معجم قراءة اللغة العربية لنمر سرحان
محاولة لوضع أزمة النحو العربى فى مدارسنا على طريق الحل
عرض وتحليل : أسامة فوزى



يشير عبد العليم ابراهيم فى كتابه " النحو الوظيفى " إلى ظاهرة بدت فى الخطط والمناهج والكتب الدراسية فى السنين الأخيرة وكانت ــ فى نظره ــ من أهم العوامل التى خلقت أزمة النحو العربى ؛ تلك هى أنّ حصص النحو قد نقص عددها مع الزمن فى المراحل التعليمية المختلفة إلى حد ما وبسطتها سخية إلى فروع أُخرى.
كتب النحو فى مدارسنا
لقد لمس عبد العليم ابراهيم ــ وكان عميداً لمادة اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم المصرية ــ واحدة من أهم المشكلات التى يعانى منها الطالب  والمدرس على حد سواء ، أضف إلى ذلك ما نراه الآن فى كتب النحو المؤلفة محلياً فى الإمارات ؛ والتى تحرص على أن تقدم بين يدى كل باب جديد قطعة مطوّلة أو مجموعة كبيرة من الآيات القرآنية ، على المدّرس أن يعالجها مع التلاميذ قراءة وفهماً ومناقشة قبل أن يتخذ منها أمثلة لدراسة هذا الباب الجديد ؛ وقد أدّى ذلك إلى أن تتحمل حصص النحو ــ فى الصفين الأوّل والثانى الإعدادى على وجه الخصوص ــ أعباء جديدة ، شغلت المدرس والتلاميذ على الهدف الأصلى للدرس وهو فهم القاعدة الجديدة والتطبيق عليها تطبيقاً كافياً.
ولأنّ هذه المشكلة المتفاقمة فى الكتب المدرسية " النحوية " لم تجد من يضع لها حلولاً من كادر التأليف نفسه ، فقد تصدّى عدد كبير من العارفين بالنحو العربى وطرائق تدريسه للطلاب فى مراحل الدراسة الأولى ، لوضع كتب تيسّر النحو العربى وتقدمه فى قالب سهل ، محّبب ، بعيداً عن الجمود الذى تتسم به الكتب المدرسية ، وامتلأت المكتبات فى الوطن العربى بمثل هذه الكتب ؛ التى تفيد الطالب والمدرس والمثقف على حد سواء ؛ فظهرت فى بيروت ودمشق والقاهرة ــ على وجه الخصوص ــ كتب فى النحو العربى تتفاوت فى طرائقها ومناهجها وأساليبها فى عرض المادة وتتفق كلها فى تبسيط قواعد النحو.
محاولات
• وضع تاج الدين على ــ على سبيل المثال ــ كتاباً بعنوان " النور المضىء فى أصول القواعد والإعراب " أصدرته مكتبة العباسية بدمشق فى 240 صفحة من القطع الكبير ، وقد حوى الكتاب بحدث الصف الأوّل والثانى والثالث الإعدادى وبحوث الصف الأوّل والثانى والثالث الثانوى ، مع مئة أدارة معربة إعراباً مفصلاً وثلاثمائة بيت معرب عدا الأمثلة والتمارين.
• ووضع محمد الانطاكى أكثر من كتاب فى النحو ، أبرزها كتاب المنهاج الذى تضمن معجماً فى أدوات النحو ، وكتاب المحيط الذى يقع فى ثلاثة أجزاء جمع فيها كل قواعد العربية ؛ الصوتية منها والصرفية والنحوية.
• ووضع محمد خير الحلوانى وبدر الدين الحضرى كتاب " المنجد فى الإعراب والبلاغة والإملاء " وأهم ما يحمله الكتاب هو أنه جعل النحو مادة تطبيقية إذ جعل القاعدة النظرية تابعة للتطبيق ، تستنتج منه وتعرف فيه.
• ووضع أنطوان البستانى كتاباً فى أجزاء بعنوان " قواعد العرب " ، بينما وضع على رضا كتاباً بعنوان " المختار فى القواعد والإعراب " ، ووضع الدكتور محمد التوبخى الأستاذ فى الجامعة الليبية كتاباً بعنوان " معجم الأدوات النحوية " صدرت طبعته الأولى فى عام 1960 وطبعته الخامسة فى عام 1974 ، حيث تضمن المعجم 151 أداة نحوية ، كما تضمن إتهاماً للكتب التى صدرت بعده فى دمشق وحلب وبيروت بسرقة المنهج عنه.
معجم نمر سرحان
وقد صدرت عشرات الكتب الأُخرى ، حول الموضوع نفسه ، لكنى أشرت فقط إلى الكتب المدرسية ، المناسبة فى منهجها وأساليب عرضها للطلبة فى المدارس الإعدادية والثانوية ؛ والكتاب الذى بين أيدينا هو واحد من الإضافات الجديدة فى منهجها ، وضعه الباحث الفولكلورى والأديب الفلسطينى المعروف نمر سرحان بعنوان " معجم قواعد اللغة العربية".
ونمر سرحان كاتب قصة وباحث فولكلورى معروف وضع موسوعة الفولكلور الفلسطينى وفق الترتيب الألف بائى ، وله عدّة كتب منشورة ، كما أنه كتب المسلسل الإذاعى والتلفزيونى ، وكان من مؤسسى وقياديى رابطة الكتاب الأردنيين ، ومن الواضح أنّه وظف معرفته بمناهج الأرشفة ، فى وضع هذا المعجم المختصرالذى يقع فى 148 صفحة من القطع المتوسط والذى يتميز عن كل الكتب التى سبقته ــ وأشرت إلى بعضها ــ بالمميزات التالية : ــ
مميزات المعجم


أولاً : ــ انّه أحدث كناب فى النحو العربى تدفع به عجلات المطابع إلى الأسواق ذلك أنه صدر قبل أسابيع فى العاصمة الأردنية.
ثانياً : ــ انّه الكتاب الأوّل من نوعه الذى ترتّب فيه المادة النحوية ترتيباً هجائياً ، حسب اسمها النحوى الشائع ، فأنت تجد التمييز ــ على حسب المثال ــ تحت التمييز وليس تحت
" ميز " ؛ بحيث يخدم هذا المعجم القارىء الملم بالقواعد والذى ليس لديه أى إلمام بها.
ثالثاً : ــ انّ الكتاب يستبعد خلافات النحويين والقضايا الشاذة ، ممّا يجعله كتاباً معيناً للمدرس والطالب على وجه الخصوص ومفيداً للمتخصص أيضاً.
رابعاً : ــ يخرج الكتاب عن كونه مجرّد معجم لموضوعات النحو والصرف والإملاء ، إلى كتاب منوّع فى الثقافة العامة ، ويتضمن قدراً من المسائل النحوية واللغوية الطريفة التى قد تغيب عن كثيرين من ذوى التخصص.
خامساً : ــ يتميز الكتاب بضبط جميع كلماته وشروحاته وليس فقط مواد المعجم وهو ما يبقص الكتب المماثلة أو القريبة من منهجه ؛ السابقة له فى الصدور.
سادساً : ــ شواهد الكتاب وأمثلته وتطبيقاته تتسم بالوضوح ولا تتطلب من القارىء العودة إلى معاجم اللغة أو كتب التفاسير أو أمهات الأدب والشعر لفهمها.
سابعاً : ــ ابتعد المؤلف تماماً عن إستعمال الجداول فى شرح القواعد النحوية أسوة بالكتب التى سبقته ؛ ذلك أن إسلوب الجداول غير تربوى ويقدم القواعد للقارىء فى صور مسائل حسابية منفرة.
لقد احتل باب " الألف " وحده أكثر من أربعين صفحة من أصل 148 صفحة هى عدد صفحات الكتاب ، وتراوح شرح كل مادة بين سطر واحد لمواد مثل " آمين " أب ، أبداً ، ابتدأ ، أخ ، إرباً ، و أربعين سطراً لمواد مثل اسم الشرط ، الإسم الموصول ، الإضافة الخ


فى باب الإملاء
كما قلت سابقاً ، يتضمن الكتاب معلومات قد تبدو جديدة لعدد كبير من القراء ؛ وغالباً ما يردها واضع المعجم إلى مصادرها ، ففى صفحة 31 من الكتاب ــ على سبيل المثال ــ يوضح واضع المعجم سبب مخالفة الإملاء فى بعض كلمات القرآن الكريم للإملاء المعتاد ، فيقول : إنّ نساخ " الكتبة الأولى " و " الكتبة الثانية " من القرآن كانوا ذوى خطوط غير جيدة وكانت إملاءتهم مختلفة حتى كان الشخص الواحد منهم مضطرباً فى إملائه ، لذلك خالف كثير من رسومهم ما أقتضته رسوم الصناعة عند أهلها ثم إقتفى التابعون من السلف رسومهم فى كتابة المصحف تبركاً بما رسمه أصحاب الرسول ويرد واضع المعجم هذه المعلومة إلى عبد الجليل عيسى ، عضو مجمع البحوث الإسلامية فى الأزهر وكتابه " المصحف الميسر" الذى شرح فيه القرآن الكريم وأصدره عام 1979 عن دار الفكر.


تعريب الدخيل
فى باب " التاء " ــ على سبيل المثال ــ وفى مادة " تعريب الدخيل " نجد صفحة فى اللغة ، يعرض فيها واضع المعجم الكثير من المفردات اللغوية التى دخلت لغتنا العربية من اللغات الأجنبية منذ العصر الجاهلى مثل الدولاب ، الدسكرة ، الكعك ، السميد ومن الفارسية الجلّنار ، الفلفل ، الجاموس ، الشطرنج ، الصذل ومن اليونانية القّبان ، القنطار ، الترياق ويضيف أنّ قدراً كبيراً من الألفاظ الدخيلة قد جاء من الفارسية لدرجة أن العرب وصفوا كل دخيل بأنه أعجمى أى فارسى نسبة إَلى بلاد العجم ودخلت الألفاظ الأعجمية للقرآن من الرومية والفارسية والهندية والسريانية والحبشية والبنطية والعبرية حتى التركية ، مثل القسطاس ، الميزان عن الرومية ، الأستبرق ــ الريباج الغليظ ــ عن الفارسية طوبى ــ الجنة ــ عن الهندية ، السرى ــ النهرــ عن السريانية ، الأرائك ــ السُرر ــ عن الحبشية ، كفرّ عنهم ــ امح عنهم ــ عن العبرية ، غساق ــ البارد المنتن ــ عن التركية.


دعوة لتبنى المعجم
من المؤكد أنّ هذا " المعجم " المختصر ، خفيف الحمل ، السهل فى تبويبه والواضح جداً فى أستعماله ، يمكن أن يكون كتاباً مساعداً للطالب والمدرس فى الإمارات ، بخاصة وأن الكثير مما فيه قد يغيب عن ذوى الإختصاص فى بعض المواقف ــ مثل المدرسين ــ والعودة إلى بعض المراجع أو المصادر المتوفرة قد يطول فى حين أن مثل هذا المعجم يوفر الكثير من الجهد فى البحث ، ويقدم خلاصة القاعدة أو المعلومة بشكل واضح ومفهوم وأحياناً بشكل موثق بالمصادر ، وإذا كانت وزارة التربية تقرر معجماً لمادة اللغة الإنجليزية ، وتوزعه على كل طالب ، واذا كانت تختار المعجم الوجيز لطلبة الأول الإعدادى ومختار الصحاح لطلبة الثالث الإعدادى والمعجم الوسيط لطلبة المرحلة الثانوية فإنه من المفيد فعلاً أن يتم إختيار هذا المعجم ليكون رفيق الطالب من المرحلة الإعدادية ، فإلى جانب سهولة إستعماله وثراء ما يقدمه من معلومات ؛ هو ضيف كل مكتبة منزلية ، يفيد كل فرد بغض النظر عن تخصصه ومهنته ، كما أن وجود الكتاب أو المعجم فى مكتبات المدرارس ، سيكون إضافة لها مردودها التربوى غير المباشر على الأبناء.
هذا المعجم النحوى ؛ الأوّل من نوعه فى المكتبة العربيّة ، جدير بالقراءة والأهتمام والتشجيع ، بخاصة فى هذا الوقت الذى يواجه به علم النحو بالإهمال والجفاء ؛ حيث يضيق به الدارسون ، ويبغضون حصته ويملون كتبه ويستثقلون مسائله وقواعده !!