علم التاريخ في الكتب المدرسية
بقلم : أسامة فوزي

 

من المسلّم به أنّ موضوع " علم التاريخ " هو الحادثة التاريخية بمختلف أبعادها ؛ الإنسانية والإجتماعية والحضارية ، وقد عُنيت الشعوب بدراسة تاريخها ؛ الصالح والصالح منه ، من أجل تعرّف مراحل نمو مجتمعاتها ، والعوامل المؤثرة فى هذا النمو ؛ بما فى ذلك العلاقة السببية بين الأحداث ، وعواملها ، وقد علماء التاريخ وفلاسفة الإجتماع على أنّ المؤرّخ ؛ أو من يتصدّى لكتابة التاريخ ، لا يخترع ما يكتبه من العدم ولا يؤلف من المخيلة بل يستند إلى مصادر ووثائق ومؤلفات وشهود ؛ قد تحاول المواقف الفكرية الخاصة بالمؤرخ تلوينها لخدمة إتجاه معين ، لكن الحقيقة التاريخية تظل قوية بعناصرها


لذا يقول علماء الإجتماع إنّ إثبات صحة الحادثة التاريخية كاف ليجعل منها حقيقة علمية ، ومن هنا قلنا أنّ بين حوادث التاريخ ترابطاً سببياً ، فجلاء الفرنسيين عن الجزائر ــ مثلاً ــ كان بنتيجة نضال شعب الجزائرى ، والبحث فى هذا النضال وأسبابه وظروفه ودلالاته ، هو فى المحصلة بحث علمى من نوع خاص ؛ إذأنّه ليس علماً إستنتاجياً كالرياضيات التى تبدأ بمقدمات معينة تنتهى إلى نتائج محددة  وهو ليس علماً إستقرائياً يلاحظ الوقائع والحوادث ليكشف عن قوانينها ، وإنما هو علم بعث الماضى فى حقيقته وأسبابه ومعناه وهو ما قصده ابن خلدون فى مقدمته عندما قال " إنّ للتاريخ أسباباً عميقة وحكمة ".


وكتابة " التاريخ " يجب أن تمر بمرحلتين ؛ الأولى : مرحلة البحث عن الحوادث ونقدها أو فرزها أو تحليلها من مصادرها الأصلية ، والثانية : ــ إنشاء التاريخ ، أى قيام المؤرخ بعملية الربط بين هذه الحوادث ــ التى تأكد من صحتها ــ فى محاولة منه للكشف عن أسبابها ودلالاتها وقد أتفق الباحثون على تحديد مصادر علم التاريخ ، المباشرة مثل الأخبار والروايات وكل ما وضع من كتب لحفظ حوادث الماضى وغير المباشرة ، أى ما يقع بين يدى المؤلف بشكل عفوى

 
كما أتفقوا على وسائل تحليل المصادر المذكورة ونقدها للتأكد من صحتها ، تمهيداً للقيام بعملية الإنشاء المشار إليها ؛ أى إعادة كتابة هذه الأحداث بشكل متسلسل ومنطقى.


وإذا كنا نسمح للمؤرخ أن يتجاوز بعض هذه العناصر الأساسية فى كتبه " الخاصة " التى نمتلك حرية التعامل معها بالإقتناء أو الإهمال فإننا لا نستطيع أن نتسامح فيما يكتب لطلبة المدارس ؛ لأن كتب التاريخ المدرسية ملزمة للتلاميذ ؛ حفظاً وفهماً ومناقشة ؛ وكتب التاريخ ــ مع اللغة العربية والتربية الإسلامية ــ تشكل الثالوث المعرفى والتربوى الذى يقوم على صرحة بناء الإنسان .


من أكثر موضوعات التاريخ حساسية ، تلك الحقبة الزمنية التى خضع فيها الوطن العربى لحكم الأتراك العثمانيين ؛ وقد تم تناول هذه الحقبة فى عدد من الكتب المدرسية فى الإمارات بطريقة أثارت جدلاً كبيراً فى الأوساط التربوية والأدبية والسياسية ، بخاصة التركيز على إيجابيات تلك الحقبة ، وتجاهل سلبياتها المسؤولة عن تأخر الوطن العربى فى كل شىء ، وبغض النظر عن وجهة النظر التربوية التى حتّمت مثل هذه المعالجة ، أو فضّلتها على غيرها ، فإنّ قرب عهدنا بهذه الحقبة وإرتباطها بالدخول الإستعمارى الغربى إلى المنطقة ، يجعلان الوثائق والأدلة المادية والمعنوية هى الحكم الذى يفصل بين المختلفين فى التقييم ؛ بغض النظر عن التوجهات السياسية لهم.


من هذا المنطلق ، أرى أن يقوم مدرسو التاريخ بشرح هذه الحقبة للطلبة بتوازن لا يخل بالحقائق...
. ولا يجيرها لصالح أفكار خاصة غير مبرّرة ، ولا خير فى أن يتحدث مدرسو التاريخ عن إيجابيات الحكم العثمانى ؛ لكن عرض الصورة بوجهها الآخر ؛ يصبح حقاً للطالب وواجباً على المدرس وأمانة الأنصاف الثوار العرب الذين علقوا على المشانق آنذاك.


الصورة المتوازنة التى أطالب بعرضها للطلاب هى تلك التى تستعرض الظروف والعوامل التى جاءت بالعثمانيين إلى الوطن العربى ، مع الإشارة إلى أنّه ليس من سند تاريخى للزعم أنّ آخر خليفة عباسى ــ المتوكل على اللّه ــ قد تنازل عن الخلافة للسلطان سليم الأوّل ، مع ذلك فإن سلاطيين العثمانيين قد لقبوا بهذا اللقب وأصبح أواخرهم يستخدمونه فى أغراضهم السياسية والخارجية والداخلية بجعله شعاراً مقدساً يتحضون بقوته المستمدة من جماهير المسلمين فى جميع أنحاء العالم أمام الأطماع الأجنبية ، كما يحاولون بقدسيته أن يستغلوا شعور العرب الدينى ليصروفهم عن التحسس بأى شعور قومى مخالف للرابطة الإسلامية وعن الإلتفات إلى مساوىء الحكم والإدارة العثمانية.


لا جدال ــ طبعاً ــ فى أنّ العثمانيين باحتلالهم للوطن العربى قد وحدوا الأقطار العربية تحت حكم واحد ــ عدا مراكش ــ ، لكن هذا لا ينفى كون الإحتلال العثمانى قد ساعد فى تأخر البلاد العربية ؛ المتأخرة أصلاً ، ومحاربة العنصر العربى ، والقضاء على اللغة العربية وإصدار المراسيم التى تسمح لليهود بشراء الأراضى وعقد الإتفاقات مع الدول الغربية ؛ والتى كانت مدخلاً لدخولها كورل مستعمرة فيما بعد.


وكان الوازع الدينى هو الذى يدفع العرب إلى التوجه بولائهم للسلطان العثمانى ــ الخليفة ــ ولا سيما أنهم آمنوا بأن الخروج على صاحب الولاء هو إضعاف للدين وللدولة معاً ومدعاة للتدخل الأجنبى.


وقد عانى الوطن العربى الكثير تحت الحكم العثمانى الذى أكتفى بفرض سيطرته السياسية والعسكرية على الشعب العربى دون أن يساهم فى حل مشكلات الحياة الأُخرى وقد أدى هذا إلى إحتفاظ الحجاز واليمن وغيرها بتنظيماتها القبلية والعشائرية والإقطاعية التى ساهمت فى تخلف الشعوب وقام العثمانيون بالقضاء على حركة الأمير فخر المعنى والشيخ ضاهر العمر بالحديد والنار وسيطر الولاة والباشوات الأتراك على مقدرات الحياة فى العراق ومصر وفى اليمن كان الأئمة الزيديون فى صراع مستمر مع العثمانيين .


وكانت النتيجة من كل ذلك أن أصبحت الأحوال الإقتصادية من زراعة وصناعة وتجارة فى الخطاط وتأخر وتراجعت الحياة الفكرية والثقافية وفى وسعنا أن نلاحظ قصور الدولة العثمانية فى هذه المجالات إذا ألقينا نظرة على ما أصبح عليه حال بعض مناطق الوطن العربى من الإزدهار والعمران والتقدم الثقافى والفكرى فى ظل الإنتفاضات الإستقلالية التى قام بها فخر الدين المعينى فى لبنان والشيخ ضاهر العمر فى فلسطين ومحمد على فى مصر وعلى الصعيد الإجتماعى ، بنى النظام السياسى للدولة العثمانية على أساس عدم المساواة بين الغالبين والمغلوبين فقد أنزل الترك الشعوب غير التركية الخاضعة لهم منزلة أدنى من منزلتهم وتراجعت اللغة العربية بعد إهمالها من قبل الباب العالى ، بالإضافة إلى إنصراف المتعلمين العرب إلى إتقان التركية ظلباً لوظائف الدولة.


وكما ذكر الدكتور حسين مؤنس فى كتابه " الشرف الإسلامى فى العصر الحديث " " لم يكن فى مقدور العثمانيين لقلتهم أن ينهضوا بأمر هذا العالم الفقير ففعلوا ما يفعله الرعاة حينما يروضون الغنم فيستعينون بالكلاب على حراستها واتخذت الشعوب الإسلامية هيأة قطعان من الماشية ترعى فى كنف السلطان وتطمئن فى حماية الإنكثارية والمماليك ، وأصبح حالها أشبه بهذه الضفادع التى حدثنا " لافونتين " أنها عجزت عن أن ترد الأعداء عن أراضيها فأقامت على نفسها بجعاً حاكماً فكان يأكل من الرعية أكثر مما يأكل من الأعداء بهذا نستطيع أن نفهم كيف كانت سيادة العثمانيين شر على العالم الإسلامى فبدأ يطمحل من الناحية المعنوية حتى أصبح وقطعان الماشية قريباً من قريب يؤدى للراعى ما عساه يريد منه ، وإذا كانت هذه هى كل مهمته فى الحياة فلم تبق به حاجة إلى التفكير أو العلم فبدأ يطعن عليه الجهل والجمود حتى أصبحا ظلمات بعضها فوق بعض وما هى الاّ سنون حتى بدأ النوم يداعب أجفان الراعى ومال به غناه إلى الترف والراحة فوكل للإنكشارية أمر الرعية وأقبل على النوم فاستولى عليه سبات عميق ".