من مفكرة شاهد عيان
سلسلة مقالات كتبها أسامة فوزي وعقد فيها مقارنات بين حياة الناس
 في العالم العربي وحياة الناس في أمريكا وتغطي المقالات جميع جوانب الحياة
بدءا بالتعليم والصحة والمواصلات والسكن وانتهاء بخدمات القمامة والزبالة في كلا العالمين.

( الحلقة الثامنة )
عن التعليم .... والزبالة ...عند العرب


* في عام 1976 اخبرني صديقي الشاعر المصري "  امل دنقل " انه لم يدخل المتحف المصري الذي تتقاطر اليه افواج السياح يومياً من اربع انحاء الارض ان لم يكن لمشاهدة الاثار والتحف التي يعود تاريخها
الى خمسة الاف سنة قبل الميلاد فعلى الاقل لمشاهدة ملوك مصر المحنطين ومنهم من مات قبل مولد سيدنا موسى بمئات السنين.


* لدينا - نحن العرب- مقولة اثيرة تقول " لا كرامة لنبي في وطنه" ولعلي اعدل فيها قليلاً فاقول "لا كرامة لوطن في وطنه" لاننا - نحن العرب - لا نكاد نعرف شيئاً عن اوطاننا وبالتالي لا نهتم كما يجب في الحفاظ على كنوزنا بدءاً بالاثار النفيسة وانتهاء ببعض المظاهر الاجتماعية التي ميزت مجتمعاتنا.


* كثيرون لا يعلمون ان المهندس الفرنسي الشهير هاوسمان الذي قام بتخطيط باريس هو ذاته الذي قام بتخطيط القاهرة بطلب من الخديوي اسماعيل باشا وبوساطة صديقه الامبراطور نابليون الثالث ومن هنا لقبوا القاهرة في كتب التاريخ بلقب (باريس الشرق) فهل ظلت باريس الشرق على جمالها!!


* كثيرون لا يعلمون ان حديقة الازبكية التي تغنت بجمالها القصائد والكتب والسير الاولى للرحالة الاوروبيين قبل ان تردم وتتحول الى دكاكين وكراجات قبيحة هي ذاتها حديقة لوكسمبرج الباريسية الشهيرة بجميع معالمها واسوارها واشجارها .

*  وكثيرون لا يعلمون ان الاوبرا التي نراها في فيلم الخطايا لعبد الحليم حافظ عندما غنى لناديا لطفي " قولي حاجة" ثم احترقت في مطلع السبعينات بسبب الاهمال وتحولت الى كراج سيارات هي ذاتها مسرح الاوبرا الباريسي والكوميدي فرانسيز وكثيرون لا يعلمون - من المصريين تحديداً- ان حدائق الاورمان في القاهرة هي ذاتها غابة بولونيا .

*  وكثيرون لا يعلمون ان الخديوي غير مجرى النيل ليخترق القاهرة اسوة بنهر السين الذي يخترق باريس ولولا هذا التغيير لما ظهرت اشهر احياء القاهرة التي تقوم عملياً على مجرى النيل القديم بعد ردمه مثل حديقة الحيوانات وجامعة القاهرة وغابة الاورمان والزمالك وقصر الجزيرة الذي بني خصيصاً لاستضافة الامبراطورة اوجيني زوجة نابليون الثالث بمناسبة زيارتها لمصر لحضور احتفالات افتتاح قناة السويس وهو القصر الذي يحتله اليوم فندق (ماريوت)!!


* ولكن من يزور اليوم باريس ثم يزور القاهرة لن يجد هذا التشابه بين المدينتين فلا شواطئ النيل كشواطئ نهر السين ولا حديقة الاورمان بجمال ونظافة اصغر حديقة في باريس ولا بنايات وقصور القاهرة القديمة والتي تتداعى من جراء الاهمال تذكرك بجادات باريس الفاخرة ... وحتى كوبري قصر النيل الذي بني عام 1869 خلال اقل من 15 شهراً بطول 406 امتار وكان يعتبر انذاك من اجمل قناطر العالم بعد ان زينه الخديوي اسماعيل باربعة تماثيل لاربعة من السباع من البرونز نحتها اشهر نحاتي ذلك العصر حتى اصبح اسماعيل يلقب بين عامة الشعب باسم ( ابو السباع) ... كل هذا يتحول الان الى خرائب ويتساءل الكثيرون عن المسئول وغالباً ما تسمع اجابات مختلفة فالمواطن المصري يرمي المسئولية على الحكومة والحكومة تتهم المواطن بالاهمال وتكاد "الطاسة" تضيع وتضيع معها القاهرة القديمة ... قاهرة الخديوي اسماعيل.


* ضربت مثلا بالقاهرة لانها اهم واكبر عاصمة عربيها واشهرها مع ان الحال ينسحب على جميع العواصم العربية ... فقد حزنت كثيرا على دمشق حين زرتها اخر مرة لما وجدت وسطها التاريخي تعلوه جسور حديدية قبيحة للمشاة .

* ما الذي يجعل المدن الامريكية والاحياء السكنية فيها حتى تلك التي يسكنها الفقراء والمهاجرون عن طريق التهريب نظيفة لا تتراكم فيها الزبالة ولا تتحول شوارعها الى مطبات وخرائب وما الذي يميز مواطن مكسيكي غير متعلم دخل الى امريكا عن طريق التهريب ليقيم في هيوستن عن فلاح مصري بسيط من الصعيد انتقل الى القاهرة كي ينام في شوارعها او في "العشوائيات" على اطرافها ... ولماذا عندما يطير هذا الفلاح نفسه الى امريكا ليقيم فيها تعتدل قيافته واسلوبه في الحياة ويصبح - مثلي- لا يرمي عقب سيجارة في الشارع ولا ينطر الزبالة امام منزله.


* الحكاية اذن ليس لها علاقة بالانسان وثقافته وتعليمه وجنسيته الاصلية وانما لها علاقة بالناموس العام الذي يضبط ايقاع الحياة في منطقة معينة ... لذا لم اعجب عندما رأيت سائحاً امريكياً في خان الخليلي يرمي بواقي ساندوتش على الارض وهو تصرف لم يكن ليلجأ اليه في اية مدينة امريكية!! وقد نجد له العذر من باب انه لا توجد في خان الخليلي كله برميل واحد للقمامة .


* عندما هاجرت الى امريكا واشتريت منزلاً لاقيم فيه قمت بعد الاسبوع الاول من تملكي للمنزل بكل ما يقوم به العربي في بلده حين يسكن في شقة او يشتري منزلاً اي بطلاء باب المنزل ووضع ستائر (خرائية) على الشبابيك وتعليق انتين للتلفزيون وشطف الساحة الامامية بالماء ثم حدفه الى الشارع العام لتوسيخه وربط حبل غسيل على الشرفة لاستعراض ما في المنزل من كلاسين وفانيلات.


* يومها استوقفني جار لي قائلاً: ماذا تفعل؟ وقبل ان اسأله عن سبب حشريته فيما لا يعنيه افهمني ان تغيير طلاء باب المنزل يحتاج الى اذن خاص وموافقة على اللون الجديد من (اتحاد الملاك) وان تعليق حبل غسيل وانتين على سطح المنزل غير مسموح ولما طنشته ولعنت امه من باب انه تدخل فيما لا يعنيه خاصة واني دفعت ثمن بيتي بالكامل "وحدش شريكي" - كما نقول- جاءتني بعد ايام رسالة من محامٍ يمثل اتحاد الملاك تضمنت انذاراً باعادة الامور الى حالها السابق وخلع الانتين ونزع حبل الغسيل وتضمن الانذار مهلة اسبوعين لتنفيذ هذا العمل والا فان اتحاد الملاك سيقوم بارسال شركة متخصصة للقيام بهذا العمل وسيتم الزامي بدفع الفواتير.


* قلت متنافخاً لصديق يقيم في امريكا ويعرف قوانينها اني رميت الرسالة في الزبالة " واللي يطلع في ايده يطلع في طيزه" كما نقول ... لكن الصديق أفهمني ان ( اتحاد الملاك) الذي هو عبارة عن جمعية ادارية منتخبة من جميع اصحاب الحي الذي نسكن فيه " قادر على مقاضاتك لاجبارك على دفع قيمة الفواتير المطلوبة مضافاً اليها اتعاب المحامي " ولو افترضنا جدلاً انهم اخذوا حكماً بذلك وانك واصلت العناد ولم تسدد الفواتير سيتم الحجز على منزلك وبيعه بالمزاد لتسديد قيمة الفواتير حتى لو كانت عشرة دولارات!!


* من هنا ترى ان جميع سكان الحي يلتزمون بالقانون الذي يحكم العلاقات بين الناس بغض النظر عن اصل وفصل وثقافة السكان سواء كان الجار رائد فضاء او بروفيسور في جامعة او مجرد مواطن دخل امريكا من المكسيك بالتهريب للعمل فراشا في مطعم ... ولذا تجد ان الاحياء السكنية كلها نظيفة وجميلة وطرقها معبدة والزبالة توضع مرتين في الاسبوع امام المنازل لتقوم سيارات خاصة تابعة للبلدية بجمعها ... واجهة المنازل تحافظ على جمالها ولا يسمح للسكان بالانفراد في دهن وطلاء الواجهات بالالوان التي يريدونها كما لا يسمح لهم بالامتناع عن طلائها عندما تبهت الوانها او عندما تصاب واجهاتها بالتلف ... الحدائق امام المنازل يعتني بها بشكل دوري والحفر والمطبات في الشوارع يتم معالجتها اولاً باول والمنطق - في كل هذا- انه لو ترك لكل ساكن ان يغني على ليلاه بدعوى ان هذا بيته وهو حر فيه فان هذا سيؤدي الى خفض القيمة التقديرية لاسعار جميع المنازل في الحي هذا فضلاً عن التأثير السلبي الذي قد يلحق بالنواحي الصحية والامنية لجميع السكان.


* حتى "الزبالة" هنا لها قواعدها وقوانينها وشروطها ومنها مثلاً ضرورة وضعها في اكياس او صناديق خاصة بالقمامة وتشترط البلدية ان توضع الزبالة امام المنازل في اليوم المخصص لها فقط لا ان (تنقع) امام المنزل على مدار الاسبوع ويجب ان تكون مغطاة ولا يسمح لك برمي بطاريات السيارات المستعملة او اطارات السيارات في الزبالة لان هذه المواد مضرة وخطيرة على الصحة العامة ولها وسائل اخرى للتخلص منها كما ان هناك وزناً وحجماً محدداً لكيس الزبالة وعدداً محدداً ايضاً لكل منزل وبالنسبة للزبالة الثقيلة من اخشاب واثاث قديم وخلافه فان هناك يوماً واحداً في الشهر مخصصاً لجمع هذه النوعية من المخلفات ولا تستطيع ان تخرجها من منزلك الى الشارع الا في ذلك اليوم واذا كانت زبالتك عبارة عن مخلفات حديقة المنزل من اشجار واغصان فان عليك ان تقوم بقطعها ثم ربط كل رزمة بحبل على ان لا يزيد طولها عن كذا وكيت الى اخر هذه التفاصيل.

* ولو افترضنا انك خالفت التعليمات فان (الزبال) سيترك لك ملحوظة مطبوعة معلقة بالزبالة ترشدك الى (الاصول) ولن يتم حمل زبالتك الا اذا التزمت بهذه الشروط ولن يكون بمقدورك تجاهل هذه الشروط والابقاء على الزبالة في الشارع العام لان اتحاد الملاك والهيئات الصحية ستتدخل على الفور وسيتم نقلها على حسابك الخاص وان لم تدفع الفواتير سيتم الحجز على منزلك الى آخر الحكاية.


* خلال زيارتي الاخيرة الى القاهرة - قبل سنوات قليلة - توجهت الى حي راقٍ في الزمالك لزيارة صديق يسكن في الطابق السادس من عمارة تقع على شارع رئيسي ... كان الباب الزجاجي للعمارة مكسوراً وقد علمت من البواب ان الباب كسر قبل خمس سنوات ولا زال مكسوراً ... كانت (برندات) العمارة عبارة عن كوكتيل عجيب من الالوان والكراكيب تتدلى منها حبال الغسيل بشكل قبيح ولكل برندة لونها الخاص ... ومنهم من قفلها وحولها الى قفص لتربية الدواجن ... ومنهم من قفلها وحولها الى غرفة فغير في شكل واجهة العمارة وخربط هندستها ... بعض الشقق كانت تطل منها اجهزة تكييف صدئة وكانت اغطية البرندات رمادية اللون بسبب ما تراكم عليها من اوساخ وتراب اما الشقق التي يحتلها اطباء فقد تحولت برنداتها الى معرض لليافطات الرديئة المختلفة الحجم وبعضها غير مقروء وكانت تتدلى من اسطح العمارة اسلاك الكهرباء والهاتف بشكل قبيح وخطير اما "الدشوش" المترامية على الاسطح وفي البرندات فقد جعلت العمارة كلها عبارة عن كوم من الحجارة والكراكيب لا شكل له.


* كان المصعد مغلقاً واضطر صاحبي الى النزول لاصطحابي من تحت بعد ان فتح قفل المصعد بمفتاح ولما سألته عن هذه المسألة اجاب ان عدداً من السكان خاصة في الطوابق السفلية يرفضون دفع الرسوم الشهرية الخاصة بصيانة المصعد لذا قام السكان الاخرون الذين يحتلون الطوابق العليا بتركيب اقفال على المصعد بحيث لا يتمكن من استخدامها الا (الدافعون) ولعله من المهم ان اشير اني استخدم كلمة (مصعد) على سبيل الكناية لان هذا الصندوق المستطيل المعلق باسلاك وجنازير لا علاقة له بالمصاعد التي اعرفها - هنا في امريكا- والطريف ان ازرار المصعد - كلها تقريباً- لا تعمل وليست مرقمة ولمبات المصعد محروقة وتحتاج احياناً الى رفس الباب برجلك حتى يتحرك المصعد.


* هذه العمارة - كما علمت- يسكنها اطباء ومهندسون وموظفون كباراً وهي - كما قلت- تقع في احد ارقى الاحياء في الزمالك فما بالك اذن بمصاعد الحارات الشعبية وبرنداتها هذا اذا كانت لها مصاعد وبرندات.


* نحن اذن لسنا امام مشكلة في ثقافة الناس ومستوياتهم التعليمية فالطبيب القاطن في هذه العمارة يتصرف بعقلية المواطن الذي يسكن في العشوائيات طالما  ان القضية لها علاقة بالشأن العام او الملكية العامة التي لا يحترمها احد في عالمنا العربي ولا اظن ان المسئولية تقع على محافظ القاهرة لان المحافظ لا يستطيع ان يعلم الناس النظافة ان لم تتحول النظافة الى قناعة عند العامة .


* هذه الظاهرة وجدتها في سوريا واليمن ودول الخليج ولبنان والعراق وهي لا تنسحب على المساكن فحسب وانما تتعداها الى وسائل النقل والمرافق العامة - على قلتها- والشوارع والحدائق العامة والمنتزهات.

* الاندر غراوند المصري - اي قطارات الانفاق - بنيت قبل سنوات قليلة على احدث طراز .... اركب واحدا من هذه القطارات اليوم وقارنه بقطار الانفاق الانجليزي الذي يعمل منذ مائة وخمسين عاما ستفهم قصدي .... القطار المصري سيبدو لك وكأنه من مخلفات الفراعنة .


* المشكلة اذن ليست في الحكومة المصرية ولا في الشعب المصري وانما هي في الناموس الذي يحكم العلاقة بين الناس وكلما كان الناموس (فارطاً) كلما تحول البشر الى بهائم وتحولت الملكيات العامة الى خرائب وكراكيب.


* رسوم الصيانة في اية عمارة يسكنها البشر يجب ان تكون فرضاً واجباً على جميع السكان سواء استقلوا المصاعد او فضلوا عليها التسلق الى شققهم بالحبال وعندما تسمح البلدية او المحافظة لاحد السكان ان يربي الحمام في برندته فان تحول الحي كله الى خرابة ومزرعة دواجن يصبح امراً مفهوماً.


* وحتى تستعيد القاهرة لقب (باريس الشرق) لا تحتاج محافظتها الا الى سن القوانين وتنفيذها لان القوانين موجودة كما علمت لكن تنفيذها يخضع للكثير من الوساطات والرشاوى والاكراميات .... ولو قام سكان كل عمارة في وسط القاهرة بصيانتها لعادت القاهرة الى امجادها العمرانية زمن الخديوي اسماعيل وهذا يحتاج قطعاً الى اجراء تغييرات جذرية في بعض القوانين الخاصة بالمالك والمستأجر وقد اخبرني صاحب (عمارة) قديمة في وسط القاهرة ان دخله من العمارة كلها لا يزيد عن عشرة دولارات وبالتالي ليس من العدل ان يطلب منه صيانة العمارة على نفقته وهذا كلام مقنع طبعاً واذكر ان صديقاً لي من الاسكندرية عمل في الامارات مع زوجته اكثر من ثلاثين سنة حتى يتمكن من بناء عمارة في الاسكندرية ولما ترك الامارات عائداً الى مدينته ليتقاعد فيها ويقضي ما تبقى من عمر لم يجد شقة واحدة في عمارته ليسكن فيها لانها كلها شقق مؤجرة منذ زمن بملاليم والمستأجر - في البلاد العربية- يمون اكثر من المالك!!

* هذا الخراب في الملكيات العامة والخاصة في العواصم العربية تجد مثله في انظمة التعليم والتربية التي يفترض فيها ان تنتج جيلا جديدا صالحا يحافظ على الوطن .

* من اسباب خلافي مع وزارة التربية والتعليم في دولة الامارات - كما ذكرت في السابق- كتابتي لسلسة مقالات عن المناهج والكتب المدرسية باسلوب ساخر أدت الى استهجان شعبي للكتب والمناهج التي كانت تؤلف آنذاك من قبل لجان اكثرها من جماعة الاخوان المسلمين.


* وكانت طريقتي في مهاجمة هذه الكتب والمناهج تعتمد على تكتيك لجأت اليه بشكل اساسي وهو الاكتفاء في كل حلقة بتناول كتاب مدرسي واحد واللجوء الى الاسلوب النقدي البسيط والسهل والساخر الذي يجذب القراء ويسمح لهم بمتابعة الحلقات وفهمها دون الخوض في الاساليب النقدية الصعبة والمعقدة التي لن تخدم غرضي من الكتابة وكان الغرض طبعاً هو مخاطبة رجل الشارع واولياء الامور وتوصيل الفكرة اليهم وتقديم الادلة والامثلة على ما اقول من واقع الكتب المدرسية التي يدرسها ابناؤهم في المدارس لذا كنت احرص في كل حلقة على نشر صورة غلاف الكتاب الذي انقده مع ذكر ارقام الصفحات التي ترد فيها الاخطاء والمغالطات ...... كان القارئ وولي الامر يعود الى هذه الصفحات ويخلص الى ان "ما يقوله هذا الزلمة صحيح".


* بدأت الحملة يومها بسلسلة من المقالات تناولت فيها الكتب التي وضعها الاخوانيون للصف الاول الابتدائي وكانت اربعة كتب في اللغة العربية والدين والحساب والعلوم وطلبت من اولياء الامور ان يزن الواحد فيهم ابنه اولاً ثم الكتب الاربعة التي يدرسها وخلصت الى ان (وزن) الكتب - بالنسبة لي على الاقل- كان يزيد عن ضعف وزن ابني وذكرت اولياء الامور ان الطفل ابن ست او سبع سنوات يجبر يومياً على (عتل) هذه الكتب الى المدرسة ذهاباً واياباً وبعض الاطفال خاصة في القرى والضواحي والاحياء الفقيرة يتوجه الى المدارس مشياً على الاقدام ... ونبهت القراء الى ان المناهج والكتب المدرسية للمراحل الابتدائية في امريكا يقل وزنها عن ثمن الكتب في الامارات وكشفت - من واقع عملي كرئيس لدائرة الاعلام في المناهج عن بعض اسرار تأليف هذه الكتب وتكبيرها الى هذا الحجم ومن بين تلك الاسرار ان لجان التاليف كانت تتقاضى اجوراً هائلة على عملها وانها كانت تتوزع فصول الكتب بينها وتتقاضى اجرها عن الملازم وفقاً لحجم الملزمة وعدد صفحاتها مما دفع المؤلفين الى مط هذه الملازم والصفحات حتى تزيد قيمة المكافأة الى ان انتهينا الى كتب للمرحلة الابتدائية يحتاج حملها الى " ونش"..... هذا طبعاً الى جانب تناولي لمضمون هذه الكتب وما يرد فيها من معلومات ومفردات لا تتناسب اصلاً مع اعمار الاطفال الذي سيدرسون هذه الكتب ويحفظونها عن ظهر قلب من ذلك - مثلاً- ان كتاب الاول الابتدائي كان يتحدث عن النكاح وعن عذاب القبر وعن (الصرّار) - وهو نوع من الصراصير-  وقد راهنت يومها اولياء الامور ان كانوا قد سمعوا به من قبل ... ونبهتم ايضاً الى ان القصائد الواردة في الكتاب ليست لاحمد شوقي او المتنبي او حافظ ابراهيم وانما لشويعر اماراتي ينهل المؤلفون من اشعاره الركيكة لسبب واحد وهو ان هذا الشويعر - واسمه حمد الشيباني- كان انذاك مديراً للمنطقة التعليمية في دبي مما يعني ان اختياره تم على سبيل النفاق والوصولية لا اكثر ولا اقل .


* لما وصلت الى امريكا وسجلت اولادي في مدارسها الابتدائية اكتشفت ان ما ذكرته في مقالاتي عن ان المناهج والكتب المدرسية الامريكية يقل حجمها عن ربع حجم او وزن الكتب الاماراتية غير صحيح لان اولادي لم يجبروا اصلاً في المدرسة الابتدائية على حمل الكتب حيث تبين لي ان النظام التعليمي هنا يقوم على اساس اليوم المدرسي الكامل حيث يدرس الولد خلال وجوده في المدرسة ويحل وظائفه فيها ثم يترك كل شيء في مقعده ومكانه المخصص ويعود حراً الى منزله بعد الخامسة عصراً للراحة واللعب .


* في بلادنا العربية يقوم التعليم على الحفظ والبصم ويقوم التلميذ- بتشديد الواو - في نهاية العام الدراسي على طاقته في عملية الحفظ حيث يكر ما حفظه على ورقة الاجابة مستعيناً في اكثر الاحيان بروشيتة (للغش) وتنتهي المرحلة الدراسية غالباً باذاعة اسماء الناجحين عبر الراديو على انغام عبد الحليم حافظ "وحياة قلبي وافراحه".


* في مناهجنا التعليمية التي قسمها عبد الناصر الى "علمي" و "ادبي" و "زراعي" و "تجاري و "صناعي" وفرض هذا التقسيم على الامة العربية ومدارسها التي خرجت الحمير من كل نوع بعد المرور عبر مصفاة خادعة اسمها "امتحانات التوجيهي" لم يكن هناك فرصة للابداع لان الطلبة وفقاً لهذه المناهج يتساوون في الامكانات وقد تجد حماراً اكثر قدرة على البصم من اينشتين نفسه وبالتالي قد ينجح الحمار في "التوجيهية" بينما يسقط "آينشتين".... او يشتري الاسئلة من مدير المنطقة التعليمة كما يحدث في الاردن مثلا .


* كم واحداً منكم يذكر الان نصف بالمائة على الاقل من القصائد والايات والفقرات والاناشيد التي بصمها عن ظهر قلب اثناء الدراسة وكانت السبب في نجاحه بالتوجيهي!!


* لقد انهيت الثانوية العامة دون ان ادخل مختبراً في حياتي لان مختبر المدرسة كانت كل تجهيزاته معطلة والشيء الوحيد الذي كان يعمل فيه هو رزمة اوراق ملونة تسمى "ورق عباد الشمس" كان مدرس العلوم يؤكد لنا ان الوانها تتغير اذا قمت بالتبول عليها ولم يكن يسمح لنا - طبعاً- بتجريبها للتأكد من هذه الحقيقة العلمية لان الرزمة كانت "عهدة" عليه!!


* ولما وصلت الى الصف الاول الثانوي اخترت ان ادرس المنهج الزراعي المكون من ثلاثة كتب ضخمة وقد درستها فعلاً وبصمتها عن ظهر قلب ومع ذلك لا احسن اليوم زراعة  راس بصل!!


* في المدارس الامريكية..... يتنبه المدرسون والخبراء الى طاقات التلاميذ وابداعاتهم الفردية ويفرزونها بما يسمح لهم تنمية هذه المواهب والتركيز عليها ولا يتم ترسيب ولد عبقري في الفيزياء مثلاً لانه لم يعرف اين تقع موزمبيق على الخريطة لذا نجد ان معظم العلماء والاطباء في العالم هم من نتاج النظريات التعليمية والتربوية الامريكية والاوروبية في حين لا يظهر في عالمنا العربي المتخلف الا المتخلفون واذا شذ احدهم عن القاعدة - مثل احمد زويل- فان موهبته وتفوقه لا تظهر الا بعد هروبه من بلاده الى امريكا التي توفر له كل الظروف والامكانات التي تبرز تفوقه.


* الوحيد الذي تعاطف معي من بين حكام الامارات اثناء كتابتي عن مهازل الكتب المدرسية هو الشيخ سلطان حاكم الشارقة لانه تخرج من جامعة الاسكندرية وكان معنياً بالقراءة والثقافة الى حد ما مما جعل امارته تعرف بين الاماراتيين بعاصمة الثقافة في المشيخات المتصالحة اما الشيخ زايد الذي لم يكمل الصف الثالث الابتدائي فلم يقرأ ما كتبته مثله مثل باقي حكام الامارات الذين لا يفهمون الا بالنسوان وحتى فهمهم هذا مقصور على جانب واحد فقط وهو "ايلاج راس الاحليل من قبل او دبر".


* وهذا - طبعاً- كان ينسحب على كبار المسئولين في وزارة التربية من المواطنين الذين وصلوا الى مراكزهم القيادية في الوزارة بسبب جنسياتهم الاماراتية لا اكثر ولا اقل ووزير التربية الحالي في الامارات - وهو كاتب قصة قصيرة - كان واحداً منهم وقد خلف شخصاً (تحفة) اسمه فرج فاضل المزروعي طرد من الجامعة الاردنية في سنته الاولى لانه رسب في جميع المواد .


* وحكايتي مع (فرج) جديرة ان تروى .... فالمذكور ارسل الى الاردن للدراسة في جامعتها وقد رسب في جميع المواد فطردته الجامعة من صفوفها فعاد الى دبي وانتسب الى جامعة بغداد ونجح في شراء شهادة جامعية منها وظل يعمل بوظيفة (مطارزي) للشيخ حمدان المكتوم ابن حاكم دبي الى ان رشحه الشيخ لمنصب وزير التربية والتعليم.


* كنت - في احدى الامسيات- متوجهاً الى مقر جريدة الفجر التي كنت اكتب فيها زاوية يومية ولاني لم اكن قد كتبت الزاوية يومها فقد ادرت مؤشر الراديو الى اذاعة ابوظبي لعلي اخرج بفكرة لزاويتي في تلك الليلة وهذا ما كان حيث كانت الاذاعة تبث برنامجاً عن عيد العلم ترعاه وزارة التربية والتعليم وقد ساءني ان الشخص الذي القى الكلمة بالنيابة عن الوزارة لم يكن يعرف القراءة لانه وقع في اغلاط نحوية ولغوية لا يقع فيها تلاميذ المرحلة الابتدائية فكتبت عن هذه الواقعة زاوية بعنوان (هذا الحمار) ناشدت فيها معالي وزير التربية فرج المزروعي التحقيق في هذه الواقعة وطرد الحمار الذي اساء الى الوزارة من عمله وتحويله الى التحقيق.


* في صبيحة اليوم التالي استجاب الوزير لطلبي فحولني الى التحقيق لسبب بسيط وهو انه كان هو (الحمار) الذي قرأ تلك الكلمة في الاذاعة نيابة عن الوزارة ولما اردت ان ابرر موقفي امام رئيس لجنة التحقيق من باب اني لم اقصد اهانة الوزير لاني لم اكن اعرف اصلاً ان الذي كان يقرأ تلك الكلمة في الاذاعة هو الوزير نفسه استشاط رئيس اللجنة غضباً وصاح بي "سكر بوزك" ... فسكرت!!

لقراءة باقي الحلقات انقر هنا