|
استدعاء الموروث الشعبي
في الاعمال الادبية الاماراتية الشعرية والنثرية
نص محاضرة القاهاها اسامة فوزي في الشارقة عام 1983
ونشرت في عدة مطبوعات وصحف عربية
منها مجلة الطليعة الادبية العراقية
1 2
لقراءة الجزء
الاول من هذه الدراسة انقر هنا
عند الدكتور احمد امين المدني وعارف الشيخ
( )
ويمكن القول أن الدكتور المدني قد تمثل هذا الاتجاه بحرفيته وأغراضه وحتى
بقاموسه اللغوي في ديوانه الأول المطبوع في دبي عام 1968 بعنوان ( حصاد السنين
) ، فأنت تقرأ هذا الديوان لمن الغلاف فلا تجد ما يشير إلى موطن صاحبه ، لان
الصور والألفاظ والتعبيرات مستوحاة من التاريخ الأدبي وليس من البيئة ، أو من
خصوصية اللغة ، أو من تجربة خاصة ذات نكهة محلية وجذور عربية مثل قوله :-
ربوع البطولات مسرى النجوم ومغني الفراشات والزنبق
ونبع الأماني مطل الرؤى ومنطلق الحلم الشيق
تباركت أرضا يمر الربيع عليها ببرقه الأزرق
فمثل هذا الشعر لا يحمل خصوصية محلية ، ويمكن أن يكون قائلة من مصر أو اليمن أو
فلسطين .
( )
من هنا لم اعثر في ديوان الشاعر علي أية إشارات أسطورية أو دينية كما لم يكن
هناك توظيفا بيئيا علي صعيدي اللغة والمضمون ، بينما كثرت الإشارات ولدلالات
الأدبية المحافظة ، والمرتبطة تاريخيا بحياة الشعر العربي ومسيرته فضلا عن بعض
الأغراض الشعرية الفضفاضة ، التي تنادي بالمثل الرومانسية التي عرفها الشعر
المهجري ، وقد اعترف الشاعر بذلك في مقدمه طويلة كتبها للديوان اذ يقول :
"قصائد هذه المجموعة في كليتها مهما اختلفت مضامينها وتنوعت أشكالها فان شعورا
واحدا من الحب والألم والحنين يجمع بينها ، شعور الشباب والقلق علي مشارف عصر
جديد ، مصطحب في الآراء متنازع في الأهواء
( )
ومع أن الشاعر تحرر من قيود القافية في بعض قصائده ألا أن إيقاع الحداثة ظل
بعيدا ، وظلت بصمات الخليل هي المسيطرة ، بينما وقع الشاعر ـ علي صعيد المضمون
ـ في اسر الأغراض الشعرية التقليدية المتوارثة ، وهي سمة تظهر أيوضح ما يكون في
قصائد زميله الشاعر عارف الشيخ ، فقصائد ديوانيه ( ذكريات ) و ( نفحات من
الخليج ) ترتبط كلها بمناسبات ذكرها الشاعر مفصلة في كل قصيدة ، بخاصة ديوانه
الثاني إلى صور في دبي عام 1981 م .
( )
ومع أن معظم قصائد الديوانين ترتبط بمناسبات قد تجدها في أي قطر عربي أخر غير
الإمارات مثل قصائده ألام ، المعلم ، الزواج بالتسعيرة ، ميلاد الرسول ، العام
الهجري الجديد .... الخ ، ألا أننا لا نعدم إشارات محلية في الكثير منها ، تحمل
في طياتها جزءا من المأثور الشعبي ، المتمثل في بعض العادات والتقاليد أو ذكرا
لاسماء بعض الأماكن أو ترديدا لبعض الكلمات الفولكلورية ونحن نجد مثل هذا في
قصائده هائم في العوير ، سباق الهجن ، دشداشتي وغيرها وكلها من ديوانه ( نفحات
من الخليج ) ، وقد تضمنت بعض القصائد إشارات دينية تتعلق بالعرف أو العادة مثل
ذكر الخمار في صفحة 11 وارتفاع المهور في صفحة 27
( )
أما في ديوانه ( ذكريات ) فترد التضمينات الدينية والأسطورية علي سبيل التشبيه
أو الاستعارة دون أن تستخدم فنيا لاثراء القصيدة بمدلولها وهو الاتجاه الذي
تنبه مدرسة ابولو بقصد بعث الأساطير من مكمنها بصفتها من إنتاج الفكر الإنساني
، في قصيدته ( الغناء يغزو قلوب المشايخ ) يرد ذكر ( الاقيال ) ... وهي جمع قيل
وهو من ملوك الجاهلية دون الملك الأعظم وفي قصيدته ( ليس للإنسان ألا ما سعي )
.. انظر صفحة 55 ـ يرد ذكر قارون وهامان وساسان وكسري وملك الرومان ... الخ ،
وهي إشارات ترد في معرض الاستعارة أو التشبيه ولا توظف لغايات فنية كما انه لا
يتم أي إسقاط معاصر عليها :-
راع حق الناس بعد الله ان شئت عيشا بينهم يا من عقل
كل من في الكون يفتي غير من خلق الكونيين باق لم يزل
أين قارون وهامان ومن حكم الأقباط والقوم الأول ؟
أين ساسان وكسري والذي ملك الرومان يوما فانعزل
تلك آثار فدلت بعدهم انهم سادوا زمانا في الملل
يتكرر الموروث التاريخي والديني في معظم قصائد ديوانه ( ذكريات ) . ، بينما تظل
عناصر هذا الموروث خارج إطار التجربة الذاتية ؛ بمعني أن ( الرموز ) تستدعي من
التاريخ لا يهدف الشاعر منها إلى إعادة صياغة الحاضر بعد استلهام كينونة
الموروث وزخمة ومدلولاته وانما تستدعي لاستكمال معادلة المشابهة بين صورتين ،
لذا يمكن إسقاط هذه الرموز أو استبدالها دون أن تتغير القصيدة كما نري في
قصيدته ( القدس الحزين ) ـ صفحة 67 ـ ففي سياق تذكر الشاعر لامجاد العرب
والمسلمين في القدس ، علي ضوء ما وصلت إليه المدينة ألان ، يرد ذكر عمر بن
الخطاب وخالد بن الوليد كرمزين للقوة والمجد العربي والإسلامي ، ولو جري تغيير
استبدال اسم خالد بصلاح الدين فان شيئا علي صعيد السياق لن يتغير :-
يا ويح قلبي هل للسيف من عمر وأين خالد للباغي وذي الدخن
مالي أرى الناس أشباحا مصورة والأرض ملآي من الشحناء والضغن
( )
لقد تعامل الشاعر عارف الشيخ مع الرموز الأسطورية والتوراتية كمفردات وليس
كعناصر يمكن اعتبرها من مكونات القصيدة شكلا ومضمونا ، لذا اكثر من ايرادها
لتلعب دور المفردة القاموسية دون أن يسعي لتحريك الرمز واثراء التجربة الفنية
بدلالته ... ففي قصيدته ( ما بال فلسطين ضاعت ) اشاره للمخاطر التي تحيط بالقدس
، وقد تضمنت هذه الاشاره حديثا عن هيكل سليمان وحوارا مع موسي ونفيا لادعاءات
اليهود في أن العهد القديم يجوز لهم السرقة وتعذيب الآخرين :-
مـــــــا بـــــــال فلسطين ضاعت وبنوده يذاقون المحنــــــــا
مســـــــــــــــري الاسلام مكبلة قد عطل فيه شعائرنــــــــــا
حاطت بالهيــــــــكل شرذمة والهيــكل حقا هيكــــلنــــا
صهيـــــــــون يهود مربـعنا قم يا موسي لتحدثنــــــــــا
قل : هل في شرعك تعذيب او تشريد من موطننــــــــــا ؟
( )
ما قلناه عن الرموز الدينية المشار إليها فقوله أيضا عن أسطورة ( إيزيس ) التي
يرد ذكرها في قصيدته ( إلى حبيبتي ) علي سبيل التشبيه ، وليس علي سبيل الثورة
كما وردت في قصائد السياب ... وإذا افترضنا أن الشاعر هو ( أوزوريس ) حبيب (
إيزيس )، بدليل انه يخاطبها علي النحو التالي :-
يا ظبية البحرين يـــا إيزيس في دنيا الحســــــــان
يا من سكنت جوانحي روحي فداؤك والجنـــــــــــــان
ما أنت أول فاجع فــــي الحب من بعد التـــــــــــــــدان
فالوصل يعقبه النوي ولكل فاجعة زمـــــــــــــــــــان
وعسي الذي خــــــــــــلق النوي يقضي بوصل في ثوان
أقول : إذا كان الشاعر هو ( أوزوريس ) الجديد وحبيبته هي ( إيزيس ) فان خللا ما
في الفهم للأسطورة يمكن استنتاجه من السياق لان الأسطورة لا تحدثنا عن ( جمال )
إيزيس بقدر ما تحدثنا عن ( جمال ) إيزيس بقدر ما تحدثنا عن ( بعث ) أوزوريس من
جديد ووفق هذه الأسطورة ـ كما يقول فراس سواح ـ نجد الإله أوزوريس بطلا حضاريا
يعلم المصريين الزراعة تساعده في ذلك أخته وزوجته إيزيس ( وفي إحدى المرات قام
أخوه الإله سيث أو طيفون بحيلة خبيثة جعلته سجين صندوق خشبي فسمر عليه وقذفه في
مياه النيل فطاف الصندوق حتى صب مع مياه النهر في البحر المتوسط وهناك تدافعته
الأمواج حتى وصل إلى مدينة بيبلوس الكنعانية حيث علق بإحدى أشجار الشاطئ
الوارفة وقد راحت إيزيس تبحث في جميع الأنحاء عن حبيبها الضائع إلى أن وجدته
فعادت بالصندوق والجثة إلى بلدها لتعيد له الحياة ولكن سيث عثر علي الصندوق
فقام بتقطيع جسد أوزوريس ووزع القطع في جميع أنحاء البلاد حتى يصبح من المستحيل
إعادة الحياة إليها مرة ثانية ولكن إيزيس بدون يأس تابعت البحث مرة أخرى إلى أن
وجدت الأجزاء جميعا عدا عضوا الذكورة الذي بقي مفقودا ثم أعادت له الحياة
بمعونة أختها الإلهة نفتيس ) .
هذه هي ( إيزيس ) القديمة ، وهي تختلف جذريا عن ( ظبية البحرين ) التي جعلها
الشاعر شبيهة إيزيس ، ولا أظن أن الحبيب قد تمثل دور أوزوريس ، الذي يعني
الثورة علي المجتمع ، لان الدلالة هنا معكوسة ولا تنسجم مع السياق ولا أظن أن
الشاعر أرادها علي هذا النحو!! من المؤكد أن إدراج ديوان ( سبع قصائد ) للشاعر
احمد راشد ثاني تحت العنوان الكبير الذي وضعناه لهذه الدراسة وهو ( استدعاء
الموروث في الشعر المحلي ) يحمل في طياته اعترافا بان قصائد الديوان تتسم
بالحداثة في الشكل والمضمون ، رغم أنها مكتوبة باللهجة العامية ، وهذه الحداثة
هي التي سوغت ( إقحام ) هذا الديوان في الدراسة رغم أننا أسقطنا كل الدواوين
النبطية الأخرى في الإمارات .
( )
ونعني بالحداثة هنا الروح التي تسود القصائد والهموم التي تصدر عنها والإيقاع
الذي يعزف عليه الشاعر ، وهي اقانيم ثلاثة تخرج بهذا الديوان من دائرة الموروث
النبطي لتدخله رغم معادلة اللغة الفصحى إلى قلب التجربة الشعرية الحديثة في
الإمارات .
عند احمد راشد الثاني
( )
وإذا كانت طبيعة التجارب الشعرية السابقة التي تطرفنا إليها في هذه الدراسة قد
تباينت في توظيفها للموروث الشعبي كما وكيفا وإذا كنا قد تمكنا من رصد هذا
التباين وتحديد ملامح هذا الموروث ، فأننا نعجز بالتأكيد عن رصد ذاته لديوان
احمد راشد ثاني لان الموروث لغة ومضمونا هو لحمة وسداه التجربة الشعرية في هذه
القصائد ، فهي مجبولة به ، ومستقاة منه ومعبره عنه وناطقة بلسانه .
( )
ومن المسلم به أن هذه الميزة تحسب لكل القصائد البنطية أو المكتوبة باللهجة
العامية الشعبية وليس لقصائد احمد راشد ثاني وحدة ، لكن المؤشر الذي جعلنا
نلتفت إليه في هذه القصائد ومن ثم سوغ لنا النظر إليها من رؤية الحداثة هو
تعامل الشاعر مع التراث الشعبي وتوظيفه لعناصره في سبيل النطق بمعادلة حياتية
جديدة غالبا ما يسعي إلى النطق بها الشعر الحديث ، بينما نجد أن معظم الأعمال
الشعرية البنطية المطبوعة تنطق بما هو واقع في إطار الرغبة بتكريسه وليس في
إطار المناداة بتغييره .
( )
ونمني عن الذكر أن قراءة هذه القصائد لاحمد راشد ثاني ليست بالعملية السهلة لمن
لا يعرف لهجة أهل المنطقة فضلا عن العادات والتقاليد السائدة ، ومع أن الشاعر
شرح في هوامش ديوانه الكثير من هذه العادات والتقاليد والألفاظ ألا أن القصائد
ستظل مغلقة علي غير العارف بها ، لان نقطه الجذب في الديوان تكمن في الإيقاع
الداخلي للألفاظ بما يتضمنه من إيحاءات لا يدركها ألا من عاش وعاني في هذه
المنطقة .
( )
قصيدة ( مليت هذا الألم ) ـ وهي القصيدة الأولى الأولى في الديوان ـ تلخص كل ما
ذهبنا إليه ونختزل تجربة الشاعر الفنية والمضمونية ، فضلا عن كونها انضج قصيدة
في الديوان واقربها إلى روح الحداثة واكثر توظيفا للمأثور الشعبي وتحقيقا
لمعادلته الرمزية مع الواقع .
( )
تبدأ القصيدة برسم ثلاث دوائر نفسية متداخلة ، تحمل الأولى المهم الذاتي أو
الشخصي بينما تؤطر الثانية للمهم الاجتماعي المستمد من مجموع الهموم الذاتية
للآخرين وتمتد الدائرة الثالثة بالتجربة إنسانيا لتعمق الطرح الذاتي ليصبح طرحا
إنسانيا .
( )
يكمن المهم الذاتي أو الشخصي في حالة الضياع والشقاء التي يعاني منها الشاعر
ويعبر عن ذلك بافتتاحية القصيدة :-
إلى متي يا شقا مزروع في يوفي
إلى متي يا ألم تسقي سدر خوفي
إلى متي إحنا بحري ما اله ساحل
كلن دهن مركبة والكل في قفال
ألا أنا سامرت ويا الهوي راحل
لقد استمد الشاعر ملامح الصورة النفسية له من البيئة السدر ، البحر ، الساحل ،
المركب ، قفال ـ نهاية رحلة الغوص ـ سامرن ـ أي سمرت به الرياح والأمواج لعرض
البحر ـ فمن خلال عناصر البيئة الشعبية ودراميتها نسج الشاعر معاناته النفسية
وإحساسه بالشقاء والضياع معطيا بذلك لصورة عدة أبعاد ... أقربها إلى القارئ
العادي البسيط معاناة راكبي البحر ممن يعجزون عن العودة مع الرفاق وابعدها أو
أعمقها ذلك التمازج بين البيئة ومعاناة راكبي السفن وبين الحالة النفسية للشاعر
، بمعنمي أن الشاعر قد نجح في استدعاء عناصر البيئة والموروثات .
ليقدمها في بعدين ، الأول توثيقي والثاني وظيفي فني .
( )
الدائرة الثانية التي تتسع لتشمل المجتمع المحيط بالشاعر تبدأ بقوله :-
إلى متي يا بحـــر
تحدي شادرنا
إلى متي بالحلم
نحمي مواقعنا
الي متي نبغي نسمع صوت حربية
أيدق يجمع مياديفك بكوسية
إلى أن يقول :-
والطبل لو دقته تطعني علي النهمة
محدترا هالزمن بيخاف من طبله !!
في هذه الصورة يعكس الشاعر حالة تقاعس اجتماعي ، هي امتداد لاحساسة الفردي
بالشقاء والضياع ، وقد استدعي الشاعر إحدى الرقصات الشعبية المعروفة ( رقصة
الحربية ) ليحملها الرمز الذي يريده ، فقد كانت هذه الرقصة ـ ومثلها العيالة ـ
بمثابة النفير العام ، حيث يجتمع القوم علي دقات الطبول بأمر من شيخ القبيلة ،
والشاعر يستدعي هذا اللون من المأثور الشعبي ليحقق معادلتين ، الأولى التعريف
به ، وهي المعادلة الابسط والأقل إلحاحا عليه والثانية هي توظيف عناصر هذا
الموروث لخدمة الفكرة التي يريدها وهي لقناعته بان ( حماية المواقع ) لا تكون
بالحلم ولا بطول الحربية ( محددا ترا هالزمن بيخاف من طبله ) .
( )
الامتداد الثالث للمعاناه يرتبط بنسخ إنساني وهو الإحساس المفرط لدي الإنسان
المعاصر بخطورة التطور التكنولوجي عليه ، وهو إحساس بدأ يظهر في الأدب العالمي
مع قصائد اليوت ( الأرض الخراب ) ... ووجدنا له إشارة صريحة في قصائد شوقي ،
وانعكاسا مريرا في قصائد السياب ، الذي تحدث عن الإله والصراع معها كثيرا ، وفي
هذه القصيدة نجد إشارة إليه تكمن في المقطع الأخير الذي يقول :-
الا انا مجروح
مجروح مثلك ـ يا بحر ـ
مثل كل اللي بيحبك
مجروح ، جرحي خبق
وخبوههم أبار
أنا اداوي الخبق
وابيته ببراز
لكن خبقهم ترا في اليوف يتوسع
لا بالملح ، لا بالرمل ، لا الطين يترقع
إلى متي ما بيتك تحمل علب سردين
بتروش عالسيف كل ليلة قواطي البير
تخبرني كل يوم غرب اللي يرسلوني ....
في هذا المقطع ، يتحدث الشاعر عن الآبار المحفورة في أعماق البحر ويشير الي
المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي ارتبطت بها وأثارها علي السكان ، الذين
احترفوا صيد السمك واللؤلؤ .... وقد توسل الشاعر إلى هذه المعاني بصورة من
البيئة ، وظفها كأروع ما يكون للدلالة والرمز ... حيث يعقد مشابهة بين جرحه
وجرح البحر ( البئر ) ، لكنه يستدرك انه يداوي جرحه بالبزار ـ وهو عقار شعبي ـ
بينما جرح البحر يزداد اتساعا ..ويستطرد الشاعر واصفا الذين ركبوا البحر ودخلوا
إلى أعماقه حيث يرمز إليهم بعلب السردين وعلب البيره التي يرمونها في البحر
فتصل إلى الشاطئ ( وتخبرني كل يوم غرب اللي يرسلوني ) ، وقد جعلها الشاعر هوية
وجنسية لأنها طارئة علي المنطقة .
( )
جميع قصائد الديوان تحمل هذه الودائر المتداخلة من الهموم ، ومن الواضح أن
استخدام الشاعر لتجربته الشعرية وموهبته اكبر من اعتماده علي ثقافته أو قراءاته
، لذا اتسمت عناصر القصيدة عنده بالبساطة وكانت اكثر التصاقا بالأرض والبيئة
والمجتمع مما قربها من الناس ، وقد أعطت عناصر البيئة والموروث الشعبي للقصائد
نكهة خاصة مميزة تغلب عليها السمة الدرامية ، وتتعدد هذه العناصر والمأثورات
الشعبية وتتعدد معها دلالاتها الرمزية ، والقائمة طويلة نذكر منها ذكره للرقصة
المشهورة الحربية ورقصة الرزفة وفي باب الطب الشعبي نجد ذكرا لعقار البزار
وهناك إشارة لسفينة البوم المشهورة وترد في القصائد إشارات
لهسس لوزار ـ وهو سائل لزج علي جلد الأسماك عادة ما يعلق في البحارة ـ وفي باب
الألعاب الشعبية نقرأ عن التيلة والقبة والحيلة ومن الآلات الشعبية ( الهبان )
إلى جانب عشرات الكلمات والمصطلحات الفلولكلورية ذات الدلالة العميقة .
بقيت
لدينا مجموعتان شعريتان هما ( غربة في زمن العشق ) و ( لوعة البعد ) إلى جانب
ثلاث مجموعات من الخواطر هي ( منتهى العذاب ) و ( خطوة فوق الأرض ) و ( أنا
المرأة الأرض ) واظن أن الكتاب الأول هو الأجدر بالوقفة الأطول في هذه الدراسة
، لان التجربة فيه تسير في الطريق النضج فضلا عن تنوع مصادر المأثور الشعبي
فيها .
غربة في زمن العشق
( )
أن أول ما يلفت النظر في هذا الديوان هو قاموسه الشعري المستقي من البيئة
الطبيعية والاجتماعية ، والموظف لخدمة المضمون في اكثر المواقع ، رغم تباين
الدلالات الرمزية من لفظه إلى أخرى ، حيث تكثر ورود ألفاظ ذات دلالة مثل البحار
، المحار ، الشاطئ ، المرافئ ، الهيرات ، الدانات ، الهامور ، السيف ، الغواص ،
البحار ، الصياد ، اللؤلؤ ، القراصنة .... الخ ويلاحظ أن مفردات هذا القاموس
ذات علاقة مباشرة بمياه البحر ومجتمع الغوص علي اللؤلؤ ، بما يدل علي المرحلة
الزمانية التي تدور فيها المعاناة ، كما أن لبعض هذه الألفاظ مدلولاتها الرمزية
التي يمكن إسقاطها علي المجتمع مثل ( الهامور ) ... وفي القصيدة حديث عن الصراع
معه :-
رحم الله ابي
كان شهما وتقي
...............
جلب الربح الوفير
لهوامير المدينة
فهوامير المدينة
سرقت كد أبي
سرقت عمر ابي
وقضي العمر أسير الغوص
باع يوما عقد أمي
سدد الدين لهامور حقير
ولقد مات صغير
والهامور من اسماك البحر المعروفة في الامارات ، وهو من الأسماك الكبيرة
المكتنزة لحما وشحما ويضرب المثل بكبرها دائما خاصة عند الصيادين وهي غير محببة
لهم ، لأنها ـ في الغالب ـ تعلق في باب ( الكركور) فتمنع صغار السمك من الدخول
إليه ، وقد تفلت في النهاية ، فنهي لا تصاد ولا تسمح بصيد أخر ، لذا يقولون في
المثل الشعبي ( مثل الهامور جالس في البابه )
( )
لقد عرف مجتمع الامارات بشكل خاص والمجتمع العربي في منطقة الخليج بشكل عام بعض
مشكلات المجتمعات الرأسمالية ، بخاصة عندما كان يصطدم الغواصون والصيادون
بأصحاب السفن وكبار التجار الذين يرمز إليهم دائما بالهوامير ، وقد وظفت
الشاعرة هذه الكلمة المستوحاة والمستفاه من البيئة للتعبير عن الهموم والمعاناة
التي عاشها الأب ، وهو ليس توظيفا جديدا علي أي حال ، لان معظم الشعراء في
المنطقة يستخدمونه ويوظفونه للدلالة علي هذا الصراع .
( )
وإذا كنا قد وجدنا في ديوان احمد راشد ثاني حنينا لحياة البحر الماضية التي
بدأت تلوث بقدوم الأغراب ، فأنا نجد هنا مثل هذا الحنين لعهد المحار عندما كان
الغوص علي اللؤلؤ عماد الحياة في المنطقة ، وعلي الرغم من أن المجتمع آنذاك
عرفة الصراع الطبقي بصورة مبسطة ، الا ان نوعا من التكافل الاجتماعي ساد حياة
البحر ، وكانت العلاقات الاجتماعية تصطبغ به ، حتي يمكن القول ان ملامح الحياة
الاجتماعية كانت اكثر وضوحا مما عليه ألان ، لذا نشأ الجيل الجديد وفي نفسه
حنين إلى الماضي ، إلى عهد المحار ، رغم وجود ( الهوامير ) :-
حلمت بان لنا عالما
فهلا تجيء معي والأنام سكاري
نجدد عهد المحار
نعانق أسيافنا والبحار
ونعزل بالحب ضوء النهار
في قصيدتها ( معلمي الجديد ) و ( شهريار ) تستدعي رؤى سالم الأسطورة من كتاب
ألف ليلة وليلة دون أن تحسن توظيفها ، بحيث يرد اسم شهريار ، خارج نطاق الدلالة
الرمزية التي نعرفها ، ولا نجد دلالة حاضرة أو مبتكرة ، غير علاقة المشابهة
السطحية بين الشاعرة ومعلمها الجديد ( شهريار ) !!
( )
والف ليلة وليلة مجموعة حكايات خيالية ترد علي لسان السلطانة شهرزاد في معرض
تسلية أختها دنيا زاد وبحضور زوجها الملك شهريار الذي كان يقتل زوجاته انتقاما
من خيانة إحداهن واشهر هذه الحكايات التي يقال أنها تزيد عن 264 حكاية السندباد
وقمر الزمان وعلي بابا ..
تقول الشاعرة :
ما زلت احيا قصة من الف ليلة
وسندباد واقعي مغامر رحال
قد اكثر الرحيل لعالم جديد
فسيدي وشاعري ممثل جديد
لدور شهريار
وفي قصيدتها الثانية تكرر ( شهريار واقعي ) بعد أن كان في الأولى ( سندباد ) ..
إذ تقول :-
طوبى لمن معلمي لشهريار
أم للتي تحب شهريار
مجنونة تلك التي تحب شهريار
فشهريار واقعي .. الخ
( )
أن عيب معظم الشعراء الشباب في الامارات يكمن في سعيهم نحو التضمينات الأسطورية
أو الدينية دون الإحاطة بها وبدلالاتها الخاصة السابقة علي العمل الفني الجديد
، وهذا القصور يؤدي في الغالب إلى خلل في السياق الشعري والي ما يشبه التضارب
بين الدلالة القديمة .. والدلالة الحاضرة ، وتتقزم معظم هذه التضمينات في
الغالب لتصبح مجرد زخارف بديعية وتشبيهات يرزح تحت وطأتها الشعر .... والمقطع
السابق من قصيدة رؤى سالم يحمل مثل هذا الخلل ، إذ أن العلاقة بين سندباد
الرحالة وشهريار العاشق والقاتل تبدو غير واضحة في السياق لعدم وضوح ، الأسطورة
في ذهن الشاعرة .... ولا ندري أي سندباد تريد ... هل هو الملك ، ام الحمال ام
السندباد البحري وثلاثتهم كما قد لا تعلم الشاعرة يحملون اسم السندباد ويحتلون
مواقعهم في ألف ليلة وليلة .
ديوان لوعة البعد
( )
في ديوان ( لوعة البعد ) لاحمد راشد سعيدان لم أجد أثرا للموروث الشعبي أو
الأسطوري أو الديني ، بل ولم أجد علاقة متينة بالموروث الشعري القديم رغم أن
كاتبه المقدمة ، سهام ترجمان مؤلفة كتاب ( يا مال الشام يا الله يا مالي ) ـ
كما ورد في المقدمة ـ تدعي أن الشاعر هو قيس ابن الملوح ، تتقمص روحه ... وان (
قضيه الشاعر احمد راشد ما هي ألا امتداد لقضية قيس بن الملوح ) ولعلها مناسبة
أن اكرر واذكر بضرورة الحجر علي كاتبتي مثل هذه المقدمات التي لا تحمل تزويرا
للحقيقة فحسب ، بل وتحمل في طياتها بذرة فناء هذه الموهبة الواعدة التي تحتاج
إلى رعاية صادقة وليس نفخا علي النحو الذي أشرنا أليه .
( )
ولكننا مع ذلك نسوغ للشاعر جرأته في نشر ديوانه ، ونحسب له ذلك من باب قصائده
تعكس رغبة في تعاطي الشعر وموهبة أو إلمامه بفنونه الإيقاعية ، واظن أن الشاعر
سيكون اكثر إقناعا لو وظف موهبته تلك والماماته هذه في طرق موضوعات اكثر قربا
من الناس والصق بالبيئة ، وهي من طوله غنيه وثريه ، لفي القاموس والإيقاع ..
خواطر ظبية خميس وفرح مختار
( )
أما خواطر ظبية خميس وفرح مختار ، فتطرح علي بساط البحث مشكلة كبري يعاني منها
الوسط الأدبي وهي عدم أدراك كنه الخاطرة ومواصفاتها وعدم الدربة علي كتابتها ..
والخاطرة ليس تهويما لا معني له ، بل هي فكرة وانفعال ، تقترب كثيرا من عالم
الشعر دون أن لا تنزلق في معادلة الوزن والإيقاع .... لكن ما نراه في الخواطر
المكتوبة والمطبوعة لا يحمل أي من هذه المواصفات ، مع اعتراف أولى بان فرح
مختار في خواطرها اقدر علي الصياغة اللغوية وارق في التعبير ... لكني لم أجد في
خواطرها اقدر علي الصياغة اللغوية وارق في التعبير ..ز لكني لم أجد في خواطرها
المطبوعة ما يربطها بالواقع ، أو بالموروث علي مختلف صورة .. بينما نجد ذلك في
خواطر ظبية ( انظر خطوة فوق الأرض ) ففي صفحة 45 يرد سمك القرش ، وفي صفحة 66
ترد ألفاظ مثل السفينة ، الشراع ، المرفأ .. الخ وهي مستوحاة من البيئة وربما
من تجربة الشاعرة في الترحال ، لكن المعادل الرمزي لهذه الألفاظ مفقود تماما ،
بحيث تبدو الخواطر في مجموعها وكأنها ترجمات لاشعار أجنبية حكام بها مترجم رديء
، فلا هي نقلت إلينا الفكرة ، ولا هي قدمت لغة مشرقة .
( )
لن أتوقف عند كتاب ( خطوة فوق الأرض ) حتى لا أقع في التكرار ، إذ سبق لي وان
وقفت معه مطولا ، وتساءلت يومها عن معني المقطع التالي الذي ذيلت به الكاتبة
كراستها .
يحتضن البدر خاصرتي
وتداعب صدري النجوم
فاغرد ضاحكة
وادرك أزلية رعشة الشمس
والظل
وانتفاضة المجرة بين ساقي
وسقف السماء
لكن الذي أردته في نهاية هذه السلسلة ، وهو الإشارة إلى أن فن الخاطرة هو اصعب
الفنون النثرية ، لانه يحتاج إلى ذكاء وقوة ملاحظة وقدرة علي استنباط الواقع
وسبر أغوار المستقبل .. ثم أن كاتب الخاطرة يجب أن يكون اقرب الناس إلى البيئة
، وأكثرهم تعاطيا لها وتفاعلا معها ، لكن ، ومن خلال استقراء الكتب الثلاثة
التي بين يدي ، وجدت أن كتاب الخواطر في الامارات مازالوا ابعد الناس عن ذلك .
استدعاء الموروث
الشعبي في الاعمال النثرية
تفاوتت عملية توظيف الموروثات الشعبية في الإمارات – في الأعمال الإبداعية –
بين أديب وآخر ، فوجدنا توجها من قبل البعض نحو الأساطير حيث يتكرر ذكرها في
قصائد جيب الصايغ ، ووجدنا توجهاً آخر نحو التاريخ الإسلامي – في معظم قصائد
عارف الخاجة – بينما يوثق الدكتور مانع العتيبة في قصائده الموروث الشعبي من
عادات وتقاليد كانت سائدة في عصر الغوص ونجد مثل ذلك في قصص محمد المر وعبد
الحميد أحمد وعبد الرضا السجواني مع تفاوت في عملية توظيف هذا الموروث.
( )
ولنبدأ برواية ( شاهندة) لراشد عبد الله وهي أول عمل روائي يصدر لكاتب من
الإمارات وقد صدرت الرواية عام 1974 في 135 صفحة من القطع المتوسط حتى ظن أحد
الباحثين المصريين أنها رواية مصرية فأدرجها في بحث نشرته مجلة (فصول)... وإذا
كنا سنتوقف – في معرض تناولنا للإبداعات الأدبية الأخرى – عند إشارات متفرقة
للموروث الشعبي في محاولة للربط بينها في إطار توصيف كامل للظاهرة – فإنّ
وقوفنا عند ( شاهندة ) لن يكون ضمن هذا الإطار لأنّ الرواية لا تتضمن إشارات
فولكلورية فقط وإنما تقوم كلها في معمارها الفني والمضموني على أسس من
الموروثات الشعبية حيث تصور الرواية الحياة الاجتماعية التي سادت إبّان عصر
اللؤلؤ.
( )
وشاهندة هي محور الرواية؛ فتاة جارية ، انتهي بها الأمر لتصبح زوجة لأحد الملوك
ومن خلال رحلة شاهندة بين الفقر والنعيم يرسم المؤلف صوراً من الحياة
الاجتماعية والاقتصادية السائدة آنذاك ، في الساحل والداخل ، حيث تقوم مدن وقري
وهمية يتخذها المؤلف محوراً لتحرك أبطاله وشخوصه ، فهو يتعرض لمهنة الغوص على
اللؤلؤ وصيد الصقور ويتعرض لتقاليد الزواج ويشرح واقع تجارة العبيد (النخاسة)
وينجح في رسم صور الشقاء التي مرت بالمنطقة في أوقات كثيرة من خلال الشخصية
المحورية لروايته (شاهندة) ... ومن خلال السياق نفهم أن شاهندة فتاة جميلة غير
عربية تقع مع والدها (شهداد ) ووالدتها (حليمة ) في قبضة (سالم) أحد تجار
الرقيق فيبيعها إلي رجل موفور الجاه والمال حيث تعيش في بيئة معززة مكرمة
وتزداد مكانتها بعد اختيار والدها ليكون نوافذه لسالم ولكن علاقة شاهندة بمحمود
بن سالم ثم وفاة والدها في البحر، يدفعان مالكها حسين إلي بيعها ، وتنتقل
شاهندة من تاجر إلي آخر ومن تجربة إلي أخري حتى تقع في قبضة تاجر الرقيق (جابر)
فيزوجها لكنه سرعان ما يطلقها في الصحراء انتقاماً منها فتعيش هائمة على وجهها
ردحاً من الزمن إلي أن تلتقي بقافلة من الصيادين فتصطحبهم إلي المدينة حيث تنجح
في الوصول إلي القصر كزوجة للملك وتنتهي القصة بانتقام شاهندة من محمود أول من
استرقها.
( )
من الواضح أن المؤلف يريد أن يرسم ملامح عامة للمجتمع آنذاك من خلال سرد مأساة
أسرة غير عربية ، وصلت الساحل بحثاً عن لقمة العيش فوقعت بأيدي النخاسين ، ولعل
رغبة المؤلف في عرض وقائع اجتماعية وألوان من الموروثات الشعبية ا& |