* كتب : أسامة فوزي


* مع انني عجوز و "مناخيري أد الكوز" كما تقول الاغنية الشعبية المصرية ومع انني محسوب على الجيل "الوقور" الذي لا يجلس في الاحتفالات العامة الا في المقاعد الامامية ولا يخرج اليها الا بربطة عنق ولا يتحدث الا بالفصحى حتى لو كانت "اي كلام" ويغض النظر والبصر ولا يلحق البنات ويؤدي الصلوات الخمس في مواقيتها ويعمل ببعض فتاوى الشيخ القرضاوي وأحمد الفيشاوي ..... الا انني ايضاً من مشاهدي برنامج " سوبر ستار " الذي تبثه فضائية المستقبل اللبنانية واعتبره من افضل انجازات " رفيق الحريري " واتابع حلقات هذا البرنامج بحماس كبير بل ورتبت كل مواعيدي وارتباطاتي بحيث لا تتعارض مع مواعيد عرض البرنامج.... وقد كتبت قبل اسابيع عن هذا البرنامج فاتصل بي عدد كبير من القراء يبدون دهشتهم من اهتمامي ببرنامج غنائي شبابي رغم اني بدأت " اختير " .


* وبرامج الهواة عرفتها التلفزيونات العربية منذ مرحلة الابيض والاسود ولكنها كانت ذات ايقاع واحد ممل يهتم كثيراً بالشكل والديكور اكثر من اهتمامه بحلاوة الصوت لذا خرّجت لنا برامج الهواة مطربين ومطربات اشكالهم "حلوة" لكن اصواتهم "اي كلام" وكان المغني يظهر بربطة عنق وقميص قبته منشاة وخلفة فرقة موسيقية هاملة ولم يكن هناك اي تصويت وكان المذيع او مقدم البرنامج هو الذي يقرر تفويز هذا او ذاك..... ولما " اطلق " اللبنانيون ستديو الفن حوله المخرج " سيمون اسمر " الى وسيلة لابتزاز الشباب واستعبادهم بعقود طويلة وكان يحشر انفه حتى في حفلاتهم الخاصة ويلجأ الى التشهير واحيانا الى المحاكم عندما يقرر احد الشباب ان يسترد حريته .


* في برنامج " سوبر ستار" - وهو برنامج انجليزي حصلت فضائية المستقبل على حق تعريبه او اعداد نسخته العربية لا يكفي الشكل "الحلو" و "النيو لوك" حتى يفوّز صاحبه باللقب لان الصوت الجميل هو المعيار الاول الذي يحتكم اليه المشاهدون حتى مع تدخل بعض الاجهزة الحكومية العربية للتأثير على التصويت كما حدث العام الماضي ولعل الدليل على ذلك ان الشاب الفلسطيني العامل في دبي " عمار حسن " فاز بالمركز الاول في اكثر من حلقة  رغم انه مقطوع من شجرة وقريته تحت الاحتلال ورغم ان خصومه في الحلقة كانوا من دول يحمل بعض مواطنيها كمشة من هواتف الموبايل في جيوبهم.


* ومع انني لم اتابع حلقات العام الماضي كاملة الا ان الصراع الذي وقع بين آخر متنافستين السورية والفلسطينية " الاردنية " وخروج المتسابق اللبناني ملحم زين وما تبع ذلك من مظاهرات في بيروت دفعت الرئيس اللبناني الى دعوة المتسابق الى القصر الجمهوري لترضيته وتوتر العلاقات السورية الاردنية بعد ان وضعت الملكة رانيا ثقلها وراء المرشحة الاردنية ديانا كارازون الفلسطينية الاصل في حين وظفت" اسماء الاسد " خبرتها الالكترونية في التصويت للمرشحة السورية .... كل هذا وما افرزه من بيانات تكفير صدرت ضد الفائزة " ديانا كرازون " وتحولها الى موضوع يناقشه البرلمان الاردني جعلني احرص هذا العام على متابعة حلقات هذا البرنامج الذي يوفر فرصة للمشاهدين كي يستمتعوا باصوات مواهب شابة اكثرها تتفوق في جمالها على اصوات كثيرة لمطربين ومطربات صنعتهم اشرطة الفيديو كليب وملايين اصحاب الفضائيات ... وبعض اوكار الدعارة في مشيخات الخليج.


* ومع ان صوتي ليس جميلاً ولم ادرس الموسيقى ولا اعرف عنها الا ما يدخل ضمن باب الثقافة العامة الا انني استطيع ان اؤكد اني متذوق جيد لا اتحيز الا للصوت الجميل كائناً ما كان صاحب الصوت ولعل مزاجي هذا هو الذي جعلني انسحب من حفلة لجورج وسوف اقيمت في لوس انجلوس في مطلع التسعينات احتجاجاً على اخذه الميكروفون من شاب لبناني كان يغني لنا (اهواك) لعبد الحليم قبل بدء الحفل الذي كان يحييه جورج وسوف وتبين لنا ان الشاب صاحب الصوت الجميل الذي اعجبني لم يكن في الحقيقة الا جرسوناً في المطعم الذي يقيم الحفل ... وكانت تلك اول مرة اسمع فيها جورج وسوف وبعد الحفل تحيزت للشاب اللبناني " الجرسون " ووجدته اجمل صوتا من جورج وسوف ونقلت هذا الرأي للجهة التي نظمت الحفل فمررته بدورها الى جورج وسوف الذي كان يجلس في الكواليس يعد " الدولارات " التي قبضها وكاد يصاب الرجل بحالة من الاغماء .... واعتبرني مدسوسا على الحفل من مطرب اسمه " ملحم  " مع اني لم اكن يومها قد سمعت باسم المطرب المذكور ولا اعرف حتى صورته !!


* في مطلع التسعينات دعاني الصديق المطرب الفلسطيني جبور المقيم في هيوستن - وهو غير المطرب الاردني الذي يحمل نفس الاسم ويقيم في احد سجون عمان - لتناول طعام الغذاء في محل "كليوباترة" الذي يملكه واخبرني جبور الذي كنت اعرفه قبل ان يحترف الغناء وقبل ان يشتري مطعما يونانيا في هيوستون كان اسمه " جريك فاستفال " ويحوله الى مطعم عربي فاخر ان خمسة اشخاص فقط سيحضرون العزومة من بينهم مطرب عراقي اسمه كاظم الساهر.... وصوت جبور - بالمناسبة - اجمل من اصوات عشرات المطربين المشهورين الذين كان يدعوهم الى محله لاحياء حفلات غنائية .


* لم اكن قد سمعت باسم كاظم الساهر من قبل ولكنني بعد ان استشرت اولادي اعلموني ان الساهر من النجوم الشباب الذين بدأوا يحققون شهرة في العالم العربي  بسرعة الصاروخ وزودوني بشريط كاسيت لاغنية شهيرة له او بالاغنية التي اشهرته عربيا واسمها على ما اذكر " هذا اللون " فاعجيني صوته وقررت قبول الدعوة  والتقيت بكاظم الساهر الذي لم يكن بعد قد زار مصر وكانت كل حفلاته تقام في الاردن وفي لبنان ....  وعلى هامش الدردشة بيننا سالته ان كان قد زار القاهرة فنفى ذلك وتمنى ان تسنح له الفرصة بزيارتها فنصحته ان يطير الى القاهرة فورا ان اراد الانتشار عربيا وهي النصيحة ذاتها التي كنت قد قدمتها عام 1979 لوليد توفيق الذي التقيت به في تلفزيون دبي خلال لقاء تلفزيوني كان يجريه معه صديقنا المذيع السوري البارز احمد زين العابدين " ابو جمال " وقد تذكر وليد توفيق هذا وبادر الى الاتصال بي في منتصف التسعينات عندما جاء الى هيوستون لاحياء حفلة في " كليوبارترة " فشكرته على لمسة الوفاء هذه واعتذرت عن قبول الدعوة لاني كنت مرتبطا بعمل في مدينة اخرى .

* علمت بعد ذلك ان كاظم الساهر قد طار فعلا الى القاهرة ليشترك في حفل "شم النسيم" ولانه كان مطرباً مغموراً وغير معروف بالنسبة للمصريين فقد ادرجوا اسمه في آخر قائمة المطربين الذين سيغنون في الحفل وجاء دور كاظم في الرابعة صباحاً ونصف الجمهور قد "روّح" والنصف الاخر اصيب بالنعاس والملل لكن ذكاء كاظم الساهر لم ينقذه فقط من هذه الورطة وانما كان الصاروخ الذي اطلق نجمه في سماء القاهرة  فقد اختار كاظم الساهر ان يغني لعبد الحليم وعبد الوهاب وهما جواز مرور لاي مطرب عربي مغمور يريد المرور الى الشهرة عبر القاهرة .... قغنى كاظم الساهر اغنية " بفكر في اللي ناسيني " لعبد الوهاب ثم اتبعها باغنية "جبار" لعبد الحليم مضيفاً تلك (العروبات) - مع الاعتذار لفادية توم الحاج - العراقية على اللحنين ليشعل المسرح الذي اقيمت فيه الحفلة فينبه الناعسين ويوقظ النائمين ويصبح في اليوم التالي حديث الناس في مصر.


* عندما استمعت الى الشاب الليبي " ايمن الاعتر " وهو يغني في الحلقة الاخيرة من سوبر ستار ادركت في - من حلاوة صوته - ان ليبيا لا تزال بخير بعد ان "طرشها" العقيد باللون الاخضر وغير اسمها وجعلها مزرعة خاصة به وباولاده وقضى على كل المواهب والطاقات السياسية والفكرية والرياضية والفنية ولما اراد ان يعود الى المجتمع الدولي من باب كرة القدم لم يجد الا ابنه  (الحشاش) الذي ضبط وهو يتعاطى المقويات والمنبهات والذي طار الى روما ليلعب مع الايطالين بدلاً من اللعب في بلده مثلا .... وكنت اكثر الناس حزنا على خروج المتسابق الليبي " رضا جعفر " ... الذي يتفوق صوتا واداء على نجوم الصف الاول من مطربي الفضائيات النفطية .


* عندما رأيت احدى الحلقات الاخيرة من "سوبر ستار" سألت نفسي: هل يعقل ان العراق الذي انجب صدام حسين وعلي الكيماوي وبرزان وطقعان ووطبان وخريان هو ذاته الذي انجب  "شذا حسون " التي غنت "يمه القمر ع الباب" لفايزة احمد فاعادت الينا امجاد الغناء وذكرتنا بالاصوات الجميلة التي تراجعت بفضل فضائيات الشيخ صالح والامير الوليد وعلاء الخواجة وغيرهم!!


* لا اعتقد ان كل نفوذ الملكة رانيا الالكترونية سيحول دون تصويت المشاهدين للشاب السوري (حسام مدنية)  الذي اسمعنا صوتاً كنا نعتقد انه قد انقرض من عالم الغناء والطرب العربي ... او (محمد قصير) الذي يحمل صوته كل ما في غوطة دمشق من جمال وجبل قاسيون من صفاء او هالة ارسلان اللبنانية - الدرزية- التي تتحدى بصوتها العذب البانورامي الاوبرالي كل مطربات الصف الاول في فضائيات هذا الزمن الاغبر و وعد البحري بصوتها المميز او رنين الشعار او عبير نعمة التي ارى انها " ستار " حتى قبل ان تعلن النتائج لانها صوتا وشكلا واداء  اعادت الى لبنان احترامه بعد ان لوثته بنات ليل يعملن - في الظاهر - بوظيفة " مغنيات ".

*  تابعت بعض حلقات برنامج (ستار اكاديمي) الذي يراد له ان يكون منافسا لسوبر ستار والذي يخرجه سيمون اسمر ولكن رغم الدعاية الهائلة التي حظي بها الا ان البرنامج - كما لاحظت- يعتمد على البهرجة والاستعراضات اكثر من اعتماده على الصوت الجميل وهذا هو دأب" سيمون اسمر" الذي التقيت به ايضاً في  مدينة هيوستن عندما جاء مع المطرب الشاب "وائل كفوري" - ايظا بدعوة من المطرب جبور - وجلس " سيمون اسمر " يلقي على المطرب الشاب التعليمات والنصائح امام الناس ولسان حاله يقول انا اولاً ثم هذا الشاب .

* لقد تعرضت الاغنية العربية خلال السنوات الاخيرة الى مؤامرة تحولت معها مومسات الى مطربات وصنعت خلالها ملايين الدولارات النفطية " نجمات " في عالم الغناء وبعد ان كنا نسمع اغنيات يكتب كلماتها احمد رامي ونزار قباني وعبد الوهاب محمد وصلاح جاهين وحسين السيد وغيرهم من رواد الكلمة اصبح كتاب اغاني هذه الايام يحملون اسماء الشيخ زايد والشيخ محمد بن راشد والشيخ نهيان بن زايد .... اصبح الشيوخ يشترون الكلمات ويشترون المغنيات ويشترون الالحان ويشترون الشركات التي تنتجها ويشترون الفضائيات التي ستعرضها ويشترون البرامج التي ستمنح اصحابها الجوائز .... ثم يشترون الجوائز ....اصبح شيخ جاهل مثل محمد بن راشد يكتب اغنيات لاصالة نصري لا تغنيها الا في قصر الشيخ .... واصبحت الاميرة هند الفاسي تجمع في جناحها في هيلتون القاهرة نجوم الغناء في مصر حتى يغنوا لها ولاولادها اغنيات كتبت لها ولحنت لها وغنيت لها .

* وبدخول النفط ساحة الفن والطرب اصبح اتخن مطرب عربي هذه الايام - عمرو دياب - مجرد موظف عند الوليد بن طلال .... واصبح مطربو الفضائيات يبوسون زنوبة الشيخ صالح حتى تستضيفهم زوجته صفاء ابو السعود في برامجها .... واصبحت رانيا الياسين ترعى مهرجانات غنائية في جرش وتسلم المطربين والمطربات اوسمة لا يحملها اساتذة الجامعات الاردنية .... واصبح المكوجي شعبان عبد الرحيم نجم مصر الاول .... ودينا راقصة مصر الاولى .... وهيفاء سوبر ستار لبنان .... واصبحت " قعدات " المطربين والمطربات لا تكتمل في بيروت الا اذا مارس اعضاؤها الجنس وتعاطوا المخدرات في نهاية السهرة واصبح الكشف عن وكر دعارة رواده من المطربين والمطربات الذين افرزتهم الفضائيات خبرا لا يثير دهشة احد .

*  من هنا يأتي ترحيبنا ببرنامج " سوبر ستار " .... فالمشاركون في هذا البرنامج الناجح من الطلبة والشباب وصغار الموظفين ومنهم من لم يركب " طيارة " في حياته الا بعد اشتراكه في البرنامج ولا تجمعهم الا صفة واحدة وهي انهم يعشقون الغناء ويمتلكون ادواته .

* الشابة اللبنانية " عبير نعمة " لا تجمع بين جمال الصوت وجمال الوجه فحسب وانما تتميز ايضا بابتسامة ساحرة تضفي على الاغنية التي تؤديها جوا رومانسيا حالما دون ان تلجأ - كما تفعل هيفاء واليسا وبقية الارطة - الى التعري والاغراء .... واظن انني قادر على الاستماع لهذه المطربة الشابة حتى الصباح دون ان اشعر بالملل ودون ان اسأل من توسط لها حتى " تغني " ودون ان تحوم حولها شبهات " نفطية " من هنا وهناك لاننا تابعنا " عبير " منذ اليوم الاول الذي تقدمت به الى المسابقة وحتى حلقة الامس التي غنت فيها لكاظم الساهر فاظافت الى غلانية الكثير .

*  من الصعب ان نحصر في مقالة واحدة ميزات كل مطرب من نجوم " سوبر ستار "  فالاماراتية " رانيا ابراهيم " كانت مميزة وكنت اتوقع لها البقاء الى النهائيات ومثلها نانسي بترو وهلا قصير والشابة المصرية التي غادرت من الحلقة قبل الاخيرة - للاسف فقد نسيت اسنها - ورنين الشعار واللبناني محمد براج والمصري مصطفى الشويخ الذي يذكرنا ببدايات عبد الحليم وباقي الشباب الذين ابدعوا يوم امس في حلقة وديع الصافي التي تستحق فعلا ان تسجل وان توثق لانها شهادة لولادة اكثر من نجم .

* اما لجنة التحكيم .... فأنا منحاز لفادية الحاج .... هذه السيدة لا تجمع فقط بين الثقافة الفنية العالية والجمال العربي الذي كنا نعتقد انه انقرض والذي يتسم بذلك الوقار الذي اصبح مفقودا عند " نسوان " هذه الايام ... وانما - وهذا المهم - كسبنا ناقدة فنية ذات قاموس نقدي فني خاص بها اصبحنا نحرص على متابعة الحلقات حتى نستمع اليه تماما كما نستمع الى المطربين الشباب .... نقد فني من السهل الممتنع تلخص فيه فادية الحاج كتابا بكلمتين وغالبا ما اشعر اني اتفق معها في تقويمها للشباب .

* برنامج " سوبر ستار " اضافة نوعية سيكون لها في المستقبل الفضل في تنظيف الوسط الغنائي من افرازات الفضائيات العربية ومطربي " هشك بشك " ونسوان الشيخ زايد والشيخة فاطمة والمطربات المسجلات في كشوف الرواتب التي يدفعها الوليد بن طلال .... وسينتصر الفن الجميل ... والطرب الاصيل .... وسيدخل الوسط الغنائي شباب اثبتوا انفسهم عن جدارة وفازوا باللقب عن طريق التصويت والانتخاب .... وليس عن طريق الانقلاب والتعيين الذي يطبع حياتنا العربية هذه الايام .