معضلة الاملاء في المناهج المدرسية
بقلم : أسامة فوزي
نشر في جريدة البيان - دبي عام 1983

 

لمعرفة حجم أزمة قواعد الإملاء وتدريسها للتلاميذ فى الإمارات ، يكفى أن نعقد مقارنة بين بين الفصل الخاص بالإملاء فى كتاب التطبيق اللغوى المؤلف محلياً للصف الأول الإعدادى ، وكتاب " الأملاء الصحيح " الذى درسناه فى الصف السادس الإبتدائى لمؤلفه المرحوم عبد الرؤوف بن إسماعيل المصرى النابلسى المعروف بأبى رزق ، وهو الكتاب الموضوع فى عام 1918 ، والذى إعتمدته وزارة التربية والتعليم فى الأردن منذ مطلع الستينات.
يقع الفصل الخاص بالإملاء فى كتاب التطبيق اللغوى المؤلف محلياً فى تسع ورقات فقط من أصل 111 ورقة ، وتضم قواعد رسم الهمزة فى أول الكلمة ، والهمزة المرسومة على ألف وسط الكلمة والهمزة المرسومة على ياء وسط الكلمة والهمزة المرسومة على واو وسط الكلمة والهمزة المرسومة منفردة وسط الكلمة إلى جانب كتابة الهمزة المتطرفة.
ويضم هذا الفصل واحداً وعشرين شاهداً فقط منها سبعة عشر شاهداً من القرآن الكريم ، تحتاج كلها إلى شرح وتفسير ومعرفة أسباب النزول ومعانى المفردات أيضاً !!
أمّا كتاب " الإملاء الصحيح " المقرّر للصف السادس الإبتدائى والذى كان يدرّس فى الأردن منذ مطلع الستينات فيقع فى 79 صفحة تضم الموضوعات التالية : ــ
• فى أحوال الهمزة
• الألف اللينة وأحوالها
• الألف الصحيحة ، حذفها وزيادتها
• بقية حروف الإملاء
• ما الحرفية والإسمية
وكانت الأمثلة والتمارين كلها من نسخ المؤلف الاّ ما إشتهر من شعر شوقى وابن الرومى وإضرابهما.
هذه المقابلة بين محتويات الكتابين تعطى فكرة عن تراجع الإهتمام بدروس الإملاء ، وإختزانها بشكل مخل ، وإرهاق المدرس وإشغاله ــ فى الإمارات ــ بشرح وتفسير شواهد قرآنية تشكل أكثر من 97 فى المائة من الشواهد المقرّرة وقد أدّى ذلك إلى أن تتحمل حصص الإملاء ــ وهى قليلة جداً ــ أعباء جديدة ، شغلت المدرس والتلاميذ عن الهدف الأصلى للدرس وهو فهم القاعدة الإملائية والتطبيق عليها.
ومن ناحية أُخرى ، غاب عن المؤلفين فى الإمارات أنّ الإملاء هو الرسم القياسى أو الخط الأصطلاحى الذى إصطلح عليه علماء البصرة والكوفة ، أمّا رسم البقرآن فهو الرسم المخصوص الذى إختاره الصحابة ؛ الذين كتبوا المصحف بأمر عثمان بن عفان رضى اللّه عنه وإن رسم القرآن لم تتطرق إليه هذه القواعد القياسية التى ندرسها للأبناء فى الإمارات.


نورد فيما يلى أمثلة من إملاء القرآن وما يقابل ذلك من الإملاء القياسى يقول تعالى فى سورة الأنبياء : " فاسألوا أهل الذكر " ، ويقول تعالى فى سورة البقرة : " وأقيموا الصلواة وآتوا الزكوة واركعوا مع الراكعين " وفى الرسم القياسى نقول : " الصلاة والزكاة "  ويقول تعالى فى سورة الزخرف : " أو من ينشؤا فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين " وفى الرسم القياسى نقول : " ينشأ "  ويقول تعالى فى سورة النساء : " وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه " وفى الرسم القياسى نقول : " الربا ".


لذا كان من الواجب أن يخصص فصل للرسم القرآنى غير ما خصص للرسم القياسى حتى يتمكن الطالب فى هذه السن المبكرة أن يستوعب أسباب هذا الإختلاف بين الرسمين ــ والإتفاق بينهم أيضاً فى الكثير من الشواهد التى يعرضها الكتاب ــ.


ثم أنّ قصر دروس الإملاء فى الصف الأوّل الإعدادى على الهمزة وأحوالها يوحى للطالب أنّ الإملاء هو معرفة أحوال رسم الهمزة فقط وهذا خطأ كبير ؛ بدأ بنعكس على الأعمال الكتابية للطلاب ؛ الذين يحرصون على رسم الهمزة وفق القاعدة ، لكنهم يغلطون فى كتابة أو رسم مفردات أُخرى مثل لكن ــ ويرسمونها هكذا لاكن ويصطدم التى يرسمونها التى يرسمونها يسطدم ويستطيع التى يرسمونها : يصطتيع إلى جانب الكلمات المختومة بألف لينة.


إنّ أهم مشكلة تواجه المدرس فى الإمارات هى ضعف الطلاب بالقراءة والكتابة ، وغنى عن الذكر أنّ الطالب الذى لا يحسن القراءة ، سيكون ــ بالضرورة ــ عاجزاً عن رسم المفردات ، لذا ينصح خبراء التعليم إختيار القطع المفهومة ، الواضحة ، من موضوعات القراءة ، لتكون مجالاً للتطبيق فى حصّة الرسم القياسى ــ الإملاء ــ دون إشعار الطالب باستقلالية هذا الموضوع وهذه المعالجة عن مادة اللغة العربيّة بمختلف فروعها ، لذا ينبغى فى إختيار القطعة ــ وفقاً لما يراه عبد العليم إبراهيم ــ أن يراعى ما يأتى :

• أن تشتمل على معلومات طريفة مشوّقة ، تزيد فى أفكار التلاميذ وتمدهم بألوان من الثقافة والخبرة والقصص والأخبار المشوقة.
• وأن تكون لغتها سهلة مفهومة ولا مجال هنا للمفردات اللغوية الصعبة.
• أن تكون مناسبة للتلاميذ من حيث الطول والقصر والمغالاة فى طول القطعة يستهلك الوقت الذى ينبغى أن يصرف فى مناقشة القطعة وفهمها ،000 ومن تجربة خاصة أقول : إنّى إحتجت إلى حصتين كاملتين لشرح الآيات القرآنية المقررّة كشواهد ، مع مناسباتها ومفرداتها ، وما سبقها أو تبعها من آيات قرآنية تجمل ما أوجزته الشواهد ، أو تفسّر ما أجملته ؛ وذلك فى درس واحد هو " الهمزة المتوسطة التى ترسب على ياء " والمقررّ على الصف الأوّل الإعدادى.


فى هذا الدرس الذى يقع فى صفحة وربع فقط ، خمسة شواهد يفرض المنهج على المدرس والتلميذ تدارسها وفهمها وشرحها قبل النظر فى رسم الكلمات المقصودة من الدرس00 وهذه الشواهد هى : ــ


1ــ قال تعالى : " متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريرا ".
2ــ وقال سبحانه : " وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت "
3ــ وقال الشاعر : ــ
سئمت تكاليف الحياة ومن يعشثمانين حولاً لا أبالك يسأم
4ــ وقال تعالى : " ويستنبؤنك أحق هو قل أى وربى إنه لحق "
5ــ وقال سبحانه : " مما خطيئاتهم أغرقوا فأُدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون اللّه أنصاراً ".


الشاهد فى المثال الأوّل كلمتين هما متكئين والأرائك ، لكن التلميذ لن يستوعب القاعدة إذا لم يوضح له المدرس أنّ السورة كلها " سورة الإنسان " تضمنت الكلام على خلق الإنسان وإبتلائه وإستعداده لشكر اللّه أو كفره وأجملت الحديث عن جزاء الكافرين وفصّلت النعيم الذى تفضّل اللّه به على المؤمنين ثم وجهت الخطاب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإمتنت عليه بإنزال القرآن الخ ، وبهذه التوطئة فقط يمكن للتلميذ أن يفهم الآية الكريمة ، " متكئين فيها على الأرائك " ، مع ضرورة أن يشير المدرس إلى الآية السابقة التى لم يرد ذكرها فى الكتاب والتى يعود إليها الضمير " فيها " وهى " وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً " ، فيكون الإتكاء إذن فى الجنة على السرر ، حيث لا يجدون فيها حرّ شمس ولا شدّة برد.


ومثل هذا نقول فى الآية الثانية " واذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت " ، اذ لا يمكن للمدرس ــ وفقاً للمنهج المقرّر ــ أن يتوقف عند الشاهد فى كلمة " سئلت " دون أن يشرح للتلاميذ هذه الآية ــ من سورة التكوير ــ ودون أن يعود إلى المراجع وكتب التفاسير ــ لأنّ الكتاب يخلو من أى تفسير ــ ليبين للنلاميذ أن هذه الآية جاءت فى إطار سورة تصوّر ما سيقع من أحداث عن قيام الساعة وبعد قيامها حيث تُسئل المدفونة ــ حيّة ــ ترضية لها وسخطاً على من وأدها بأى جريرة قتلت ولا ذنب لها.


ولا يستطيع المدرس أن يتوقف عند المثال الرابع من سورة يونس " ويستنبئونك أحق هو قل أى وربى إنّه لحق " دون أن يكمل الآية " وما أنتم بمعجزين " ذلك أنّ هذه العبارة تكمل المعنى ، حيث يطلب الكفار من الرسول ــ على سبيل الإستهزاء والإنكار ــ أن يخبرهم أحق ما جاء به القرآن فيرد عليهم : نعم وحق خالقى الذى أنشأنى أنّه حاصل لا شك فيه وما أنتم بغالبين ولا ما نعين ما يريده اللّه بكم من العذاب.


ثم لا يعقل أن يذكر المدّرس للتلاميذ أن هذه الآية التى أختارها المؤلفون كشاهد ، من سورة يونس ، دون أن يحكى لهم قصّة يونس التى بها سميت الصورة ، والتى تتضمن أيضاً قصص الأنبياء مع أقوالهم ، مثل نوح وموسى وهارون وفرعون وغيرهم.


ومثل ذلك نقول فى المثال الخامس " ممّا خطيئاتهم أُغرقوا فأدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون اللّه أنصاراً " ، فهذه الآية من سورة نوح ، والمدرس مطالب ــ قبل أن يشرح الشاهد الإملائى الخاص بالهمزة المتوسطة المرسومة على نبرة ــ أن يذكر للتلاميذ قصّة نوح عليه السلام مع قومه ، وكيف إنّه جاهر بالدعوة ثم شكى إلى اللّه من إعراضهم عنه حتى إستحقوا عذابه ، وكيف أنّ سيدنا نوح عليه السلام لمّا يئس من قبولهم الدعوة دعا عليهم بالهلاك والإنقراض ودعا لنفسه ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات بالغفران.
كل هذه الشروحات التى يطالب بها المدرس ، ستكون بالتأكيد على حساب الوقت المخصص لتدريس القاعدة الإملائية المشار إليها ، والتى لا يجوز ولا يعقل أن تشرح للتلاميذ دون أن تكون الشواهد مفهومه ؛ وفهم تلك الشواهد يحتاج إلى إحاطة بكل ما سبق وذكرناه ؛ مما لم يرد فى الكتاب المقرّر ، ولك أن تستنتج بعد ذلك العبء الذى يقع على كاهل المدرس ، والفائدة التى ترتجى ضمن زمن محدود جداً لا يزيد عن حصتين فى الشهر الواحد لمادة الإملاء.


وإذا كان المدرّس سيقضى زمن الحصّة فى الشرح والتفسير ، فمن أين له أن يلتفت إلى المهارات المصاحبة لدرس الإملاء ، مثل تعويد التلاميذ جودة الإصغاء وحسن الإستماع والنظافة والتنسيق وتنظيم الكتابة باستخدام علامات الترقيم وملاحظة الهوامش وتقسيم الكلمات فقرات وتدريب التلاميذ على أنواع الإملاء المشهورة مثل الإملاء المنقول ؛ الإملاء المنظور ، الإملاء الإستماعى ؛ الإملاء الإختبارى وغيرها.