الصحافة المدرسية
بقلم : أسامة فوزي
نشر هذا المقال عام 1983 في جريدة البيان - دبي

 

تُعتبر " الصحافة المدرسية " من أهم النشاطات المدرسية اللاّ صفية التى تحقق أهدافاًً 0تعليمية وتربوية كثيرة نزفد المنهج والكتاب المدرسى وتوفر للتلميذ متعة من نوع خاص ، وتؤدى فى مجملها إلى ربط التلميذ بواقعه ومجتمعه من خلال ممارسة لون من ألوان الإعلام المقرؤ ؛ الذى يساهم هو نفسه فى إيجاده.
ومع أنّ الصحافة المدرسية نشاط لاصفىّ إلا إنها تحقق ذات الأهداف العامة التى تحققها المواد الدراسية الأُخرى مثل اللغة العربية والدين والمواد الإجتماعية بفروعها.
فالصحافة المدرسية ، تحبب التلميذ بلغته العربيّة ، وهى أداته فى تحريرالصحيفة ، وتوصيل أفكاره للقارىء ، ومن خلالها يتعرّف التلميذ وطنه العربى الكبير ويعتز بأمجاده ويحرص عليه ويدعو إلى وحدة أقطاره ، وتكون الصحافة المدرسية منبره ووسيلته لفهم المجتمع الذى يعيش فيه ، داخل المدرسة وخارجها ، حيث يدفعه عمله كصحفى إلى متابعة المشاكل المدرسية وإبرازها ومناقشتها وعرضها بأسلوب يرمى إلى ما علّها أو لفت النظر إلبها ، مما ينمّى فيه مستقبلاً روح النقد ويساعده على إنضاج ملكة متابعة الأحداث وفحصها فى المستقبل.
ولأنّ الصحافة عمل جماعى ؛ فإنّه يتوقع منها ــ إنّ مورست على أصولها داخل جدران المدرسة ــ أن تحبب التعاون لدى التلاميذ بما يفيد فى تكوين رأى عام داخل المدرسة ، يساعد الإدارة فى ضبط النظام العام ويسهم فى إكتشاف المشاكل وإقتراح الحلول ، وهذه الأهداف على وجه الخصوص تصقل شخصية التلميذ وتعلمه الجرأة وتدربه على المواجهة وتؤهله مستقبلاً للقيادة ، فضلاً عما تكشفه من مواهب فى شخصيته سواء بالرسم أو التعبير الكتابى أو القدرة على الحوار والنقد.
وغنى عن الذكر أنّ إشتراك التلميذ بالعمل الصحفى المدرسى يدربه على الإستعمال اللغوى الصحيح ويزوده بالخبرات والمهارات التى تمكنه من القيام بما تتطلبه فنون التعبير الوظيفى مثل كتابة الرسائل والبرقيات والمذكرات ، ويكون التلميذ حينذاك قادراًعلى الكتابة الصحيحة من الناحية الهجائية بدرجة تناسب مستوى نموه ، ومن المؤكد أنّ ثروته اللغوية ستزداد ، وسينمو ميله إلى القراءة بحيث يقبل على المطالعة الحرّة ليزيد معلوماته فى موضوع معين أو ليعرض كتاباً فى الصحيفة.
لكن يلاحظ ــ على وجه العموم ــ أنّ الصحافة المدرسية فى الإمارات لا تحقق الأهداف العامة والخاصة المشارإليها ؛ رغم أنّ وزارة التربية إستحدثت فى عام 1976 قسماً للصحافة المدرسية تطوّر إلى إدارة للإعلام التربوى ، يعمل فيها عدد كبير من الموظفين ؛ ومن ثم فقدت جماعات الصحافة المدرسية فى الميدان الإشراف والتوجيه العلمى والتربوى الصحيح ويستطيع المراقب أن يحدّد بعض أسباب وملامح أزمة الصحافة المدرسية بما يلى : ـ


أولاً : ــ بسبب غياب إستراتيجية تربوية خاصة بهذا النشاط اللاصفى وعدم نجاح قسم الصحافة المدرسية فى الوزارة ؛ والذى تحول إلى إدارة للإعلام التربوى ، فى رسم مثل الإستراتيجية التى يقوم عليها عمل الإدارة ، أو التوصية بمثل هذه الإستراتيجية غرق هذا النشاط المدرسى بدوّامة الإرتجال ؛ الذى يحدد خطواته المدرّس المشرف على الجماعة والذى يكون فى الغالب ــ ولسبب نجهله ــ من مدرسى اللغة العربيّة !!


ثانياً : ــ توكل مهمة متابعة هذا النشاط اللاصفى لموجّه اللغة العربيّة ؛ الذى يشترك فى تقييم الصحف المدرسية أيضاً ، رغم أن أكثرية موجهى اللغة العربية ــ عدا عن المدرسين المشرفين على الصحافة المدرسية ــ يجهلون أبجديات العمل الصحفى وتقنياته ، وبعضهم لم يدخل صحيفة فى حياته !!


ثالثاً : ــ وبسبب ذلك ، تخضع عمليات تقييم الصحافة المدرسية وأعمال الجماعات الصحفية فى المدارس ، سنوياً لإعتبارات لغوية وإملائية فى أكثرها بحكم الصنعة الوحيدة التى تتقينها المحكمون ؛ رغم أنّ الصحافة ــ قبل كل شىء ــ شكل وتبويب ولون وصياغة.


رابعاً : ــ لذا نرى شيوع ظاهرة غير صحية فى مدارس الإمارات وهى لجؤ المدارس إلى طباعة مجلاتها فى المطابع التجارية ؛ التى يقوم الفنيون فيها بالتصميم والإخراج والعمل الفنى كلّه الذى يغلب ــ فى المجلات المدرسية ــ على المادة الصحفية نفسها ، وأصبحت المجلة المدرسية الأفضل هى تلك الأفخر فى الورق أو الطباعة أو اللون.


خامساً : ــ وهذا أدّى بدوره إلى تغييب جهود الطلبة الفنّية ، وقصر عمل جماعات الصحافة فى المدارس على إختيار الموضوعات أو إعدادها أو نقلها من الكتب ، وفى أكثر الأحيان يقوم المدرسون بهذه المهمة وينسبونها إلى طلبتهم وذلك فى معرض التنافس بين المدرسين فى المدرسة الواحدة من ناحية ــ لأن النشاط الصحفى له درجاته فى التقارير الفنية والإدارية ــ أو التنافس بين المدارس ؛ التى تنظر إلى الصحافة المدرسية كوسيلة للظهور أكثر منها وسيلة للتربية والتعليم .


سادساً : ــ وفىغمرة هذا الـتنافس ، وهذه الإصدارات الصحفية التى لا تعكس جهود التلاميذ الحقيقية ، ولا تخدم العملية التربوية ، يكرس المدرسون المشرفون على هذه الإصدارات بعض العادات السيئة ، والمغلوطة من أساسها والمرفوضة أدبياً وأخلاقياً وتربوياً ، كأن يقوم مدرس بكتابة مقالة لينشرها باسم أحد التلاميذ أو كأن يقوم تلميذ بنقل أحدى المقالات ونشرها مذيلة باسمه دون الإشارة إلى الكاتب الحقيقى أو المصدر.


سابعاً : ــ وفى حال طباعة المجلة فى المطابع التجارية ، تكون المدرسة المصدّرة للمجلة حريصة على مخاطبة أطراف أخرى غير مجتمعها المدرسى ؛ وبهذا يفقد النشاط الصحفى المدرسى هويته وإحدى أهم ــ ركائزه ، وأعنى بها التوجه إلى المجتمع المدرسى لخدمته فى إطار الأهداف العامة والخاصة التى أشرت إليها.


ثامناً : ــ كما أنّ المدارس التى تصدر مجلة مطبوعة على هذا النحو تصرف جهود تلاميذها طوال العام لإصدار عدد واحد فقط مما يفقد النشاط الصحفى المدرسى أهميته ويسلبه دوره كأداة لتوجيه المجتمع المدرسى توجيهاً سديداً فى النواحى الثقافية والخلقية والصحية.


الصحيفة المدرسية النموذجية هى تلك التى يشرف عليها التلاميذ إعداداً وإخراجاً مع رقابة غير مباشرة للمدرس المشرف على الجماعة ؛ والذى يجب إختياره بعناية ، كى يكون ملماً بأهداف الجماعة والعمل الصحفى بشكل عام
وهى على نوعين : ــ
• الصحافة المطبوعة
• الصحافة الجدارية


ويقصد بالصحافة المطبوعة تلك التى تطبع على ورق الحرير " ستانسل " أو تكتب على ورق كربون ، وتكون أغلفتها وأوراقها وإخراجها الفنى فضلاً عن موادها التحريرية من إعداد التلاميذ أنفسهم ، وهذا النوع من الصحافة المدرسية يمكن تشجيعه فى المرحلتين الإعدادية والثانوية ، بعد أن تقوم الإدارة المدرسية ممثّلة بالمدرس المشرف على النشاط الصحفى باستطلاع رغبات التلاميذ وإختيار القادرين منهم على الإسهام فى هذا النشاط ، وتوزيعهم فى لجان وفقاً لأمكاناتهم ، بحيث تكون للمجلة هيئة تحرير تتكون من رئيس ومدير وسكرتير للتحرير ومشرف فنى أو مخرج مع مجموعة من المنفذين من الرسّامين والخطاطين والطابعين إلى جانب المراسلين ، ويفضل أن يكون للمجلة من يمثلها فى كل فصل كمراسلين لها وتكون هذه العناصر مجتمعة ما يسمّى بجماعة الصحافة ؛ المسؤولة عن تحرير وإخراج وطباعة وتوزيع المجلّة ؛ حيث يكون الجهد فى أكثره طلاّبى ، يعكس بحق إمكانات الطلبة وإبداعاتهم.


أمّا الصحافة الجدارية ؛ فهى تلك التى تعرف بصحف الحائط ، وهذه يمكن أن تكون فى المرحلة الإبتدائية كما يمكن أن تحرّر فى المرحلتين الإعدادية والثانوية وتحرير هذه النوعية من الصحف يختلف فى مضمونه وأسلوبه عن الصحيفة المطبوعة حيث تهتم صحيفة الحائط بالخبر الجديد والمعلومة الحديثة والخطوط الجيدة المقرؤة وتعتمد كثيراً على الرسمة واللون والمانشت والصورة ، بحيث تكون بمثابة جريدة يومية أو أسبوعية ،  ويفضل ــ طبعاً ـ أن يكون للمجلّة كادر ثابت على الجدار ؛ يصنع من مصلّبات خشبية ، بحيث تسهل عملية إستبدال المادة التحريرية ، يومياً إن أمكن ، ويمكن طبعاً إعتماد صحيفة الحائط الأسبوعية التى يتم تنفيذها على لوح من الكرتون المقوّى ، لكن هذه تكون عرضة للتبديل الدائم حتى لا يشعر التلميذ بالملل إذا ما رآها معلقة لفترة طويلة ، وبعض هذه الصحف تكون ــ فى بعض المدارس ــ ذات هدف مظهرى ؛ لذا تعلّق طوال السنة رغم أنّ قراءتها لا تستغرق أكثر من نصف ساعة ، ويكون تعليقها طبعاً للزائرين والمسؤلين ، وليس للتلاميذ وهذا يفقدها أهميتها.


أمّا عدد صحف الحائط فيخضع لقوّة جماعة الصحافة وعدد التلاميذ المشاركين وامكاناتهم وتعاون الإدارة ومدرسى التربية الفنية مع هيئة التحرير ، بحيث يمكن ــ فى بعض المدارس ــ إصدار صحيفة واحدة على الأقل لكل فصل.