توظيف الحكاية
ومعاجم اللغة فى المرحلة الابتدائية
بقلم : أسامة فوزى
نشر في جريدة البيان عام 1983


قدم تلفزيون دبى فى دورته الحالية وفى إطار برنامج " أفاق ثقافية " الذى يعده الدكتور امام عبيد أربع حلقات عن ثقافة الطفل ، إستطلع فيها ــ كل ثلاثاء ــ أراء عدد من التربويين والصحافيين فى منابع هذه الثقافة ضمن محاور مؤثرة فى تكوين وتوجيه البناء الثقافى للأطفال ، وهى محاور التلفزيون والطفل ، الصحافة والطفل ، ثم الكتاب المدرسى والطفل ، ويختتم الدكتور امام عبيد هذه السلسلة مساء اليوم فى حلقة قوية ومركزة عن المناهج والكتب المدرسية إشترك فيها ثلاثة من كبار رجال التربية والتعليم فضلاً عن عدد آخر من الكتاب والصحافيين والمهتمين بهذا الموضوع.


ومن خلال رصدى للحلقات السابقة ، وما أثير فيها من قضايا هامة جداً ، خلصت إلى تكوين رأى فى معظم المحاور التربوية التى تم تناولها وهى محاورتهم أبناء الإمارات الدارسين فى مختلف المراحل التعليمية كما تهم المدرسين والتربويين وأولياء الأمور أيضاً وقد رأيت أن أنقل للقارىء ملخصاً لكل محور على حدة مع إبداء الرأى فيه من واقع خبرتى فى العمل التربوى فى الإمارات.


اللغة الفصحى فى التعليم
لقد تحدث عدد من التربويين حول ضرورة تعميم اللغة الفصحى فى المدرسة وعدم قصرها على حصص اللغة العربية وعلى مدرسى هذه المادة ، وهذا مطلب عادل وملح ، لأن اللغة العربية هى أحدى مكونات الإنتماء القومى ــ العروبى ــ والأسلامى ، لكن المتحدثين الداعين إلى تعليم اللغة العربية لم يوضحوا إطار عملياً يمكن التحرك من خلاله لترجمة هذا المطلب إلى برنامج عمل وإلى مفردات فى الكتاب المدرسى عدا عن أن بعضهم ــ ممن تخصص باللغة العربية ــ كان بحث الأهلين والمدرسين بلغة عامية تشوبها أغلاط فى النحو واللغة.


والذى لا جدال فيه أن المدرسة الإبتدائية فى الإمارات تحاول من خلال كتبها المدرسية المؤلفة محلياً ان تضع معجماً لغوباً فصيحاً للأطفال لكن من الملاحظ أن معظم مفردات هذا المعجم لا تؤدى دوراً وظيفياً فى البيئة ، ولا تأخذ بعين الإعتبار قاعدة أساسية فى تعليم اللغة للأطفال وهى أن يقتصر المعجم على ألفاظ محسوسة يمكن إدراكها  فالطفل فى المرحلة الإبتدائية يمكن أن يدرك معنى كلمة " النار " لأنه يحسها ويراها ولكنه لا يدرك معنى كلمة " اللهب " مثلاً وعلى ذلك قس . ثم أن بعض الألفاظ فى المعجم المذكور بخاصة فى كتابى اللغة العربية للأول والثالث الإبتدائيين مهجورة حتى عند المؤلفين أنفسهم مثل التلفاز " التلفزيون " ــ والصّرار " الصرصور" والحرباءة أى الحرباة وهى كلمات ترد فى الكتب المذكورة مع أنها مهجورة عند المدرسين والموجهين ، وقد لاحظنا فى الحلقات التلفزيونية كيف أن جميع المشاركين قد تحدثوا عن " التلفزيون والطفل وليس " التلفاز " والطفل مع أن بعضهم شارك فى تأليف الكتب التى تلزم الأطفال باللفظة الجديدة " التلفاز".

الحكاية ودورها التربوى
وتم التطرق فى البرنامج وعلى ألسنة عدد من التربويين القياديين إلى أهمية الحكاية فى توصيل أهداف اللغة العربية للأطفال فى المدرسة الإبتدائية وهذه إشارة جيدة ، لأن التعليم بالحكايات من طرائق التدريس الشيقة التى سبق أن تحدثت عنها بالتفصيل ، لكن الملاحظ أن إختيار بعض الحكايات فى الكتب المدرسية المؤلفة محلياً لا يخدم الهدف المعلوماتى ــ أو المعرفى ــ أو الهدف السلوكى أو الهدف المهارى ، وهى المحاور الثلاثة لعملية التعليم.


ففى كطتاب الصف الثالث الإبتدائى ــ على سبيل المثال ــ حكاية عن جحا الذى يفقد حماره فيخرج إلى الشارع فرحاً مسروراً ليشكر ربه لأنه لم يكن عندما فقده والا كان فقد معه.
هذه الحكاية لا تخدم أية وظيفة تربوية ولا تحقق أى هدف من الأهداف المشار إليها ، لا بل أنها تدعو الأطفال إلى التفريق بالحقوق طلباً للسلامة الشخصية وأعمار الطلبة فى هذه المرحلة لا تؤهلهم لفهم النكتة أو الطرفة دون أن تقترن بتكريس مفاهيم وقيم خاطئة 00 ومثل ذلك حكاية النملة والصرصور والتى تكرس مبدأ الفردية وتجارب مبدأ التكافل الإجتماعى من خلال رفض النملة مساعدة الصرصور.
 

بين العروبة والإسلام
تناول المتحدثون موضوع العروبة والإسلام فى الكتب المدرسية ونفى أحد الموجهين أن يكون هناك تركيز على موضوع دون آخر أو أن تكون هناك معارضة بينهما فى العرض ، ونتمنى بدورنا أن تعرض هذه المسألة فى الكتب المدرسية فى إطارها العلمى والتاريخى ، من باب أن اللغة العربية كانت وعاء للدعوة الإسلامية والعرب كانوا حملة الراية وفى هذا الإطاريدهشنى أن ينفى الموجه الأول للغة العربية وجود مواضيع فى كتب اللغة العربية تسىء إلى العرب ،لأنى أعتقد أنه بحكم عمله قد أطلع مقدمة كتاب الأدب والنصوص للصف الأول الثانوى ، التى كتبها زملاء له فى التوجيه بإشرافه طبعاً والتى يمكن إعتبارها قصيدة هجاء للعرب قبل اللإسلام تتضمن إتهامات بالفسق والإنحلال الخلقى والسخف ، والتخلف خلافاً لما كان فى المقدمة السابقة التى وضعها مؤلفون كويتيون ومع أننا لا ننكر بعض مظاهر الجهل فى الحياة الإجتماعية للعرب قبل الجاهلية الا أننا بالمقابل لا يجوز أن نتجاهل حضارتهم العريقة وقيم الفروسية والشجاعة والشهامة التى جاء الإسلام لينميها ويزيدها ويكرسها وما بعث الرسول الكريم الا ليتمم مكارم الأخلاق والنصوص الشعرية والنثرية المقررة فى الكتاب نفسه ــ وهذه لم يطالها التعديل ــ تؤكد ما نذهب إليه لأنها كلها تتحدث عن الشجاعة والفروسية والشهامة والكرم عند العرب قبل الإسلام.


وحتى فى إطار العقيدة ، كان العرب قبل الإسلام يؤمنون بالأله الخالق ولكنهم يتوسلون إليه من خلال الأصنام ومن ثم لم تكن وثنيتهم معقدة وميتافيزيقية مثلاً لذا كانت عقلية العربى جاهزة لإستيعاب العقيدة الجديدة ولم يجد نفسه فى غربة عنهاوإن كانت المداخلات السياسية والقبلية قد أثرت فى البدء على تقبل الدعوة والسير فى طريقها.
 

أحجام الكتب
وتطرق المتحدثون إلى شكل الكتاب المدرسى وحجمه وإتفقوا على أن أحجام الكتب ليست تربوية ، وبعض الذين رددوا هذه المقولة كانوا وراء إنجاز كتب ضخمة للأطفال ، ولا ندرى ــ بالتالى ــ هل إنضموا إلى التنديد بأحجام الكتب تهرباً من المسؤولية ومحاولة للإيحاء بأنهم إلتزموا بموصفات وضعها آخرون أم إنهم أرادوا مجاراة الرأى العام بعيداً عن عيون المسؤولين فيحققون بذلك هدفين ويصيبون عصفورين بحجرواحد ، إرضاء المسؤول  وإرضاء ولى الأمر.


ومشكلة أحجام الكتب ومواصفاتها مشكلة تربوية تعانى منها المدرسة العربية الحديثة من المحيط إلى الخليج ، وهى ليست مسألة شكلية أو هامشية بل هى من صميم المنهج المدرسى ، لأنها ترجمة عملية لمفرادته.
والكتاب الضخم المزين بصور غير وظيفية يسىء قطعاً إلى المضمون.


ونكتفى بالأشارة إلى أن صورة غلاف كتاب الثالث الإبتدائى صورة غير تربوية لأنها لطفل ينام على بطنه ويقرأ كتاباً وهو وضع مستهجن للقراءة صحياً وتربوياً فكيف نجعله موضوع غلاف؟!