أهداف تدريس اللغة العربية
 ومفارفات المصطلح النقدى
بقلم : أسامة فوزى
نشر في جريدة الخليج - الشارقة عام 1983


تضمن كتاب الأدب والنصوص الذى يدرّس الآن لطلبة الصف الثالث الثانوى فى الإمارات ( مقولتين ) تمثلان إنحرافاً فى عملية تأريخ الأدب العربى ، المقولة الأولى وردت فى صفحة180 على النحو التالى : " يقصد بأدب التحرّر السياسى من شعر ونثر ذلك الأدب الذى يعالج القضايا السياسية لكل دولة فى الوطن العربى على حدة حيث أسهم الأدباء والشعراء فى تناول المشكلات السياسية الخاصّة بأوطانهم فهو من هذه الزاوية أدب إقليمى ".000 أمّا المقولة الثانية فقد وردت فى صفحة 183 وفيها يقول المؤلفون إنّ أدب الدعوة قد ظهر لعدّة عوامل : " ظهور الإتجاهين الإقليمى والقومى بما يحملان من عجز عن تلبية حاجات الأمّة ومواكبة تطلعاتها ".
المصطلح النقدى
من المؤكد أنّ تحديد المصطلحات النقدية وفق ما تعارف عليه النقاد واحد من أهداف تدريس اللغة العربية فى المدارس الثانوية ، لأنّ الإختلاف فى إستخدام المصطلحات أو عشوائية إستخدامها فى غير الدلالة المرادة منها يحمل فى طياته خطورة الخلط والتأويل فى الأفكار والمفاهيم نفسها الذى يوضعها هذا المصطلح 000 وقد ظهر ذلك جلياً فى إعتبار كتاب الأدب والنصوص المشار إليه ( الحركات الإستقلالية وأدب التحرّر ) من قبيل ( الأدب الإقليمى ) رغم أنّ الكتاب نفسه يعترف بالدور الكبير الذى لعبه أدب التحرر فى مواكبة اليقظة التى سرت فى الأمة العربية منذ القرن التاسع عشر ، كما إنّ الكتاب نفسه يلخص رسالة أدب التحرر فيما يلى : ــ
1ــ بث الوعى الوطنى والإسلامى فى نفوس الشعب .
2ــ تبصير الشعب بحقوقه الدستورية والسياسية .
3ــ مقاومة الإستبداد والفساد الداخلى.
4ــ مقاومة الإستعمار وبث روح السخط عليه.
5ــ تمجيد النضال والكفاح والإستشهاد.
كيف يستقيم المصطلح السابق ( الأدب الإقليمى ) مع ( الرسالة ) التى يراها المؤلف لهذا الأدب ، وهى رسالة جليلة وعظيمة كما هو واضح.
ما الأدب الإقليمى !
الأدب الإقليمى يدعوا فى مجمله إلى محاربة القومية وإحياء النزعات والتيارات العرقية والدينية والمذهبية والحضارية فى كل قطرة على حدة 00 كما يفعل الآن سعيد عقل فى لبنان ( الدعوة إلى الفنيقية الجديدة ) وكما يفعل دعاة الفرعونية ( مثل توفيق الحكيم ) والقبطية والبربرية ( فى المغرب ) والإفريقية فى السودان
يبدو أن المؤلف ( الكويتى ) خلط بين مفهومى الأدب الإقليمى والأدب " المحلّى " ، ونعنى عن الذكر الفروق الشاسعة فى الدلالة بين المصطلحين ، فالمحلية فى الأدب ليست نقيض العالمية أو الإنسانية وهى لا تدعو إلى إحياء النعرات الطائفية أو السياسية ــ كما هو الحال فى الأدب الإقليمى ــ وإنما تعنى فى مفهومها الواسع التعبير عن البيئة والخصوصية المنتجة للأديب بحيث يتوسل الكاتب عناصر العمل الأدبى فى المحيط الأُسرى والمجتمعى ، ولا يقتصر توسله على تكريس هذا المحلّى وإنما يجعله منطلقاً لدائرة أوسع تشمل الإنسانية كلها.
لقد كان ( جوجول ) محلياً جداً فى ( تراس بولبا ) ــ على سبيل المثال ــ حيث سرد لنا قصّة القوزاق والصراع بين العاطفة الشخصية الأبوية وعاطفة حب الوطن ، عندما قتل الوالد ولده ( الخائن )  وبهذا الطرح خرج جوجول من محليته ولمس وتراً إنسانياً تجده فى كل زمان ومكان.
اللافت للنظر أنّ المؤلفين الإماريين الذين كلفوا بتعديل الكتاب الكويتى أبقوا على المقولة السابقة ، بعد أن فهموها بالمعنى العرقى ، وبنوا عليها معادلة سياسية جعلت ظهور أدب الدعوة ردّة فعل لظهور الإتجاهين الإقليمى والقومى اللذين ــ كما يقول الكتاب " يعجزان عن تلبية حاجات الأمة ومواكبة تطلعاتها ". وأضاف المؤلفون أو المعدلون إلى هذا الطرح التربوى المغلوط ، طرحاً آخر عندما حذفوا موضوع ( أدب القومية العربية ) الذى كان مقرراً فى كتاب السنة الماضية ، ولم يعد بإمكان التلميذ ــ على ضوء ذلك ــ معرفة أى شىء عن تاريخ ظهور الفكرة القومية فى الأدب ، وهذا خلل خطير فى الكتاب.
النزعة القومية
وليعلم الطالب فى الإمارات إنّ النزعة القومية فى الأدب العربى ليست طارئة ، ولم تكن عاجزة فى أى يوم ، وقد ظهرت بوادرها فى العصر الجاهلى تداخلاً فى علاقات متفاعلة ، الإطار الأوّل مادى يمثل الإحساس بالكيان القبلى حيث تذوب ( الأنا ) فى كيان الجماعة والإطار الثانى عاطفى عفوى يمثل الشعور القومى الذى ينبض فيه إحساس مصرى وحضارى
بالأحداث  منها هو حسان بن ثابت يقول : ــ
يا جاد قد كنت لولا ما رميت به
للّه درك فى عز وفى نسب
جلّلت قومك مخزاة ومنقصة
ما إن يجلّله حى من العرب
وقد تجلّى الإحساس المصرى ( القومى ) فى معركة ذى قارالتى تبقى رمزاً لوحدة العرب وموضع إعتزازهم على مر الإجيال  ثم قام للعرب كيان سياسى أخذت تذوب فيه العصبيات تحت لواء الإسلام وكان الفرس أشد عناصر المواجهة ؛ حيث أنصب نقدهم على بعض عادات العرب ، وقد تصدّى الجاحظ فى ( البيان والتبيين ) ومنذ أقوالهم ، إلى إن جاءت الكبوة الأولى بتمزق الخلافة العباسية وتحولها إلى دويلات تحكمها عناصر أعجمية ، جعلت صوت العروبة يعلو00 منها هو المتبنى يقول : ــ
وإنما الناس بالملوك وما
تفلح عرب ملوكها عجم
وبعد سقوط بغداد فى يد التتار ، غرق الوطن العربى فى ليل طويل إنتهى بسيطرة الأتراك العثمانيين ، الذين حاولوا تتريك العرب ومحاربة لغتهم والقضاء على زعاماتهم وإدخال الغرب إلى المنطقة بعقود رسمية 000
نماذج وشواهد
فى هذه المرحلة ظهرت فكرة القومية مجدداً ، حيث تغلغلت فى وجدان الإنسان العربى وحثّته على التمرّد ، وبدأ الأدباء يهتمون بالواقع السياسى فى حدود وعيهم آنذاك 00 وبدأت تظهر كتابات تندّد بإستبداد السلطان عبد الحميد وتشير إلى عوامل الفساد والضعف حتى إنه بطش بأكثرهم وفرّ آخرون ( مثل الكواكبى وعبد المحسن الكاظمى والزهاوى ) الذى كان اجرأ الكتاب آنذاك فى تهجمه على فساد حكم السلطان عبد الحميد إذ يقول : ــ
وما هى إلاّ دولة مستبدة
تسوس بما يقضى هواها
فيا ملكاً فى ظلمه ظلّ مسرفاً
فلا الأمن موفور ولا هو يعول
وبعد سقوط حكم السلطان التركى قال فارس الخورى مبتهجاً : ــ
لقد هوى اليوم طرح الظلم وإنتقضت
أركانه وتولت أهله النقم
شادوا لك العزة القعساء
فجئت تهدم ما شادوا وما رسموا
وبدأ الشعراء يلعبون دوراً مهماً فى تعبئة الجماهير ، ففضحوا جرائم الإستعمار وناشدوا العرب بالوقوف وقفة رجل واحد لطرد الطغيان ، وقصّة دنشواى معروفة للجميع ، وهى التى نرّد بها شوقى قائلاً : ــ
نيرون قد أدركت عهد كرومر
لعرفت كيف تنفذ الأحكام
نوحى حمائم دنشواى وروّعى
شعباً بوادى النيل ليس ينام
السوط يعمل والمشانق أربع
مترصدات والجنود قيام
إنّ الزعم بأنّ العرب قد تعاونوا مع الإتحاديين فى الإنقلاب العثمانى بناء على تحريض من الإنجليز هو زعم مشبوه ؛ لأن الإنجليز دخلوا إلى المنطقة آنذاك على يدى العثمانيين أنفسهم ، ولكن الصحيح إنّ العرب تطلعوا إلى الكفاح من أجل الإستقلال ، وهذا يفسّر نشاط الجمعيات السرية ، حتى بعد سقوط العثمانيين ، ومؤتمر باريس شاهد على ذلك.
إن تصفح النتاج الأدبى منذ سقوط العثمانيين إلى يومنا هذا يؤكد أنّ الأدب القومى يعجز عن تلبية حاجات الأمة ؛ بل شارك فى معركة التحرر القومى والإجتماعى بصدقه وفنه معاً.