذهبنا إليه ونختزل تجربة الشاعر الفنية والمضمونية ، فضلا عن كونها انضج قصيدة في الديوان واقربها إلى روح الحداثة واكثر توظيفا للمأثور الشعبي وتحقيقا لمعادلته الرمزية مع الواقع .

( )
تبدأ القصيدة برسم ثلاث دوائر نفسية متداخلة ، تحمل الأولى المهم الذاتي أو الشخصي بينما تؤطر الثانية للمهم الاجتماعي المستمد من مجموع الهموم الذاتية للآخرين وتمتد الدائرة الثالثة بالتجربة إنسانيا لتعمق الطرح الذاتي ليصبح طرحا إنسانيا .

( )
يكمن المهم الذاتي أو الشخصي في حالة الضياع والشقاء التي يعاني منها الشاعر ويعبر عن ذلك بافتتاحية القصيدة :-


إلى متي يا شقا مزروع في يوفي
إلى متي يا ألم تسقي سدر خوفي
إلى متي إحنا بحري ما اله ساحل
كلن دهن مركبة والكل في قفال
ألا أنا سامرت ويا الهوي راحل


لقد استمد الشاعر ملامح الصورة النفسية له من البيئة السدر ، البحر ، الساحل ، المركب ، قفال ـ نهاية رحلة الغوص ـ سامرن ـ أي سمرت به الرياح والأمواج لعرض البحر ـ فمن خلال عناصر البيئة الشعبية ودراميتها نسج الشاعر معاناته النفسية وإحساسه بالشقاء والضياع معطيا بذلك لصورة عدة أبعاد ... أقربها إلى القارئ العادي البسيط معاناة راكبي البحر ممن يعجزون عن العودة مع الرفاق وابعدها أو أعمقها ذلك التمازج بين البيئة ومعاناة راكبي السفن وبين الحالة النفسية للشاعر ، بمعنمي أن الشاعر قد نجح في استدعاء عناصر البيئة والموروثات .
ليقدمها في بعدين ، الأول توثيقي والثاني وظيفي فني .

( )
الدائرة الثانية التي تتسع لتشمل المجتمع المحيط بالشاعر تبدأ بقوله :-
إلى متي يا بحـــر
تحدي شادرنا
إلى متي بالحلم
نحمي مواقعنا
الي متي نبغي نسمع صوت حربية
أيدق يجمع مياديفك بكوسية
إلى أن يقول :-
والطبل لو دقته تطعني علي النهمة
محدترا هالزمن بيخاف من طبله !!
في هذه الصورة يعكس الشاعر حالة تقاعس اجتماعي ، هي امتداد لاحساسة الفردي بالشقاء والضياع ، وقد استدعي الشاعر إحدى الرقصات الشعبية المعروفة ( رقصة الحربية ) ليحملها الرمز الذي يريده ، فقد كانت هذه الرقصة ـ ومثلها العيالة ـ بمثابة النفير العام ، حيث يجتمع القوم علي دقات الطبول بأمر من شيخ القبيلة ، والشاعر يستدعي هذا اللون من المأثور الشعبي ليحقق معادلتين ، الأولى التعريف به ، وهي المعادلة الابسط والأقل إلحاحا عليه والثانية هي توظيف عناصر هذا الموروث لخدمة الفكرة التي يريدها وهي لقناعته بان ( حماية المواقع ) لا تكون بالحلم ولا بطول الحربية ( محددا ترا هالزمن بيخاف من طبله ) .

( )
الامتداد الثالث للمعاناه يرتبط بنسخ إنساني وهو الإحساس المفرط لدي الإنسان المعاصر بخطورة التطور التكنولوجي عليه ، وهو إحساس بدأ يظهر في الأدب العالمي مع قصائد اليوت ( الأرض الخراب ) ... ووجدنا له إشارة صريحة في قصائد شوقي ، وانعكاسا مريرا في قصائد السياب ، الذي تحدث عن الإله والصراع معها كثيرا ، وفي هذه القصيدة نجد إشارة إليه تكمن في المقطع الأخير الذي يقول :-
الا انا مجروح
مجروح مثلك ـ يا بحر ـ
مثل كل اللي بيحبك
مجروح ، جرحي خبق
وخبوههم أبار
أنا اداوي الخبق
وابيته ببراز
لكن خبقهم ترا في اليوف يتوسع
لا بالملح ، لا بالرمل ، لا الطين يترقع
إلى متي ما بيتك تحمل علب سردين
بتروش عالسيف كل ليلة قواطي البير
تخبرني كل يوم غرب اللي يرسلوني ....
في هذا المقطع ، يتحدث الشاعر عن الآبار المحفورة في أعماق البحر ويشير الي المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي ارتبطت بها وأثارها علي السكان ، الذين احترفوا صيد السمك واللؤلؤ .... وقد توسل الشاعر إلى هذه المعاني بصورة من البيئة ، وظفها كأروع ما يكون للدلالة والرمز ... حيث يعقد مشابهة بين جرحه وجرح البحر ( البئر ) ، لكنه يستدرك انه يداوي جرحه بالبزار ـ وهو عقار شعبي ـ بينما جرح البحر يزداد اتساعا ..ويستطرد الشاعر واصفا الذين ركبوا البحر ودخلوا إلى أعماقه حيث يرمز إليهم بعلب السردين وعلب البيره التي يرمونها في البحر فتصل إلى الشاطئ ( وتخبرني كل يوم غرب اللي يرسلوني ) ، وقد جعلها الشاعر هوية وجنسية لأنها طارئة علي المنطقة .

( )
جميع قصائد الديوان تحمل هذه الودائر المتداخلة من الهموم ، ومن الواضح أن استخدام الشاعر لتجربته الشعرية وموهبته اكبر من اعتماده علي ثقافته أو قراءاته ، لذا اتسمت عناصر القصيدة عنده بالبساطة وكانت اكثر التصاقا بالأرض والبيئة والمجتمع مما قربها من الناس ، وقد أعطت عناصر البيئة والموروث الشعبي للقصائد نكهة خاصة مميزة تغلب عليها السمة الدرامية ، وتتعدد هذه العناصر والمأثورات الشعبية وتتعدد معها دلالاتها الرمزية ، والقائمة طويلة نذكر منها ذكره للرقصة المشهورة الحربية ورقصة الرزفة وفي باب الطب الشعبي نجد ذكرا لعقار البزار وهناك إشارة لسفينة البوم المشهورة وترد في القصائد إشارات
لهسس لوزار ـ وهو سائل لزج علي جلد الأسماك عادة ما يعلق في البحارة ـ وفي باب الألعاب الشعبية نقرأ عن التيلة والقبة والحيلة ومن الآلات الشعبية ( الهبان ) إلى جانب عشرات الكلمات والمصطلحات الفلولكلورية ذات الدلالة العميقة .

 بقيت لدينا مجموعتان شعريتان هما ( غربة في زمن العشق ) و ( لوعة البعد ) إلى جانب ثلاث مجموعات من الخواطر هي ( منتهى العذاب ) و ( خطوة فوق الأرض ) و ( أنا المرأة الأرض ) واظن أن الكتاب الأول هو الأجدر بالوقفة الأطول في هذه الدراسة ، لان التجربة فيه تسير في الطريق النضج فضلا عن تنوع مصادر المأثور الشعبي فيها .


غربة في زمن العشق


( )
أن أول ما يلفت النظر في هذا الديوان هو قاموسه الشعري المستقي من البيئة الطبيعية والاجتماعية ، والموظف لخدمة المضمون في اكثر المواقع ، رغم تباين الدلالات الرمزية من لفظه إلى أخرى ، حيث تكثر ورود ألفاظ ذات دلالة مثل البحار ، المحار ، الشاطئ ، المرافئ ، الهيرات ، الدانات ، الهامور ، السيف ، الغواص ، البحار ، الصياد ، اللؤلؤ ، القراصنة .... الخ ويلاحظ أن مفردات هذا القاموس ذات علاقة مباشرة بمياه البحر ومجتمع الغوص علي اللؤلؤ ، بما يدل علي المرحلة الزمانية التي تدور فيها المعاناة ، كما أن لبعض هذه الألفاظ مدلولاتها الرمزية التي يمكن إسقاطها علي المجتمع مثل ( الهامور ) ... وفي القصيدة حديث عن الصراع معه :-


رحم الله ابي
كان شهما وتقي
...............
جلب الربح الوفير
لهوامير المدينة
فهوامير المدينة
سرقت كد أبي
سرقت عمر ابي
وقضي العمر أسير الغوص
باع يوما عقد أمي
سدد الدين لهامور حقير
ولقد مات صغير


والهامور من اسماك البحر المعروفة في الامارات ، وهو من الأسماك الكبيرة المكتنزة لحما وشحما ويضرب المثل بكبرها دائما خاصة عند الصيادين وهي غير محببة لهم ، لأنها ـ في الغالب ـ تعلق في باب ( الكركور) فتمنع صغار السمك من الدخول إليه ، وقد تفلت في النهاية ، فنهي لا تصاد ولا تسمح بصيد أخر ، لذا يقولون في المثل الشعبي ( مثل الهامور جالس في البابه )

( )
لقد عرف مجتمع الامارات بشكل خاص والمجتمع العربي في منطقة الخليج بشكل عام بعض مشكلات المجتمعات الرأسمالية ، بخاصة عندما كان يصطدم الغواصون والصيادون بأصحاب السفن وكبار التجار الذين يرمز إليهم دائما بالهوامير ، وقد وظفت الشاعرة هذه الكلمة المستوحاة والمستفاه من البيئة للتعبير عن الهموم والمعاناة التي عاشها الأب ، وهو ليس توظيفا جديدا علي أي حال ، لان معظم الشعراء في المنطقة يستخدمونه ويوظفونه للدلالة علي هذا الصراع .

( )
وإذا كنا قد وجدنا في ديوان احمد راشد ثاني حنينا لحياة البحر الماضية التي بدأت تلوث بقدوم الأغراب ، فأنا نجد هنا مثل هذا الحنين لعهد المحار عندما كان الغوص علي اللؤلؤ عماد الحياة في المنطقة ، وعلي الرغم من أن المجتمع آنذاك عرفة الصراع الطبقي بصورة مبسطة ، الا ان نوعا من التكافل الاجتماعي ساد حياة البحر ، وكانت العلاقات الاجتماعية تصطبغ به ، حتي يمكن القول ان ملامح الحياة الاجتماعية كانت اكثر وضوحا مما عليه ألان ، لذا نشأ الجيل الجديد وفي نفسه حنين إلى الماضي ، إلى عهد المحار ، رغم وجود ( الهوامير ) :-
حلمت بان لنا عالما
فهلا تجيء معي والأنام سكاري
نجدد عهد المحار
نعانق أسيافنا والبحار
ونعزل بالحب ضوء النهار
في قصيدتها ( معلمي الجديد ) و ( شهريار ) تستدعي رؤى سالم الأسطورة من كتاب ألف ليلة وليلة دون أن تحسن توظيفها ، بحيث يرد اسم شهريار ، خارج نطاق الدلالة الرمزية التي نعرفها ، ولا نجد دلالة حاضرة أو مبتكرة ، غير علاقة المشابهة السطحية بين الشاعرة ومعلمها الجديد ( شهريار ) !!

( )
والف ليلة وليلة مجموعة حكايات خيالية ترد علي لسان السلطانة شهرزاد في معرض تسلية أختها دنيا زاد وبحضور زوجها الملك شهريار الذي كان يقتل زوجاته انتقاما من خيانة إحداهن واشهر هذه الحكايات التي يقال أنها تزيد عن 264 حكاية السندباد وقمر الزمان وعلي بابا ..
تقول الشاعرة :
ما زلت احيا قصة من الف ليلة
وسندباد واقعي مغامر رحال
قد اكثر الرحيل لعالم جديد
فسيدي وشاعري ممثل جديد
لدور شهريار
وفي قصيدتها الثانية تكرر ( شهريار واقعي ) بعد أن كان في الأولى ( سندباد ) .. إذ تقول :-
طوبى لمن معلمي لشهريار
أم للتي تحب شهريار
مجنونة تلك التي تحب شهريار
فشهريار واقعي .. الخ

( )
أن عيب معظم الشعراء الشباب في الامارات يكمن في سعيهم نحو التضمينات الأسطورية أو الدينية دون الإحاطة بها وبدلالاتها الخاصة السابقة علي العمل الفني الجديد ، وهذا القصور يؤدي في الغالب إلى خلل في السياق الشعري والي ما يشبه التضارب بين الدلالة القديمة .. والدلالة الحاضرة ، وتتقزم معظم هذه التضمينات في الغالب لتصبح مجرد زخارف بديعية وتشبيهات يرزح تحت وطأتها الشعر .... والمقطع السابق من قصيدة رؤى سالم يحمل مثل هذا الخلل ، إذ أن العلاقة بين سندباد الرحالة وشهريار العاشق والقاتل تبدو غير واضحة في السياق لعدم وضوح ، الأسطورة في ذهن الشاعرة .... ولا ندري أي سندباد تريد ... هل هو الملك ، ام الحمال ام السندباد البحري وثلاثتهم كما قد لا تعلم الشاعرة يحملون اسم السندباد ويحتلون مواقعهم في ألف ليلة وليلة .


ديوان لوعة البعد

 

( )
في ديوان ( لوعة البعد ) لاحمد راشد سعيدان لم أجد أثرا للموروث الشعبي أو الأسطوري أو الديني ، بل ولم أجد علاقة متينة بالموروث الشعري القديم رغم أن كاتبه المقدمة ، سهام ترجمان مؤلفة كتاب ( يا مال الشام يا الله يا مالي ) ـ كما ورد في المقدمة ـ تدعي أن الشاعر هو قيس ابن الملوح ، تتقمص روحه ... وان ( قضيه الشاعر احمد راشد ما هي ألا امتداد لقضية قيس بن الملوح ) ولعلها مناسبة أن اكرر واذكر بضرورة الحجر علي كاتبتي مثل هذه المقدمات التي لا تحمل تزويرا للحقيقة فحسب ، بل وتحمل في طياتها بذرة فناء هذه الموهبة الواعدة التي تحتاج إلى رعاية صادقة وليس نفخا علي النحو الذي أشرنا أليه .

( )
ولكننا مع ذلك نسوغ للشاعر جرأته في نشر ديوانه ، ونحسب له ذلك من باب قصائده تعكس رغبة في تعاطي الشعر وموهبة أو إلمامه بفنونه الإيقاعية ، واظن أن الشاعر سيكون اكثر إقناعا لو وظف موهبته تلك والماماته هذه في طرق موضوعات اكثر قربا من الناس والصق بالبيئة ، وهي من طوله غنيه وثريه ، لفي القاموس والإيقاع ..



خواطر ظبية خميس وفرح مختار


( )
أما خواطر ظبية خميس وفرح مختار ، فتطرح علي بساط البحث مشكلة كبري يعاني منها الوسط الأدبي وهي عدم أدراك كنه الخاطرة ومواصفاتها وعدم الدربة علي كتابتها .. والخاطرة ليس تهويما لا معني له ، بل هي فكرة وانفعال ، تقترب كثيرا من عالم الشعر دون أن لا تنزلق في معادلة الوزن والإيقاع .... لكن ما نراه في الخواطر المكتوبة والمطبوعة لا يحمل أي من هذه المواصفات ، مع اعتراف أولى بان فرح مختار في خواطرها اقدر علي الصياغة اللغوية وارق في التعبير ... لكني لم أجد في خواطرها اقدر علي الصياغة اللغوية وارق في التعبير ..ز لكني لم أجد في خواطرها المطبوعة ما يربطها بالواقع ، أو بالموروث علي مختلف صورة .. بينما نجد ذلك في خواطر ظبية ( انظر خطوة فوق الأرض ) ففي صفحة 45 يرد سمك القرش ، وفي صفحة 66 ترد ألفاظ مثل السفينة ، الشراع ، المرفأ .. الخ وهي مستوحاة من البيئة وربما من تجربة الشاعرة في الترحال ، لكن المعادل الرمزي لهذه الألفاظ مفقود تماما ، بحيث تبدو الخواطر في مجموعها وكأنها ترجمات لاشعار أجنبية حكام بها مترجم رديء ، فلا هي نقلت إلينا الفكرة ، ولا هي قدمت لغة مشرقة .

( )
لن أتوقف عند كتاب ( خطوة فوق الأرض ) حتى لا أقع في التكرار ، إذ سبق لي وان وقفت معه مطولا ، وتساءلت يومها عن معني المقطع التالي الذي ذيلت به الكاتبة كراستها .
يحتضن البدر خاصرتي
وتداعب صدري النجوم
فاغرد ضاحكة
وادرك أزلية رعشة الشمس
والظل
وانتفاضة المجرة بين ساقي
وسقف السماء
لكن الذي أردته في نهاية هذه السلسلة ، وهو الإشارة إلى أن فن الخاطرة هو اصعب الفنون النثرية ، لانه يحتاج إلى ذكاء وقوة ملاحظة وقدرة علي استنباط الواقع وسبر أغوار المستقبل .. ثم أن كاتب الخاطرة يجب أن يكون اقرب الناس إلى البيئة ، وأكثرهم تعاطيا لها وتفاعلا معها ، لكن ، ومن خلال استقراء الكتب الثلاثة التي بين يدي ، وجدت أن كتاب الخواطر في الامارات مازالوا ابعد الناس عن ذلك .

استدعاء الموروث الشعبي في الاعمال النثرية

 

تفاوتت عملية توظيف الموروثات الشعبية في الإمارات – في الأعمال الإبداعية – بين أديب وآخر ، فوجدنا توجها من قبل البعض نحو الأساطير حيث يتكرر ذكرها في قصائد جيب الصايغ ، ووجدنا توجهاً آخر نحو التاريخ الإسلامي – في معظم قصائد عارف الخاجة – بينما يوثق الدكتور مانع العتيبة في قصائده الموروث الشعبي من عادات وتقاليد كانت سائدة في عصر الغوص ونجد مثل ذلك في قصص محمد المر وعبد الحميد أحمد وعبد الرضا السجواني مع تفاوت في عملية توظيف هذا الموروث.

( )
ولنبدأ برواية ( شاهندة) لراشد عبد الله وهي أول عمل روائي يصدر لكاتب من الإمارات وقد صدرت الرواية عام 1974 في 135 صفحة من القطع المتوسط حتى ظن أحد الباحثين المصريين أنها رواية مصرية فأدرجها في بحث نشرته مجلة (فصول)... وإذا كنا سنتوقف – في معرض تناولنا للإبداعات الأدبية الأخرى – عند إشارات متفرقة للموروث الشعبي في محاولة للربط بينها في إطار توصيف كامل للظاهرة – فإنّ وقوفنا عند ( شاهندة ) لن يكون ضمن هذا الإطار لأنّ الرواية لا تتضمن إشارات فولكلورية فقط وإنما تقوم كلها في معمارها الفني والمضموني على أسس من الموروثات الشعبية حيث تصور الرواية الحياة الاجتماعية التي سادت إبّان عصر اللؤلؤ.

( )
وشاهندة هي محور الرواية؛ فتاة جارية ، انتهي بها الأمر لتصبح زوجة لأحد الملوك ومن خلال رحلة شاهندة بين الفقر والنعيم يرسم المؤلف صوراً من الحياة الاجتماعية والاقتصادية السائدة آنذاك ، في الساحل والداخل ، حيث تقوم مدن وقري وهمية يتخذها المؤلف محوراً لتحرك أبطاله وشخوصه ، فهو يتعرض لمهنة الغوص على اللؤلؤ وصيد الصقور ويتعرض لتقاليد الزواج ويشرح واقع تجارة العبيد (النخاسة) وينجح في رسم صور الشقاء التي مرت بالمنطقة في أوقات كثيرة من خلال الشخصية المحورية لروايته (شاهندة) ... ومن خلال السياق نفهم أن شاهندة فتاة جميلة غير عربية تقع مع والدها (شهداد ) ووالدتها (حليمة ) في قبضة (سالم) أحد تجار الرقيق فيبيعها إلي رجل موفور الجاه والمال حيث تعيش في بيئة معززة مكرمة وتزداد مكانتها بعد اختيار والدها ليكون نوافذه لسالم ولكن علاقة شاهندة بمحمود بن سالم ثم وفاة والدها في البحر، يدفعان مالكها حسين إلي بيعها ، وتنتقل شاهندة من تاجر إلي آخر ومن تجربة إلي أخري حتى تقع في قبضة تاجر الرقيق (جابر) فيزوجها لكنه سرعان ما يطلقها في الصحراء انتقاماً منها فتعيش هائمة على وجهها ردحاً من الزمن إلي أن تلتقي بقافلة من الصيادين فتصطحبهم إلي المدينة حيث تنجح في الوصول إلي القصر كزوجة للملك وتنتهي القصة بانتقام شاهندة من محمود أول من استرقها.

( )
من الواضح أن المؤلف يريد أن يرسم ملامح عامة للمجتمع آنذاك من خلال سرد مأساة أسرة غير عربية ، وصلت الساحل بحثاً عن لقمة العيش فوقعت بأيدي النخاسين ، ولعل رغبة المؤلف في عرض وقائع اجتماعية وألوان من الموروثات الشعبية السائدة آنذاك هي التي جعلته لا يكترث كثيراً بتسلسل الأحداث وتناميها ومنطقيتها في أحيان كثيرة حيث يتم الدخول إلي الحدث بسرعة تشتت الشخصيات وتجعل بعضها يبدو هامشياً ؛ يمكن أن يسقط في السياق دون أن تصاب الرواية بالخلل.

( )
لقد فطن المؤلف إلي شرائح تلك البيئة (الاجتماعية ) فضّمن روايته العديد من مظاهر الحياة الشعبية مثل عادات الزواج وصيد الصقور، لذا اكسب روايته واقعية مؤثرة ، بحيث يمكن التعامل – في بعض الصفحات – مع الواقع الحرفي المصور وكأنه مقالة في الموروث الشعبي ، ولم ينكر المؤلف نفسه توجهه هذا ، حتى في مقدمة الرواية التي كتبها ملخصاً هدفه العام من الرواية حيث يقول: ( قصتي هذه تنبع من واقع عشناه بين حبات الرمال المحترقة ، في حياة جافة قاسية ، أكتبها لهذا الجيل الذي يبني بقوة سواعده بلداً عظيماً .. أكتبها للأجيال القادمة لتكون لهم نافذة يطلون منها على حياة آبائهم وأجدادهم فتملؤهم بالعزة والثقة).(1)

( )
صور تحّدي البحر ستتكرر معنا في الحلقات القادمة حيث تجدها عند معظم كتاب الإمارات وهي جانب من حياة التجارة والغوص علي اللؤلؤ وصيد الأسماك، وهي الحرف التي امتهنها سكان المنطقة ، واكسبت حياتهم الاجتماعية بالتالي نمطها المميز، فراشد عبد الله يصور البحر كالذئب .. " ونظر إلي مياه الخليج الثائرة ، الأمواج تعلو وتعوي كالذئاب ، لقد ذهب إلي الساحل يستلهم من قسوة المياه طريقة جديدة للبحث عن كسرة خبز .. لقد أصابته حالة من الجنون فقرر أن يتحدي مياه الخليج في يوم عاصف"(2)

( )
علاقة سكان الخليج بالبحر تتسم بهذه الجدلية ، فمع أنَّ البحر كان مصدر الرزق الأساسي سواء ركبوه للتجارة أو غاصوا فيه بحثاً عن اللؤلؤ والسمك، ألا أنه كان بالمقابل مصدر الخطر أيضاً ، وفي الموروث الشعبي لأهل المنطقة الكثير من القصص حول غرق السفن أو صراع (الغاصة) مع أسماك القرش ، وقد انعكس هذا الصراع على حياة الناس في الساحل والداخل، ويمكن القول إن البحر قد ساهم إلي حد بعيد في الفرز الطبقي للمجتمع ، حيث أوجدت حياة البحر شرائح متباينة اقتصادياً واجتماعياً ، فكان هناك (النواخذ) وهو قائد السفينة ، ثم الغواص ، والسيب والمجدمي والوليد أو التباب .. ونحن نجد ذكراً لهؤلاء في رواية (شاهندة ) وذلك في إطار تصوير جانب من قيم البحر ؛ التي تضفي على ( النواخذ ) هالة خاصة ، حاول المؤلف أن يقفز فوقها درامياً بإدخال عنصر درامي جديدة علي الرواية يتعارض مع قيم المجتمع آنذاك وهو أن يتولي أحد العبيد مهمة قيادة السفينة ومن ثم يصبح رباناً .. " سوف أقبل التحدي أيها النخاس القذر ، سأذهب بالتحدي إلي نهايته أيها الربان اللص ، سوف أجعل منك يا شهداء رباناً " وفي موقع آخر من الرواية إشارة تحمل في طياتها إضاءة مباشرة لهذه المسألة(3) تقترب من أسلوب المقالة حيث يقول :-
" عرضت الزوجة أمر شهداد على زوجها ولكنه لم يوافق عليه فهو عبد مملوك فكيف يقود العبد سفينة الأسياد ؛ فالعبد هنا لا يحق له أن يملك أو يمتلك والعبد لا يحق له أن يأمر ، له الحق في سماع الأوامر وإطاعتها فقط والربان عليه أن يصدر الأوامر وعلى الجميع السمع والطاعة والربان لابد أن تكون له شخصية السيد وليست شخصية العبد".(4)

( )
معظم هذه الفقرات تصلح لأن تكون دراسة وصفية لمجتمع البحر ، وما يكتنفه من عادات وتقاليد وقيم ، وأظن أن القارئ العادي سيخرج بفكرة موجزة عن مجمل هذه العلاقات ؛ وهي – كما تبين المقدمة – هدف الكاتب من الرواية ، ولكنه بالمقابل سيلاحظ أن استدعاء الموروث الشعبي المرتبط بالظاهرة الاجتماعية يرد في الرواية بصورة تقريرية ، ومع أننا حيال عمل روائي يسمح بمثل هذا التناول وهذه التقريرية ، إلا أنه كان بالإمكان توظيفها فنياً بحيث لا تخرج لغة السرد الروائي من إطارها الفني إلي إطار فني آخر هو المقالة ، بخاصة وأن المؤلف فجر عنصراً درامياً في روايته، معارضاً لحركة المجتمع – مثل تعيين أحد العبيد كنواخذ – وكان بإمكانه أن يستغل المتغيرات الاجتماعية التي يمكن أن تطرأ على قيم المجتمع بسبب هذا الإجراء لكشف مجمل العلاقات الاجتماعية والطبقية وما يرتبط بها من موروث شعبي ن في إطار فني ينسجم مع البناء الروائي وليس المقالة الروائية ، لذا جاء استعراض هذا الحدث بارداً رغم سخونته ، ورغم أنه وقع على القرية كالزلزال كما يقول المؤلف :" هناك زلزال في القرية ، لقد عرفوا أنني أفكر أن أجعل من شهداد رباناً ، فتجمعوا خارج المسجد بقيادة سالم وعلي"(5) وفي موقع آخر يقول : " أيها الرجال سأحكي لكم حكاية من عرض البحر وما أكثر الحكايات ونحن نبحث عن اللؤلؤ ففي عرض البحر أيها الرجال تتضح معادن الرجال ن أن عاصفة علي السفينة أو هجوماً من الأسماء الكبيرة عليها أو أمواجاً عالية أو نقصاً في الماء والغذاء تكشف معادن الرجال".
( )
قد يكون اختيار شهداد ( العبد ) ليكون (نواخذ ) – وهي وظيفة لا يرقي إليها إلا قادة القوم ، توطئة لنقلة أخري في الرواية تبدو هي الأخرى غريبة علي حركة المجتمع آنذاك وأقصد بها وصول أبنه هذا العبد ( شاهندة ) إلي مرتبة عالية في المجتمع المعادل الفني لها ، أو علي الأقل لو أمكن تغطية هذه النقلة بفلسفة واضحة في الحب ، حيث يظهر المؤلف رغبة جامحة لدي شاهندة كي توقع بابن النخاس في حبائلها انتقاماً منه ، والانتقام بالحب عقدة باريسية تتكرر في أعمال الكتاب الفرنسيين ، ونجدها أيضاً في ( دعاء الكروان) لطه حسين ؛ الذي نقلها بدوره عنهم ، وقد لاحظت أنها هنا ترد في إطار قدري مفروض على بطلة الرواية:" نعم، هذه هي المشكلة ، فحبيب ابن قاتلي فكيف أعشقه هذا هو قدرنا"(7) وفي موقع آخر من الرواية : " ظلت شاهندة تفكر في هذا المشهد ، مشهد محمود وهو يقف أمامها يرغبها ولكن لن ينال مني ذلك الشاب الذي سجن أبوه حريتنا ، سأجعله يدفع ثمن جريمة أبيه، سأقتله بحبي وجسدي الثائر وسأجعل منه أضحوكة القرية كلها".(7)

( )
هذا هو الإطار العام للرواية ، وهذا هو أسلوب راشد عبد الله في سرد جانب من الموروث الشعبي المتعلق بحياة البحر ، ونحن لا نعوم في الرواية صوراً من قسوة الحياة آنذاك ، يصعب أحياناً تصديقها ، لكن قانون البحر كان فوق الجميع وتجاوز قيمه وعاداته وتقاليد وأعرافه جريمة كان يعاقب عليها أحياناً بالقتل ؛ وقد سرد المؤلف واحدة من القصص المقحمة على البناء الروائي ؛ لكن المعبرة في ذاتها ، لو تم تناولها كجزئية أو كوثيقة من وثائق الحياة الاجتماعية آنذاك.
يقول راشد عبد الله : "قلّ الماء من السفينة وأمر النوخذة بتقسيم ما يقي من ماء وكان نصيب كل فرد في اليوم الواحد فنجاناً فقط بينما هو كان يشرب من الماء دون حساب ولم يتقيد وكنا نبلل التمر بماء البحر قبل أن يوزع علينا وتسلل السبيل الموجود بالسفينة ذات يوم وتحت وطأة الجوع والعطش سرق بعض التمر وشرب بعض الماء وقبض على الرجل متلبساً بهذه الجريمة فإذا حدث أيها السادة ؛ جاءوا بالرجل فوق السفينة وأمر بربطه في الساري وجمع الرجال ليشهدوا هذا المشهد اللعين ثم أمر بجلده ثم أمر بكيه بالنار ثم أمر النوخذة بربط بعض الحجارة في رجليه والقوة بعدها في البحر"(8)

هــــــــوامش
(1) رواية شاهندة / ص3 .
(2) انظر صفحة 8 وما بعدها في الرواية.
(3) ص27 – الرواية .
(4) ص29 – الرواية.
(5) ص31 – الرواية .
(6) ص52 – الرواية .
(7) ص 47 – الرواية.
(8) ص34 – الرواية.



ذلك الزمان لعبد الرضا السجواني




تعتبر المجموعة القصصية ( ذلك الزمان ) لعبد الرضا السجواني – وهي من إصدارات الإدارة الثقافية في وزارة الإعلام والثقافة من أكثر الأعمال القصصية المحلية تواضعاً من حيث التكنيك القصصي والنضج الفني لكنها – بالمقابل – من أغناها على صعيد التأثر بالموروث الشعبي ( الفولكلور ) ، ولعل اضطراب التكنيك القصصي أثر على لغة المجموعة فجاءت عفو الخاطر ينتابها ضعف في التركيب اللغوي والنحوي، برز كأوضح ما يكون بلجوء الكاتب إلي أسلوب السرد الإنشائي الذي يضع ( الحدوثة ) في قالب مرآوي ، فوتوغرافي منقول عن الواقع بحرفية تقترب كثيراً من أسلوب المقالة.

( )
لكن خاصية النقل أو التصوير الفوتوغرافي المرآوي الذي اتسمت به المجموعة أفادت في نقل جزء من التركيبة الاجتماعية للإمارات أبان عصر اللؤلؤ ، نقلاً يدخل ضمن التوثيق الفلولكلوري لهذه التركيبة، دون أن يغوص الكاتب إلي أعماقها ، محللاً أو موظفاً المأثور الشعبي لخدمة البناء الدرامي للقصص ، لذا يمكن الاكتفاء في التعامل مع هذه المجموعة بالبحث عن المأثورات الشعبية الواردة في السياق وهي كثيرة على أي حال وقد تنبهت مقدمة المجموعة التي كتبها وكيل وزارة الإعلام إلي هذا فأشارت إلي أن هذه القصص ( ليست إنجازاً ولكنها محاولة ) ، كما أكد الكاتب نفسه توجهه هذا بالإهداء الذي جعله ( إلي كل جيل يتوق لمعرفة ماضي أجداده المؤلم الشجي وغلي كل من عاش الماضي وقاساه وإلي أولئك البائسين والمنكوبين بذلك الدهر )..

( )
يتردد صدي حياة البحر في كل قصص المجموعة تقريباً ، فقصته الأولي ( دموع من الماضي ) تسرد وبشيء من التقريرية حواراً بين شاب وشيخ ، موضوعه تجربة الشيخ في البحر ، ومع أنّ الحوار لا يحمل في مضمونه رمزاً معيناً إلا انه يقدم للقارئ ( معلومات ) ذات طابع تراثي ... وتاريخ ( الحدوثة ) يعود إلي ثلاثين سنة – كما يرد على لسان الشيخ – عندما كان الشيخ ( سيباً ) على متن سفينة ضخمة – ويعرّف لنا القاص معني السيب ، عندما يقول على لسان الشيخ ( كنت سيباً في سفينة غوص أمسك الحبل الذي ربط طرفه برجل صديقي حمد الغائص ليعانق بصدره كل الأخطار ليحصل على المحار)... ويصف لنا القاص معاناة ( الغيص ) فيقول ( وتتشقق أصابعه وهو في أرض الأعماق ، يخترق تلك النباتات البحرية التي كأنها عفاريت واقفة) ثم نعرف من السياق أنّ رجل صاحبه حمد علقت بين الصخور وعرفنا أيضاً أن لهذه الصخور اسم خاص يعرفه العاملون في الغوص وهو (الحجارة الماسكة) وهذه تفتك بالغواصين لأنها ( تمسكهم حتى تثقب قراب أنفاسهم تحت الماء فيهلكون )... ويتابع القاص سرد هذه الواقعة التي كانت تشكل خطراً يومياً على الغوّاصين ، فنعرف أن ( السيب ) يسارع إلي إنقاذ (الغيص ) بمجرد أن يتلقي إشارات معينة بالحبل يتعارف عليها ... ونهاية القصة معروفة ، حيث يغوص السيب لإنقاذ زميله ولكنه يصاب بجرح في قدمه وسرعان ما تجذب الدماء الحمراء (جرجوراً ) إلي الموقع ، فيهاجم الجرجور القدم المجروحة ويقطعها ، لكن بطل القصة ينجح في الصعود إلي ظهر السفينة ، ثم نعلم أن حزن صاحبنا يعود إلي أن صاحبه قدمات في عملية أخري ، ويصف لنا القاصي بالتفصيل هذه العملية ، منبهاً إلي أن السفن كثيراً ما كانت تغرق وتموت بسبب الدوامات البحرية، باستثناء تلك التي يقودها (نوخذة) علي دراية وحيلة وممارسة وتجربة.

( )
تتميز القصة القصيرة الحديثة دائماً بالضربة الموباسانية الأخيرة ، كما يشترط فيها التكثيف والإيجاز وهذا مما لا نجده في هذه القصة لأنها في الإطار الفني الموضوعة فيه لا تهدف إلي أكثر من تعريف القارئ بجانب من حياة ( الغيص ) إبان ازدهار مهنة البحث عن اللؤلؤ ، وهذا الهدف نراه مجسداً في مواقع أخري من المجموعة حيث يصف لنا القاصي عملية الغوص مع مسمياتها (الفولكلورية) وأهمية كل عنصر فيها مثل ( الغيص ) و (السيب) و ( النوخذة ) وغيرهم ولكنه لا يلجأ إلي توظيف العلاقة الاجتماعية التي كانت تربط بين هؤلاء لإضاءة جانب أعمق من حياة الناس آنذاك، ومن ثم لا يحتمل القاصي هذه (الحواديت) إسقاطاً معاصراً ...

( )
وإذا كنا قد رأينا وقفات مطولة في ( شاهندة ) لراشد عبد الله عند ( النخاسة ) التي كانت تسود آنذاك ، فنحن لا نعدم أن نجد إشارة إليها أيضاً في قصة ( البحث عن السراب ) وهي القصة الثانية في مجموعة السجواني ، والسراب هنا ليس إلا حدثاً يسرقه قطاع الطرق ليبيعوه في أسواق العبيد ، أما الباحثة فهي الأم التي تسرد قصتها بالتفصيل الممل .

( )
في قصته الثالثة ( وقدم الخير ) يعرفنا القاص بمهنة غريبة عرفها الناس أبان عصر اللؤلؤ وأصبحت جزءاً من الموروث الشعبي ، تلك هي مهنة ( صيد الجراد )وتحميصه أو قليه ، ويقدم القاص لقصته بتوطئة تفيد أن بطله يلجأ إلي صيد الجراد لأنه لم يتمكن من ركوب البحر الهائج ، ويصف لنا القاص عملية صيد الجراد بشعفة ( يضرب بها الجرادة فتقع مغشية عليها ) أو ( يمسك القماش والعصا يصطاد الجراد بالقماش وهو في أماكن تجمعه ) ثم تبدأ عملية قلي الجراد بالزيت والملح والفلفل بعد أن تقتطع أرجله الشوكية وأجنحته الشفافة (فبدا لحماً خالصاً) ... وينهي القاص ( حدوته) بتزويج بائع الجرائد من فتاة سمراء كانت قد اشترت منه ثم يقول : ( فيالها من نعمة طالما ملأت بطونا وأشبعت جياعا وفرجت عن كرب أنها نعمة من السماء).

( )
لقد كانت مهنة ركوب البحر هي عماد حياة الناس فيما سمي بعصر اللؤلؤ، ويمكن القول إن جميع المهن الأخرى في الداخل ارتبطت بحياة البحر ، بشكل أو بآخر ، سواء صيد السمك أو صناعة المراكب الخشبية أو الحدادة أو السقاية وحتى مهنة ( الحواية) أو الصيدلة ، كانت تتأثر كثيراً بحياة البحر ، فإلي جانب استخلاص شحوم الأسماك وزيوتها لطلي المراكب الخشبية وتشحيمها كانت هناك عقاقير خاصة بعلاج الأمراض التي يصاب بها ( الغاصة )، مثل (الأسمطة) أو تشقق الجلد .. وها نحن نري هنا كيف أن صيد الجراد مثلاً كان تيم على هامش ركوب البحر وفي الأوقات التي يصعب فيها الغوص على اللؤلؤ.

( )
كانت لمهنة ركوب البحر عاداتها وتقاليدها وقيمها آدابها ، وقد أشرت إلي ذلك في معرض حديثي عن رواية ( شاهندة ) لراشد عبد الله حيث نقلت تصويره الحي لعقاب البحار الذي يكسر هذه الآداب في عرض البحر فيحاول أن يشرب اكثر مما هو مخصص له ... وكان عقابه الموت ... أما في قصة (شريعة البحر ) للسجواني فهناك وصف لعقاب البحار
والكور (الكوار) قد احتضن بريق الشاي الفضي بتساؤلات غاضبة حول ما أشيع من أن النوخذة طلي ( الدعن ) .. وتبدأ القصة بتساؤلات غاضبة حول ما أشيع من أن النوخذة (قحطان) قد أمر برمي أمهر بحارة الحي في البحر ونعرف في النهاية أنه فعل ذلك رغماً عنه ولتجنيب الآخرين الإصابة بالعدوى.

( )
من قيم البحر التمسك بالسفينة التي يمتلكها الإنسان والتي تعادل الأرض بالنسبة للمزارع ، وقصة ( الجزاء العادل ) تهدف إلي تصوير الخزي والعار الذي لحق بالأب الذي باع سفينته وأنفق الأموال في الهند أما في قصة (وأضاءت الشموع) فنتعرف علي حالة أب كهل سافر أبنه منذ سنوات طويلة في البحر ولم يعد إلا في نهاية القصة وعن طريق مصادفة لا يمكن أن تقع إلا في قصص السجواني، حيث يلتقي بطل القصة برجل كهربائي ، فيستضيفه ويحدثه عن سفر ابنه منذ سنوات طويلة ، وقبل أن ينهي قصته يسمع طرقاً علي الباب ونكتشف أن الابن لم يختر وقتاً آخر للعودة إلا في نهاية الحكاية التي يسردها الأب للضيف ، وعلى الرغم من سذاجة البناء الفني للقصة إلا أنها تصور جانباً من حياة الأسفار آنذاك، بحثاً عن لقمة العيش ، بخاصة عندما كسدت أسواق اللؤلؤ.

( )
حكايات البحر كثيرة ، في هذه المجموعة ، وهي ترد دائماً في إطار المصادفة أو الشرح، كما هو الحال في قصته ( الأمل المحترق ) التي تصور معاناة امرأة هاجم الجرجور زوجها وقطع رجله ، أما قصة ( زائر من السماء ) فيمكن اعتبارها مقالة في صيد الحيتان واستخراج العنبر من داخلها ثم الدخول في جوف الحوت بحثاً عن العنبر فضلاً عن استخدامات أخري له يوردها القاص على النحو التالي: ( أن الحوت ضخم سمين شحين\م ، انهم ليستخدمون كل الوسائل من أجل تقطيعه للحصول علي شحمه الذي يستخدمونه كطلاء لسفنهم بعد أن يمر بمراحل عديدة من المعالجة).

( )
في المجموعة إشارات أخري تتفاوت طولاً لعادات وتقاليد عرفها مجتمع الغوص علي اللؤلؤ مثل ( السقاية )، حيث عرفت هذه المهنة في المنطقة على نطاق واسع واحترفها كثيرون ، كانت مهمتهم نقل المياه العذبة وبيعها ، وقد وردت الإشارة إلي هذه الحرفة في قصة ( ظمأ ولفح ) في إطار وصف معاناة قرية ظامئة تسعي لإيجاد الماء لدي سقاء بقيت لديه بعض البراميل المحجوزة للمحظوظين .. وفي قصته ( رماد قلب ) وصف مطول لمهنة المطاوعة ( الكتاب ) والتقاليد المرتبطة بالمطوع ، واشتهاره بالقسوة والغلظة واستخداماته للفلقة وتكررت الإشارة إلي المطوع ، واشتهاره في قصته ( آهات الاضطهاد) التي تدور كلها حول قسوة المطوع علي طفل عصي أمره .. ولا تعدم في المجموعة إشارات إلي عادة الزواج من رجل كهل ، أو عادة بناء المنازل ذات الأبراج ( البادجير ) التي كانت بمثابة مكيفات طبيعية للهواء 0 انظر قصة غفوة الطمأنينة) ثم عادة بناء الخيام من سعف النخيل ، وعادات صب القهوة وشربها من ( الدالة ) علي مقربة من ( الكوار) وحتى أوصاف الحلي النسائية الشعبية مثل ( الزري ) تجد لها ذكراً في المجموعة ( أنظر قصة الأمل المحترق ) – والزري خيوط لماعة بلون الفضة والذهب تزين بها النساء ثيابهن وسراويلهن.

( )
أطرف ما في المجموعة القصصية لعبد الرضا السجواني فصل الحكايات الشعبية التي أوردها في قصتين الأولي بعنوان ( من الزمان البعيد ) وتتضمن ثلاث حكايات شعبية عن الجن والثانية بعنوان ( البئر المسكونة )، ومن الواضح أن القاصي لا يورد حكاياته الشعبية ضمن سياق فني وإنما يسردها كما سمعها ليس إلا ، بحيث نستطيع إخراج هذه الحكايات من المجموعة وإدراجها ضمن بحث خاص توثق فيه مسموعاتنا عن الحكايات الشعبية المتداولة باعتبارها من المأثور الشعبي الشفاهي .. ، وحكايات الجان كثيرة ، ومعروفة في آدابنا العربية وقد أفرد الجاحظ في كتبه حكايات كثيرة عنهم وجعل لهم في كتابه (الحيوان) مراتب حين ذكر أن الأعراب ( تجعل الخوافي والمستجنات من قبل أن ترتب المراتب جنسين يقولون جن وحن بالجيم والحاء كما يتطرق الجاحظ في كتابه المذكور إلي مسألة تزاوج الجن والإنس ويورد عن ذلك حكايات شعبية كثيرة).

( )
قصص الجن كانت تحكي للأطفال كما يذكر السجواني من أجل تسليتهم ومساعدتهم على النوم، وقد أورد القاصي قصة الجني المقيد بالسلاسل الذي يجول في المغرب حتى الفجر بأزقة الحي لتخويف الأهالي ، كما أورد – علي لسان الجدة - قصة أو حكاية امرأة جنية ذات شكل آدمي تفوح منها رائحة العطر الذكية التي تجذب الشبان إليها لتغريهم بالزواج ثم تقتلهم .. والحكاية الثالثة عن الجني الضخم الذي يعيش في أعماق البحار ويتصدي للغواصين ، أما (البئر المسكونة ) فنموذج متكرر من الحكايات الشعبية التي تنسج خيالاً حول واقعة حقيقية اتسمت بالغرابة.

( )
إن قارئ المجموعة القصصية ( ذلك الزمان) لا يستطيع أن يخرج تقنياً وفنياً بأي إنجاز ، ولا يستطيع أيضاً أن يضع المجموعة في موقع متقدم من مسيرة القصة القصيرة في الإمارات، ولكنه سيسعد بالتعرف علي عدد من المأثورات الشعبية السائدة ، أوردها الكاتب في إطار مقالات ذات طابع قصصي ، فلا هو وفق في إنضاد مقالة عن هذه المأثورات ولا هو ينجح في جعلها عناصر لبناء قصصي وكان من المحتم وهذه الحالة أن ترد هذه المأثورات عفو الخاطر، دون أن توظف فنياً كما يجب.


قصص عبد الحميد احمد

 

النموذج الحي والمتطور لعملية توظيف المأثور الشعبي في القصة القصيرة في الإمارات يتمثل حتى الآن في ثلاث مجموعات قصصية هي ( السباحة في عيني خليج يتوحش)و (الفرصة الأخيرة ) ثم ( حب من نوع آخر ) ، فهنا الموروث الشعبي لا يرد عفو الخاطر وإنما في سياق بناء قصصي ، درامي ، ناضج ، تنفد معه الإشارات التراثية إلي الأعماق ، وترقي إلي مستوي الرمز في أحيان كثيرة.

( )
في المجموعة الأولي ( السباحة في عيني خليج يتوحش) لعبد الحميد أحمد إشارات كثيرة لحياة البحر وصراعات البحارة مع النواخذة وهموم صيادي السمك فضلاً عن الإحساس المفرط بأن البحر هو مصدر الخطر ، كما تكثر في القصص الألفاظ الفولكلورية كل ( العقال) و(الفترة) مع نموذج من الشعر الخليجي يورده في السياق ووصف للباس المرأة، لا بل أنك تجد أكثر من عشرة هوامش تتضمن شروحات لعادات أو تقاليد أو ألفاظ فولكلورية من صميم البيئة الشعبية في الإمارات ولنتوقف عند كل هذا بالتفصيل.

( )
القصة الأولي في المجموعة بعنوان ( قالت النخلة للبحر ) وأقانيمها ثلاثة، البحر والنخلة والإنسان، ومن خلال هذا الثالوت يسقط القاص على أرضية قصته معادلة الماضي والحاضر والمستقبل ، بما يعني أن استدعاء الموروث الشعبي والمظاهر الطبيعية المرتبطة به مثل البحر إنما يتم في إطار معالجة الواقع أو الحاضر ضمن رؤى مستقبلية قد تغيب في بعض القصص وقد ترد أن يحسن القاص توظيفها لكنك تشعر بها علي أي حال.

( )
البحر في هذه القصة ، وما يليها من قصص كائن حي ، فيه نوازع الخير والشر وهو مصدر الحياة لسكان المنطقة ، لذا كان لابد أن ترد حياة البحر في الديالوج الذي نجده بين البحر والنخلة ، ومن القصة نعرف أن صراعاً ما كان يقوم بين البحارة والنواخذة الذي ( حرق صدر وظهر البحار خلفان لأنه خبأ في العام الماضي لؤلؤة ) ومن القصة نشعر أن استدعاء عصر الغوص على اللؤلؤ في القصة يرمي إلي إبراز هذا الصراع فيما يشبه جانباً من جوانب المشكلة الاجتماعية آنذاك حتى يمكننا القول أن مجتمع البحر عرف شيئاً من الصراع الطبقي الذي نجده في المجتمع الرأسمالي ، وكان النواخذة دائماً يمثل الجانب المستغل ( بكسر الغين) ، فضلاً عن السلطة ، لذا كانت ترتبط معظم المآسي الاجتماعية آنذاك بهذا المتسلط المستغل الذي ( طلب من سالم أن يغوص مرة بينما كان مريضاً لا علاج له وسط البحر والحريق ولكنه أصر فغاص ليبقي تحت الماء طويلاً ولما أخرجوه وجدوه نصف جسد فعاد النواخذ ورماه إلي الماء والسمك مرة أخري رغم توسلات رفقائه).

( )
التعاطف الحي للبحر مع الإنسان – رغم أنه مكمن الخطر دائماً – نلمسه بوضوح في كتابات عبد الحميد أحمد ، الذي يوظف كل عناصر البيئة ليدين حقبة كان يمثلها النواخذ ، لذا جسد البحر في صورة إنسان ، وجعله ارحم على سالم من النواخذة نفسه ، حيث يكون البحر شاهداً علي جريمة النواخذة عندما يقول : ( إني أذكر ذلك ، رموه إليّ ، وقد وجدته بلا ساقين ولا عينين فاحتضنته في القاع حتى ذاب في الماء والرمل ولو كنت أعلم أن هناك من ينتظره لكنت قذفت به إلي الشاطئ ).

( )
حياة التسلط هذه صبغت مجتمع الغوص على اللؤلؤ وأعادت تشكيلة المجتمع حيث خضعت معظم المتغيرات الاجتماعية لها، فسلمي تزوجت من النواخذة في إطار صفقة بين أبيها وبينه ، بعد أن عجز عن تسديد الديون ، ومن خلال هذا النسيج بين الماضي والطبيعة ، يرسم القاص ملامح الحاضر على لسان شاب ( يعمل موظفاً براتب أسكن وحيداً في منطقة تعبح بالصخب والضجيج... ... الخ ).

( )
في قصة ( عطس النخيل ) التي تدور حول سائق أجنبي يدهس طفلة صغيرة ، تصوير آخر لجانب المعاناة ، مقرون بإلماعات ثورية لم توظف بشكل مقنع إذ لن يتعاطف القارئ مع محاولة قتل السائق على هذا النحو لكن القصة غنية بالإشارات الفولكلورية .... العقال ، الفترة ، السفر والغوص ( وما بينهما من عناء وحنين ) ثم التوظيف الحي لبيت شعري خليجي ( دور لجرحك دوا ما من دوا ببلاش) والمرأة التي ( في ثياب سوداء تحاول أن تحتفظ بعباءتها فوق رأسها) .

( )
ديالوج ومونولوج يتابعهما القارئ بين عهدين ، صيد السمك وعصر البترول مع تصوير حي لسوق السمك ، والسماكين ، والباعة المتجولين ، والحنين لأيام خلت ، كان فيها رشدان بائعاً للسمك ثم أصبح ( ناطوراً ) ، ومن خلال هذا الديالوج والمونولوج تلمس إشارات كثيرة فيها إدانة للحاضر.

( )
في قصته ( السباحة في عيني خليج يتوحش ) إعادة لطرح موضوع البحر ، مصدر الحياة والموت ، كانوا بالأمس يذهبون إلي البحر فتغيبهم أمواجه ، وهم اليوم لا يذهبون إليه بل يأتي هو إليهم – فتغيبهم أمواجه أيضاًَ ... ومع ذلك فالبحر برئ، والعلاقة الجدلية بين الإنسان والبحر تظل الهامش الذي يتحرك فيه القاص والهاجس الذي يبني عليه معماره القصصي.

( )
صورة من صور البؤس يوردها القاص في قصته ( منشور ضوئي ) ويرسم ملامح هذه الصورة بعناصر البيئة أيضاً ، الأطفال الذين يلعبون في ظلال ( الصندقة) – ويشرحها في الهامش – ثم بحثهما الدؤوب عن مجلات أو لعب مرمية في ( الصنية ) – ويشرحها أيضاً – ثم كشف لطموحات أحدهما كلمة غير واضحة ( هافا ) – ويشرحها كذلك – ومن خلال إيحاء بالصراع الطبقي – الإشارة إلي العمارات – ينهي القاص الحكاية باستيلاء ابن العمارة علي ( الهاف ) وتساؤل أحد الأطفال عن معني كلمة ( القهر ) التي سمعها ليلاً من أبويه.

( )
في هذه القصة توظيف ناج لعناصر الحارة الشعبية ومفرداتها – المشروحة في الهامش – في سياق إشارات غير مباشرة للصراع الطبقي المحتدم بين سكان العمارات وسكان الصندقة ، ولعلنا نأخذ على القاص هنا تورطه في اختيار الأطفال كرموز لهذا الصراع ، وكان الأولي أن يكونوا – حتى الطفل البدين ابن العمارة – النقيض للصورة التي رسمها للواقع من باب أن الجيل الجديد هو البشارة دائماً .

( )
في قصصه السبع الأخيرة لا يرد المأثور الشعبي أو عناصر البيئة الشعبية في شكل ظاهرة موصوفة ، ولكن يرد المأثور الشعبي في صورة مفردة غالباً ما يشرحها القاص في الهامش ولو لم يفعل ذلك لأغلقت القصص على كثيرين ـ ومنها مثلاً ( الذغة ) – من أحياء دبي القديمة – وهذه يرد ذكرها في قصص محمد المر أيضاً و ( الباتان ) و ( العبرات ) – القوارب المستعملة في دبي لعبور الخور – و( الهاف ) – وهو اللباس الداخلي والغترة والعقال – رمز المحلية – و( العسبج) – نبات صحراوي يخرج سائلاً أبيض ساماً – والزك – وهو البراز – والصندقة – الغرفة الخشبية – والصينية – مكان القمامة والوهيلة – وهي اسم موقعة محلية قديمة وقعت في دبي عام 1938 و ( طوي ميثا ) – بئر في أطراف دبي – والتبانة – ساق المرأة والخرافة ( وهي قفة من سعف النخيل كان يوضع فيها البلح و ( الصافي ) وهو من أصناف السمك.

( )
لقد وظف القاص هذه الألفاظ الشعبية لتلعب دور الرمز وتضفي علي أجواء القصص محلية أرادها أن تتوازي مع تصويره اللاهب لصخب العصر وضجيج الحياة في الإمارات ومن خلال هذا التوازن نجح القاص في معالجة قضايا محلية وإنسانية دون اللجوء إلي المباشرة في وصف البيئة أو الموروث الشعبي ، والذي رأيناه في قصص السجواني ، من هنا أمكن للقاص أن يتجاوز ما عجر السجواني عن تجاوزه، وأعني به الوقوع في محذور كتابة مقالة قصصية وليس قصة ترقي في تكنيكها وتختزل الظاهرة في لمسات ابعد ما تكون عن السرد المباشر ، وهذه احدي سمات القصة الحديثة التي تقترب من جو القصيدة.

( )
ويبقي تساؤل واحد حول السر في تلاشي ذكر البحر والنخيل في القصص الأخيرة من المجموعة ، بينما حولهما نسجت خيوط القصص الأولي وأظن أن هذا التساؤل سيظل قائماً إلي أن نجد الإجابة في عمل جديد وعلي ضوء ذلك يمكن أن يكون الحكم.

 

قصص محمد المر

 


تتمثل المحلية بمفهوميها الجغرافي والبشري كأوضح ما يكون في مجموعتين قصصيتين بعنوان (الفرصة الأخيرة ) و ( حب من نوع آخر) لمحمد المر ، وفيهما يحقق القاص أكثر من معادلة تميزه عن باقي كتاب القصة في الإمارات .

• فهو يلجأ إلي تصوير الواقع تصويراً فوتوغرافياً حياً دون أن يقع في مجانية السرد المباشر التي رأيناها في قصص المجموعة ( ذلك الزمان ) ودون أن تتحول القصة بين يديه إلي مقالة وعظية.
• وهو في تصويره للواقع يبتعد عن التجريد الذي رأيناه في بعض قصص المجموعة ( السباحة في عيني خليج يتوحش ) ، ويقدم لك ( المحلية ) بعفوية وصدق ، بعيداً عن التدخل الواعي في مسار الأحداث.
• وهو في محليته الخاصة جداً يرسم الملامح الجغرافية والبشرية لمدينة دبي ، تساعده في ذلك قدرته على التصوير والوصف فضلاً عن معرفته الواسعة بتاريخ المنطقة وإحاطته بعوامل التغير الاجتماعي التي كانت وراء الهجرة والهجرة المضادة من وإلي دبي، وانسجاماً مع متابعة الصورة المحلية التي يرسمها لدبي رأيناه يسعي أثر بعض أهلها ممن يسافرون إلي الخارج ، فيرسم بالدقة نفسها الأماكن التي يزورونها.
• وهو لا يكتفي في تصوير البيئة المحلية علي الذاتي والشخصي جداً ، بل خرج إلي دوائر أوسع ، في إشارات غير مباشرة ذات علاقة بالطبيعة الإنسانية ، ولكنك مع هذا لا تشعر بأنه يرغب في لعب دور الواعظ.

( )
ومع كثرة ما تتضمنه المجموعتان من موروث شعبي إلا إنك تعجز عن رصد هذا الموروث رصدا إحصائيا لأن القصص مجبولة به ، على كل صعيد ، فأنت تجد وصفاً دقيقاً للحارات الشعبية في دبي قد لا تجده في الكتب التي أرّخت للمدينة ( الشندغة ، هور العنز ، ديره ، فريبج الضغانية ، السبخة ... الخ ) ثم تجد وصفاً للزواج وعاداته ووصفاً لبعض الاحتفالات الشعبية مع نماذج من أغاني الأطفال وألعابهم وتجد كذلك وصفاً لطريقة صنع البراجيل وأسماء عديدة لأمراض شعبية مع طرق علاجها وتجد وصفاً للطرق المتبعة في نقل البضائع من البواخر إلي الميناء وهناك ما يشبه الدراسة عن العلاقات الاجتماعية بين كل فريج وآخر ولا تعدم إشارات لهموم العمال العرب مع مرؤوسيهم الإنجليز ، وهناك المالد وأكل الهرب وطريقة نصب الخيم وإشارات لعملية الحجامة ومعالجة الجدري واستخدامات الزنجبيل وعلاج اللدغ بالكي ومهنة الدلالة وأغاني البحارة والعلاج بالأدعية مع وصف حي لرحلة صيد سمك وما يتعرض له الصيادون من مشاكل .
وبكلمة أخري ، أنت حيال موسوعة في تأريخ وتوثيق الموروث الشعبي تكتفي أحياناً بإشارات عابرة وتطنب أحياناً أخري في الشرج والتحليل والوصف دون أن تفقد الحد الأدنى من متطلبات التكنيك القصصي.

( )
في قصته الأولي ( الفرصة الأخيرة ) ... والتي تحمل اسم المجموعة – يعدد القاص أنواع السمك المشهورة في الإمارات دون أن يشعرك بتطفل هذه الفقرة على السياق حيث ترد في موقعها تماماً في إطار وصفه للحياة اليومية الرتيبة التي يعيشها بطل قصته ، والتي تمر يومياً في أسواق اللحم والسمك والخضروات والفواكه في ديره – وهي احدي أهم متعة – فهو – أي بطل القصة حمد – خبير في الأسماك ( يفضل الزريدي والخباط والشعري وكيره الهامور ويمقت بشكل خاص الحلوايوه والبياح وهو يحب الأسماك التي تصاد بشباك القرقور ويشمئز من أسماك الحدق التي تصاد بالصنارة).

( )
في هذه القصة معالجة دقيقة لمشكلة اجتماعية مستشرية وهي زواج الكبار من أجنبيات ، ولكن القاص يقوم المشكلة في إطارها الموضوعي والإنساني فيصف الحياة اليومية الرتيبة التي يعيشها بطل قصته، ثم إحساسه بالوحدة وشعوره بإنسانيته المتجددة مع عروسه الجديدة واختياره أسلوب الانتحار كخاتمة لمشكلة يصعب حلها .. ففي هذا الإطار الحي من المعالجة الدقيقة يتوقف القاص عند ملامح البيئة من حوله ويشخص لك كثيراً من ظواهرها ( السفر إلي الهند مثلاً ) ثم يعرج في وصفه على عادات شعبية طواها النسيان دون أن يقحمها علي السياق بل يعطيها فرصة التسلل بمشروعية إلي البناء الدرامي لتصبح من نسيجه.

( )
مثلاً .. وردت في مجموعته المذكورة إشارات لأمراض شعبية معروفة، مع علاجها ... ففي القصة الأولي يلتقي حمد مع أحد معارفه في الهند ويدور بينهما حوار الذكريات علي النحو التالي :
- لماذا أتيت للهند ؟
- لكي أتفرج.
- ها ، تتفرج ، كل الناس الذين يأتون هنا يتفرجون ولكنهم أيضاً يؤمنون مصالحهم مع الفرجة ، أين تسكن في دبي ؟
- أنا حمد بن سالم من الشذغة.
ينظر إليه وهو يحاول التذكر ثم تتهلل أساريره ويصيح :-
- المريض ؟
- ماذا ؟
- المريض ، المريض! كنت أعمل بحاراً في ( بوم ) خليفة بن سهيل وكنت مع زملائك مسافرين معنا لتعملوا في الكويت أصابك مرض (بوصفار) عشرة أيام ، مررنا بقطر والبحرين وأنت لا تأكل شيئاً وعيناك بلون الكركم هزلت وأصبحت لوحاً ، في الكويت أخذناك إلي أحد صاغة الفضة العمانيين الذي كان يتعاطي الطب الشعبي فكواك وعلي أثر الكي تعافيت).

( )
في قصة ( أيام حارة ) ، يلعب ثلاثة صبية في الخور ويصاب أحدهم بمرض جلدي يرد ذكره في إطار حوار بين الصبية:-
- أنظر إلي ظهر أحمد مثل ظهر التمساح .
ضحك أحمد :
- هذه حبوب ( الحرار ) إذا حككتها احمرت وزادت اله يلعن هذا الحر).
- وفي القصة نفسها إشارة إلي مرض السعال الديكي ( بوحمير ) مع وصف لعلاجه (قال سالم : أخي الصغير مريض بالسعال الديكي ، يقولون أن مرقة سرطان البحر مفيدة له ، لنفتش عن أحدها .... الخ ).
في قصة ( الأب والابن ) – وهي من مجموعة ( حب من نوع آخر ) يرد ذكر ( الحجامة ) علي لسان طفل يصف جانباً من حياة الطفولة ، ومشاهداته في عصر كساد تجارة اللؤلؤ في الأربعينات .. وذكر الحجامة يأتي في إطار وصف الطفل لوالده على النحو التالي: ( في صباح يوم شتائي مشمس في زاوية منعزلة بالقرب من سوق السمك المجفف كان عيسي يراقب والده وهو يحتجم عند أحد الحجامين وكان شكل والده طريفاً وقرن الحجامة مركب علي الجزء المحلوق من رأسه، تذكر إحدى حكايات والدته عن الشيطان ذي القرنين ، والده كان يبدو كشيطان له قرن واحد ، بعد أن نزع القرن ، ظهرت ورمة صغيرة في رأس والده ، أخذ الحجام الموسى وجعل يضرب تلك الورمة ضربات
 الموروث الشعبى فى الأعمال الأبداعية لكتاب الإمارات
صفحات من التراث الشعبى الإماراتى و أثره فى الأعمال الإبداعيه لكتاب الإمارات


تتمات

 


فى الحلقة الماضية من هذه الدراسة ــ والتى تحمل الرقم خمسة ــ إختتمت الحديث عن إستخدام الموروث الشعبى المحلى فى الأعمال الإبداعية النثرية التى تشمل القصّة القصيرة والرواية و ضمنت المقالة إستعراضاً لبعض ماورد فى المجموعة القصصية ( الفرصة الأخيرة ) من هذا المأثور , و بقى لزاماً علينا , و كما أشرت التوطئة المنشورة فى الحلقة الأولى أن نتوقف عند الجزء الثانى من موضوع الدراسة وهو الخاص بإستخدام الموروث الشعبى فى الأعمال الشعرية وبعض الخواطر المنشورة هنا وهناك وبذلك تكون الصورة قد إكتملت و أصبحت النتائج طوع اليد .

( )
لكن هذه النقلة إلى الشعر تلزمنى إستكمال ما قطعناه فى الحلقة الماضية تحت وطأة ضيق المساحة والإختصار الذى تتطلبه طبيعة المقال الصحافية , حيث لم نتطرق إلى جميع الأشارات الفلكلورية فى المجموعتين القصصيتين موضوع الدراسة وهما ( الفرصة الأخيرة ) و (حب من نوع آخر ) , و هى كثيرة و متنّوعة ومجبولة بالتكنيك القصصى كما سنرى فى سياق , حيث يرد المأثور الشعبى فى إطار نمو طبيعى و مقنع للأحداث ويتراوح هذا المأثور كما أسلفنا من ذكر العادات و التقاليد إلى وصف الأماكن الشعبية وجعلها محاور مكانية تتواقف مع أزمان القصص , فأنت تجد فى قصص ( الفرصة الأخيرة ) ذكراً لمعظم الحارات الشعبية فى دبى مثل ديرة , فريج الضغانية , السبخة وغيرها لابد أنك تجد وصفاً جغرافياً لخور دبى فى قصّة (من فوق )  " تسلل سالم وجمعة إلى داخل مئذنة الجامع الكبير فى بر دبى  من قمة المئذنة أخذا يتفرجان بحبور على المناظر المتعددة التى لفتت أنظراهما , الخور بلونه الأخضر المشوب بالزرقة والعبرات و السفن التى تملؤه حركة و ضجيجاً , شكله من أعلى كثعبان طويل مستلق , ذنبه فى الخليج ورأسه فى الصحراء , بر ديره ببناياته المرتفعة , بر دبى , السوق القديم , قلعة الفهيدى , المقبرة القديمة  ألخ . " .
( )
يكثر القاص من وصف الأماكن فى إطار بناء قصصى ناضج , بحيث تشعر بمشروعية تسلل هذه الأماكن إلى القصّة بإعتبارها موقع الحدث  ففى قصة ( أيام حارة ) على سبيل المثال كان لابد و أن يذكر القاصى أسم المكان الذى يلتقى فيه الصبية عندما يسبحون فى الخور وكان هذا المكان مبنى الإدارة ويستطرد القاصى معرفاً ( المبنى كائن فى حى رأس بمنطقة الشندغة وقد تحوّل قبل سنة من مبنى مراقبة لدائرة الجمارك إلى ناد أطلق عليه اسم نادى الهلال البحرى ) أمّا فى قصّة ( ماذا قال ورّاد قبل أن يموت ) فيورد القاص وصفاً لحى ( قرطبة ) على لسان بطل القصّة ( أسكن الآن مع صاحبى صالح الذى يعمل حالياً كحارس لإحدى مدارس البنات الإبتدائية فى حى قرطبة فى دبى  حى صغير كلّه بيوت شعبية بنفس التصميم الرتيب ولكن الناس بعد أن سكنوها غيروا أبوابها وتصاميمها الخ ).

( )
إيقاع السفر والتجوال يمكن أن تلمسه فى معظم قصص المجموعتين وهو يعكس واقعاً تاريخياً يرتبط بحياة البحر والتجارة والغوص على اللؤلؤ فضلاً عن الدلالات الإجتماعية التى يتضمنها  وترتبط فى قصص محمد المر عملية السفر والترحال بمشكلة الزواج ، فقد رأينا أنّه يعالج فى قصّته الأولى مشكلة الزواج من الهنديات ، أمّا فى القصّة الثانية ( من فوق ) فالحديث ينصب على زواج النواخذا من امرأة إيرانية فى ميناء بندر عباس  وتكاد تجد فى قصّة ( السر ) وصفاً كاملاً لحفلة عرس تؤدى فيها فرقة ( المالد ) عروضها  مع ما يقدم هذه الإحتفالات من قهوة وشاى حيث ( يدورعلى الجمع شابان يحملان دلال القهوة والشاى ، أتى حاملوا البخور ومراش ماء الورد  الخ ) ويذكر القاص نماذج من أناشيد الفرقة مع وصف لحالة المنشد أثناء الأداء على النحو التالى : ــ


زدنى بفرط الحب فيك تحيرا
وأرحم حشا بلظى هواك تسعرا
كان العرق يتصبب من وجه المنشد الذى أغمض عينيه وهو مستغرق فى إنشاده : ــ
إنّ الغرام هو الحياة فمت به
صبا فحقك أن تموت وتعذرا
باقى أعضاء الفرقة كانوا يقربون دفونهم من أكوام الجمر التى وضعت على الرسل أمامهم ويمسحونها بأكفهم : ــ
فدهشت بين جماله وجلاله
وغدا لسان الحال عنى مخبراً


توظيف العاب الاطفال الشعبية في الاعمال الابداعية

 

( )
يكاد لا يجد المرء دراسة واحدة عن ألعاب الأطفال فى الإمارات ، باستثناء ما ورد فى كتاب ( التراث الشعبى ) ، لذا لا بد وأن يتوقف الباحث عند أى عمل إبداعى يذكر شيئاً من هذه الألعاب فى السياق الدرامى بإعتبار أنّ ما يرد هو جزء من الطموح بعملية مسح ميدانى أوسع لهذا المأثور الشعبى الهام الذى صدرت حوله فى الأقطار العربيّة المجاورة الكثير من الدراسات المطبوعة ، وأظن أن أيّة دراسة قادمة لألعاب وأغانى الأطفال فى الإمارات ستكون ملزمة بالتنويه بالقصّة القصيرة ( خروج ) من المجموعة القصصية ( الفرصة الأخيرة ) لأنها تذكر فى السياق الدرامى نصاً كاملاً لغناء يشترك فيه الأطفال بمناسبة خروج جاسم من السجن.

( )
أغانى الأطفال ترد فى السياق ضمن موقف درامى مقنع ، فأم جاسم تقيم حفلاً بمناسبة خروج أبنها من السجن ، والقاص لا يكتفى بعرض نموذج كامل من أغانى الأطفال والراقصين بل هو يتوقف عند ظاهرة تعرفها الأعراس والمناسبات المماثلة فى الإمارات وهى إشتراك الرجال فى فرق تؤدى رقصات لا يرضى عنها العرف خارج نطاق الإحتفال حتى أنّ النساء ينتقدن ذلك ، فها هى سهام تبتسم وتقول لصاحبتها ( ليتنى أستطيع أن أرقص بمثل مهارته وأتثنّى بمثل ليونته ).

( )
تغنى الفرقة مع الأطفال : ــ
يا عين يودان دانه اللدان هو بالمالوه
المغنى يغمض عينيه ويرفع صوته بفرح
يا عين يوخلى وانته الخليل  هو بالماليه
يا عين صدقت قول المواشى  هو بالماليه
يا عين وادعيت قلبى عليل  هو بالماليه
الأطفال والفرقة : ــ
يا عين يودان اللدان  هو بالماليه  الخ

( )
لا يكاد المرء يذكر ظاهرة إجتماعية أو إقتصادية واحدة عرفها مجتمع الإمارات فى زمن الغوص على اللؤلؤ الاّ ويجدها فى قصص المجموعتين وقد وردت فى سياق قصصى واقعى يُعنى كثيراً بتوثيق الظاهرة فى ذات الوقت الذى يستفيد فيه البناء الدرامى من إيرادها ، فأنت تجد فى قصّة ( أيام حارة ) وفى معرض وصف الحياة اليومية للصبية الثلاثة سالم وأحمد وعلى إشارة على ( البراجيل ) و ( المهاف ) المصنوعة ( من أكياس الطحين أو خيش الفحم ) وفى القصّة نفسها تجد وصفاً دقيقاً لعملية نقل البضائع آنذاك باستخدام سفينة صغيرة بمحرك تجر وراءها شاحنة مملوءة بالبضائع  الأولى تسمّى ( تلك ) والثانية ( دوبة ) ويردف القاص ( تلك كانت الطريقة الوحيدة لنقل البضائع من البواخر التى لا تستطيع دخول الخور الضحل فترسو بعيدة عن الشاطىء وتذهب لها ( التكات ) و ( الدوب ) لكى تنقل منها البضائع إلى منطقة الجمارك ).
( )
فى قصّة ( يوميات كئيبة وحزينة ) أكثر من ميزة واحدة  فهى ــ على صعيد المضمون ــ غنية بوصف دقيق لدبى والعادات الإجتماعية فيها فى الفترة من 6 أكتوبر 1954 إلى 2 نوفمبر 1954 وهو وصف يرد على لسان لارى وايلد وهو شاب بريطانى جاء إلى دبى للعمل فى إحدى الشركات الإنجليزية وفقد فيها ولم يعثر المحققون إلاّ على مذكراته التى نشرتها جريدة التمايز عام 1954  القاص محمد المر يقدم شكلاً جديداً لقصّة من خلال ترجمة الوثيقة أو المذكرات  وهى تحمل الكثير من الدلالات الإجتماعية والسياسية التى ــ من المؤكد ــ أن القاص أراد توصيلها للقارىء.

( )
الإشارة إلى مرحلة من تاريخ المنطقة تواجد فيها الإنجليز ترد أيضاً فى قصّة ( جنسيّة ) وفيها يصف القاص شعور المواطنين حيال المستعمر فى نهاية الأربعينات ( عندما أرادت الحكومة الريطانية أن تنشىء مدرجاً للطائرات فى ديرة فعمل كثير من المواطنين فى تسوية الأرض بجهودهم العضلية وبدون ألات ).

( )
فى قصّة ( ماذا قال وراد قبل أن يموت ) يستنطق القاص كلباً محلياً من دبى ، ويصوّر من خلال ذلك حالات إجتماعية كثيرة سادت آنذاك  ويتطرق إلى وباء أصاب حيوانات المنطقة وأشار إلى ردّة فعل الناس آنذاك  وحمّل القاص هذا الإستنطاق الكثير من الرموز الشفافة فوصف لنا الكثير من العادات والتقاليد السائدة  وأستغرق أهتمامه بوصف حى ( الشندغة ) عدّة فقرات ويلاحظ أن القاص حريص على ذكر هذا الحى فى معظم قصصه  فهو يفعل ذلك فى قصّة ( السر ) من خلال عرض حى ومؤثر لشخصية سليمان الأحمر.

( )
بكلمة أخُرى فإن مدينة ( دبى ) تجدها حيّة بجغرافيتها البشرية فى قصص محمد المر ، وقد أعطى الموروث الشعبى الذى لا يستخدمه القاص بكثرة فى السياق حيوية للشخوص وواقعية للأحداث ، حتى أنك لا تستطيع أن تفصل الموروث عن الحدث أو عن الشكل ، فكل ذلك تداخل فى إطار العمل القصصى ، وحمل بالتالى جزءاً من مكوناته وعناصره 00 ومن المسلّم به أن القاص غير معنى بتوظيف المأثور الشعبى ليلعب دور الرمز ــ كما لاحظنا فى بعض قصص عبد الحميد أحمد ــ رغم أننا نلمس شيئاً من هذا القبيل فى قصّته عن ورّاد أو فى ترجمته القصصية لمذكرات الإنجليزى ، فالرمز هنا يرد عفو الخاطر 00 والموروث الشعبى يلعب دوره كواحد من عناصر المكان والزمان فى القصّة ولا يخرج بالتالى إلى المعادل الرمزى الذى سنجده فى الأعمال الشعرية مثلاً.
( )

هوامــــش
1- انظر السلسلة التي نشرت في جريدة البيان بعنوان ( مدخل لدراسة التراث الشعبي في الامارات ) و ( الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب في الامارات )


2- مثل الدراسات الفلكلورية الفلسطينية والدراسات النقدية التي حاولت أن تبحث عن المعادل الفني لتوظيف الموروث الشعبي الفلسطيني في قصائد شعراء الأرض المحتلة ، كما كان لبعض الدراسيين هدف أخر وهو تكريس الهوية الفلسطينية في مواجهة محاولة العدو محاولة العدو الصهيوني الرامية إلى سرقة وانتحال الموروث الشعبي الفلسطيني .. ولعل هذا يفسر السر في أن الشاعر علي الخليلي يعتبر من المع دارسي الفلكلور في فلسطين أما اهتمام الشاعر توفيق زياد بالموروث الشعبي فيمكن التعرف عليه من خلال قصائده التي تكثر فيها التضمينات الفلكلورية ثم من خلال ما كتبه لفي مؤلفه ( صورة من الأدب الشعبي الفلسطيني ) / المؤسسة العربية للدراسات والنشر .


3- نوقشت الرسالة في جماعة بغداد ومنح صبري مسلم درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف .


4- مثلا ... اكتفيت بتناول عمل أدبي واحد للدكتور مانع الحتيبة هو ( المسيرة ) لانه اقرب أعماله الشعرية لموضوع هذه الدراسة .... في حين لم نتطرق لرواية ( الاعتراف ) لعلي أبو الريش لعدم تمكننا من الحصول علي نسخة مطبوعة منها .


5- في الامارات عدد لا باس به من الكتاب العرب ومنهم من حصل علي جنسية الدولة ، وبعضهم قضي ما يزيد عن خمس عشرة سنة في الدولة مثل الشاعر عبد المنعم عواد يوسف ومن غير المعقول تجاهل دواوينه في دراسة كهذه ، لكن بالمقابل لا يمكن إخضاع دواوينه الشعرية للمعايير ذاتها التي نخضع لها دواوين الصايغ علي سبيل المثال .


6- انظر كتاب / الفلكلور ما هو ؟ / دار المعارف / 1964 م .


7- انظر الرمز الأسطوري في شعر السياب / الدكتور علي البطل / شركة الربيعان للنشر / 1982


8- رواية شاهندة / ص3


9- انظر صفحة 8 وما بعدها في الرواية .


10- ص 27 ـ الرواية
11- ص 29 ـ الرواية
12- ص 31 ـ الرواية
13- ص 52 ـ الراوية
14- ص 47 ـ الرواية
15- ص 34 ـ الرواية