* كتب : أسامة فوزي


* هذه صورة لرجلين هما الشيخ سعيد بن طحنون آل نهيان وزميلي الاستاذ ابو انور.

من هو الشيخ سعيد ومن هو ابو انور ولماذا استهل مقالي هذا بهما؟


* بادئ ذي بدء اقول: ان مقالي السابق عن ناكري الجميل في دول الخليج ادى الى ردود فعل واسعة لم اتوقعها ... ولا ابالغ حين اقول اني تسلمت مئات الرسائل البريدية والالكترونية عدا عن الاتصالات الهاتفية حول هذا الموضوع وأن أكثر من 99 بالمائة منها كانت لرجال عملوا في دول الخليج وخرجوا منها اما بنفس التجربة او بشيء قريب منها ولكل واحد منهم قصة اغرب واعجب واطرف من الثاني ومنهم من تدخل حكايته ضمن المآسي الانسانية الحقيقية مثل المواطن اليمني جميل سيف صالح الذي عمل في جيش ابوظبي واستقال وعاد الى بلده وطلب حقوقه المالية المتأخرة فرفضت الامارات طلبه بل قامت مخابرات الامارات باستدراج الرجل الى ابوظبي واعتقاله في المطار وتعذيبه لانه تجرأ ونشر نداء في جريدة يمنية عرض فيه مظلمته ولم يتمكن الرجل من رد اعتباره الا بعد ان هرب الى كندا حيث تمكن هناك من رفع دعوى قضائية على دولة الامارات اثبت خلالها وبالوثائق واقعة التعذيب والضرب وهضم الحقوق واثبت ان الشيخ هزاع بن زايد رئيس المخابرات شخصياً كان من بين الذين اعتدوا عليه بالضرب في سجن المخابرات في ابوظبي.


* الذين اتصلوا بي او كتبوا الي عملوا في دول الخليج بوظائف ومهن مختلفة فمنهم الطبيب والمهندس والمدرس ومنهم الجندي والعامل ... ومنهم طلبة تعرضوا للاعتقال والضرب والتعذيب بسبب آبائهم لان الوازرة - في دول الخليج- تزر وزر اخرى وليس كما يذكر القرآن.


* بل ... وتلقيت رسائل من مواطنين خليجيين من الكويت ورأس الخيمة اي من ابناء هذه البلدان عانوا مثلما عانى غيرهم لا بل ان معاناتهم اكبر بخاصة لناحية الالاف الذين يعيشون في الكويت ويحملون لقب (بدون) ... وهو لقب لا يصرف الا في دولة الكويت وهو يعني ان هذا المواطن الكويتي الذي ولد اباً عن جد لا يحق له اكتساب جنسية الدولة التي ولد فيها لانه (بدون)!!


* ما علاقة هذا بالصورة آنفة الذكر اعلاه للشيخ سعيد والاستاذ ابو انور؟


* بداية اقول: لم اكن ارغب بالعودة الى هذا الموضوع ...  أعني الى موضوع الجميل ونكرانه في دول الخليج لانني كنت اظن ان ما كتبته في الحلقة الماضية كان كافياً ثم ان العودة الى هذه الحكاية لا تسر وتسبب لي مغصاً واسهالاً وقرفاً لانها تدعوني الى تذكر مواقف تدعو الى التقيؤ فعلاً.


* لكن اتصالاً هاتفياً واحداً ورد الي يوم امس من ولاية كولورادو صدمني وهز مشاعري ودفعني الى التقيؤ من وعلى مشيخة الامارات وشيوخها السفلة ناكري الجميل عديمي الاخلاق والقيم والضمير ولعلي اقول ايضاً ان افتضاح شيوخ هذه الدولة واخص بالذكر الشيخ فلاح بن الشيخ زايد رئيس الدولة الذي مات الشهر الماضي على صدر الصفحات الاولى للجرائد الاوروبية بعد ان تبين ان الشيخ فلاح يلاط به هو تعبير عن غضب الهي على زايد واولاده جراء ما ارتكبوا من جرائم انسانية بحق الالاف سيتبعه قطعاً انتقام الهي من هؤلاء لان الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل.


* رن جرس الهاتف في مكتبي وكان على الخط شاب امريكي الجنسية يمني الاصل اسمه احمد يقيم ويعمل في ولاية كولورادو ... قال: انا اسمي احمد وقد قرأت ما كتبته عن والدي في مقال الاسبوع الماضي واردت فقط ان اشكرك.
سالته: من هو والدك؟
قال:
  "علي عوض بامطرف"
قلت: وما هي اخباره ... ابوك صديقي وقد تزاملت معه في الامارات ارجو ان تسلم عليه.
قال: والدي اعطاك عمره قبل عامين في صنعاء
قلت وقد صدمني الخبر: الله يرحمه والله لم اكن اعرف ... كنت اظن انه لا زال في الامارات
قال: كلا لقد طردوه من الامارات بعد اجتياح صدام حسين للكويت من ضمن الاف اليمنيين والفلسطينيين والاردنيين والسودانيين الذين طردوا من دول الخليج دون ان يكون لهم ناقة او بعير في الموضوع.


* والله ... انا انا لم اصدم من خبر الوفاة لان الموت علينا حق بقدر ما صدمني خبر طرد هذا الرجل وابعاده من الامارات دون سبب واذا كان هناك ما يبرر - ولو سياسياً- طرد الاف من العرب بحجة الضغط على بلدانهم التي ايدت صدام او تعاطفت معه فان هذا قطعاً لا ينسحب على هذا الرجل " علي عوض بامطرف " الا اذا كان الطاردون فعلاً - وهم هنا شيوخ ابو ظبي -  "اولاد شرموطة" وهم قطعاً كذلك.


* لماذا؟


* الاستاذ المرحوم علي عوض بامطرف (ابو انور) - وهو الذي يظهر في الصورة اعلاه مع احد طلابه وهو الشيخ سعيد بن طحنون ال نهيان -( وهنا صورة حديثة له بعد ان طر شاربه ) كان ناظراً (مديراً) لكلية زايد الاول الثانوية في مدينة العين في مطلع السبعينات وهي الكلية التي عملت فيها مدرساً لمادة اللغة العربية ... ومدينة العين في الامارات - لمن لا يعرفها- كانت بمثابة عزبة لشيوخ وحكام ابو ظبي ففيها قصورهم ومنازلهم واراضيهم واولادهم وبعيرهم وعشيقاتهم وغلمانهم ..... و 99 بالمائة من شيوخ ابو ظبي الحاليين بما فيهم نصف مجلس الوزراء وثلاثة ارباع المجلس التنفيذي لابوظبي وحتى سفير الامارات الحالي في واشنطن درسوا في هذه الكلية وقعدوا في مكتب الاستاذ "ابو انور" ناظر المدرسة الذي كان يحن عليهم كما يحن الاب على اولاده وكان هذا هو ابرز موضوع خلاف بيني وبينه لاني كنت ارى ان اولاد الشيوخ اولى بان نقسو عليهم حتى لا يخرجوا سفلة مثل آبائهم في حين كان يرى هو - رحمه الله- ان اخذ الشيوخ الصغار بالرعاية والنصح والمهاودة  سيصنع منهم قيادات واعية نظيفة الذمة وعلى خلق وربما اكثر رحمة من آبائهم الحكام الذين لم يتعلموا فك الحرف ... ومن المؤكد ان نظريته لم تكن صائبة - رحمه الله- فطلابه الشيوخ الذين كانوا لا يفارقون مكتبه ويرعاهم كالاب تماماً... هؤلاء التلاميذ الكلاب لما اشتد ساعدهم واصبحوا وزراء وحكام ... طردوه!!


* اول خلاف بيني وبين "ابو انور" وقع في صيف عام 1976 حين شكل مجلساً للطلبة وضع على رأسه طالباً اسمه "محمد البواردي" وكان المجلس بمثابة نقابة للطلبة أراد ابو انور اشراكها حتى في المسائل الادارية للكلية ... ولما اعترضت عليه وعلى قراره بل وعلى اختياره لهذا الولد الاهبل الطويل كي يكون رئيساً للمجلس قال لي انه يريد ان يدرب الابناء على القيادة وعلى تحمل المسئولية واضاف انه اختار محمد البواردي رئيساً للمجلس لان هذا الولد على صلة من ناحية ابيه برئيس الدولة الشيخ زايد وبالتالي ينتظره مستقبل زاهر قد ينعكس ايجاباً على مجتمع الامارات بخاصة وان هذا الولد ليس شيخاً وبالتالي فانه سيكون اقرب الى هموم المواطنين الذين هو منهم.


* هذا الولد الطويل الاهبل الشرموط هو نفسه محمد عبد الله البواردي الذي عين الشهر الماضي اميناً عاماً للمجلس التنفيذي في ابوظبي (مجلس وزراء ابوظبي) وكان قبلها مديراً لمكتب الشيخ محمد بن زايد رئيس الاركان وولي العهد الحالي!!


* هذا الولد الطويل الاهبل الشرموط كان على راس عمله كمدير لمكتب الشيخ محمد لما صدر قرار طرد استاذه (ابو انور) من الامارات بدعوى ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية مع ان (ابو انور) عاش في الامارات اقرب الى حياة اللاجئ السياسي لانه كان معارضاً للنظام الشيوعي في عدن وكانت حكومة اليمن الجنوبي قد وضعت زوجته واولاده قيد الاقامة الجبرية ومنعتهم من اللحاق بابيهم الى ابوظبي والذي ظل يعيش (اعزباً) في الامارات بعيداً عن اسرته منذ عام 1973 وحتى طرده منها بعد حرب الخليج الثانية على يد الاولاد والشيوخ الشراميط الذين علمهم وعطف عليهم وكان يرعاهم بابوته وعاطفته وعلمه الواسع.


* قبل ان اغادر الامارات الى امريكا مهاجراً في مطلع الثمانينات وضعت لنفسي قائمة باسماء اصدقاء رأيت ان من واجبي ان ازورهم وكان الاستاذ علي عوض بامطرف (ابو انور) على رأسهم ... كنت معجباً بالرجل وامانته وثقافته العالية رغم خلافي الفكري واحياناً الاداري معه ... وقبل ان اعانقه مودعاً سألني : هل زرت ابنك عبدالله البادي وهنأته على المركز الجديد؟
قلت له: لا ... هل تخرج عبدالله من الجامعة؟
قال: نعم وهو الان المدير المالي والاداري لشركة ادنوك.


* عبدالله سعيد البادي هو واحد من طلابي في كلية زايد الاول التي كان " ابو انور " ناظرا لها ... وكان هذا الولد من ضمن ستة اولاد شكلت بهم "جماعة" لاستقصاء التراث الشعبي في الامارات وتسجيله ... وقمت فعلاً بوضع وصياغة ما جمعناه على مدار عام كامل في كتاب بعنوان (التراث الشعبي في الامارات) تولى طبعه وتوزيعه على نفقته الشيخ خليفة رئيس الدولة الحالي الذي كان انذاك وليا للعهد لان الكتاب كان ولا يزال اول واهم مرجع عن التراث الشعبي في الامارات ... وقد ذكرت من قبل اني قمت بهذا العمل مجاناً وعلى حساب وقتي الخاص ... كما اشرت من قبل الى انني اكتشفت خلال حضوري معرض الكتاب الاخير في فرانكفورت ان مستشار الشيخ خليفة الصحافي واسمه حمدي تمام قد نسخ كتابي  نسخا كاملاً حرفاً حرفاً وفاصلة فاصلة بما في ذلك الاخطاء المطبعية واعاد نشره موقعاً باسمه دون ان يشير - ولو اشارة- الى  اسمي.( انقر على الصورة لتكبيرها .... الصورة التقطت في بيتي في مدينة العين عام 1978 ويظهر فيها جلوسا على الارض من اليمين عبدالله سعيد البادي موضوع حكايتنا هذه والى جانبه طالب اخر من طلابي اسمه عبيدبن احمد الظاهري الذي اصبح هو الاخر رئيسا لصندوق ابو ظبي للانماء ..... والى جانبهم صديقي وزميلي الاستاذ خالد المساعدة مدرس الاجتماعيات ).


* المهم ... اختياري لعبدالله سعيد البادي ليكون عضواً في اللجنة الطلابية المذكورة لم يكن لمواهبه الفذة لا سمح الله فالولد كان (اتيس) طلابي واكثرهم بلادة ... وكانت فيه ميوعة وخنوثة ... كان كل همه استبدال سيارته كل ثلاثة اشهر مستغلاً علاقة اسرته بالشيوخ فقد كان اخوه احمد سعيد البادي ضابطا كبيراً ومرافقاً للشيخ زايد سرعان ما اصبح وزيراً للداخلية ورئيساً للاركان قبل ان يتم طرده من منصبه لصالح اولاد الشيخ زايد.


* ولانه ولد حمار - اقصد عبدالله - فقد نجح في التوجيهي (دفشاً) والتحق بجامعة الامارات ليدرس مادة التاريخ ونجح فيها دفشاً ... وبعد اسبوع من تخرجه من الجامعة لم يعينوه مدرساً لمادة التاريخ وانما مديرا للشئون المالية والادارية في شركة ادنوك للنفط وهي تعادل شركة ارامكو في السعودية من حيث الضخامة لانها الشركة المسئولة عن استخراج وبيع نفط ابو ظبي.


* ما دفعني الى اختيار عبدالله البادي  ليكون عضواً في اللجنة هو اقتناعي بان طبيعة جمع المادة التراثية من الناس وكبار السن يتطلب واحداً مثل عبدالله لانه كان ابن عائلة يعمل رجالها ونسائها في قصور الشيوخ والحكام كمطارزية - والمطارزي في الامارات هو كلب الشيخ وتابعه - وبالتالي يمكننا من خلاله دخول منازل وبيوت المواطنين كبار السن الذين كنا نخطط لاستنطاقهم عدا عن ان عملا كهذا كان يحتاج الى شخص قادر على فهم اللهجة المحلية وعبدالله هذا كان الى يوم تخرجه من المدرسة لا يحسن التكلم بالعربية الفصحى فقد كان اعرابياً ويتحدث بلهجة بدو القصور وخدمهم.


* كانت علاقتي بهذا الولد اذن قوية بحكم تدريسي له صباحاً في المدرسة والتقائي به مساءً في اطار عملية جمع التراث ... وكان عبدالله سعيد البادي هو الوحيد الذي - حين يزورني في بيتي (الغرفة)- يقعد على الارض لانه لا يحسن القعود على الكراسي ... كان يشرب الشاي بطريقة مقرفة وصوت مسموع تماماً مثل البدو الذين تراهم في صحراء ابوظبي وقد اكلهم القشب والجرب والقمل ... واذكر اني كنت - عندما يغادر- (ارش) المكان الذي كان يقعد عليه خوفا من ان يكون قد ترك لي قملاً وبراغيث ... كان عبدالله - مثل بقية الاعراب - لا يغتسل .... ويعتبر التمرغ على الرمال نوعا من الطهاره تعفيه من الاغتسال .


* هذا هو اذن الذي قصده الاستاذ المرحوم علي عوض بامطرف من سؤاله لي (هل باركت لابنك) فقد كان " ابو انور"  يعتبر تلاميذ المدرسة كلهم - حتى الجربانين منهم - مثل الابناء ...وكان  يعلم ان هذا الولد تحديداً كان - بحكم العمل- مقربا مني وبالتالي وجد ابو انور لشدة ادبه وذوقه ان زيارتي لعبدالله في مكتبه وتهنئته على مركزه الجديد قد يبسطه لاني استاذه ... ولانه تعلم مني الكثير ... ولانه كان يشفط الشاي في منزلي بمعدل مرة كل يومين ... وعليه فان الاستاذ ابو انور كان يظن ان هذا الولد سيطير بي فرحاً عندما يراني في مكتبه ... وقد ينادي على موظفيه حتى يعرفهم باستاذه ... ومن يدري ... فقد يبكي حين اودعه لاني كنت ساهاجر الى امريكا بعد ايام هجرة لا عودة فيها.


* شيء في نفسي كان يخبرني ان هذا لن يحدث لكن فضولي والحاح المرحوم دفعاني فعلاً الى التوجه صبيحة اليوم التالي الى مقر شركة ادنوك العملاق في احدى ناطحات السحاب على شاطئ ابوظبي ... كنت اريد ان ارى وافهم كيف يمكن لولد جاهل وتيس وحمار وخريج ( تاريخ ) ان يقود شركة نفط عملاقة مثل ادنوك!!


* وصلت الى مقر الشركة وبعد مروري بعدة نقاط للتفتيش وصلت الى موظفي الاستقبال وبعد اخذ ورد معهم واتصالات هاتفية من فوق لتحت اعلموني ان علي ان انتظر نصف ساعة كاملة على الاقل لان سعادة رئيس الشركة مشغول!!


* لم ازعل ... ولم اغضب ... ولم تأخذني العزة بالاثم ... بل زاد فضولي لاني لم اكن اتخيل ان ولداً حماراً شرموطاً مثل عبدالله يمكن ان يقود مؤسسة نفطية عملاقة كهذه بخاصة وان الولد لم يكن يحفظ جدول الضرب وكان هذا موضوعاً للتندر فيما بعد.


* ورن جرس الهاتف في الريسيبشن ... لم ينزل عبدالله لاستقبالي - كما كنت سافعل لو كنت مكانه- وانما طلب منهم ان يبعثوا باسامة الى فوق ... وصعدت الى الطابق الاخير بصحبة ثلاثة موظفين احدهم كان مسلحا  ومررت بمكتب فيه اكثر من عشرين سكرتيرة انجليزية شقراء كن شبه عاريات قبل ان الج الى مكتب عبدالله .... كان المكتب مثيراً لدهشتي ... لم ار من قبل مكتباً بهذه الضخامة والاتساع ... كان يطل على البحر ... وكان عبدالله - هذه المرة- يقرمز على كرسي فاخر وليس على الارض ... لم يتغير شكلاً فلا زال ضئيل الحجم وشاربه لم يطر بعد ... كان يتربع على الكرسي وبيده سماعة الهاتف ... كان من الواضح انه لا يوجد شخص آخر على الخط ... كانت تلك حركة مسرحية يريد ان يوهمني بها هذا الشرموط انه شخصية هامة ... او لعله اراد ان يبرر عدم قيامه من مكانه للسلام على استاذه ... او لعله ظن اني قادم لطلب وظيفة فقرر ان يعمل "الحبتين دول" ... ولاني فهمت الحكاية فوراً فقد سحبت كرسياً الى النافذة وجلست عليها وانا انظر الى البحر ... وانتظرت حتى وضع سماعة الهاتف لاقول له: مبروك يا عبدالله ... مكتب حلو ... ولك شو رماك على النفط ... شو بيفهمك بالبترول ومشاكل البترول ... ليش ما اشتغلت بشغلة مفيدة تنسجم مع تخصصك؟


* يبدو ان عبدالله فوجئ بردة فعلي بعد كل هذا الفيلم وحكاية السيكيوريتي والسكرتيرات العاريات والمكتب الضخم ... ويبدو انه فهم على الفور اني لست هنا في معرض طلب وظيفة ... واني لا زلت كما عهدني الاستاذ اسامة صاحب اللسان السليط الذي لا يخشى في الحق لومة لائم وصاحب النكتة والروح المرحة ايضاً الذي يخلط الجد بالهزل وليس عنده كبير الا الجمل ... فابتسم عبدالله بفتور بعد ان اصفر وجهه واحمر ... قبل ان يقول: والله يا استاذ الشيوخ اختاروني لهذا الشغل وما قدرت ارفض طلبهم.... ففقعت من الضحك لان عبدالله رمى التياسة على شيوخه ... وسحب نفسه منها .


* استغرقت زيارتي لعبدالله اقل من خمس دقائق قلت له خلالها اني هنا لابارك له عمله الجديد بناء على توصية من الاستاذ علي عوض بامطرف ... واضفت اني ساهاجر الاسبوع القادم الى امريكا ... ولانني كنت اعرف انه حمار و (سميك) الفهم ... فقد اقتربت منه وانا اقول له بلهجة يفهمها جيدا: يعني انا هون حتى اقول باي باي مش علشان اطلب منك وظيفة!!


* حدث هذا في مطلع الثمانينات ....ولا ادري ما هي الوظيفة التي يشغلها هذا الولد الشرموط الان ولكني على ثقة انه كان رئيساً لشركة ادنوك عندما اتخذ اخوه الفريق الركن محمد سعيد البادي وزير الداخلية قراراً بطرد الاستاذ علي عوض بامطرف المربي الفاضل الذي تحمل قرف هؤلاء الاولاد الشراميط الجهلة واراد ان يصنع منهم قيادات للمستقبل المشرق!!( ولعبدالله اخ اخر اصبح وزيرا للصحة اسمه احمد سعيد البادي وهو ايضا من تلاميذ المرحوم ابو انور ).


* من بين الوزراء الجدد في الامارات شيخ اسمه حمدان بن مبارك وهو رجل مصاب بعاهة العرج وقد تخرج هو ايضاً من كلية زايد الاول وعمل رئيساً للطيران في ابوظبي لمجرد انه ابن الشيخ مبارك ابن عم الشيخ زايد وقد رقوه الان فاصبح وزيراً ... هذا الشيخ الاعرج التافه رأيته يزحف برجله العرجاء في مكتب "ابو انور" ومن المؤكد انه كان يعلم مع عمه انذاك - رئيس المخابرات الشيخ سرور- بقرار طرد هذا المربي الفاضل لجريمة لم يرتكبها ... جريمة اجتياح صدام للكويت ... و (ابو انور) كان من اكثر الناس كرهاً لصدام وحزب البعث ولا علاقة له بالاجتياح والمجتاحين لانه كان مشغولا برعاية " الابناء " الشراميط من طراز هؤلاء .


* في عام 1978 اشتركت في المراقبة على طلبة الثانوية خلال تقديمهم لامتحانات آخر العام وبعد نصف ساعة من بدء الامتحانات ضبطت طالباً وهو في حالة (غش) حيث كان ينقل كلاماً مكتوباً على "كم" دشداشته ... وامسكت به مسك اليد ... واخرجته من قاعة الامتحان الى غرفة الناظر " ابو انور " رغم نظرات الاشفاق التي قرأتها في عيون زملائي المدرسين ... الاشفاق ليس على الطالب الغشاش وانما علي انا فقد تبين لي ان الطالب الغشاش لم يكن الا الشيخ عوض طريف الكتبي شقيق الشيخة فاطمة زوجة زايد وام اولاده الذين يحكمون الان الامارات .


* الاستاذ علي عوض بامطرف ناظر المدرسة تعامل مع الواقعة بطريقة حفظت لي حقي كمدرس وامانتي كمراقب كما حفظت للشيخ عوض ماء الوجه لان الامسك به متلبساً بعملية غش يعني فضيحة له ولاخته زوجة رئيس الدولة ... صحيح ان عوض اصبح لاحقاً من اكثر طلبتي تعلقا بي الا اني لا استطيع الان ان اعفيه من جريمة طرد الاستاذ علي عوض بامطرف من الامارات والدولة تحكمها اخته الشيخة فاطمة واولادها الخمسة ... الشيخ عوض وحده كان قادراً على الغاء هذا القرار القذر على الاقل وفاء لاستاذه المربي الكبير علي عوض بامطرف.


* حتى حاكم مدينة العين الشيخ طحنون لم التق به الا في مكتب الاستاذ علي عوض بامطرف حين كان الشيخ يزور المدرسة للسؤال عن ابنه الشيخ سعيد الذي يظهر في الصورة اعلاه مع الاستاذ علي والذي اصبح - اقصد الشيخ سعيد- نائباً لابيه الحاكم ووزيراً في مجلس وزراء ابوظبي ... وشيخاً لا يرد له امر ... كيف رضي الشيخ سعيد هذا و (ابوه) ان يكافئ الاستاذ علي عوض بامطرف المربي الكبير بالطرد من الامارات لجريمة ارتكبها صدام حسين .( انقر على الصورة لتكبيرها .... الصورة التقطت في حفل اقامته المدرسة عام 1979 لتوديع طلبتها الخريجين ... يبدو في الصورة الشيخ سعيد بن طحنون وعلى يمينه المرحوم "ابو انور" اما على يساره فكان يجلس الاستاذ محفوظ شديد مدير المنطقة التعليمة وهو فلسطيني من علار عمل في التعليم في الامارات اكثر من خمسين سنة وخلال حرب الخليج الثانية سحبوا منه جواز سفره الاماراتي وطردوه من الامارات لانه فلسطيني اي ان الصورة تجمع بين شيخ اماراتي واستاذيه اللذين طردهما ابوه وعمه من الامارات دون سبب ).


* اعود الى نقطة البداية في مقالي السابق عن ناكري الجميل في الخليج لاكرر ان كثيرين ممن (طردوا) من الامارات نجحوا في حياتهم العملية بعد طردهم ولم يموتوا من الجوع كما يتوهم الاماراتيون والاستاذ علي عوض بامطرف واحداً منهم فالرجل عاش في الامارات بمرتبه المتواضع منذ عام 1973 عفيف اليد لم يخرج من الامارات بثروة لانه عمل كمربي للاجيال وليس كلص وقواد واللصوص والقوادون لم يطردوا من الامارات ولن يطردوا منها ولو ظل في الامارات لما زاد مرتبه مائة دولارا لانه وافد ولن يترقى الى اكثر من وظيفة مدير مادرسة .... لكن بعد عودته الى بلده اليمن مطرودا من ناكري الجميل طلابه الشيوخ تسلم بعد اسابيع من وصوله اليمن مناصب عليا ليس لسواد عيونه ولكن لانه كفاءة عالية كانت مهدرة في مشيخة زايد واولاده .


* عندما طردوا الاستاذ علي من الامارات عاد - طبعاً - الى اليمن ولكنه لم يمت من الجوع ... لانه شغل على الفور منصب المدير العام للاذاعة والتلفزيون في صنعاء ثم رقوه فاصبح مستشاراً لرئيس وزراء اليمن الى يوم وفاته مما يعني ان الاستاذ علي كان - مثلي - بيتوتيا اي لا يحب التغيير وهذا ما جعله مربوطا بوظيفة ناظر مدرسة  في مدينة العين منذ عام 1973 .... قانعا بهذا النصيب وصابرا على هذه البلوى ... واغلب الظن انه لو امضى السنوات العشر في اليمن بدلا من مدينة العين لاصبح رئيسا للوزراء بدل اضاعتها في الامارات في تربية وتعليم شيوخ كلاب وسفلة من هذا الطراز.

* لم يكن الاستاذ علي عوض بامطرف رحمه الله يحب قيادة السيارات لذا لم يشتري طول فترة وجوده في مدينة العين سيارة ... وظل كذلك حتى لما عاد الى اليمن واصبح مستشارا لرئيس مجلس الوزراء .... كان رجلا بسيطا متواضعا يحب الاختلاط بالناس ... وكان يحرص على ان يقضي حاجته بنفسه عملا بالسنة النبوية ... وفي صبيحة الثلاثين من ايار مايو عام 2002  كان ابو انور متوجها الى مبنى مجلس الوزراء مشيا على الاقدام فضربته سيارة مسرعة كان يقودها تلميذ مدرسة وتوفي ابو انور بعد ساعة من نقله الى المستشفى .... وكانت تلك رحمه من الله تعالى ... فلو مات الرجل في مدينة العين الاماراتية لما خرج في جنازته كلب واحد من  الشيوخ الذين علمهم ورباهم ودرسهم ورعاهم كابنائه ... لكن الله قدر وشاء ان يتوفى الرجل في بلده وبين اهله .... وقد علمت ان صنعاء كلها خرجت في جنازته وان الصحف اليمنية كلها لهجت بتعداد مناقب هذا الرجل ... الذي علم وربى ودرب شيوخ الامارات الشراميط ... ومات دون ان يعرف احد في الامارات من طلابه واصدقائه ومحبيه ذلك ... ولعلهم الان وبعد قراءة مقالي هذا سيعرفون ... وانا على ثقة ان مئات من معارف الاستاذ علي عوض بامطرف من غير الشيوخ طبعا سيبكوه مثلي ... وسيبصقون - بعد ان يعرفوا مني ما حدث للمرحوم في الامارات - على الشيخ زايد واولاده ... لانهم سفلة لا ذمة لهم ولا عهد ... ولا يعرفون الوفاء .... ولا ينحنون الا لمن يلوط  بهم  تماما كما انحنى الشيخ فلاح بن زايد  في الفندق السويسري طيب الذكر .

لقراءة جميع فصول " مذكرات شاهد عيان " انقر هنا