ادب الشباب في الامارات العربية المتحدة
محاضرة القيت في الشارقة عام 1982
بقلم : اسامة فوزي
نشرت هذه المحاضرة  في الصحف الاماراتية وفي مجلة الطليعة العراقية عام 1982


لعل التكوين الخاص لمجتمع الامارات العربية المتحدة ، هذا التكوين الذي يجمع ما بين التراث والمعاصرة ، القديم والجديد ، المصنوعات اليدوية واخر ما انتجته تكنولوجيا الغرب ، جمعا عشوائيا لا يحدة اطار واحد ولا توجهة رؤية مستقبلية واضحة ولا تتضح امامه معالم الطريق واساليب المزج بين ما هو ماض وما هو حاضر وما يجب ان يكون مستقبلا ... واقول : لعل هذا ( التكوين الخاص ) للمجتمع االاماراتي ينعكس بكامل تفاصيلة علي الانتاج الادبي والفكري للشباب ، الذين هم في المحصلة نتاج التكوين المشار اليه وربما ضحيته ايضا ، فجل هؤلاء عاش عصرين اختزلتهما تكنولوجيا العصر الي عشرين سنة علي الاكثر ، هما الغوص علي اللؤلؤ وردينة الفقر والحرمان وعصر النفط ورديفه الثراء الواسع .

وادب الشباب في الامارات العربية المتحدة تتوزعه عدة اتجاهات يمكن تمييز اتجاهين منهما علي صعيدي الشكل والمضمون هما :
 الاتجاه التقليدي في الشعر والقصة وهو الاتجاه الذي يسير ـ شكلا ومضمونا ـ في ركب القصيدة الكلاسيكية بموازينها ومعاييرها ومضامينها المعروفة والمتوارثة والقصة القصيرة التي تلبس لبوس الحكاية بحدودها المعروفة : المقدمة والوسط والنهاية .

 اما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه التجديدي ـ ان تجاز التعبير ـ واقصد به كل محاولات الكتابة الشعرية والنثرية التي تحاول ان تمارس النماذج المعروفة في هذا المجال بدءا بالقصيدة الحديثة ـ علي اختلاف تسمياتها ـ وانتهاء بقصيدة النثر او كتابة النثر بخواطر وخيالات الشاعر مرورا بالقصيدة الخاطرة والقصة القصيرة وغير ذلك من محاولات تسير في مجموعها ضمن الرغبة في التجديد .

وفي هذه العجالة ، ساحاول ان اتناول ابرز الادباء الشباب الذين يمكن اعتبارهم علي راس ممثلي هذين التيارين ، وقد حرصت ان يكون التناول اساسا لمن اصدر عملا ادبيا خلال السنوات الخمس الاخيرة وتجاوزت هذا الشرط بالنسبة لشاعرين او ثلاثة فقط عن بعض كتاب القصة القصيرة ممن لا يمكن تجاهلهم ، ذكرا عابرا علي الاقل ... ومن المفيد ان نشير هنا الي ان الدراسة تتناول الكتاب من ابناء الامارات فقط ، لذا اسقطنا منها كل نتاجات العرب الوافدين او الكتاب المتجنسيين ، انسجاما مع فكرة الدراسة اولا ، وترجمة لما اشرت اليه في المقدمه من ان التكوين الخاص للمجتمع الاماري انعكس علي نتاجات الادباء الشباب وما هذه الا محاولة لتلمس مظاهر هذا الانعكاس ومدلولاته ضمن تعريف عام بالحركة الادبية الشابة في الامارات .

كنت قد اشرت في مقاله سابقة نشرت في مجلة الطليعة الادبية العراقية الي الديوان الاول للشاعر حبيب الصايغ وهو بعنوان ( هنا بار بني عبس الدعوة عامة ) وقلت في حينة ان موهبة الشاعر ولدت كبيرة ، لم تمر في مرحلة المراهقة ـ البدايات ـ وانما خرجت من رحم الالهام الشعري فتيه ، قوية ، مستقلة عن المشيمة ، لها شخصيتها المميزة وبين جوانبها العمق والاثارة والالتزام .... والديوان الاول للشاعر يتمثل في قصيدة واحدة فقط تقع في 715 سطرا شعريا وهي التي تحمل عنوان الديوان واشرت كذلك الي ان التجربة الشعرية عند الصايغ ـ في مرحلة المخاض ـ تكون هلامية مثل الزئبق ، ثم تبدأ تتكامل وتتلاحم في شكلها الهندسي الاخير ، متجاوزة كل معادلات البناء الشعري ، المعماري ، الهندسي ، الذي يسير مثل الابجديات ، متصاعدا ، متوترا حتي الذروة .

وقد امكن ملاحظة اكتمال تجربة الشاعر ونضجها بعد صدور الديوان الثاني وهو بعنوان ( التصريح الاخير للناطق االرسمي باسم نفسه ) فعلي صعيد الشكل حافظ حبيب الصايغ علي صورة الشعرية الممتدة والمتجددة في اطار القصيدة الحديثة وظلت موسيقاه ذات ايقاع حماسي ، فيه رنة حزن ، والتزام بالتفعيلة الواحدة ـ باستثنناء قصيدته الاولي قراءة جديدة في سفر التكوين ـ واستفاد الشاعر من مخزوناته اللغوية في اثراء الايقاع الحماسي الذي تطغي فيه الثورة والاحتجاج والضجيج علي رنة الحزن وجعل التكرار ـ اللازمة ـ اشبة بالشعار الذي يرفعه المتظاهرون ، الخارجون علي القبيلة ، في قصيدته ( الهوية ) حيث تتكرر عبارة ( لن أهادن ( أربع مرات ، فضلا عن ( لن أغامر ) و ( لن استنشق الموت ) وغيرها....
اما علي صعيد المضمون فيكاد يتميز حبيب الصايغ عن جميع شعراء جيله ا، ليس في إنسانية وحرارة الطرح الوطني التحرري فحسب وانما أيضا في مزجه ما بين العام والخاص في صورة واحدة من التشكيل المضموني المتفوق ، ومضامينه ـ في ديوانه الثاني ـ فتراه يخاطب صاحبته في قصيدته الأولى فيقول :
 ( تعالي نصرح في وجه الأسمنت المتشكل عاصمة بلهاء وسكانا منفيين وأطيارا نسيت شكل البحر ) .
وهو لا يدعو إلى الصراخ فحسب ..... انه يدعو الي إعادة التشكيل والصياغة ( تعالي أيدينا ترحل في المطلق ليلا ورؤانا تركض فوق الإسفلت نهارا ، يمتزج الأبيض بالأسود ، يمتزج الأسود بالأبيض ، يأتي في منتصف الليل الفجر ، نضيف الي الأحرف حرفيين جديدين ، نعيد المزج ، نعيد التركيب ، فتغرقنا أمواج ما دارت في خلد الفيضان وتغمرنا ألوان لم تخطر في بال ولا تدهشنا الدهشة ، لكن تدهشنا ذاكرة الساعة )

ويتكرر رمز المدينة ( البلهاء ! ) في قصيدة ( المزاد وفجر اليوم الثاني )
فيقول الشاعر :-
مطفأة ذاكرة الشمس المذبوحة في طرقات مدنيتنا العذراء منهكة ببكارتها من كثرة ما وطأتها خيل القوادين الشرفاء منكرة أسماء شوارعها من كثرة ما اغتصبوا فيها الأسماء لون مدنيتنا لون الفرح المقبور يطل من الأكفان علي استحياء ضاع الشكل ومات الحجم وظل الصوت المخنوق علي الشاطئ يستذكر وجع التاريخ ويصرخ في لاموات الأحياء .
ويمتد ( الخاص ) عند الشاعر ، يستطيل الي ( العام ) ويطل ( الوطن ) من وراء المدينة ( البلهاء ) و ( العذراء ) فينشد الشاعر :-
انا من دون ذراع يا وطني
انا بعض من بعضك يا وطني
أنا من طينك كونت جبينا يسطع في ذاكرة الشمس
وصدرا يشمخ في وجه الشمس
وكونت ذراعا يمتد فيلمس ثغر الشمس

هذا فضلا عن هموم الشاعر ( الفلسطينية ) في قصائده ( الجسور الثلاثة ) و ( نصيحة إلى المتهم محمود درويش ) .

لقد مثل حبيب الصايغ الاتجاه الأول ـ التجديدي ـ بكل صدق ، وكان علي راس الكتاب الشباب الذين حلقوا في شكل بمضمون هذا الاتجاه فأجادوا فيه .

احمد راشد لثاني وظبية خميس

يسير هذان الشاعران في الاتجاه ذاته الذي حلق فيه شاعرنا الأول ، وان كانا لم يصلا الي درجة الاتفاق التي وصلها ، مع ضرورة ان نشير هنا الي ان احمد راشد ثاني بدأ يظهر كمنافس خطير لريادة هذا الاتجاه ، فهو يحقق في كل قصيدة جديدة له قفزة نوعية الي الأمام وبدأ يستأثر باهتمام الجمهور هنا بعد كل أمسية شعرية يشترك فيها وساعد علي قفزاته النوعية تلك موهبة أكيدة ، ومعايشة فعلية للواقع الاجتماعي الذي يصورة
ـ وهذه ميزة ينفرد بها الشاعر ، فهو عندما يتحدث عن الفقر والجوع ، يخرج حديثه عن مجرد كونه خيالات شاعر ليصبح ترجمة حقيقية وواقعية عن حالة معاشيه هو أحد أطرافها ، ثم هو لمع وبرز لصغر سنه ـ لم يتجاوز الثامنة عشرة بعد ـ فضلا عن أجادته النظم بالعامية المحلية وقدرته المؤثرة في الإلقاء ، ونظمه للعامية اكثر انسجاما مع نفسه ، ومع الاتجاه ـ التجديدي ـ من شعره الفصيح ، وبالتالي فهو يجود فيه اكثر ، كما يظهر في إحدى اجمل قصائده ( بسي بحر ...... بسي عشق )

إلى متي يا شقا مزروع في يوفي ( جوفي )
الي متي يا ألم تسقي سدر خوفي
الي متي انا بحري ما اله ساحل
كل دهن مركبه والكل في قفال
الا انا سامر ويا الهوي راحل
كفاية بسي بحر يحزر حشايا اليوف ( الجوف )
كفاية بسي عشق يسقيني كاس الخوف
لنشي حطب يا بحر ما يقوي يتحدي
اللي بيتحدي واقع ..... ليش تركيته
وجيتي لي بالملح يا ليت ما ريته
بتشير في نخوتي أحلام ما دقي
ما قوي اتحدي اللي اليوم يتحدي

وأنا كسرة عظم البس بشن يدي ( جدي )

أما ظبية خميس ، التي تستعد لإصدار ديوانها الأول ( خطوة فوق الأرض ) فلا تحفل إطلاقا بالشكل الشعري ولا بقواعد اللغة وموسيقاها ، وتعتبر أن مأخذ النقاد عليها ـ مع عدم اعترافها بوجود نقد أصلا ـ هو ضرب من محاولة رفض كل ( جديد !! ) ، لا تستثني بذلك أحدا .... كل اهتمامها ينصب علي المضمون من خلال تكوين صور شعرية ، خيالية ، فيها الكثير من الإيحاء بالرفض الاجتماعي والرفض السياسي ، وقد بدأ أسلوبها الذي يصل إلى درجة متطرفة في التجديد ـ الذي لا يخضع لأي معيار أو قياس ـ يؤثر في تكوين اتجاه ثالث لكتابة نوع من الأدب لا هو بالشعر ولا هو بالنثر ولا يمكن اعتباره من ضروب قصيدة النثر ـ لان لهذه قواعدها أيضا ـ أو إنما هو اقرب إلى الخواطر العفوية والتجريب اللغوي ، وان كانت ظبية علي درجة من الثقافة والدراسة المتخصصة ـ اقتصاد سياسي ـ وبالتالي تستفيد من خليفتها الثقافية هذه في شحن ما تكتبه بدلالات الرفض المشار أليه ، ألا أن الخطورة تكمن تبعها أو سبقها إلى كتابة هذه الخواطر السهلة

ذلك أن هذا الاتجاه يبدو وكأنه الملجأ لكل من يعجز عن فهم اللغة واستيعاب قواعدها ، والصحف اليومية في الإمارات تغص بهذه المحاولات ، التي بدأت تجد اهتماما خاصا من بعض المشرفين علي الصفحات الثقافية من باب ان هذه المادة تغطي مساحات الثقافية بأقل تكلفة .

تقول ظبية خميس تحت عنوان ( هتفت ففاجأنا الحب ) :-

اثرك يتنفس انفاسي
يطابق بصماتي
يحبو حول الشامات الصغيرة
امطارا في سحابة صيف لعوب
ها انت في عروتي تسري والخصب
يزور غرف الجسد الحميمة .

لقد بدات محاولات التجريب في الشعر والكتابة الشعرية تاخذ طابعا جماعيا لادي الكتاب الشباب في الامارات ا، فوجدنا ان احمد امين الموني وعارف الخاجة وغيرهم من اتباع الاتجاه التقليدي في الشعر لا يوصدون الباب امام هذه المحاولات ، كما فعل هاشم الموسوي مثلا ، علي ان التجريب من خارج المجموعتين ـ او الاتجاهين ـ يكاد يكون االصبغة العامة لمحاولات الكتاب الشباب ـ الجدد ـ وهذه احدي هذه المحاولات لشاعرة اسمها ( هالة حميد ) والقصيدة بعنوان ( سيقان في جسد الارض )
نشرتها بعد الاعتداء الاسرائيلي علي بسام الشكعة :-

هل تمنحني احدي ساقيك
ساق قد قطعت من حد الركبة
كي اصنع كل وجوه القوم ابها
هذي الساق سمباركة
كشجيرة زيتون
........................
امنحني احدي ساقيك .
امنحك القبلة من ثغر الثورة يا بسام
ما عدت حصانا يصهل من خلف لجام
ساق كريم تتفجر لغما
يفضح الوان نذالتكم
يركض في حقل الالغام
احمد امين بالمدني والكلاسيكية في الشعر


يحتل الدكتور احمد امين المدني مكانة مرموقة بين الكتاب والمثقفين الاماريين ، فهو شاعر وباحث واستاذ في الادب العربي  وقد صدرت له عدة كتب منها كتاب ( الشعر النبطي ) الذي يعتبر اول دراسة من نوعها في الامارات وله ديوان مطبوع ( حصاد السنين ) وقد حصل علي الدكتوراه من لندن قبل ان يعود الي الامارات لينشط ثقافيا ـ في فترات متباعدة ـ ولكنه يظل قوي الحضور ، بثقافته الواسعة وبمناصرته للقصيدة الكلاسيكية .
الشاعر من مواليد ديرة في دبي ، وقد انعكست سمتان رئيستان علي نتاجه الشعري .
الاولي :- البعد الفلسفي ويرتبط هذات بتاثره في دراساته العليا حيث قدم اطروحة الدكتوراه في ( اصول فكرة التوحيد ) .
الثانية :- التفاعل مع التيارات الادبية الغربية وكان هذا نتيجة مباشرة لدراسته في كمبردج والسوربون .
وتجربة الشاعر يمكن رصدها في مرحلتين اثنتين :-
الاولي :- البدايات في ديوانه ( حصاد السنين )
الثانية :- الاتجاه القومي في ديوانه ( اشرعة وامواج ).

 تتميز قصائد الديوان الاول باحساس طاغ بالقلق ، وقد اعترف الشاعر بذلك في مقدمته الطويلة .. القلق هو لحمة وسداة هذه القصائد .. يقول : ( قصائد هذه المجموعة مهما اختلفت مضامينها وتنوعت اشكالها فان شعورا واحدا من الحب والالم والحنين يجمع بينها ، شعور الشباب والقلق علي مشارف عصر جديد مصطحب الاراء ، متنازع الاهواء )
معظم قصائد هذا الديوان نشرت في المجلات والدوريات العربية ، لكن الملفت للنظر في مقدمته النقدية التاريخية انه يحاول اضاءة الواقع الفني لحركة الشعر في الخليج علي وجه العموم من خلال تجربته هو ، وقد تضمنت المقدمة مقولات قد تبدو اوسع بكثير من واقع القصائد ولكنها علي أي حال تكشف عن رؤية الشاعر وعن تجربته الشعرية ويمكن تلخيص هذه المقولات بما يلي :-


اولا :- القلق هو محور قصائد الشعراء الخليجين علي اختلاف مضامينها .
ثانيا : الفن انطلاق في لا نهائيات من الاحلام والخيال لذا لم التزم بالتيارات الفنية السائدة .
ثالثا : الشعر في الخليج كان حتي اواخر الثلاثينات صدي لتقاليد الشعر القديم ، مسجونا في توابيت المفاهيم البالية ، الي ان تعرض في الخمسينات لهذه التجديد .
رابعا :- الشعر في الخليج يجمع بين ملامح المدارس الادبية مجتمعة .


العارفان وهاشم الموسوي


اما العارفين ، فعارف الشيخ وعارف الخاجة ، وهما يشكلان مع هاشم الموسوي وعمر المرزوقي جبهة واحدة من شعراء القصيدة العمودية التي تتراوح بين جودة النظم والسبك ـ عند الخاجة والموسوي - والاضطراب في قفل الابيات والقصائد عند المرزوقي ..... والذي اذكره ان عارف الشيخ هو الوحيد من بين الاربعة الذي اصدر ديوانا شعريا وذلك عام 1977 وهو علي ما اذكر بعنوان ( ذكريات ) ، والقصيدة عند الشعراء الاربعة لا تخرج في كلماتها ومعانيها واغراضها عن القصيدة القديمة ، فما زالت الابيات ذات وحدات وصور بلاغية مجزئة ، ومازالت الاغراض في المديح والغزل والوصف  ... يقول هاشم الموسوي في قصيدة له بعنوان ( في ظلال الشعر ) :-


يا شعر تلك ضفاف المجد ظامئة
لنبعك الظهر فياضا وجذلانا
تنساب فوق الشفاه السرنغمته
روحا من العالم العلوي يغشانا
اهداب شمسك ما زالت معاقدتها
علي الجفون السكاري في خبايانا
ومجد امسك ما زالت اشعته
علي الطريق دليلا منك يرعانا


ومن بين الفرسان الاربعة ـ كما اشرت سابقا ـ بدأ عارف الخاجة يخرج من الطوق ولعله ينضم قريبا للقافلة الثانية فقد قرأت له خلال شهر واحد خمس قصائد تسير في الشكل علي النمط الحر وان كانت مازالت كلاسيكية المضمون مثل ( غرام عاهرة ) و ( متي نصحو ) وغيرها .
ولعله من المناسب ان نشير هنا الي وجود اسماء اخري مثل ناصر النعيمي ـ واذكر شعره بالعامية ـ وخالد بدر عبيد واحمد راشد سعيدان ـ وهو صورة كربونية عن نزار قباني ـ وغيرهم .


الرواية والقصة القصيرة في الامارات العربية


رغم اهمية الفن الروائي والقصيصي في التعبير عن المجتمعات فاننا نلمس ضمورا واضحا في هذا الفن علي صعيد الادب في الامارات ، فالاصدارات في القصة والرواية تكاد لا تتجاوز اصابع اليد وما ارتقي منها الي الوسط او دون الوسط لا يزيد عن اثنين وهي مسألة قد نجد تفسيرها في ثلاثة اسباب :-
الاول : ان الفن الروائي والقصيصي بالذات من اكثر الفنون الكتابية تعقيدا ، وتطلبا ليس فقط للفكر والمضمون وانما ايضا للقدرة الاسلوبية واللغوية بما فيها السرد والتحليل والحوار وغير ذلك ، وهو علي الاجمال خصائص لا تنمو الا في بيئة ثقافية غنية وفي وسط زاخر بالمحاولات وهو ما تفتقده الساحة الثقافية حتي الان .
الثاني :- ان الفن الروائي والقصصي يحتاج الي نفس طويل في الكتابة ، وجلد علي ملاحقة الحدث وانماء الشخصيات وغير ذلك من حبكة وصراع ، وهذا الجلد علي المتابعة مفقود لدي معظم الكتاب هنا ، حيث يلاحظ ان اصدارتهم تميل نحو الكتابة السهلة كالخواطر والحكايات وغير ذلك .
الثالث :- غياب الرعاية بوجهيها الرسمي والخاص ، متمثلة بصعوبة النشر وندرة النقاد وسؤ التوزيع وغير ذلك من معضلات ومثبطات لعل من ابرزها النفاق الادبي الذي بدأ ياخذ دورة الي جانب النفاق الاجتماعي ، حيث يعيق هذا النفاق نمو حركة الابداع ويجهض الموهبة قبل ان تقف علي خشبة المسرح بادعاء ما ليس فيها .
من الاعمال الروائية البارزة رواية ( شاهندة ) لراشد عبدالله ، وللاسف الشديد فان هذه الرواية لا تتوفر الان لكاتب هذه السطور ، والكتابة عنها من الذاكرة عملية صعبة ، ولكن يمكن القول انها رواية ناضجة ، تحمل هموم الخليجين في السنوات الثلاثين الاخيرة ، سنوات التحول الدرامي من مجتمع الغوص ـ الفقير ـ الي مجتمع النفط .
اما الاصدارات القصيصة فمتعددة ، يمكن الاشارة الي ما وقع منها بين ايدينا فقط ، ومثل مجموعة ( الشفاء ) لعلي عبد العزيز الشرهان و ( الجدران لا تصفع ) لعبد الحميد احمد .... وتسجلان هموما اجتماعية عامة بلغة يمكن القول انها راقية تكتشف عن وعي اصحابها بمداخل هذا الفن ومخارجه ... واما مجموعة عبد الرضا السجواني ( ذلك الزمان ) الصادرة عن وزارة الاعلام في 86 صفحة فنموذج واضح لما ذهبنا اليه في المقدمة ، وهو ان ركوب الموجه يبان سهلا وميسورا لمن يجد صعوبة في التجديف ، وقصص السجواني العشرين تعاني من كل امراض القصة القصيرة ، بما فيها المرض الانشائي ، الذي يحول القصة الي خطبة او مقالة سردية فيها الكثير من الاستعراض اللغوي ، علما بان المسافة بين لغة القصة القصيرة الحديثة والشعر بدأت بالانحسار ثم هناك مسألة انعدام الحدث وضبابية الفكرة ، والاختصار المخل ، الذي لا يرقي الي درجة التكثيف المطلوب للموقف ، الي جانب ان الرموز بدت مسطحة جدا ( مثلا رمز الجن في القصة العاشرة ) وعلي الاجمال فان مجموعة ( ذلك الزمان ) عبارة عن حكايات لم تتوفر لها عناصر القصة الحديثة فجاءت علي ما جاءت عليه .

( منتهي العذاب ) لفرح مختار

اذا كانت حكايات السجواني قد احاطت الي حد ما باحداث تبدو عادية جدا ـ قضية الزوج مثلا ـ احاطة لم تتجاوز السطح الي العمق فان فرح مختار لم تتمكن في خواطرها القصيصة ( منتهي العذاب ) من المحافظة حتي علي هذه القشرة ـ السطح ـ رغم ان كتابها الصادر عن وزارة الاعلام في سلسلة ( النثر الفني ) يحاول ان يضع قدما واحدة علي طريق ( النثر الفني ) دون ان تتبلور خصائص واجناس هذا ( النثر الفني والي أي مدي يمكن ان نصف كتابات وفرح مختار بانها " حواطر " و " من النثر الفني ؟!
قبل الاجابة عن هذا السؤال احب ان اؤكد ان الكاتبة رغم تعثرها في ايجاد صيغة فنية مكتملة لما تكتبه ، الا انها تمتلك بالفعل موهبة الكتابة ، وعاطفة الدفع نحوها وهذه من اساسيات وابجديات الكتابة الابداعية بمختلف صورها . الموهبة تتضح في اختيارها الموفق لمفرادتها ، والعاطفة تتضح في محاولتها تصوير ( المثاليات ) في معظم ما كتبته .

فرح مختار تسجل بقلمها لمحات ذهنية وفلسفية غير مكتملة ، لم ترتفع بعد الي مستوي ( الخاطرة ) وانما تدور في رحابها وتدق بيديها في كل الاتجاهات ، باحثة عن ( شكل فني ) تستقر فيه دون جدوي ، ولنختر مقطعا واحدا ندلل به علي ما نذهب اليه .... تقول الكاتبة بعنوان ( دوامية الحياة ) ما يلي : ما اجمل الياس يا رفاقي ... ما اجمله ..... وما اجمل ان يضيع الانسان في رحابة الفسيحة الهادئة ، ففي الياس راحة عميقة ، يفتقدها الراكضون خلف بريق الامل الكاذب ، والباحثون عن ظلام الاوهام والاحلام تحت الشمس المحرقة ، ما اشقي هؤلاء التعساء وما احمقهم " .

أي فلسفة هذه التي تسعي اليها الكاتبة واي شكل فني هذا الذي اختارته لفلسفتها ؟!
الخاطرة تكثيف مركز لقضية كبيرة والكاتبة لم تنجح في ( التكثيف ) لقضيتها التي تلبس عباءة اوسع من جمعها بكثير .


دانة يا بحر دانة

لعل مجموعة محمد ماجد السويدي ( دانة يا بحر دانة ) الصادرة عن مؤسسة الوثبة عام 1976 في 66 صفحة من المقطع المتوسط ان تكون انموذجا لما تعاني منه القصة القصيرة في الامارات من مشكلات ، فهي الي جانب كونها اول اصدار ابداعي لرئيس تحرير صحيفة يومية الا انها لم تحتل بعد صدورها مكانا ما في خريطة المحاولات الادبية التي شهدتها الامارات في سنواتها العشر الاخيرة .
المجموعة باختصار محاولة لصحفي من ابناء البلد ، يحاول ان يدق باب الابداع بكلتا يدية حاملا في صدره وراسما بقلمه هموم المنطقة كما يراها صحفي من ابنائها ، مع ان اللغة صحفية بحته ، لا ترق الي مستوي لغة الشعر ، التي تميز القصة القصيرة الحديثة ، الي جانب خلل في الاسلوب ، الا ان المضامين المطروحة فيها عمق ومعاناه ، ان قصص السويدي السبعة عشر تصور جوانب مختلفة من واقع المواطن في الامارات وبعض اعماله يقترب ـ كما يقول كمال الجويلي في تقديمه للمجموعة ـ من اجواء الاساطير ، وبعضها يكاد يحلق في اجواء الاحلام .
لقد لمس الجويلي في تقديمة لهذه المجموعة ثلاثة مكونات لتجربة السويدي القصيصة :-


الاولي :- الرؤية السينمائية للاحداث .
الثانية :- رومانسية الطرح .
الثالثة :- سيطرة الاسطورة والاعتراف من التراث .


وهذا حق ، فتجربة السويدي هي مزيج من هذا التالوث ، ولكن القاص في مزجه هذا لا يكلف نفسه جهد تعميق الفكرة المطروحة وان كان يلمسها بعمق .

كان من الطبيعي في ظل الظروف الموضوعية التي اشرنا اليها والتي تحيط بالوسط الثقافي الاماري ان تغيب حركة النقد الادبي عن الساحة خاصة بين مواطني الدولة ، وما كتب في النقد خارج هذا الاطار هو لعدد من الكتاب الوافدين الذين لم يتمكنوا من الخروج عن الواقع الاجتماعي المحيط بهم والذي يتطلب ( نفاقا ) من نوع خاص ... وقد اشار احد الشعراء الوافدين الي ذلك حيث لاحظ ان ( ناقدا ! ) وافدا سطر صفحة كاملة في صحيفة يومية يمدح فيها شاعرة مواطنه لم تنشر في حينة الا عدة اسطر ... وبعض النظر عن مدي صحة هذه الواقعة الا ان الرواية بحد ذاتها مؤشر علي اتجاهات الذين يكتبون في النقد او علي الاقل يركبون مثل هذه الموجه .
وعلي الاجمال فانه يمكن الجزم بان النقد الادبي بمفهومه العلمي ومنهجه الشمولي المتكامل غائب عن الساحة الادبية في الامارات ، وما ينشر بين الفترة والفترة لا يزيد عن كونه محاولة للبدء في ( المشوار ) النقدي الطويل ، اما ما يكتبه الادباء الشباب في الصحف عن نتاجات بعضهم عبارة عن ( خواطر انطباعية ) لا يضبطها منهج ولا يؤطرها اتجاه ، وغالبا ما تكون هذه الكتابة وليدة عداء شخص او ما شابه ذلك .

وفي الاشهر الاخيرة ظهرت اعراض خطيرة من هذا النوع ، افسحت لها الصحف اليومية اعمدتها ، حيث ركزت ( خواطر ) البعض علي المسالة الدينية وعمدت التي تفسير كل كلمة وفقا لرؤية دينية مغلقة تتهم الكتاب المخالفين بالكفر او بالاتحاد ، ومن ذلك ما نشره ابراهيم ابو ملحة في جريدة الاتحاد بعنوان ( الحقيقة في فكر طه حسين ) ـ انظر عدد الخميس 3 يناير 1980 ـ معقبا علي راي لكاتب هذه السطور سبق نشره في جريدة الفجر ..... ثم مقالة للكاتب نفسه نشرها في جريدة البيان بعنوان ( شطحات حبيب الصايغ ) ـ انظر عدد يوم الخميس 2 يوليو 1981 ـ عقب فيها علي قصيدة نشرها الشاعر في جريدة الخليج ...... فقد تضمنت المقالتان اتهامات ( نقدية ! ) فيها تشكيك وتفكير للخصم ...... واليك نماذج من فقرات خواطر ( الناقد ! ) المذكور في مقالته التي ( نقد ! ) فيها قصيدة الشاعر حبيب الصايغ .... يقول الناقد في نقده:

 " ان القاريء الذي يحول عينه الي اول اسطورة قصيدة حبيب الصايغ تصاب نفسه بالغثيان والتقزز من قراءة مثل هذا الكلام المتناثر الساذج والعبارات الفجة البلهاء التي لا مدلول لها فكلمة صادها من الغرب واخري مقتنصة من الشرق ومعان ضحلة سطحية تفتقد الي ادني مستوي من الربط والانسجام بين اجزائها"

 
وفي مكان اخر يقول الناقد ( ان قصيدة الصايغ تحتمل في تضاعيفها تشكيكا وتطولالا علي الذات المقدسة فالشاعر تعشش في عقله جراثيم الغزو الثقافي ) ويقول ( ان الشاعر يتصور بان السماء لص قد سرقت منه راسه ونحن نقول له نعوذ بالله من تلك النزعة الالحادية فان في السماء الها رحيما وعادلا وان السماء ليس لص كما تتصورها عقوالكم المريضة وانما اللصوصية لصيقة بكم في سرقتكم لافكار غيركم من اعداء هذا الدين ....... الخ )
علي ان الصبغة العامة للخواطر النقدية المتبادلة هي الحدة في النقد والقدح ، فعندما كتب احد الصحفيين منتقدا ظاهرة تستتر بعض الشعراء خلف جوازات سفرهم رد عليه حبيب الصايغ بعمود وصفه البعض بانه ( متفجر ) ولغة الانفجارات هي القاسم المشترك لمثل هذه الكتابة ( النقدية ) ، وقد اشار الاديب السوري المعروف حسيب كيالي في تعقيبه علي احدي الامسيات القصصية الي ظاهرة الضعف اللغوي والنحوي التي تنتشر بين الكتاب ، واخذ علي المشتركين في الامسيات القصصية والشعرية عدم التفاتهم لهذه المسالة فما كان من احد الكتاب ـ بعد ايام قليلة من هذه الواقعة ـ الا ان يوجه اتهاما خطيرا لحسيب كيالي بنقل ترجمة احدي القصص التي نشرها في ملحق جريدة الخليج عن مجلة الاداب الاجنبية السورية ...... وهكذا .... يعيش الوسط الادبي حالة من انعدام الثقة فرخت ظاهرة من النقد والنقد المقابل لا يستهدف في النهاية الا ( الاشخاص )